المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (573) 12 ذي الحجة 1434هـ – 18 أكتوبر 2013م

خطبة الجمعة (573) 12 ذي الحجة 1434هـ – 18 أكتوبر 2013م

مواضيع الخطبة :

الخطبة الاولى : البخل

الخطبة الثانية : الإرهاب هو الإرهاب – الطائفية مَحْرَقة

 

الخطبة الأولى

       الحمد لله الذي أودع قلوبَ عباده معرفتَه، وأكرمهم بإرساله لهم رُسُلَه لإبلاغهم دعوتَه، وأخذهم على طريق هدايته رحمةً منه بهم ليبلغوا الغاية، وينالوا السَّعادة، وتتمَّ لهم الكرامة، ولا تلحقهم ندامة. وجَلَّ عن الحاجة لطاعة المطيعين، أو أنْ ينالَه ضَرَرٌ من معصية العاصين، مالِكِ النفع والضرّ ولا يملك مَنْ دونه أحدٌ شيئًا.

       أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.

       عبادَ الله ما أخسر من خدعه مخادع عن طاعة الله وعبادته، وما أشدّ وأعمق وأدوم من خسارته!!

       وما أسوأ وأضلَّ من وقع في خداعٍ من خداع النفس والشيطان وأوليائه، وما أبعده عن الفلاح!! إذ لا خيرَ بيد غير الله، ولا كاشِفَ لضرٍّ سواه، ولا مأوى من أحدٍ لأحد؛ فلا مأوى إلّا إليه، ولا يجد أحدٌ سبيلًا لفرارٍ بظلم وإثم من أخذه ومملكته.

       ومن لم ينتبه اليوم ينتبه غدًا، ومن ضيَّع اليوم اليقين، غدًا لابُدَّ أن يتيقّن بأنه لا مُلْكَ إلا لله، ولا حول ولا قوة إلَّا به، وأنّه لن يزيد الظالمين ظلمُهم إلّا خسارا([1]).

       اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولوالدينا وأخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

       اللهم اجعلنا في درعك الحصينة التي مَنْ جعلته فيها وقَيته من كلّ سوء، ودرأتَ عنه كلّ شرّ، ولا تجعل لمخادعة النفس الأمَّارة بالسوء، ولا لإضلال الشيطان الرَّجيم وأوليائه الغاوين إلى قلوبنا سبيلًا، ولا لنفوسنا نفوذًا، وثبِّتنا على صراطك المستقيم يا هاديَ العُمي عن ضلالتهم يا رحمان يا رحيم.

       أما بعد فهذه مواصلة للحديث في موضوع البخل:

       ما من خُلُقٍ حسن أو خلق سيء إلا وله آثاره، وآثار كلّ خلق إفراز لطبيعته. فالخلق الحسن البنّاء آثاره من جنسه، والخلق اللئيم الهدّام آثاره من طبيعته.

       والبخل من ألأَم والخُلق ونتائجه في النفس والاجتماع، والدّنيا والآخرة أليمة وخيمة خطيرة سيئة.

       آثار البخل:

       لا تقتصر آثاره المُهلِكة على بُعْدٍ واحد وإنما هي ذات أبعاد:

  1. البخل مفقر:

لو كان المرء أغنى غنيٍّ في مجتمع ومِن كلِّ من حوله، وكان أبخل بخيل فيهم لكان أفقر فقير من بينهم في حياته، ولزمته مسكنةُ الفقر، وذلة مظهره، وما أنقذه غناه المالي من ذلك؛ إذ لا أثر من آثار الغنى لمال مكنون غلَّ يدَ صاحبه يده عن الإنفاق منه على نفسه وأهله والآخرين([2]).

عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله:“مَن كانَ الفَقرُ في قَلبِهِ، فَلا يُغنيهِ ما اُكثِرَ لَهُ فِي الدُّنيا، وإنَّما يَضُرُّ نَفسَهُ شُحُّها”([3]).

وفقير القلب الذي يحكم قلبه هاجس الفقر ولا يفارقه لعدم ثقته وتوكّله على رازقه بخيل بماله وإن بَذُخَ ما بَذُخَ ما في يده، فلا نفع له بذلك بما وُسِّع عليه في دنياه، وعظيم نعمته.

وعن الإمام علي عليه السلام:“إيّاكَ وَالشُّحَّ، فَإِنَّهُ جِلبابُ المَسكَنَةِ، وزِمامٌ يُقادُ بِهِ إلى كُلِّ دَناءَةٍ”([4]).

وعنه عليه السلام – في الحكم المنسوبة إليه –:”الشُّحُّ أضَرُّ عَلَى الإِنسانِ مِنَ الفَقرِ، لِأَنَّ الفَقيرَ إذا وَجَدَ اتَّسَعَ، وَالشَّحيحَ لا يَتَّسِعُ وإن وَجَدَ”([5]).

وبذلك يكون الشَّحيح دائم الفقر، أما الفقير فيغنى لمجرَّد أن يجد ما يُوسِّع به على نفسه وعياله.

ومن هذا كان البخيل أشدَّ بؤسًا من الفقير وأشقى.

وقد يُعذر الفقير عند ربّه سبحانه وعند النّاس، وذلك هو الحاصل عند ما لا يكون فقره بسبب تقصيره بينما لا يُعذر البخيل، ويُثاب الفقير على فقره بأعظم مما فاته إذا كان فقره لعذر، بينما يلقى البخيل عقابَ بخله.

  1. لا راحة لبخيل:

عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله:“أقَلُّ النّاسِ راحَةً البَخيلُ”([6]).

وعن الإمام الصادق عليه السلام:”خَمسٌ هُنَّ كَما أقولُ: لَيسَت لِبَخيلٍ راحَةٌ…..([7]).

ولماذا يسلُبُ البخلُ راحةَ صاحبه؟ يبدو أنَّ ذلك لأكثر من وجه فهو في حكم أشدّ الفقراء وضعًا خاصّةً إذا شمل بخلُه نفسَه وعيالَه، وهو دائم الهمّ من أجل جمع المال وحفظه، ولا ينجو من لوم اللائمين، وتشهير المشهِّرين.

وهو ضيِّق الصدر لبعض هذه الوجوه أو كلّها؛ فعن الإمام علي عليه السلام:“ضاقَ صَدرُ مَن ضاقَت يَدُهُ”([8]).

وربما رمى الحديثُ إلى معنى آخر وهو أنَّ منشأ ضيق اليد ضيق الصدر، وأنّه عليه لدليل([9]).([10])

فالصدر المنشرح بالأمل في الله سبحانه، والثقة في كرمه وحسن جزائه وسعة مُلكه وعدم نفاده يبسط اليدَ بالعطاء، ويزينها بالكرم.

  1. البخل والوقاحة:

عن الإمام علي عليه السلام – في الحِكَم المنسوبة إليه -:“السَّخِيُّ شُجاعُ القَلبِ، وَالبَخيلُ شُجاعُ الوَجهِ”([11]).

في الشُّحِّ بالمال، والتفرُّج على حاجات الناس مع القدرة على قضائها، ودفع ضراوتها عن المحتاجين خلق ذميم تُنْكِره المجتمعات، وتعيب صاحبه، والإقدام على هذا العيب المستقبح والاستمرار عليه، والمواجهة المكشوفة للمجتمع بقبحه تحتاج إلى صلافةِ وجهٍ ووقاحة([12]).

  1. ذهاب المرءوة:

البخل يتنافى مع الاعتزاز بالشرف والإحساس الغزير به في الذات، ومع رقيّ المشاعر، وعدم الرضا بمواقع الخِسَّة والهوان.

       عن الإمام علي عليه السلام:“لا مُرُوَّةَ لِبَخيلٍ”([13]).

وعن الإمام الباقر عليه السلام:“المُرُوَّةُ أن لا تَطمَعَ فَتَذِلَّ([14])، وتَسأَلَ فَتُقِلَّ([15])، ولا تَبخَلَ فَتُشتَمَ، ولا تَجهَلَ فَتُخصَمَ”([16]).

  1. تمنّي الفقر للنّاس:

عن الإمام الصادق عليه السلام:“إنَّ أحَقَّ النّاسِ بِأَن يَتَمَنّى لِلنّاسِ الغِنَى البُخَلاءُ، لِأَنَّ النّاسَ إذَا استَغنَوا كَفّوا عَن أموالِهِم([17])فَأَصبَحَ أهلُ البُخلِ يَتَمَنَّونَ فَقرَ النّاسِ… وفِي الفَقرِ الحاجَةُ إلَى البَخيلِ…”([18]).

وهذه المفارقةُ التي يعيشها البخيل بين ما يقتضيه بخلُه من تمنّي الغنى للناس وبين ما عليه حالة نفسه من تمني فقرهم حالة شاذّة تُشاهَد فيه، وربما كان ذلك لجهل منه يجعله يرى في غنى النّاس سببًا لفقره، وحرمانًا له مما يحرص على الاستحواذ به.

هذه آثار من الآثار الشخصية للبخل على البخيل والقائمة أطول من ذلك.

اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولوالدينا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

أعذنا ربنا من كلِّ سُقام، ونزهنا من خلق اللِّئام، وزينا بحلية الكرام، وارزقنا خُلُق القرآن، وأحينا خيرَ محيا، وأمتنا خير ممات، واختم لنا بخير ختام، يا رحيم يا رحمان، يا حنّان يا منّان، يا ذا الجلال والإكرام.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ}([19]).

الخطبة الثانية

       الحمد لله الذي فتح على عباده أبوابَ الهدى والنَّجاة والسَّعادة، ودلّهم عليها، ونهاهم عن كلِّ باب يقودهم إلى الضَّلال والهلكة والشَّقاء، ولم يترك للناس عُذرًا، ولم يُبقِ لهم منفذًا لحجّة، ولا يؤاخذ سبحانه أحدًا إلا بمقدار ما يسّر له من الهدى، وأقام عليه من الحجّة، ومكّنه من العلم، ولا يجزي أحدًا بأكثر مما أساء، ولا يؤاخذه بشيء من إساءة غيره وهو الغفور الرَّحيم، التوّاب الكريم.

       أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.

       عبادَ الله ما فررتم من خطر من أخطار الدُّنيا فتذكَّروا أنَّ خطر النار أكبر، وما توقَّيتم من محذور من محذوراتها فليكن توقّيكم من محذور الآخرة أشدَّ وآكد؛ فإنّه لا يعدل شيء من خطر الدّنيا خطرَ النّار، ولا أكبرُ محذور من محذوراتها محذور الآخرة؛ فأين عذابٌ زائل من عذاب مقيم؟! وأين عذابٌ تتخلّله الفُسحة من عذابٍ لا فسحة فيه، ولا فرج يعرضه؟! وأين غضبُ المخلوقين من غضب الخالق الجبّار؟! وأين ألم يلمُّ بجانب من جوانب النفس من ألم لا يترك جانبًا من جوانبها إلا وسطا عليه؟! وأين عذاب من مقدور البشر من عذابٍ لا تطاله غير قدرة الجبَّار التي لا يحدّها شيء؟!

       عبادَ الله ومن راقت له لذةٌ من لذَّات الدُّنيا فليتذكر أنْ لا لذّة فيها مثل أدنى لذة في الآخرة، ولا نعيم هنا يعدل نعيمها، ولا سعادة لأحد فيها كالسّعادة التّامة التي وعد الله المتقين في تلك الدار. فاطلبوا الآخرة أكثر مما تطلبون الدنيا، واحرصوا عليها أشدَّ مما تحرصون على الدار الفانية، وافرحوا لخيرها الفرحَ كلّه، واحزنوا لما يُبعّد من النجاة فيها الحزنَ أشدّه.

       هدانا الله بهداه، ووفّقنا لمرضاته، وأخذ بنا إلى الرشد وعدل بنا عن النيةِ والحيرة والضلال.

       ربّنا اهدنا للتي هي أقوم، واسلك بنا أقرب الطرق إليك، وأوصلها إلى رضوانك.

       اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين الصَّادق الأمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصدّيقة الطّاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأنوارك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.

اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القُدُس ياربّ العالمين.

عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصرًا عزيزًا مبينًا ثابتًا دائمًا قائمًا.

       أما بعد أيّها الأحبّة في الله فإلى حديث في أكثر من محور ووقفة:

  1. الإرهاب هو الإرهاب:

       الإرهاب هو الإرهاب جاء من شعب أو حكومة، وجاء من جماعة دينية أو غير دينية… الإرهاب الظالم واحد، وطريق مظلم، ومسلك هدّام، ومناقِضٌ للدّين، ومقوِّض للأمن العالمي، والقِيَم الإنسانية، ويشلّ حركة الحياة، وينشر الفوضى، ويزعزع بنية المجتمعات، وينحرف بجهود المجتمع البشري من فكرية وعملية إلى العدوان ومجابهته والردّ عليه بعدوان مثله بل يزيد عليه أضعافًا وأضعافًا. وما انتشر هذا التوجّه([20]) المدمّر وتربّى عليه جيل واحد إلا حطّم الحضارات والحياة.

       ولا يخرج الإرهاب الظالم المظلم عن هويته الساقطة وخسّته وبهيميته أن تتبناه حكومة من الحكومات وتحت أيِّ ذريعة من الذرائع فضلًا عن أن يكون وسيلتها المفضَّلة أو التي ترى فيها ملجأها الأخير في الاستمرار في حكمها الغاشم، وسلطتها المطلقة، وأَثَرَتِها الطاغية، وتماديها في الاستبداد.

       ولا يُغيِّر من طبيعة هذا الإرهاب، ولا يُخفِّف من لونه القاتم القبيح، ووطأته الثقيلة على الحياة، وتناقضه مع قيم الدّين الحق وأحكامه السويّة العادلة أن تدعمه التشريعات والقوانين الوضعية الكيفية المكثَّفة والمتّحدة معه روحًا وهدفًا ومنطلقًا([21])، والفاقدة لأيّ خلفية إلا ما تهدف إليه من تبرير الظلم والطغيان، والتنكيل بالمطالبين بالحقِّ والحرية.

       وهذا ما نجده من استمرار في تدفُّق القوانين الجائرة في بلدنا دعمًا للإرهاب الرسمي، وعنفه المتصاعد.

       وواضح أن ليس في مقدور أيّ قانون أن يُحوِّل الظلم عدلًا بمجرد أن يُشرِّع للظلم، والشر خيرًا بمجرد الاعتبار، والإفساد إصلاحًا بمجرد دعواه ذلك.

       ولماذا المزيد من التشدُّد والتصعيد؟

       لأن المطالب بحق الشعب أن تكون له إرادة في حكمه، ورأي محترم في تقرير مصيره، وكلمة معتبرة في إدارة الشَّأن العام المتعلّق به ظالم جائر متجاوز لحقِّه، خارج عن حدِّه؟! الإجابة بنعم على هذا السؤال لا تجري على لسان منصف عاقل يعي ما يقول، ويُقدِّر ما يقول.

       أو هل لأنَّ التشدُّد سَيرْدَع المطالبين بالحقوق عن مطالبتهم ويُخرسهم إلى الأخير، أو لزمن غير قريب؟! تجربة الحراك التي امتدَّت لسنتين وما زاد على ثمانية أشهر، وقد أثبتت بما فيه الكفاية استحالة أن يكون ذلك برغم شدّة القمع، ومرّ المعاناة، وفظاعة الخسائر ونشر الرُّعب والأحكام القضائية القاسية التي طالت ألوف المواطنين، وتوديع العدد الكبير من الشُّهداء في سبيل إقامة الحقّ، واستقامة الأمور، وتصحيح المسار الذي يُعاني من انحرافٍ هائل عن الصَّواب حسب موازين الحقّ والعدل وكرامة الإنسان وقيمة المواطن ومصلحة الوطن… المسارِ الذي يُصادم الدّين، ويعيش حالة انفلات عن أحكامه وقِيَمِه.

       أو هل لأنَّ طول المدى وتعطيل الحل العادل لأكبر مدّة ممكنة سيُلقي باليأس في قلوب المواطنين ويجعلهم يتراجعون مختارين تحت تأثيره؟

       احتمال ساقط فهذا شعب مؤمن مؤمِّل في الله سبحانه مما يُنقذه من حالة اليأس والإحباط، ويمدُّه بالطمأنينة لنتيجة جهاده في سبيل الحقّ.

       أو هل ينطلق تشدُّد السلطة وتوجيه الضربات الموجعة للشعب المعارض من انتظار تغيُّر في الظروف المحيطة والمعادلات السياسية المؤثِّرة بما يكون في صالح بقاء الأوضاع الظالمة على ما هي من واقع بلا تغيير؟ الشعب هنا لا يربط مصير حراكه بأيِّ نوع من الظروف والمعادلات السياسية في المنطقة أو في العالم إيجابية كانت أو سلبية وهو آخذ على نفسه أن يستمرَّ في حراكه العادل المسالم مهما  كان من أمر هذه الظروف والمعادلات([22]).

       وإذا كان لهذا التشدُّد من أثر فهو مزيد من إيمان الشعب بضرورة الإصلاح، والاستقامة على طريق المطالبة به من غير توقُّف ولا هوادة.

       والكلُّ يدرك أنَّ المأزق الذي يعيشه الوطن ليس مأزق شعبٍ دون حكومة، ولا فئة دون أخرى، وأنَّ الحلَّ ليس حاجة طرف واحد دون طرف، وتعطيل الحلّ العادل ليبقى المشكل على ضراوته، وليزداد ضراوة إضرارٌ بالوطن كله وبكلِّ مكوّناته، وبثروته وإنسانه، وحاضره ومستقبله.

       ومن يُعطِّل الحل يتحمّل تبعة هذا كلِّه، ويضرُّ بنفسه قبل أن يضرّ بغيره.

       وليس على أرض الواقع في هذا الصِّراع قوي على الإطلاق، وضعيف على الإطلاق؛ فلكلِّ طرف فيه نصيبٌ من قوّة، ونصيب من ضعف، ولا مجال لإنكار ذلك، وما إنكاره إلّا مكابرة.

  1. الطائفية مَحْرَقة:

       الطائفية في عالمنا الإسلامي محرَقة للأمَّة، وقاضية على الدّين، ومُقوِّضة للأمن، وعاصفة بالاستقرار، وآتية على حُلُم الوحدة.

       وتمتدُّ الطائفية داخل هذه الأمة بأثرها السلبيّ إلى الأمن الاقتصادي العالمي لما للأرض الإسلامية من تغذيةِ العالم بأكبر سبب من أسباب الطاقة المتوفِّرة في الأرض والمنتَجة فعلًا. وأثرها بالضَّار في ذلك واسع ومفزِع.

       وأُمّتنا لا تعيش عزلة عن العالم، وعلاقاتها متشابكة مع بقية أجزائه ودُوله سياسيًّا وأمنيًّا والاضطراب الهائل والفوضى العارمة في إطار هذه الأمَّة لا يقف عند حدودها ولا بد أن يمتدَّ بآثاره المحطّمة إلى الشعوب والأمم الأخرى.

       ومن ناحية دينية إسلامية عامّة فإنَّ كل أنواع الظلم من المنكرات الكبرى التي يَرْفِضُها الدّين الحقّ، ويُشدِّد العقوبة عليها، وليس له أيُّ تسامح بشأنها.

       والفتنة الطائفية والتسبُّب فيها، وإشعالها، وتغذيتُها وبمالَها من آثار تخريبية خطيرة مرّت صورة منها ظلمٌ واضح للدين والأمة والإنسانية فهي محرَّمة قطعًا، ولا مجال في الإسلام للقول بإباحتها، والقائل بذلك مفترٍ كذّاب على الإسلام، أو لا فِقْهَ له به على الإطلاق.

       والمذهبُ الجعفري موقفه واضح كلَّ الوضوح من هذا الأمر وهو في وضوحه لا يقبل الشُّبُهة أبدًا، ومدرسة أهل البيت عليهم السلام شديدة الحرص والتأكيد على وحدة الأمة والحفاظ عليها عن التصدُّع، وقد عانى أئمة الهدى من آل محمد صلَّى الله عليه وآله أقسى أنواع الظلم والإقصاء والمطاردة ولم يُضحّوا يومًا من الأيام تحت هذا الضغط الهائل بوحدة الأمة، ولم يطلبوا الخلاص من كلِّ ذلك بما فيه انهدامُ وحدتها، وانمِحَاق وجودها والإضرار بالدّين ومسُّ شيء من أحكامه فضلًا عن أُسسه وركائزه.

       ولغة السبّ والشتم والكلمات السَّاقطة البذيئة للرّموز والمقدسات عند هذا الطرف أو ذلك الطرف من طوائف المسلمين من أقوى أسباب الفتنة الطائفية، وعوامل إشعالها، ولغة أهل الإيمان لا تأتي بذيئة ولا فاحشة ولا مستهتِرة ولا متعدّيةً ولا ساقطة ولا متهوِّرة، ولا يأتي من مؤمن ما يدعو لتفجير الأوضاع بين المسلمين وإدخالهم في فتنة عمياء طاغية مهلكة([23]).

       ومن هذا كله تأتي الإدانة الصريحة، والشجب القوي، والإنكار الشّديد على ما حدث في الأعظمية من بغداد من جماعة باسم الشيعة مما يدخل في هذا الباب والشيعة منه بُرآء، ومذهب أهل البيت عليهم السلام يستنكره أشدَّ الاستنكار ويبرأ منه كلَّ البراءة.

       وما أقسى فتاوى التكفير التي ملأت الساحة الإسلاميَّة على وجود الأمة ووحدتها وأمنها وهُداها وسلامة الدّين، وما أشدَّ عداوتها له، وأبعدها عن فكره ومصلحته([24]).

       وفتاوى التكفير هذه لا منطلق لها إلا الكيد الأسود بالإسلام، أو الجهل الفاحش بمقوِّماته وأحكامه.

       وإذا ترك علماء الإسلام من كل المذاهب أو من أحدها لهذه الفتاوى أن تمتدَّ وتتسع وتتسرب إلى عقول الأجيال وتحكم نفوسها فعلى الإسلام والأمة الإسلامية السلام، والعلماء شركاء كبارٌ بصمتهم في هذه الجريمة لو سكتوا.

       اللهم صل وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، ولوالدينا وأرحامنا وقراباتنا ومن يعنينا أمره يا غفّار يا رحمن يا رحيم، يا توّاب يا أكرم الأكرمين.

       اللهم لا تجعلنا ممن يخذُل الحق،ّ ويتخلّف عن نصرة المظلوم، ونُصْح الأمة، والسعي في خيرها، والوقوف مع الدين، ومحاربة الضلال.

       واجعل جهادنا فيك، وقصدنا إليك، وسعينا في سبيلك، ومبتغانا رِضاك وتجاوز عنا واقبلنا يا كريم يا رحمان يا رحيم.

       اللهم ارحم شهداءنا وموتانا، واشف جرحانا ومرضانا، وفكَّ أسرانا وسجناءنا،، ورد غرباءنا سالمين غانمين في عزّ وكرامة ونصر.

{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}([25]).

 

[1]– كل هذا ينكشف غدًا، وهو يوم كلٌّ منّا لاقيه.

[2]– لو غلّ صاحبه هذا المال قد يغلّ يد صاحبه عن الإنفاق عليه من جهة حبّه له وولعه به.

[3]موسوعة معارف الكتاب والسنة ج7 ص159 ط1.

[4]المصدر السابق.

البخل يشبه المقود وبيد خسيسةٍ الذي يقود صاحبه إلى كلّ دناءة.

[5]شرح نهج البلاغة ج20 ص335.

[6]بحار الأنوار ج70 ص300 ط3 المصححة.

[7]الخصال للشيخ الصدوق ص271.

[8]موسوعة معارف الكتاب والسنة ج7 ص161 ط1.

[9]– يعني ما شحّت يدٌ إلا لمرض في الصدر والقلب.

[10]– وربما كان قصد الحديث بيان أثر من آثار الفقر وتسبيبه لهم الصدر وضيقه عادة.

[11]شرح نهج البلاغة ج20 ص290.

[12]– هذا يذمُّ، وذاك يُشهِّر، وآخر يواجه بالكلمة القاسية، والبخيل يعرف أن منشأ ذلك هو بخله وخطؤه ثم يصرّ كل الإصرار على هذا البخل. هذا يحتاج إلى صلافة وجهٍ ووقاحة.

[13] موسوعة معارف الكتاب والسنة ج7 ص162 ط1.

[14]– هذا الطمع يُسبّب الذل للإنسان، يرمي به في أحضان الخِسّة والهوان.

[15]– لما تطرح أسئلة حاول أن تقتصر على الحد الأدنى المجزي، ومن دفعته الحاجة إلى السؤال فلا يتزيَّد في ما يسأل.

[16] تحف العقول ص293 ط2.

[17]– يعني كفوا عن أموال البخلاء، ولم يطلبوا منها شيئا. وهذا لابد أن يكون دافعا للبخلاء بأن يتمنوا غنى الآخرين حتى يُكفوا سؤالهم. هذا هو الطبيعي.

[18]من لا يحضره الفقيه ج4 ص401 ط2.

[19]– سورة الكوثر.

[20]– التوجّه الإرهابي.

[21]– أُرهِب وأُقنِّن لما يُشرّع هذا الإرهاب. هل يغير هذا الأمر من الإرهاب شيئًا، ويقلبه شيئًا غير الإرهاب؟ طبعًا لا.

[22]– هتاف جموع المصلين (هيهات منا الذلة).

[23]– هتاف جموع المصلين (وحدة وحدة إسلامية).

[24]– وهذه الفتاوى وراء كل فتنة عمياء في الأمّة، ووراء هذه الانفلاتات الخطيرة.

[25]– 90/ النحل.