المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (552) 15 جمادى الثاني 1434 هـ ـ 26 أبريل 2013م

خطبة الجمعة (552) 15 جمادى الثاني 1434 هـ ـ 26 أبريل 2013م

مواضيع الخطبة:

الخطبة الأولى: سنّة الإبتلاء

الخطبة الثانية: شعب ما أرشده !! – ألهذا كان الحوار ؟

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي لا يواري عن علمه شيء ما يستبطنه، ولا يُخفي بُعدُ زمنٍ عنه ما يحمله، ولا تنطوي الأقدار على أمرٍ يجهلُه، ولا غيبَ بغائبٍ عنه، فكلُّ شيء حاضرٌ عنده، مُحيطٌ به علمُه، وكيف يخفى عليه شيءٌ ولا قيامَ لشيء إلّا بقدرته، ولا دوام له إلّا بفيضه؟!.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.
عبادَ الله من أراد أنْ ترشُدَ نفسُه، وتستقيمَ له، ولا تتمرَّدَ عليه، وتكُفَّ عن المعصية جوارحُه، ولا تقتادَه شهوتُه، ولا يقع فريسةَ نزوته، وتقوى في الخير عزيمته، وتأنس وحشته، فليكن على ذكرٍ من ربّه، ويوم آخرته.
وإنّ ذلك ليمُدُّه بروح التقوى، ويُنقذه بإذن الله من سوء النفس، ومَكْرِ الشيطان الرَّجيم.
اللهم صلِّ وسلِّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التوّاب الرّحيم.
اللهم لقِّنا بِمنّك خيرَ ما نرجو، وخيرَ ما لا نرجو، وأعذنا بإحسانك من شرِّ ما نحذر وشرّ ما لا نحذر يا رحمان يا رحيم، يا من هو بكلِّ شيء عليمٌ محيط.
أما بعد أيّها الأعزّاء من المؤمنين والمؤمنات فالحديث في:

سنّة الإبتلاء:

هناك مشاكل يواجهها الذهن إذا تعامل معها الإنسان بإرادةٍ وصبر، ودَخَلَ بجدٍّ في معاناة حلِّها أثمر ذلك نموًّا في قابليّاته الذهنيَّة، وأعطاه نُضجًا في الفهم، وأضاف إليه من قُدرة المواجهة لغموض المسائل، وفكِّ مغاليقها.
وإذا لانت إرادتُه أمام صعوبتها، وضعُفت نفسُه، ولم يصبر على التعامل الذهنيّ المضنيّ معها تجمَّد عند مستواه، وبَقِيَت قابلياتُه(1) بلا تفعيل.
وإذا أساء في التعامل مع تلك المشاكل ذات الطبيعة الذهنيَّة القاسية، وجانب المنهج العلمي والطريقة المنطقية في التفكير، واستهدفَ أن يصِلَ إلى ما يوافق هواه من نتائج بدأ يخسر من فهمه، وينحطُّ في المستوى الذهنيّ الذي كان يتمتع به.
وكما للذِّهن قابلياتٌ فللبدن قابليات، وكذلك لجانب النفس والرّوح في الإنسان. ولا يجد شيءٌ من كلّ هذه القابليات حالةَ الفعل والصَّيرورة التامَّة الناضِجة إلا بدخوله في التجارب العمليّة القاسية، والامتحانات الشديدة الصَّعبة.
حياةُ الإنسان كلُّها، ووجوده كلُّه في وسطٍ من كدٍّ وتعبٍ وكَبَد. أيامُه لا تمرّ إلا عبر المعاناة، وشخصيّتُه لا تنبني إلا من خلال المجاهدة، وكلُّ بُعْدٍ من أبعاده لا تُنضّجه إلّا المقاساة، وغاياته الصغيرة، والكبيرة وغايته النهائية العظمى لا تحصل بالكسل والاسترخاء، وإنَّما الطريق إليها وهو طريقُ البناء والإعمار والتصحيح والتطوير والتكامل وهو طريقُ كلِّ عمر التكليف وما قبل التكليف كلُّهُ مجاهدة ومكابدة وخوض معارك ضارية، ومستصعبة مع النّفس ومع الظّروف التي لا يخلو شيءٌ منها من نوعٍ من البلاء؛ البلاءِ بالخير، والبلاءِ بالشّر، ولا ينفكُّ عن لون وآخر من التحديات.
طريقٌ يحتاج إلى عزيمة وتصميم، وصبر وثبات، ورؤية واضحة داعِمة مُمِدَّة بكلِّ ذلك؛ رؤية أصيلة حقيقية غير قابلة للاهتزاز تتعلق بالمبدأ والمنطلق والغاية والمنهج والطّريق، رؤية تمتلك تقييمًا دقيقًا للذَّات والدُّنيا والآخرة.
من طَلَبَ الرَّاحة في هذه الحياة فعليه أن يقطعَ النظرَ عن الوصول إلى الغاية، ومن طَلَبَ حياة لا مشاكل فيها ولا بلاءَ ولا تحديات فعليه أن يبحثَ عن حياةٍ أخرى من صُنْعِ نفسه أو من صُنْع وهمه وهي غيرُ الحياة التي كَتَبَ الله عزَّ وجلَّ بقدرته وعلمه وإرادته وحكمته على عباده.
ونحن حينما نتمنّى الرَّاحة المطلقة في الحياة الدّنيا إنّما نتمنّى ما لا يُمكن أن يكون، وما يُخالف قَدَر الله سبحانه، وقدر الله لا مُغيِّر له.
وحتى نستفيد من الحياة، وحتى نبلُغَ هدفَها، وحتى نرضى، ولا نقعَ في السُّخْط المدمِّر لنفسيّتنا، وفي غضب الله عز وجل علينا أن ننظرَ للحياة نظرةً واقعيَّة تتّسق مع طبيعتها وهي حياة ابتلاء وامتحان ومجاهدة ومكابدة زادُها الوعيُ، والتسليمُ لحكمة الخالق العليّ العظيم، ومواجهةُ ضعف النفس لا الانخذالُ، والاستقامةُ على طريق المجاهدة والثبات لا التلكّؤ والانحراف.
تقول الآية الرَّابعة من سورة البلد:{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} فهل للإنسان أن يُبدِّل خلق الله، أو يخرج على قدره، أو يرتاب في علمه وقدرته وحكمته؟!
ولَمَّا كان طريق البناء للإنسان هو طريق الابتلاء بالخير والشّر، ولا طريق له غيرُه، وهو المؤدّي إلى كماله إذا صَبَرَ عليه، ووفّاه حقَّه، وتعامل معه التعامُل الذي دلّ عليه منهجُ الله كان الابتلاءُ في حياة الإنسان سُنّة شاملة من سُنَنِه سبحانه التي لا تتغيّر. إنّها السُّنة التي لا تتوقّف عند أيّ درجة من درجات القُرْب والإيمان، وتستمرُّ مع الإنسان مع استمرار الحياة حتّى تُغادِرَ روحُه جسدَه.
{إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً}(2).
وخَلْقُ الإنسان من أمشاج، وتركيبُ وجوده من روحٍ لها مستواها وأُفُقها وحاجاتها ومقتضياتُها، ومن بَدَنٍ له من هذه الأمور غير ما لها سِرٌّ يقف وراء ابتلائه، وخلفيّةٌ تضعه دائمًا في دائرة الامتحان بين متطلّبات هذين المكوّنين لطبيعته، وعليه أن يأخذَ بمنهج الله عزَّ وجلَّ الذي بَعَثَ به رسله في تعامله مع هذا الواقع الثنائيّ لوجوده من أجل أن يخرجَ من الامتحان ناجحًا وإلّا كان حتمًا مصيرُه الفشل والسّقوط.
{وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}(3).
ويقول سبحانه:{أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}(4).
واللهُ العليمُ الخبيرُ يعلم أزلًا صدقَ من صَدَقَ إيمانُه، وكذب من كذب إيمانُه، وأمّا الامتحان فيجسّد هذا الصدق أو الكذب ليكون متعلّقًا للعلم الإلهي بما هو عليه من تحقُّق وفعليّة في القول والفعل والسخط والرضا والتسليم والرفض والتوقُّف عن مقتضى الإيمان، ومسايرته.
تقول الرواية عن الإمام عليّ عليه السلام في تفسير قوله تعالى:{وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ…}(5) يقول فيها:”أنه يختبرهم بالأموال والأولاد ليتبيَّن الساخط لرزقه، والرّاضي بِقِسْمِه، وإن كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم، ولكن لتظهر الأفعال التي يُستحقّ الثواب والعقاب”(6).
والاختبار بالأموال والأولاد يأتي في صورتين: صورة التوسعة والتضييق، والإعطاء والمنع. فكلٌّ من ذلك فيه امتحانٌ للعبد، والنجاحُ فيه الشّكر لمن أُعطي ووُسِّع عليه، والتسليم والرِّضا بقدر الله لمن مُنع مثل الولد أو ضُيِّق عليه رزقُه. ويواجه من أُعطي الولد امتحاناتٍ أخرى كما في المصاب منهم بالعاهة والمرض، وكما في حالة الفَقْد. وفي تربية الأولاد امتحانٌ آخر كثيرًا ما يتعرّض فيه الإنسان للسقوط.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم أعِنّا على أنفسنا وعلى كلِّ ما يقف في طريق طاعتنا وتسليمنا لك في كلِّ ما ابتليتنا به من خيرٍ أو شرٍّ، وارزقنا العافية عافية الدنيا والآخرة يا حنّان، يا منّان، يا جواد، يا كريم، يا رحمان، يا رحيم.
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}(7). 

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي تعود إليه الأشياء كلُّها في مبدئها ومنتهاها، وهي محكومةٌ لقدرته في كلِّ مداها، ولا خروجَ لها عن أمره في تأثيرها ومقتضاها، ولا تجاوزَ لها عمّا قُدِّر أن يجريَ عليها.
العزُّ له وحده، وكلُّ ما عداه من شيء مقهور له، ذليل بين يدي عظمته، خاضع لجبروته.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.
عبادَ الله اطلبوا الحقّ وخذوا به؛ فالجاهلُ وهو قادر على أن يعلم مسؤول، والمفرِّط في ما عَلِمَ من الحقّ موزور. فلا عُذْرَ لمقصِّر في علم أو عمل، ولا نجاةَ إلّا لمن طلب الهدى وأقام حياته عليه.
وكلُّ ما يكسبه المرء من ضرٍّ أو شرٍّ فهو لاقيه، وغدًا لا يُعطي أحدٌ أحدًا من أجره شيئًا، ولا يَحمل مختارًا من وزره وزرًا. فمن طلب النجاة يوم القيام فليجتنب الإثم، ومن أراد المنزلة الرفيعة فليُكثِرْ من العمل الصّالح، ولا يُفارق التقوى.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التوّاب الرحيم.
اللهم اجعلنا من أصدقِ وأخلصِ أهل طاعتك، وعبادتك، وتقواك، ومحبتك، وأطلبهم لرضوانك، وأشدِّهم تمسُّكًا بِعُرى دينك، والسُّبُل المنيرة السّالكة إليك، المقرّبة منك يا رحمان، يا رحيم، يا كريم.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين الصَّادق الأمين، اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأنوارك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس ياربّ العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصرًا عزيزًا مبينًا ثابتًا دائمًا قائمًا.
أمّا بعد أيها الأعزّاء من المؤمنين والمؤمنات فإلى هذا العنوان:

شعبٌ ما أرشدَه!!

شعبُ البحرين شعبٌ ما أرشدَه!! ما أوعاه!! ما أصبرَه!! ما أصلبَه!!
أحسنَ الاختيار وهو يدخل حظيرةَ الإسلامِ والإيمان غيرَ مُكرَهٍ تقديمًا لهدى السَّماء على ضلال أهل الضّلال في الأرض. بَقِيَ على خطّ الإسلام والإيمان لا يرتدُّ، ولا يبحثُ عن أيِّ بديل. يتمتّع بحسٍّ سياسيٍّ جيِّد قديم، وروح وثّابة للخير، للهدى، للكمال، سبَّاقٍ للمطالبة بحقوقه السياسية والحرية والكرامة، ومُضحٍّ من أجل ذلك. يُصِرّ اليوم على الاستمرار في هذه المطالبة رغم كلِّ التضحيات الجسيمة، لا يلويه عن ذلك سياسةُ الرُّعب ولا محاولات المخادعة والالتفاف.
شعبٌ ما أوعاه، وما أرشدَه!! ولكنْ ماذا قال عنه نوّابٌ يدّعون أنهم نوّابُه، وممن يُدافعون – كما هو المفروض – عن حقِّه، ومعنويّته وحرّيته وكرامته؟ ما خرج من تحت قبَّة الحوار عن بعضٍ أنَّ شعبنا غير راشد؛ فهو قاصِرٌ عن الاختيار لنفسه، أن يُعطيَ رأيًا في شأنَ حياته وما يخصّه، أن يكون مرجعًا في أمر من أمور سياسته. المحاورون هم الذين يُقرّرون له، ومن فوقهم السلطةُ صاحبةُ الحقّ أصلًا في الولاية عليه، والمسؤول الأوّل والأخير، وذاتُ الإرادة المطلقة في إدارة أمره، وسياسة حاضره ومستقبله.
وإنَّه لا مستقبلَ على المستوى المنظور لرشده(8)، إنْ لم يكن من المستحيل عليه أن يتحقّق له الرُّشدُ، وتكتمل الأهليّة لأن يختار لنفسه بَدَلًا من اختيار المحاورين ومن فوقهم له.
ومن هو الحَكَمُ الذي يُرجع إليه في رشد الشعب لو أمكن له أن يرشد ولو في المستقبل غير المنظور؟ المحاورون سيذهبون، ونحتاج إلى السُّلطة التي يشكو منها الشعب، ويختلف معها، وتمنعُه حقَّه وهي (9) صاحبةُ الحقّ الطبيعيّ الأصليّ في الولاية عليه إلى أن تعترفَ برشده وأهليّته.
والشعبُ الآن يعيش مرحلةً من مراحل طويلة لابد أن تمتد كثيرًا لصناعة رشده هي مرحلة القتل الظّالم للأعزّاء من أبنائه، التوقيف، السِّجن، العقوبات المشدَّدة للمطالبين بحقوقه، حَمَلات التنكيل العامّ لمناطقه السّكنية انتقامًا من الإصرار على حرّيته، الحرمان والتجويع، والفصل من الوظائف، والتهجير، وسَحْب الجنسية، والتعذيب، والمداهمات الشَّرِسة للبيوت، وقائمة طويلة من الانتهاكات والتجاوز(10).
هذه هي طريقة التأهيل التي تختارها السلطة لتأهيل هذا الشّعب القاصر، وكَسْبِه صِفة الرّشد المطلوبة لإعطاء رأي في سياسة حياته(11).
الكلمة التي جاء بها النبأ عن جلسة من جلسات الحوار كلُّها ظُلْمٌ لهذا الشعب، استخفاف به، هدر لكرامته، مصادرة لحقّه، خَنجر في خاصرته.
ولقائلها ألفُ تحيّةٍ من هذا الشّعب وإكبار(12).

ألهذا كان الحوار؟

إذا استحكمت مشكلة ما بين طرفين واتَّجه الرأيُ منهما إلى حلِّها سُلِك الحوار طريقًا لهذا الحل. فهل انطلقت السُّلطة في دعوتها للحوار الذي كانت المعارضة تدعو إليه كثيرًا من رغبةٍ حقيقيّةٍ في حلّ الأزمة السياسيّة المستحكِمة والتي كلَّفت الوطن كثيرًا، وأرهقته كثيرًا؟
إذا كان كذلك فالنيّة سليمة ولكنَّ التخطيط سقيم، ومثله سُقمًا مسار السُّلطة في الحوار وإصرارها على ألا تتزحزح قيد أنْمُلة عن مواقفها المتصلِّبة التي لا تنسجم مع نيّة إنجاحِ الحوار لو كانت.
وعلى خلاف هذا الفَرْض وأن تكون الدعوة للحوار إنَّما جاءت من منطلقٍ سياسيّ خاص ولغرض إعلامي يُعالج حالة الضّغط الأدبي من مجامع عالمية ومنظمات حقوق الإنسان، ولتدارك شيء من السُّمعة المتدهورة في أوساطٍ خارجيّةٍ كثيرة يكون نوعُ التخطيط للحوار وما يحمله من عوامل فَشَلِه، والمسارُ العمليُّ الذي يأخذ به الطرف الرسمي بمجمله أثناءه منسجِمًا جدًّا مع الخلفية الدِّعائية التي انطلق منها.
ومما ينسجم مع هذه الخلفيّة استمرارُ حالة القمع وتوتير الجوّ الأمنيّ، والمحاكمات التي لا يتوقّف تصاعدها، وبقاء الملفّ الحقوقيّ على حالته من التدّهور الخطير، وتعطيل توصيات تقرير بسيوني كلّ هذه المدّة الطويلة بعد إعلان الالتزام وتحمُّل مسؤولية تنفيذها، وإعطاء موعدٍ حاسم بعد موعد لهذا التنفيذ مع استمرار حالة الإهمال والتعطيل، وكذلك بالنسبة لتوصيات جنيف.
فلحدِّ الآن تسمع عن قضيّة المفصولين من وظائفهم ومصادرة حقِّ العودة الثّابت لهم قانونًا. ولحدِّ الآن لم يَسمعْ أحد عن محاكمة مسؤول واحد كبير من مسؤوليّ التعذيب. ولحدِّ الآن لم يأتِ حُكمٌ واحد لأيّ مباشر للقتل تحت التعذيب بصورةٍ مكافئة. ولحدِّ الآن تغرق مناطقُ المسالمين بالغازات الخانقة والسَّامة، ولحدِّ الآن تستمرُّ الانتهاكات وتجاوز القانون بصورة واسعة صارخة وعلى مسمع ومرأى النَّاس.
أفلأجل ذرِّ الرَّماد في العيون، وتلميع السُّمعة، وتخدير الأعصاب ولو بصورة مؤقتة كانت الدّعوة للحوار؟ حتّى هذه الغاية لم يستطع الحوار أن يُحقِّقَها لما عليه طبيعةُ التخطيط له وهندسته، وطبيعةُ الموقف المتصلِّب من السُّلطة في مرحلة مقدِّماته، وما يُوازيه خارج جدران جلساته من تصعيدٍ أمنيٍّ وتدهورٍ حقوقيٍّ في استمرار.
والحوار الذي يستحيل في رأي الطّرف الرَّسميّ أن تُعرضَ نتائجه على الشعب للتعرُّف على رأيه فيها ضمانًا لنجاح الحل أيُّ جديّة فيه؟
والحوار الذي يرفض الطّرفُ الرَّسميّ من طرفيه التوصّل إلى الآلية التي يُشارك الطرفُ الشعبيُّ فيها بما يضمن تنفيذ نتائجه ماذا قيمتُه؟
ماذا يحمل من قيمةٍ عملية بعد تجربة توصيات بسيوني التي فَشلت السلطة مع إعلان التزامها المشدّد بها في تنفيذها كلّ هذه المدة التي تجاوزت الحدّ المعقول مع تكرار الوعود والتصريحات المتعلِّقة بها وأنَّ ملفَّها لابد أن ينتهيَ بشكل كامل؟(13)
وعجيبةٌ أخرى من عجائب هذا الحوار أنَّ السُّلطة التي دعت إليه، ووضعت خطته، وتتحكّم في مجراه، وتُديره لا تريد أنْ تُعطيَ التزامًا بما يُتوصَّل إليه من خلاله، وبين جميع أطرافه.
وثانيةٌ تضاف إلى عجائبه هي إصرار الجانب الرسميّ على عدم التكافؤ في التمثيل وأن المعارضة عليها أن تقبل أن تكون بنسبة واحد من ثلاثة تقريبًا(14).
أنستطيع مع ذلك كلِّه أن نقول بأنه أُريد للحوار النجاح وأن يخرج بهذا الوطن المكروث من المحنة؟!
نتمنَّى أن تتعدَّلَ النيَّة، وأن تُسَدَّ الثغرات، وتُصحّح الأخطاء وتُطلب للحوار أسباب نجاحه رحمة بهذا الوطن وبكلِّ من فيه، ورعاية لمصلحة حاضره ومستقبله.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
ربنا اغفر لنا إسرافنا على أنفسنا وتجاوز عنَّا بفضلك يا كريم يا رحمان يا رحيم، وهب لنا ربنا من رحمتك ما يدفع عنا، ويرفع عنّا كل سوء.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون (15).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – وإن كانت كبيرة.
2 – 2/ الإنسان.
3 – سورة العصر.
4 – 2، 3/ العنكبوت.
5 – 28/ الأنفال.
6 – نهج البلاغة ج4 ص21 ط1.
7 – سورة التوحيد.
8 – كما ترى لنفسها.
9 – متى يرشد هذا الشعب؟
10 – هذا هو طريق تربية الشعب، ترشيد الشعب كما هو نظر السلطة.
11 – هتاف جموع المصلين (هيهات منا الذلة).
12 – هتاف جموع المصلين (لن نركع إلا لله).
13 – كم من مرّةٍ سمعنا أن ملف المفصولين لابد أن ينتهي في الموعد المعيّن انتهاءًا كاملًا؟ وكم من مرّة تجاوزنا مثل هذه المواعيد بلا أن يكون شيئ؟!
14 – وذلك على حدّ طبيعة الانتخابات السارية في البلد.
15 – 90/ النحل.