المُقاوم
الرئيسية » الكلمات والمشاركات » البصيرة ( آية الله قاسم )
تعليق 4

البصيرة ( آية الله قاسم )

آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم

موضوع طرحه سماحته في أربع خطب متتالية لصلاة الجمعة

بين الفترة 29 جمادى الآخرة – 20 رجب 1434هـ (10-31 مايو 2013م)*

البصيرةُ علمٌ محيط، ورؤيةٌ قلبيّة نافذة، ووزنٌ دقيقٌ للأمور، صاحِبُها يرى من وراء الظَواهر حقائقَها، ومن المستقبل وغوامضِه ما لا يراه غيرُه.

وللبصيرة جذرُها في النّفس، وما يُنمِّيها ويُوسِّعُها ويزيد في حضورها وحمايتها من العوامل المضادّة، وما يعيق حركتها من الموانع، وما يحيط بها ويضعفها من الأمراض.

ومن خَسِرَ بصيرته لم يكن له علم نافع، ولا معرفة مُنقِذة، ولا نور يهتدي به الطريق، ويستعين به في قطعه للغاية، وكان دربُه كلُّه كبوات.

في النفس الإنسانية قوّةُ إدراك فطرية من صنع بارئها يتميّز لها بها في القضايا الأساس العريضة التي تتصل بكمالها وانحدارها ما هو حقٌّ عمَّا هو باطل، وما هو خيرٌ عمّا هو شرّ، وما هو تقوى عمّا هو فجور: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}[1].

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير ذلك: “أي عرّفها وألهمها ثمَّ خيَّرها فاختارت”[2]، وفي تفسير آخر له (عليه السلام) كذلك: “عرّفه الحقَّ من الباطل”[3].

وهذا التمييز إمّا أن يكونَ معه اختيارُ الحقّ على الباطل، والخير على الشرّ، وفي هذا تمامُ الرّشد والبصيرة والنُّضج وهو طريق الازدياد والتوسُّع والتمكّن والتبلور والامتداد لِمَلَكَةِ البصيرة.

وإمّا أن يكن معه اختيارُ الباطل على الحقّ والشرّ على الخير، وفي هذا سفاهة وعمى وفجاجة، وهو طريق الهبوط والغياب والخسارة للبصيرة.

وتزداد مساحةُ عملِ البصيرة، وتقوى فاعليّتُها، ويمتدّ تأثيرها بتقديم الهداية، ومنفعةِ الرُّشد إلى كثيرٍ من مسائل الدّنيا والآخرة في ظلّ الرِّعاية الدائمة لها على ضوء منهج الله سبحانه في تكميل الإنسان.

كما يمكن أن يخسرها الإنسان على المستوى الفعليّ، ويلفّها الغياب إذا تبدَّلت هذه الرّعاية إلى إهمال، وقُدِّم عليها متابعةُ الهوى.

والآن يأتي دور الحديث عن محاور في الموضوع في ضوء النصوص:

مناشئ البصيرة:

1. الإلهام الفطري الممنوح للنفس الإنسانية من قبل الله (عزَّ وجلّ) ابتداءً والذي يُوقِفنا عليه قوله سبحانه: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}[4].

كما يذكره لنا قوله سبحانه: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}[5]. فاهتداء النفس إلى أصل طريق الحقّ وطريق الباطل، ومعرفتُها بذلك هو إلهام فطريٌّ منَّ الله به عليها، والإنسان محاسب على هذه المِنَّة والنعمة الإلهية الكبيرة.

2. الإسلام والقرآن:

الإسلام والقرآن بتعاليمهما الربانيَّة يحفظان البصيرةَ، ويتكفَّلان بتثبيتها وتنميتها وتوسُّعها وازدهارها، ويمُدّانها بنماذج عالية من دروسٍ تزيد في إلهامها وتفتح لها أبوابًا جديدةً تنفذ منها لتُعطي الكثير: {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَـذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}[6].

{هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ}[7].

وعن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): “القرآن هدى من الضلالة، وتبيان من العمى”[8].

وعن علي (عليه السلام): “ما جالس هذا القرآنَ أحدٌ إلَّا قام عنه بزيادة أو نقصان، زيادة في هدى أو نقصان من عمى”[9].

ومجالسةُ القرآن ليست مجرّد تلاوة لحروفه وألفاظه المُفردة والمركّبة، لكأنّها الدخول معه في محاورة جاهل مع عالم يطرح عليه أسئلتَه ويُصغي إلى إجاباته ويتعلّم منها، ويعرض عليه تصورّاته ليأخذ منه تصحيحها، ويستقبل منه توضيح الغوامض التي لا يملك فيها شيئًا من رأي.

وعنه (عليه السلام): “إنَّ الله تبارك وتعالى شرع الإسلام، وسهَّل شرائعه لمن وَرَدَه، وأعزّ أركانه لمن حَارَبَه، وجعله عِزًّا لمن تولَّاه…. وبصيرةً لمن عزم”[10].

3. الإفاضة المستجِدّة:

يأتي مع الإلهام الفطريّ والبصيرة الممنوحة من الله الكريم لعباده ابتداءً في أصل الخَلقة إفاضةٌ منه لمزيد من البصيرة، وكثير من الهداية رحمةً بمن أطاع، وثمرةً طيّبةً للاستجابة إلى المنهج الحقِّ في التربية، والأخذ بتعاليم الدّين.

عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): “الحمد لله الذي… هدى من الضلالة، وبصّر من العمى”[11].

وعن عليّ (عليه السلام): “إنّما أنا وأنتم عبيد مملوكون لربٍّ لا ربّ غيره، يملك منّا ما لا نملك من أنفُسنا، وأخرجنا مما كُنّا فيه إلى ما صَلَحْنا عليه؛ فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى، وأعطانا البصيرة بعد العمى”[12].

وعن الإمام الصادق (عليه السلام): “إذا أراد الله بعبد خيرًا زهّده في الدّنيا، وفقّهه في الدّين، وبصّره عيوبها، ومن أوتيهن فقد أوتي خير الدّنيا والآخرة”[13].

عوامل نماء البصيرة وتبلورها واشتداد قوَّتها

كما أنّ للبصيرة مناشئَ منها ما هو من أصلِ الخِلقة من صُنْعِ الله سبحانه، ومنها ما يأتيها من هُدى القرآن والإسلام والأخذ بهما، ومنها ما يأتيها جزاءً إضافيًّا من كرم بارئها وتوفيقاته؛ كما أنّ لها ذلك فإنّ لها عوامل نماء، وعوامل إعاقة وتعطيل تتّصل بإرادة الإنسان.

وهذا من عوامل نمائها وتبلورها واشتداد قوَّتها:

1. التفكّر:

فِكْرُ الإنسان حيث يُفعّل يُثمر، وإذا عُطِّل هُدِر وخُسِر. تفعيله بالنظر في الآيات، آيات الأنفس والآفاق، وفي دروس الحياة والموت، والغِنى والفقر، والقوَّة والضعف، وتغيُّر الأحوال، وما تغنى به السَّماوات والأرض وعجائب الخَلق من دلالات، وما ينتهي إليه النَّظر من دقائق الخلق، وما وراءَ ذلك من عظيم القدرة، وإحاطة العلم، وبالغ الحِكمة؛ هذا التفعيل والإنتاج يمُدُّ البصيرةَ بالقوّة والحيويَّة ويُوسِّعها، ويفتح أمامَها الآفاقَ، ويزيد في نفوذها.

يقول الكتاب الكريم: {أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ}[14].

وكُلَّما كان النظرُ دارسًا، وعلميًّا، وموضوعيًّا، وتخصُّصيًّا، وجادًّا، وصابرًا كان مِعطاء، وأكثر إنتاجًا وأَثَرًا.

وكُلّما كان هناك انفتاح نفسي، وتعلُّق قلبيٌّ بالحقيقة، وإذعانٌ عمليٌّ لها، واحتضان شعوري وكانت المنطلق لبناء المواقف عند الباحث زاد ذلك في قوّة البصيرة وإثرائها وتبلوُرها في البُعْد العمليّ.

انظر إلى قول الآية الكريمة: {وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ}. فالقلبُ المنيبُ إلى الله عزّ وجلّ، المتعلِّق بالحقّ، الرّاضي به، المستجيب له هو الذي يتذكّر، وهو الذي تحصل له البصيرة في مقام العمل، وبناء المواقف إلى جنب ما تَوفَّر لصاحبه من بصيرة فكر، ونُضْجٍ وزيادةٍ في قوة النّظر.

وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): “إن التفكّر حياة قلب البصير كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور، فعليكم بحسن التخلُّص، وقلّة التربُّص”[15].

وعن الإمام الحسن (عليه السلام): “عليكم بالفِكر، فإنّه حياة قلب البصير، ومفاتيح أبواب الحكمة”[16].

وعن الإمام عليّ (عليه السلام): “تفكّرك يفيدك الاستبصار، ويكسبك الاعتبار”[17].

2. العلم والتعلّم:

لا يستوي الفكر وهو مصدر من مصادر إنماء البصيرة من عقليّتين من مستوى واحد إحداهما على غزارةٍ من علم والأخرى لا نصيبَ يُلحظ من علم لها. إنَّ الأولى أنضج فكرًا، وأهدى طريقًا، وأقرب إلى الإصابة في النظر، وأصحّ وأوفر فيما تتوصّل إليه من نتائج.

والفكر منها أكثر إمدادًا للبصيرة، وأرشد فيما يُقدّمه لها، وأقوى وأمتن فيما يُعطيه لها من البناء.

والطريق العامُّ للعلم التعلُّم، ومن دونه يَغلقُ الإنسانُ عن نفسه أبوابَ المعرفة، ويسلك بها ظلمة الجهل. فصار العلم والتعلُّم سببًا من أسباب نضج البصيرة وتفتُّحها وإعطائها السَّعةَ والامتداد.

3. التقوى:

التقوى مقدِّمةً معرفةُ الحقّ، وروحًا التعلّقُ به، والإذعان له، والاستجابة لمقتضاه. وهذا منافٍ للجهل والهوى والطيش مما يُفسد جوَّ الرُّوح، ويُعكِّر رؤية البصيرة، وهو فاتح لطريق التبصُّر، ومُلهِمٌ للرّشد، وممِدٌّ بالحكمة، ومنقٍّ لجوّ النفس من الظلمة.

وفي الكتاب الكريم: {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً…}[18].

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}[19].

فعطاءُ التقوى واضحٌ قرآنًا وهو بصيرة من الله الكريم لعبده المتّقي يستطيع بها التفريق بين الحقِّ والباطل، وما ينبغي الأخذُ به، وما لا ينبغي، وما حقُّه التقديم أو التأخير، أو المبادرة به، أو التريُّث، ونورٌ يُفيضه سبحانه على هذا العبد يمشي به في حياته وبعد مماته، وعند حشره ونشره يهتدي به الطريق، ويأخذ به إلى الغاية، ويُجنِّبه كلَّ خسار وعثار.

وعن الإمام عليّ (عليه السلام): “إنّ تقوى الله دواء داء قلوبكم، وبصر عمى أفئدتكم، وشفاء مرض أجسادكم، وصلاح فساد صدوركم، وطهور دَنَس أنفسكم، وجلاء عشا أبصاركم”[20].

4. ذكر الله:

ذكر الله ذكر الكمال المطلق، والحقّ المبين، والنور الذي ليس بعده نور، ولا مثله نور، ولا مكانَ وهو المطلق لفرض نور فوقه أو بكماله؛ ذكر لذلك وانشداد إليه، وتعلُّق به، وسير روحي في اتجاه علاه.

وما كان كذلك لا يُبقي في النفس ظُلمة من ظُلَمِها، ولا صوتًا للشيطان فيها، ولا طائفًا منه يستقرّ لِيُفسِدَ جوَّها، ولا شيئًا من سوئه ووسوسته يغشاها {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}[21].

وفي الحديث عن الإمام عليّ (عليه السلام): “ذكر الله يُنير البصائر، ويؤنس الضمائر”[22].

وعن الباقر (عليه السلام) في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} إذا ذكّرهم الشيطان المعاصي، وحملهم عليها، يذكرون الله فإذا هم مبصرون”[23].

فبذكر الله يُبصرون أنَّ الشيطان يكيد بهم، ويُحاول أن يُوقعهم في الخسران فيفارقونه، ويفرّون من خبثه ومكره إلى الله ورحمته وهداه.

5. الإخلاص:

عن الإمام علي (عليه السلام): “عند تحقّق الإخلاص تستنير البصائر”[24].

إخلاصُ العبد لربّه سبحانه في النيّة والتوجُّه والعمل بصيرة ما أعظمها من بصيرة، ومن عطائها معرفة أكبر، وشوق أشدّ إلى الله، وتعلُّق أقوى به، وبصيرة فوق البصيرة.

6. الزهد:

عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في الترغيب بالزهد في الدّنيا: “من زهد فيها فقصّر فيها أمله أعطاه الله علمًا بغير تعلُّم، وهدى بغير هداية، فأذهب عنه العمى، وجعله بصيرًا”[25].

وعن تلميذه الأول عليّ (عليه السلام): “ازهد في الدّنيا يُبصِّرْك الله عوراتها”[26].

7. استقبال الأمور:

عن الإمام عليّ (عليه السلام): “من استقبل الأمور أبصر، من استدبر الأمور تحيّر”[27].

النظر المبكر في ما يستقبل الإنسان من أمر، والدراسة العلميّة لكلِّ الاحتمالات التي يمكن توقُّعها، والتفكير في الموقف العملي المناسب لكل منهما يُعين على تكوين نظرة صحيحة لما قد يحمله المستقبَل في المسألة، وما ينبغي اتّخاذه بإزاء ما يحدث، ويُعطي رؤية قد تكشف عن غموض المستقبل وكيفية مواجهته.

وتَرْك الأمور إلى أن تُفاجئ الإنسان، وتضعه أمام الظرف المحرج، والحدَث الصعب غير المحتسب يُقلق الرؤية، ويُربك الموقف، وقد يشلّ التفكير، ويوقع في الفشل.

8. الجوع:

عن الإمام عليّ (عليه السلام): “إنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله سأل ربّه سبحانه ليلة المعراج، فقال: يا ربّ، ما ميراث الجوع؟

قال: الحكمة، وحفظ القلب، والتقرُّب إليّ، والحزن الدائم، وخِفّة المؤونة بين النّاس، وقول الحقّ، ولا يُبالي عاش بيسر أم بعسر…”[28].

“يا أحمد، إنّ العبد إذا جاع بطنُه، وحفِظ لسانه، علّمتُه الحكمة، وإن كان كافرًا تكون حكمته حجّة عليه ووبالًا، وإن كان مؤمنًا تكون حكمته له نورًا وبرهانًا وشفاءً ورحمةً، فيعلم ما لم يكن يعلم، ويبصر ما لم يكن يبصر؛ فأوّل ما أبصره عيوب نفسه حتى يشتغل بها عن عيوب غيره، وأبصّره دقائق العلم حتّى لا يدخل عليه الشيطان”[29].

والإسلام لا يريد بهذا أن تجوع الجوع الذي يجرّ إليك الأمراض، ويوقعك في الأسقام، ويشلّ حركة التفكير عندك، ويقعد بك عما أوجب الله عليك. كما لا يريد لك أن تُقِرَّ التفاوت الطبقيّ الظالم الذي يتخم به البعض، ويجوع ويمرض ويشقى به آخرون.

وإنما يريد لك ألا تسُدَّ منافذ قلبك، ولا تُعطِّل حركة الروح، وتُفسد عليها وظيفتها في طلب النموّ والاستنارة والكمال بتُخمة البطن، وأذاها.

9. الدعاء:

الذي ينال اهتمامًا عاليًا جدًّا في التشريع الإسلامي ومقام العبادة، ويتناول كلَّ أمر صغير وكبير من أمور الدّينِ والدّنيا، والرّوح والبدن لا بدّ أن يتعلّق بأمر البصيرة التي إن صحَّت واستقامت صحّ الدين واستقام، وإن سقُمَت أو زاغت فسد الدين وأُصيب بالعطب البالغ والانحراف[30].

ومن الدعاء في ذلك:

عن الإمام علي (عليه السلام) – في المناجاة الشعبانية -: “إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك، وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك، حتى تخرق أبصار القلوب حُجُبَ النور، فتصل إلى معدن العظمة، وتصير أرواحنا معلّقة بعزِّ قدسك”[31].

وعن الإمام الحسين (عليه السلام) من دعائه في قنوته: “اللهم وإنّي مع ذلك كلِّه عائذ بك… مستبصر في ما بصّرتني… فلا تُخلني من رعايتك… واجعل على البصيرة مدرجتي”[32].

وعن الإمام العسكري (عليه السلام): “اللهم فصلّ على محمد وآله… واستقبل بي صحّة من سُقمي، وسعة من عُدْمي، وسلامة شاملة في بدني، وبصيرة ونظرة نافذة في ديني”[33].

مطلوب الدعاء بصيرة نافذة إلى أعماق الدّين، واصلة إلى أبعد أبعاده، معانقة حاقّ حقائقه، محيطة بكلّ دقائقه[34].

وعندئذ لا يُبارح النفس ضياء الإيمان، وعظمة الدين، ولا يغادرها اليقين، ولا يُلهيها مُلهٍ عن الطاعة، ولا يميل بها مُغرٍ إلى المعصية، ولا تشعرُ بضعف غير الضّعف أمام الله سبحانه، ولا تلمُّ بها وحشة لخسارة من خسائر الدّنيا، وفاجعة من فواجعها[35].

فليس بعد غنى الإيمان الحقّ بالله غنى، ولا شيء يمكن أن تجد النفس فيه غناها وهي فقيرة في الدّين.

مضادَّات البصيرة، وعوامل إضعافها:

1. اتباع الهوى:

ومفارقة السّلوك لهدى الله من عقلٍ ودين، وانطلاقُه من منطلق الهوى، وما تشتهيه النفسُ معناهُ الهروبُ من البصيرة، والأخذ بالاتجاه المعاكس لها، والهوى لا معرفةَ له، ولا عِلْم، ولا إبصار، ولا رؤية.

الهوى تعلُّقاتٌ نفسيّةٌ شهوية، واندفاعة بلا حساب، وميلٌ بهيميّ، ورغبة مادية منفلتة قاضية على فُرَص التعقُّل، ومنافذ الحكمة، ومُعكِّرة لجوّ النّفس، وداخلة بالظلمة على الروح[36]، وملوّثة لأفق النفس، ومثيرة للغبرة، ومولِّدة للغشاوة، وباعثة للظلمة، ومنهكة للبصيرة.

{أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}[37].

وعن الإمام علي (عليه السلام) هذه الحكم الرشيدة: “الهَوى شَريكُ العَمى”[38].

“مَن رَكِبَ الهَوى، أدرَكَ العَمى”[39].

فمركب الهوى لا يتخلّف عن غايته وهي العمى.

“أوصيكُم بِمُجانَبَةِ الهَوى؛ فَإِنَّ الهَوى يَدعو إلَى العَمى، وهُوَ الضَّلالُ فِي الآخِرَةِ وَالدُّنيا”[40].

“إذا أبصَرَتِ العَينُ الشَّهوَةَ عَمِيَ القَلبُ عَنِ العاقِبَةِ”[41].

2. التولّع بالدنيا:

عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): “مَن يَرغَب فِي الدُّنيا فَطالَ فيها أمَلُهُ، أعمَى اللّهُ قَلبَهُ عَلى قَدرِ رَغبَتِهِ فيها”[42]. ورسول الله هو المصدر الثرّ الأول في الإسلام للحكمة.

وعن عليّ وصيّه (عليه السلام) في صفة الدنيا: “مَن أبصَرَ بِها بَصَّرَتهُ، ومَن أبصَرَ إلَيها أعمَتهُ”[43].

الدنيا منظار لَهُ قوّة إراءة، ومدٍّ للبصر ليصل إلى المستقبل. له ذلك من خلال عمرها القصير، وطموح ساكنيها بما يتجاوزها، وما تغنى به من دلالات على الحقّ، ودقّة الصنع والحكمة، وما تشهده من عدم استقرار للناس على حال، وما يعتور حياتهم من تحوّلات، وما يقوم فيها من عدل وظلم، وما عليه أحوال أهلها من استقامة وانحراف[44]، وما يعانونه من خيبة الأماني والآمال، وما تشرئبّ إليه أنظارهم من الطّموحات، وتتطلّع إليه أفئدتهم من سعادة وخلود لا مكان له في هذه الحياة[45].

فمن اتخذ الدنيا من أهلها منظارًا يطلب به الوصول إلى الحقيقة أعطته الرؤية الكافية، وزوّدته بالبصيرة التي لا غنى له عنها، وأوقفته على الحكمة منها، والغاية التي كانت من أجلها، ودور الإعداد للمستقبل وهو الغاية والذي يجب على الإنسان أن يشتغل به فيها. أمّا من تلهّى بها، ووقف بنظره عندها أعمته عن رؤية الحقيقة، وقصرت به عن رؤية الغاية وآخر المدى. وخذ غوالي من لئالئ من كلماته (عليه السلام)[46] في هذا المجال.

فمما عنه في هذا السياق في صفة الدنيا:

“سَلَكَت بِهِمُ الدُّنيا طَريقَ العَمى، وأَخَذَت بِأَبصارِهِم عَن مَنارِ الهُدى، فَتاهوا في حَيرَتِها، وغَرِقوا في نِعمَتِها، وَاتَّخَذوها رَبّا، فَلَعِبَت بِهِم ولَعِبوا بِها، ونَسوا ما وَراءَها”[47].

نعم لعبت الدنيا بهم فأسقطت قيمتهم، ولعبوا بها فأفقدوها قيمتها.

“لِحُبِّ الدُّنيا صَمَّتِ الأَسماعُ عَن سَماعِ الحِكمَةِ، وعَمِيَتِ القُلوبُ عَن نورِ البَصيرَةِ[48].

“إنَّ مَن غَرَّتهُ الدُّنيا بِمُحالِ الآمالِ، وخَدَعَتهُ بِزورِ الأَمانِيِّ؛ أورَثَتهُ كَمَهاً[49]، وأَلبَسَتهُ عَمىً، وقَطَعَتهُ عَنِ الأخرى، وأَورَدَتهُ مَوارِدَ الرَّدى”[50].

وعنه (عليه السلام) فيما كتبه إلى بعض أصحابه: “اِرفِضِ الدُّنيا؛ فَإِنَّ حُبَّ الدُّنيا يُعمي ويُصِمُّ ويُبكِمُ، ويُذِلُّ الرِّقاب”[51].

3. الغفلة:

{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَايَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَايُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لَايَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}[52].

وعن الرسول (صلّى الله عليه وآله): “وأَمّا عَلامَةُ الغافِلِ فَأَربَعَةٌ: العَمى، وَالسَّهوُ، وَاللَّهوُ، وَالنِّسيانُ”[53].

وعن الإمام علي (عليه السلام): “دَوامُ الغَفلَةِ يُعمِي البَصيرَةَ”[54].

حيث يغفل الإنسان عن نفسه: حقيقتها، وعبوديتها، وكرامتها، والدور المناسب لها، وعن ربّه: عظمته وجلاله وجماله وقدرته، وإحاطة علمه، وإنعامه، وعما تعنيه حياته وما ينتظره بعد مماته، وتطول به هذه الغفلة تغشى بصيرتَه الظلمة، ويحجبها العمى، ويصير كأنه المخلوق من غير بصيرة.

4. الحبّ الأعمى:

حبُّ شخص، حبّ مؤسسة، حبّ حزب، حبّ أرض، حبّ موقع من غير نظر موجب، ولا خلفيّة من دين واعٍ، ولا خلق قويم، وميزان دقيق سبب من أسباب العمى، وعامل من عوامل الإضعاف وتقويض البصيرة.

فعن الصادق الأمين (صلّى الله عليه وآله): “حُبُّكَ لِلشَّيءِ يُعمي ويُصِمُّ”[55].

وعن الإمام عليّ (عليه السلام): “مَن عَشِقَ شَيئاً أعشى بَصَرَهُ وأَمرَضَ قَلبَهُ، فَهُوَ يَنظُرُ بِعَينٍ غَيرِ صَحيحَةٍ، ويَسمَعُ بِاُذُنٍ غَيرِ سَميعَةٍ، قَد خَرَقَتِ الشَّهَواتُ عَقلَهُ، وأَماتَتِ الدُّنيا قَلبَهُ، ووَلِهَت عَلَيها نَفسُهُ، فَهُوَ عَبدٌ لَها ولِمَن في يَدَيهِ شَيءٌ مِنها، حَيثُما زالَت زالَ إلَيها، وحَيثُما أقبَلَت أقبَلَ عَلَيها”[56].

وعنه (عليه السلام): “عَينُ المُحِبِّ عَمِيَّةٌ عَن مَعايِبِ المَحبوبِ، واُذُنُهُ صَمّاءُ عَن قُبحِ مَساويه”[57].

فلنحذر أن نُحِبَّ من غير وعي، ونظر فاحص، وتقييم دقيق، وأن ندخُلَ في قفص من أقفاص الحبِّ من غير رويّة، أو نفارق الوعي، ونستسلم للحبّ بعد أن يدخل قلوبنا. وليظلّ الوعيُ والدّين هو الحاكم لحبّنا وبُغضنا في الابتداء والاستمرار.

آيات البصيرة:

للبصيرة حيثُ تغنى بها ذاتٌ دلائل يُستدلّ بها عليها، وآياتٌ تهدي إليها، ولا يمكن للبصيرة وهي نور أن تظلّ مختبئةً لا ظهور لها، مطمورةً لا يُرى شعاعُها.

وهذا من آياتها:

1. الرويّة والحزم:

عن الإمام عليّ (عليه السلام): “النّاظِرُ بِالقَلبِ العامِلُ بِالبَصَرِ، يَكونُ مُبتَدَأُ عَمَلِهِ أن يَعلَمَ: أعَمَلُهُ عَلَيهِ أم لَهُ؟ فَإِن كانَ لَهُ مَضى فيهِ، وإن كانَ عَلَيهِ وَقَفَ عَنهُ”[58].

البصيرةُ تمنع من أن يكون الإقدام على العمل جزافًا، واتّخاذ المواقف اعتباطًا، وأن يُتلكّأ في العمل، ويُحجم عن اتخاذ الموقف بعد تبيُّن صحّته، ورجاحة الإقدام عليه. وإنما هو المضيُّ على هدى ما أوضحه التبيُّن، وكشف عنه التحقُّق.

وبعد تبيُّن الحقِّ ولزوم الموقف، والمضيّ في العمل لا يُوقِف صاحب البصيرة كالإمام عليّ (عليه السلام) على كُلفته خوفٌ ولا تهيُّب، ولا يعتريه تردُّد وهو القائل (عليه السلام) كما في هذه الكلمة عنه “إنّي وَاللّهِ لَو لَقيتُهُم واحِداً[59]وهُم طِلاعُ الأَرضِ كُلِّها[60]، ما بالَيتُ ولَا استَوحَشتُ، وإنّي مِن ضَلالِهِمُ الَّذي هُم فيهِ وَالهُدَى الَّذي أنَا عَلَيهِ، لَعَلى بَصيرَةٍ مِن نَفسي ويَقينٍ مِن رَبّي”[61].

ويا لها من بصيرة جليّة يتحدّث عنها النصُّ لا تُصاب بغشّ ولا تردُّدَ للنفس معها في عطائها من هول الموقف الذي تشير إليه الظروف، ولا مخالفةِ كلّ أهل الدنيا لها في الرأي.

2. الانتفاع بالفطنة:

عن الإمام علي (عليه السلام): “العِلمُ بِالفَهمِ. الفَهمُ بِالفِطنَةِ. الفِطنَةُ بِالبَصيرَةِ”[62].

من لا قُدرةَ له على الفهم لا يجد سبيلًا للعلم، والفهمُ منبعُه الفطنة وحِدّةُ الذكاء، والقوة الذهنية القادرة على الاستيعاب وسرعة الوصول إلى الحقائق، وما ترمي إليه الأدلّةُ والمظاهر.

فهذا هو الأصل فيما يجتمع للإنسان من علمٍ عن طريق السّعي الذهنيّ، وإعمال قدرة التفكير.

أما القيمة النهائية لعطاء الفطنة فتحتاج إلى بصيرةٍ تجعل علمَ المرء لخيره وخير النّاس، لا لشرِّه وشرّ الآخرين[63].

3. رؤية عيوب النفس:

عن عليّ (عليه السلام): “أبصَرُ النّاسِ مَن أبصَرَ عُيوبَهُ، وأَقلَعَ عَن ذُنوبِهِ”[64].

وعنه (عليه السلام): “أعقَلُ النّاسِ مَن كانَ بِعَيبِهِ بَصيراً، وعَن عَيبِ غَيرِهِ ضَريراً”[65].

عيبُ غيرك لا يخدعك عن رؤيته، ولا يحجبك عن اكتشافه إلا تستّره عليه ما أمكن، والعيوب فضّاحةٌ لصاحبها، أما عيبي وعيبك فيحجبنا عن رؤيته حاجبٌ من نفسنا وخداعها وحبّنا لها واعتزازنا بها، وصعوبة معاداتنا لها ومخاصمتنا، وخسارتنا للثقة بها[66].

وبذلك نحتاج إلى بصيرة ذاتِ نفوذ شديد، ورؤية حادّة، إلى بصيرة متحرِّرة بدرجة عالية جدًّا غالبةٍ للأهواء الذّاتية من أجل أن نرى عيب النفس، ومن أجل أن نُكابرها فيما تريد من البقاء على ضعفها، واستسلامها للعيوب.

والبصيرة تنصرّف بصاحبها عمّا خلا من نفعه فضلًا عما يلحقه منه ضرر، فلذلك يعمى عن رؤية ما قد يكون من عيبٍ للآخر، مُقتصِرًا في النظر إلى عيب نفسه لِيُخلِّصها من ورطته.

صاحبُ البصيرة مشغول بالتعرُّف على الخير، منفتح على ما فيه هُداه، وزيادة يقظته، منصرف إلى الأخذ بما فيه صلاحه ورقيّه وكمال ذاته، لا يعطي من وقته للتفاهات، ويظنُّ باللحظة الواحدة من العمر أن تذهب سُدى.

وهذا ما نقرأه في كلمتين أولاهما للإمام علي والأخرى لنجله الإمام الحسن (عليهما السلام): “ألا إنَّ أبصَرَ الأَبصارِ ما نَفَذَ فِي الخَيرِ طَرفُهُ. ألا إنَّ أسمَعَ الأَسماعِ ما وَعَى التَّذكيرَ وقَبِلَهُ”[67].

“إنَّ أبصَرَ الأَبصارِ ما نَفَذَ فِي الخَيرِ مَذهَبُهُ، وأَسمَعَ الأَسماعِ ما وَعَى التَّذكيرَ وَانتَفَعَ بِهِ”[68].

4. صلاح السرائر:

عن الإمام علي (عليه السلام): “صَلاحُ السَّرائِرِ بُرهانُ صِحَّةِ البَصائِرِ”[69].

كثرةُ علم الشخص لا تكشف عن تمتُّعه بالبصيرة، وأن يكون له علم فيه إنارة وباطن فاسد على ظلمته لم يُغيِّر منها علمُه دالٌّ بوضوح على فقده لها، وفقر نفسه منها. وما يقوم برهان للمرء على تمتُّعه بالبصيرة هو طُهْر نفسه، وصلاح سريرته، ونقاء داخله، ورِفعة محتوى نفسه، وانتفاعه بما عَلِم، واستنارته به[70].

5. إصابة سبيل السلامة:

عن الإمام عليّ (عليه السلام): “طوبى لِذي قَلبٍ سَليمٍ، أطاعَ مَن يَهديهِ، وتَجَنَّبَ مَن يُرديهِ، وأَصابَ سَبيلَ السَّلامَةِ بِبَصَرِ مَن بَصَّرَهُ، وطاعَةِ هادٍ أمَرَهُ”[71].

إنها القيمة العملية الكبرى التي يطلبها كلُّ عاقل من كلّ محاولة يُحاولها، ومن كلِّ سعيٍ يسعاه وهي أن تسلم نفسه من كلّ ما يضرّها، ومن كلّ ما يحطّ قدرها، وأن يحسن مصيرها وتربح عاقبتها، وأن يكون بمأمن من الخسارة والسّقوط والفشل. والبصيرة هي الطريق إلى هذه الأمنية، والوسيلة لتحقيق هذا الأمل.

أما العمى والنظرة الغامضة والرؤية القاصرة، والنظر العاجز فلا تعويل على شيءٍ منه للوصول إلى هذه الغاية الكريمة.

وقد عميت عينٌ لا ترى الله ورقابته على كلِّ نفس، ومنّتَهُ على كل شيء، ونافذَ علمه وحكمته وقدرته في كلِّ شيء، ولا بصيرة لمن قدّم على دين الله ديناً، أو ساوى بينه وبين دين غيره، ولمن اختار الدّنيا على الآخرة، أو شغله همُّ يومه عن همّ غده، وحاضرُه عن مصيره.

وما من بصيرة ألمع ولا أدقَّ ولا أنفذ، ولا أبقى أثرًا، وأغنى عطاءً أو مساويةٍ قيمة لبصيرة الدّين؛ بصيرة استقامت بصاحبها على صراط الله وانتهت به إلى جنّته ورضوانه.

أئمة أهل البصيرة:

من النّاس من فَقَدَ بصره، ومنهم من هو واجد له، ومن أصحاب البصر من يُعاني من ضعفٍ في رؤيته، ومنهم من يرى على مدى بعيد.

وفاقدُ البصر يهتدي الطريق بالرّجوع إلى المتمتّع ببصره، ومن ضعُف عنده البصر يستعين بمن له بصر حديد. والشأن في البصيرة هو الشأن في البصر. وهناك في شأن البصيرة أئمة، وهداة طريق، لا تخونهم الرؤية، ولا يُخطئ عندهم النظر. متابعتهم نجاة، والأخذ بخلاف ما عليه رؤيتهم مُهلِكة. الصواب مضمون في متابعتهم، والخطأ مُحقّق في مخالفتهم.

وقد دلَّ الوحيُ على أولئك الأئمة والهداة.

من ذلك قوله تعالى: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ}[72].

{قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}[73].

عن الإمام علي (عليه السلام) وكلماته من كلمات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي {.. مَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}[74] وذلك في صفة النبي (صلَّى الله عليه وآله): “فَهُوَ إمامُ مَنِ اتَّقى، وبَصيرَةُ مَنِ اهتَدى”[75].

وعنه (عليه السلام): “إنّي لَعَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبّي، وبَصيرَةٍ مِن ديني، ويَقينٍ مِن أمري”[76].

ولقد اهتدى وأمِنَ وأدرك الحقيقةَ وواقعها وتحقّقت له الغاية مَنْ حذا حذو الأنبياء والرسل والأئمة (عليهم السلام)، واقتفى أثرهم، وأخذ بما أخذوا، وهجر ما هجروا، واستقام معهم على النهج.

——————————————————

* راجع الأعداد [554/555/556/557] من خطب الجمعة على موقع سماحته.

[1] الشمس: 7-8.

[2] موسوعة معارف الكتاب والسنّة، ج8، ص347، ط1.

[3] المصدر السابق، ص348.

[4] الشمس: 7-8.

[5] البلد: 10.

[6] الأعراف: 203.

[7] الجاثية: 20.

[8] موسوعة معارف الكتاب والسنّة، ج8، ص348، ط1.

9] المصدر نفسه، ص349.

[10] المصدر السابق.

[11] المصدر السابق.

يكون أحدنا في ضلالة، في درجة وأخرى من الضلالة، في ظلمة من نوع وظلمة من نوع آخر، ثم يعزم على الجدّ في طاعة الله (عزّ وجلّ)، فيأتيه توفيق جديد وهداية جديدة، وتنكشف الظلمة وتزول الضلالة.

[12] المصدر السابق، ص350.

العمى يزداد، والعمى ينكشف؛ يزداد مع إهمال الحق والتهاون بدين الله، وينكشف مع حالة الالتزام.

إذا كان عليّ (عليه السلام) في حديثه يريد شمول نفسه بشيء من الضلالة فهي ليست من أفق ولا مستوى ولا تقرّب مما نحن عليه من ضلالة. عنده علم فسيح، عنده حكمة، عنده هدايات، ولكن يبقى الطريق إلى الله (عزّ وجلّ) لا يقطعه بكامله عبدٌ من عباد الله، تبقى أسرار الله، وتبقى هداياته، وتبقى أنواره، العبد محتاج إلى المزيد منها، والطريق أمامه طويل حتى يسترفد ما يسترفد.

[13] المصدر السابق.

[14] ق: 6-8.

[15] الكافي، ج2، ص599، ط4.

[16] بحار الأنوار، ج75، ص115، ط2 المصحّحة.

[17] عيون الحكم والمواعظ، ص199، ط1.

[18] الأنفال: 29.

[19] الحديد: 28.

[20] نهج البلاغة، ج2، ص179، ط1.

[21] الأعراف: 201.

[22] عيون الحكم والمواعظ، ص255، ط1.

[23] تفسير نور الثقلين، ج2، ص111، ط4.

[24] عيون الحكم والمواعظ، ص338، ط1.

[25] تحف العقول، ص60، ط2.

[26] نهج البلاغة، ج4، ص93، ط1.

[27] عيون الحكم والمواعظ، ص452، ط1.

[28] بحار الأنوار، ج74، ص22، ط3 المصحّحة.

[29] المصدر السابق، ص29.

[30] لا يسلم دين بلا بصيرة سليمة.

[31] الدعوات لقطب الدين الراوندي، ص5، ط1.

[32] بحار الأنوار، ج82، ص214، ط3 المصحّحة.

[33] بحار الأنوار، ج83، ص176، ط3 المصحّحة.

[34] الأئمة (عليهم السلام) يشقّ عليهم أن تغيب عنهم الرؤية النافذة إلى أعمق أعماق الدين في أي لحظة من لحظات حياتهم.

وإنّ من أسباب عظمة الله في القلب، وأن يكون أكبر من كلّ شيء عندنا كما هو حقّه أن نعرف دينه، وما عليه دينه من الحقّ الذي لا شائبة فيه، ومن الصدق الذي لا يُخالطه شيء، ومن الرحمة والرأفة، ومن كلّ أسباب الكمال ما لا يمازجه نقص.

[35] ولذلك كان صبر الأنبياء والمرسلين والأئمة (عليهم السلام) صبرًا لا يُطيقه أحد.

[36] فالهوى لا يمكن إلا أن يسدّ منافذ البصيرة ويُضعفها، ويغلق عنها أن ترى النور والهدى.

[37] الجاثية: 23.

[38] مستدرك الوسائل، ج12، ص113، ط2.

[39] المصدر السابق، ص115.

[40] موسوعة معارف الكتاب والسنّة، ج8، ص387، ط1.

[41] المصدر السابق، ص388.

[42] تحف العقول، ص60، ط2.

[43] موسوعة معارف الكتاب والسنّة، ج8، ص388، ط1.

[44] ونحن يمكن أن ننظر إلى الدنيا نظرتنا عبر المنظار، كما يمكن أن نقتصر بنظرتنا للدنيا عليها، وعطاء كل من النظرتين عطاءٌ يبعد عن عطاء الآخر كلّ البعد. فالنظرة للدنيا منظارًا للآخرة، منظارًا لقدرة الله، منظارًا للنفس، منظارًا لما عليه قيمة الحياة، لما يرتقب الإنسان من الآخرة، لما تقضيه حكمة الله (عزّ وجلّ)، هذه نظرة لها عطاءها، ومردودها الصنّاع.

[45] تلك نظرة لها عطاؤها الكبير.

[46] أي الإمام علي (عليه السلام).

[47] نهج البلاغة، ج3، ص50، ط1.

[48] عيون الحكم والمواعظ، ص404، ط1.

[49] والكمه هو العمى، أن يولد الإنسان أعمى.

[50] موسوعة معارف الكتاب والسنّة، ج8، ص389، ط1.

[51] الكافي، ج2، ص136، ط4.

[52] الأعراف: 179.

[53] موسوعة معارف الكتاب والسنّة، ج8، ص390، ط1.

[54] عيون الحكم والمواعظ، ص250، ط1.

[55] موسوعة معارف الكتاب والسنّة، ج8، ص390، ط1.

[56] نهج البلاغة، ج1، ص211-212، ط1.

[57] موسوعة معارف الكتاب والسنّة، ج8، ص390، ط1.

[58] نهج البلاغة، ج2، ص44، ط1.

[59] يعني في حال كونه واحدًا.

[60] أي ملؤها.

[61] نهج البلاغة، ج3، ص120، ط1.

[62] عيون الحكم والمواعظ، ص36، ط1.

[63] فكم من علمٍ كان وبالًا على صاحبه وعلى الآخرين.

[64] المصدر السابق، ص120.

[65] موسوعة معارف الكتاب والسنّة، ج8، ص372، ط1.

[66] كلُّ ذلك يحجبني عن رؤية عيبي، ويحجب كلّ ذي عيب عن رؤية عيبه.

[67] بحار الأنوار، ج34، ص236، ط1.

[68] تحف العقول، ص235، ط2.

[69] عيون الحكم والمواعظ، ص301، ط1.

[70] إن وجدتَ من نفسك ذلك فاحمد الله على بصيرة نافذة رزقك إيّاها.

[71] نهج البلاغة، ج2، ص196، ط1.

[72] ص: 45.

[73] يوسف: 108.

[74] النجم: 3-4.

[75] نهج البلاغة، ج1، ص185، ط1.

[76] موسوعة معارف الكتاب والسنّة، ج8، ص376، ط1.