المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (564) 10 شهر رمضان 1434هـ – 19 يوليو 2013م

خطبة الجمعة (564) 10 شهر رمضان 1434هـ – 19 يوليو 2013م

IMG_9393

 

 

مواضيع الخطبة :

الخطبة الاولى : مع أوصاف من أوصاف القرآن

الخطبة الثانية : المعارضة ومواقف ثلاثة 

 

الخطبة الأولى

       الحمد لله الذي لا سبيلَ لأحدٍ لخيرٍ إلا سبيلُ رحمته، ولا استمساك بشيء فيه غنى لأحد من فقر، أو نجاة من ضرّ إلا الاستمساك بقدرته وكرمه، ولا مأوى لأحد من خوف أو فزع إلّا مأوى وقايتِه وحمايتِه، ولا هداية للحقّ إلّا من هدايته، ولا نيلَ لمبتغى إلّا بإذنه إذ كلُّ شيء مملوك له، ولا شريكَ له في ملكه، ولا منازِعَ له في سلطانه، ولا مُضادّ له في أمره.

       أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.

       عباد الله وُجِدْنا بعد أن لم نكن على شيء من الوجود، وحَيينا بعد أن لم تكن لنا حياة، وما نحن بمن يُمسك بوجودنا، وما نحن بمن يحتفظ بحياتنا.

       من أوجدنا ابتداءً هو الذي يبقي لنا الوجود، ومن أحيانا لأوّل مرة هو الذي يُعطينا استمرار الحياة، وما نحن في ذلك إلّا مملوكون ومُسيَّرون. وحياتنا هنا إلى حين، ومُدتنا إلى أجل. فحقَّ علينا أن نخضع مريدين للخالق المالك، مستجيبين لما أمر، منزجرين عمّا زجر، راغبين في ما رغَّب، زاهدين في ما زهَّد، خائفين مما خوَّف، فارّين مما توعَّد، طامعين في ما أطمع، ساعين كلَّ السّعي لما وعد، حامدين له، شاكرين، متّقين، ضارعين.

       اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

       اللهم طهِّر قلوبنا من كلّ ما يشوب توحيدها لك، ويُخالط خوفها منك، ويُعكّر رجاءها فيك، ويسلبها شيئًا من حبّك، ويُنسيها ذرّةً من ذكرك، ويُلهيها آنًا يسيرًا عن التعلّق بك، أو يفقدها القليل من لذيذ مناجاتك يا كريم يا رحمان يا رحيم.

       أما بعد أيها الأعزاء من المؤمنين والمؤمنات فإلى هذا العنوان:

       مع أوصاف من أوصاف القرآن([1]):

       {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ}([2]).

       قرآنٌ مُحكم البناء لا خلل فيه، كلّه صواب وحكمة، بعيد كلُّ البعد عن العبث، منزّه كلّ التنزّه عن الفضول، لا لغو فيه، لا تهافت يعتريه، لا مساسَ لجهلٍ به، لا خفاء لحقيقة يُلقي بظلاله عليه.

       كونُه من الحكيم العليم يُعطيه كلّ ذلك، ولا يجعل لكتابٍ آخر من غيره سبحانه يجاريه في مستواه، أو يلحقه في شيء مما له إلّا بأن يأخذ منه، ويعود إلى المصدر الذي يصير إليه.

       إنّه الذكر الحكيم لأنه من العليم الحكيم {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ}([3]).

       وللبشرية في حياتها على الأرض مشاكل وأزماتٌ وحروبٌ وتصدّعات، وتعترض مسيرتها عواصف، وتواجَه بنكبات.

       والقرآن الكريم كتاب رحمة وفيه شفاء للبشرية من أدوائها، وإنقاذ لها من أزماتها، ووضع لها في المسار الآمن الصحيح الموصل لأسمى الغايات، وأربح المقاصد.

       وذلك بشرط الإيمان به، والأخذ بمنهجه، والتسليم لقيادته، وعدم خلطه بهوًى من هوى الأرض، وسفهٍ من سفه النفوس. {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً}([4]).

       المؤمنون الكتابُ لهم شفاء ورحمة، أما الظالمون لأنفسهم المشركون بالله المكذِّبون للكتاب مع ساطع بُرهانه فيُدخلهم تكذيبهم ومضادّتهم له في معاندةٍ ومكابرة ومحاربة له، ولأهل الإيمان به مما يزيد عتوَّهم عتوًّا، وطغيانهم طغيانًا، وضلالهم ضلالًا، وإثمهم إثمًا، وبهذا لا يزيدهم الكتاب الهادي المنقذ إلا خسارًا؟

       وإنه ليعزّ على الشيطان أن يتلو الناس الكتاب، وأن يتلقّوا من فهمه فهمًا، ومن علمه علمًا، ومن رشده رشدًا، ومن هداه ومعرفته هدى ومعرفة، وأن يُقيموا حياتهم في ضوئه، ويقتفوا أثره، ويتخلّقوا بأخلاقه. إنه([5]) ليجهد ويجتهد ما أمكنه أن يحول بين الإنسان وبين أن يُقبِل بقلبه على القرآن، وينشدّ إليه، ويتأدّب بشيءٍ من أدبه ولذلك يحضر بوسوسته له وخداعه عند كلِّ محاولة اقترابٍ من الإنسان إلى كتاب الله، وإقبالٍ منه إليه، والاستفادة به. ومن هنا جاء قوله تعالى {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}([6]).

       والشيطان له جند من الإنس والجنّ، وكل جند الشيطان محاولتهم شديدة ولا تنقطع للفصل ما بين الإنسان وهدايات القرآن، والإقبال عليه، والتفكر فيه، والاستنارة بآياته، وللأخذ بالأمّة بعيدًا عن منهجه، وإقامة حياتها في ضوئه، والتسليم لقيادته. وكلُّ طواغيت الأرض، وقادتها المادّيين من جند الشيطان، وكلهم لا يألون جهدًا لفصل أمّة القرآن عن فهمه ووعيه وثقافته وأحكامه وآدابه ومنهجه، ولقطع كلّ صلة به، وإذا اضطروا إلى التشجيع على تلاوته وتجويده وإنشاء مراكز لتحفيظه صبّوا جهودًا مضاعفة لتحريف معناه، وتشويه مضامينه([7]).

       كلُّ ذلك إدراكًا منهم لكون فهمه والأخذ به كفيلٌ بنهضة هذه الأمة، وتبوئها موقع الريادة لكلّ الأمم، ولأن انتشار ثقافته في العالم، وفَهْم الأمم والشعوب له الفهم الصحيح لا يُبقي دولةً الكفر، ولا موقعًا لأيٍّ من طواغيت الأرض وفراعنتها.

       وللقرآن حقٌّ على من تُتلى عليه آياته {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}([8]).

       استماع وإنصات وإصغاء تأدُّبًا، وتدبّرًا وتأمّلًا واستجابة وتسليمًا وانقيادًا؛ إذ لا تردُّد من عقل نابه، ولا روح طاهرة، ولا نفس يقظة سليمة أمام كلامٍ من كلام الله، وأمر من أوامره، ونهي من نواهيه، وتوجيه لعباده، ونصح لهم، وحقيقة يوصلها إليهم.

       إنه القرآن الذي لا يقود التدبر فيه إلى إلّا مزيد من اكتشاف عظمته، ووجوه إعجازه، وشديد تماسُكه، ومتانة بنائه، وتلاقي معانيه ومضامينه، وإلى مزيدٍ من العلم والرُّشد والبصيرة والهداية، والاستقامة على الصِّراط، لاكتمال الذات، ونيل الغاية([9]).

       {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً }([10]).

       ولقد اختارت الحكمة الإلهية شهر رمضان وليلة القدر منه مناسبة زمانية لإنزال القرآن العظيم فكان ذلك دليلًا على سموِّ الشهر، وعظمة الليلة، وعلوِّ ما لها عند الله عزَّ وجلَّ من قدر {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ…}([11])، { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ، تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ  فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ، سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}([12])، {وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}([13]).

       والآية تُصرِّح بأنَّ الليلة التي أُنزل فيها الكتاب المبين هي ليلة مباركة. وعلى هذا يكون القرآن العظيم قد أنزله الله سبحانه في الليلة العظيمة تناسبًا بين المنزَلِ وزمن النزول عظمةَ شأنٍ، وبركةٍ، ومُقام.

       وقد خُصَّت فريضة الصوم بهذا الشهر تعظيمًا له وللفريضة وتناسُبًا في الشأن العظيم.

       {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ…}.

       ولعظيم شأن هذه الفريضة، وأثرها البالغ في تطهير الإنسان، وتكميله، وإنقاذه من الآثام، فإنّه وإن جُعِلت فدية طعام مسكين بدلًا عن صوم اليوم من أيامه لمن شقَّ عليه صومه لهرمه إلّا أنه فُضِّل له أن يصومه لما في ذلك من خير جدير ألا يفوَّت ما أمكن وإن كان بارتكاب المعاناة {… وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}([14]).

       نحن في شهرٍ اقترنت فيه عظمة الشهر، وعظمة الكتاب الكريم، وعظمة فريضة الصوم التي لا يَحِلُّ التفريط فيها. وكل ذلك يحمّلنا مسؤولية خاصّة مشدَّدة في رعاية الحقّ لكلّ هذه الأمور الجليلة، والارتفاع بالنفس إلى الأفق البعيد الذي تأخذنا إليه هذه الأمور، والاستفادة من كلّ هذه البركات المضاعفة.

       اللهم صل وسلّم وزد وبارك على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. اغفر لنا ربّنا ولوالدينا وأرحامنا وقراباتنا وأزواجنا وأصدقائنا ومن علمنا علمًا نافعًا في دين أو دنيا من مؤمن ومؤمنة، ولكل المؤمنين والمؤمنات.

       اللهم اجعلنا من أربح أوليائك من زاد التقوى ما أحييتنا، ومن أكثر المنتفعين ببركات هذا الشهر الكريم، ومن أقرب المتقرّبين إليك في لياليه وأيامه، وممن كتبتَ لهم التوفيق لإصابة ليلة القدر، وصادقِ طاعتك، وخالص عبادتك فيها، وشرحت صدورهم، ونوّرت عقولهم، وزكّيتَ قلوبهم، ونقيت أرواحهم بكتابك الكريم.

       اللهم ما أبقيت لنا من عمر فاجعله عامرًا بذكرك، وحمدك وشكرك، والسعي التوحيدي إليك يا حنان، يا منّان، يا رحمان، يا رحيم، يا كريم.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ}([15]).

الخطبة الثانية

       الحمد لله الذي لم يتّخذ صاحبةً ولا ولدًا، ولم يكن له شريك، ولا يجوز له عديل، ولا يمكن أن يكون له نظير، ولا سلطان مع سلطانه، ولا ينقض أحدٌ أمانَه، ولا يُؤمن منه شيء، ولا يُجير من أخذه مجير، فليس لمن أراده بسوء نصير، وهو العلي القدير.

       أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.

       عبادَ الله يا من تطلبون عفوه، وترجون مغفرتَه، وتتطلّعون إلى إحسانه فلتتوسّلوا إلى ذلك بصدق التوبة، والإقلاع عن المعصية، والتزام الطاعة، والأخذ بالعفو عن المسيء، وقبول عذر المعتذر، والتجاوز عن تقصير المقصّر وخطأ المخطئ، وإشاعة الإحسان، وفعل الجميل، وقضاء حاجة المحتاج.

       وما المستغفر من الذنب المقيم عليه إلا هازئ بنفسه، وما طالب العفو من الله سبحانه وهو لا يتسامح مع خطأ من أحد من أهل طاعته إلا مقيم للحجّة عليها، سالك غير الطريق إلى رحمة ربّه([16]).

       لا يكون طلب عفو الله ومرضاته إلا بتقواه وطاعته، والتخلّق بأخلاق دينه، والاستنان بسنّته.

       اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله وآله الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين.

       ربَّنا اجعلنا من أهل الصِّدق في طلب مغفرتك، واسلك بنا السبيل إلى رضوانك، ولا تحرمنا إحسانك وتفضّلَك وامتنانَك، واجعل لنا قدم صدق ثابتًا في الإيمان، وجهادًا دائمًا في سبيلك، ولا تستبدل عنا يا كريم يا رؤوف يا رحمان، يا رحيم.

       اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين الصادق الأمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله الصِّدّيقة الطّاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأمنائك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.

اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القُدُس ياربّ العالمين.

عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصرًا عزيزًا مبينًا ثابتًا دائمًا مقيمًا.

       أما بعد أيها الأحبة في الله فإلى حديث تحت العنوان:

       المعارضة ومواقف ثلاثة:

       فرضك لوجود معارضة لأيّ وضع سياسي يشكو منه شعب أو أمّة هو فرض لواحدة أو أكثر من صور المعارضة، وهي المعارضة القلبيَّة الصامتة التي لا تعبير عنها في الخارج، والمعارضة الناطقة السلميَّة، والمعارضة الناطقة والمعتمدة على العنف.

       عن المعارضة المعتمدة على العنف لسنا معها في شيء، ونحن نستنكرها ونُدينها ونُضادّها، ودعوتنا متكرّرة لاجتنابها والابتعاد عنها.

       والحراك الشعبي هنا في البحرين في طابعه العام، وواقعه الإجماليّ لم يقع اختياره على هذا الضرب من المعارضة في يومٍ من الأيام، و مُراد له أن ينأى بنفسه بعيدًا عن العنف والإرهاب، وهو ثابت على خيار السلمية، وندعوه بقوة إلى الثبات على هذا الخيار، وعدم العدول عنه، والصبر عليه رغم مرارة التعدّي عليه في ممارسة هذا الحقّ المعترف به دينيًّا ودستوريًّا وحسب الميثاق، والعرف الأممي، ومواضعات الدول من غير أن يُسبّب هذا الضغط الثقيل أن يُفكِّر في أيّ بديلٍ من عنف أو إرهاب.

       وبقيَت صورتان للمعارضة؛ المعارضة القلبية الصامتة المكبوتة، والمعارضة الناطقة السلمية المتشرِّعة والمتحضّرة.

       الأولى لا تعني معارضة وإنّما تعني امتعاضًا نفسيًا داخليًا من وضعٍ منحرف، وألمًا يعيشه الأشخاص من تأثير هذا الوضع، ويعانون من أزماته. وإطلاق عنوان المعارضة عليه من باب التجوّز فحسب وليس على نحو الحقيقة.

       ولا أَثَر لهذا اللون من المعارضة([17]) إلّا ما يكون من حماية النفس من الإسهام الفعلي والمشاركة الإيجابية في الظلم ممارسة وانتشارًا.

       ونأتي للمعارضة الناطقة السلمية وهي معارضة يُقرّها الدين، وكلّ دستور فيه عدل، وكلّ ميثاق فيه احترام لحقوق الشعوب، وأعراف الأمم، ومواثيق الدّول، وهي محلّ اعتراف من السياسة المحلية القائم على المستوى النظري([18]) بغضّ النظر عمّا تواجَه به من قمع من ناحية عملية.

       وعليه فممارسة هذه الصورة من المعارضة ممارسة لحقٍّ سياسيّ مسلَّم به على كل المستويات، وحسب المرجعيات كلِّها.

       وهذا النوع من المعارضة لابدّ منه لمن عانى من أوضاعٍ فاسدة، ودفعته الضرورة لطلب إصلاحها.

       ولا أولى من المألوم في إعلان ألمه، ومن المظلوم في الجهر بظلامته، وطلب الخلاص من بلائه.

       وليس من بعد التخلّي عن هذه الصورة من المعارضة إلا الاستسلامُ لوضعية الظلم والفساد، والقبولُ بكلِّ أنواع الذل، وبفقد الحقوق([19]).

       وتقدير([20]) الشعوب المضطهدة([21]) أنها إذا لم تأخذ بإعلان ظلامتها والتحرُّك السلمي في إصلاح الوضع والخروج من المأزق الذي يُسبّبه لها الظلم فهي تفتح الضوء الأخضر له حتّى يبلغ مداه، وأقصى غاية له([22])، وفي ذلك كارثة الكل دينًا ودنيا، وسقوط الأوطان، ودمار الشعوب والأمم([23]).

       ولا يمكن لإنسان مسلم يرى في الإسلام مرجعيته ولا لصاحب ضمير حيّ يسمع لنداء ضميره، أو حسٍّ وطني يتخذ مواقفه في ضوئه، أو أي إنسان على حالة من الاستواء أن يختار لشعب أو أمة أن تسكت على زحف الظلم حتى يأتي على آخرها، ويابسها ورطبها.

       ومن منطلق مشروعية المعارضة السلمية للفساد والانحراف عن خط العدل الذي يقع فيه الكثير من السلطات، وكونها حقًّا سياسيًّا([24]) مسلّمًا عند الجميع، ومن منطلق ضرورة الإصلاح، والضرر البالغ في الإعراض عنه، وفي تأخيره فنحن مع هذه المعارضة واستمرارها بشرط التقيُّد بسلميّتها، ومع المطلب الإصلاحي الحق، والمرتبة المنقِذة للوطن من الإصلاح، والمنسجمة في واقعها مع حقّ الشعب ومستواه([25])، وما تلقّاه من قسوة وغلظة ونكالٍ في عذاباته.

       ونحن في الموقف المجانب بكلِّ وضوح وصدق وصراحة لأساليب العنف والإرهاب كان هناك تهويل من السلطة أو لم يكن، وُجِد افتعال في أخبار الإرهاب أم لم يوجد.

       دعوتنا لكلِّ الشعب الكريم أن يتجنّب العنف والإرهاب([26])، وأن يلتزم أسلوب السلمية كما كان.

       نحن ندين إرهاب السلطة وأساليب العنف التي كثيرًا ما مارستها ولا زالت تُمارسها بألوان ومستويات متعددة قد فرغت جهات معنية من توثيقها ومنها لجنة تقصي الحقائق المشكّلة من قِبل السلطة([27])، وندين أي أسلوب وأي مستوى من مستويات العنف والإرهاب لو صدر من أي جهة من الجهات الشعبية وأي فرد من أي أفراد الشعب من كل الانتماءات والتوجهات من موالاة ومعارضة على حدٍّ سواء.

       وهذا لا يعني أبدًا أننا نُوقِّع على صحة الرواية الحكومية المتكررة عن حوادث العنف والإرهاب بعد تكرُّر انكشاف بطلان الكثير منها، وبعد توقيتاتها المختارة بعناية سياسية ملحوظة متميّزة، ([28]) وفي ظل ما يقرأه المرء من قلب الحقائق مما يتعلق به نفسه([29]). ومع إدانتنا لكل الظلم والعدوان وأساليب العنف والإرهاب من أيّ طرف كان فإننا ندين كذلك ملاحقة التحرُّك السلمي المطالب بالحقوق والإصلاح، والتضييقَ عليه ومعاقبةَ المشاركين فيه، واستعمالَ كل الأساليب القمعية في إسكاته وإخماده. فتلك جريمة من جرائم السياسات الظالمة، والحكومات المتسلِّطة على الشعوب بقوّة الحديد والنّار.

       ومما يتوجّب شجبه من كلِّ المنصفين وأصحاب الضمير الحيّ، والحسّ الوطني، والمنادين بالحقوق هذا التهديد والوعيد بالمحاكمة، والسجن، والعقوبة الصارمة، والطرد من الوطن، والتخويف بلغة الحديد والنّار والقوة الباطشة عند إطلاق أيّ كلمة حرّة، أو رأي يُعبّر عن إرادة الإصلاح، والمطالبة بالحقوق، وأيّ صوت يَذكُر حقَّ الاحتجاج والتظاهر السلمي البعيد عن العنف.

       وهذا ما عليه السلطة ووسائل إعلامها، وإلّا فبأي شيء يستحق سماحة الشيخ علي سلمان وأمثاله حملة بعد أخرى من حملات التهديد والوعيد المكثّف، وهم الذين ما دعوا لمسيرة، أو اعتصام أو أكّدوا على حقّ الاحتجاج والتعبير عن الرأي السياسي إلّا وشدّدوا على الالتزام بالسلمية([30])، ونبذ العنف، والحفاظ على سلامة النفوس والممتلكات، ورعاية مصلحة الوحدة الوطنية، ومصلحة الوطن وعموم المواطنين؟!([31])

       لو كان المتّبع هو الحق، وكانت القوانين عادلة ومطبّقة، ومنظورٌ للمواطنين كلِّهم بنظرة واحدة محترمة، وبعين المساواة أمام القانون لما كان شيء من هذه الحملات الشرسة، والإرهاب الإعلامي ضد هذه الأصوات المنادية باستعمال الحق السياسي في تعبير سلمي متشرّع متحضِّر منضبط بعيد عن كل حالات العنف والانفلات، ولأسكتت السلطةُ كلّ الأصوات المؤلِّبة على أصحاب هذا المستوى من الحرص على مصلحة الوطن والمواطنين، ولكانت العقوبةُ القانونية لمن يستهدفهم بالتحريض والرشق الظالم الحرام بألوان من التهم الباطلة والافتراء المستمر.

       ختامًا نحن ندين أي تفجير يحصل فعلًا، ومن أي جهة، ولأي غرض، وندين ما دون التفجير بمراتب، وندين كل صور الإرهاب والعنف من ممارسة السلطة أو أيّ جهة أو فرد من جهات الشعب وفئاته موالاة كانت أو معارضة. ونعتبر أن الاستكبار على الإصلاح، وأنَّ تأخيره كذلك جريمة في حق الدين والوطن وكل المواطنين، وكلّ الوضع([32]).

       ولي طلب من كلّ من قرأ أو سيقرأ كلام جريدة من الجرائد المحلية في عددها الصادر أمس في نسبته لي الدعوة إلى العنف والإرهاب في خطابي ليلة الخميس في سار في الحفل المقام لتكريم عوائل الشهداء أن يقف بنفسه على ما قلته في ذلك الخطاب وما قالته الصحافة ليتبينَ الصدقَ من الكذب، والحقَّ من الباطل، ومن هو الحريص على أمن الجميع، والداعي إلى السِّلم ممن هو على خلاف ذلك، ولا أطلب من أحدٍ المزيد([33]).

       اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب عليك إنك أنت التوب الرحيم.

       اللهم احملنا على عفوك، ولا تعاملنا بعدلك، وانظر إلينا بعين عطفك وإحسانك، ولا تُغلق عنا أبواب نصرك، واجعل لنا من درعك الحصينة وحمايتك ووقايتك ما يحول بيننا وبين كلِّ سوء ومكروه برحمتك يا أرحم الراحمين.

       اللهم ارحم شهداءنا وموتانا، واشف جرحانا ومرضانا، وفك أسرنا وسجناءنا، ورد غرباءنا سالمين غانمين في عزٍّ وأمنٍ وكرامة.

{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}([34]).

 

[1]– وهو تتمّة لحديث سبق.

[2]– 6/ النمل.

[3]– 58/ آل عمران.

[4]– 82/ الإسراء.

[5]– أي الشيطان.

[6]98/ النحل.

الشيطان هنا حاضر مترصد متوثب.

[7]- واتّخذوا من مشاريع التلاوة والتحفيظ للكتاب العزيز وسيلة خداع للشعوب، وستارًا على تلك الجرائم، ووسيلة لتمريرها من ناحية كسب الثقة من الجماهير العاديّة بإخلاصهم للقرآن.

[8]– 204/ الأعراف.

[9]– ولذلك فإن القرآن يدفع دفعًا حثيثاً للتدبّر فيه، والتفكّر في آياته.

[10]-82/ النساء.

اعمل عقلك، خبرتك، كن موضوعيا، فكّر ما تريد أن تفكّر فإنك لن تكتشف من القرآن إلا مزيد عظمة، ومزيد رفعة وسمو وإعجاز. لا يخاف القرآن من التفكّر والتأمّل.

[11]185/ البقرة.

[12]– سورة القدر.

[13]– 2-4/ الدخان.

[14]– 184/ البقرة.

[15]– سورة الكوثر.

[16]– كما نحب أن يعفو الله عنا فليعفُ بعضنا عن بعض.

[17]– أي المعارضة القلبية الصامتة.

[18]– هناك اعتراف من السياسة المحلية قائم على المستوى النظري بحقّ التظاهر السلمي، المعارضة السلمية. فلم يبق شيء إلا وهو مع حق المعارضة السلمية وتثبيته.

[19]– هتاف جموع المصلين (هيهات من الذلة).

[20]– وهو تقدير دقيق.

[21]– يعني حسب تقديرها، وحسب قناعتها.

[22]– إذا لم أُنكر الظلم، إذا لم أقل كلمة في وجه الظلم، الشعب الذي يسكت على ظلمه فهو يفتح الباب لهذا الظلم أن يبلغ مداه، نهاية مداه، وأقصى غاية له.

[23]– فمن الخيانة للوطن، ومن الخيانة للأمم، من الخيانة للإنسان، للشعوب أن تسكت الشعوب على ظلمها، لتقول له استمر إلى ما تريد، دمّر ما اشتهيت أن تُدمّر.

[24]– أي المعارضة السلمية.

[25]– ومستوى شعبنا رفيع، وحقّه عظيم.

[26]– ولا نراه يعدل أبدًا عن هذا الطريق، ما رأيناه عدل، وما نراه أنه سيعدل عن هذا الطريق.

[27]– ومؤسسات حقوقية مشهود لها، ومحافل دولية ملزمة كلمتها للسلطة.

[28]– أمر ثالث يجعلنا لا نوقع على صدق الرواية الحكومية بشأن الإرهاب.

[29]– أنا أقرأ قلب حقائق بالنسبة لي، حقائق أعلمها، كلمة قلتها، منطوقة، مكتوبة، موثقة أجد في اليوم الثاني ما هو على خلافها.. فكيف تريدونني أن أصدق بكل ما تقولونه يا رسميون؟! وهل هناك قرآن آخر غير القرآن النازل من قبل الله عز وجل؟! أخبركم قرآن لا يُناقش؟! لا تدرس قرائنه السلبية والإيجابية، لا يُعرض على العقول، لا يُعرض على الواقع. اعفونا من هذا الطلب!

[30]– كل الدعوات إلى مسيرة أو اعتصام وكل مناداة لحق ممارسة الاحتجاج والمعارضة يأتي معها التأكيد والتشديد والتأكيد على السلمية.

[31]– أمثل هذا يُهدّد؟! أليس من الظلم؟!

[32]– لا يسوغ للسلطة أن ترتكبها.

[33]– هتاف جموع المصلين (بالروح بالدم نفديك يا فقيه).

[34]– 90/ النحل.