المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (549) 23 جمادى الأولى 1434 هـ ـ 5 أبريل 2013م

خطبة الجمعة (549) 23 جمادى الأولى 1434 هـ ـ 5 أبريل 2013م

مواضيع الخطبة:

الخطبة الأولى: علم أو جهل

الخطبة الثانية: شهيد لا ينسى – هدم المساجد – ليل البحرين وضحاها

الخطبة الأولى

الحمد لله القادر بلا عجز، العزيز بلا ذلّ، الغنيّ بلا فقر، الحيّ بلا موت، الموجود بلا حدوث، العالم بلا جهل، الكامل الذي لا يجوز عليه نقص، وجلَّ كماله عن الحاجة إلى الزيادة إذ له الكمال بلا حدٍّ ولا نهاية.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمّدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.
عباد الله الذي لا مفرَّ لكم من دونه، ولا يَحمي شيءٌ من قَدَره، ولا تُلجئ قوّة من غضبه، ولا مصدر لوجودٍ ولا حياةٍ، ولا رزقٍ غيرُه. أيّ عقل يُجيز الإقدام على سخطه، وينصح بالتعرُّض لعقابه، ويُشير بمضادّته، والخروج على أمره ونهيه؟!
قد خَرَجَ على عقله من خَرَجَ على أمر الله ونهيه، وقد غَلَبه الهوى من أقدم على معصية الله ومضادّته، وقد أهلك نفسه مَنْ عرَّضها لسخط الله وعقوبته.
اتّقوا الله عباد الله توقُّيًا من عذابه، وطمعًا في ثوابه، وتوصُّلًا إلى رحمته وكرامته، وإلّا فإن عذاب الله لا يُطاق، ونَقِمَتَه لا تُحتمل، وبأسَه لا رادَّ له.
يا من يحول بين المرء وقلبه حُل بيننا في عافية وسلامة وبين معصيتك، والدّنو مما يوجب غضبك، ومن الضّعف أمام الشيطان، والأنسِ بهوى النفس، والثقةِ بأهل الضَّلال.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، وبارك على محمد وآل محمد، وترحّم على محمد وآل محمد أفضل ما صلّيت وباركت وترحّمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك جميد مجيد، وصلّ على جميع أنبيائك ورسلك وملائكتك يا أرحم الراحمين.
أمّا بعد أيّها الإخوة المؤمنون والمؤمنات فموضوع الحديث:

علم أو جهل؟

السير في الظلمة عثراتٌ وكبواتٌ، ومنزلقاتٌ ومهالك، وكم انتهى السير في الظلمة بصاحبه إلى تِيْهٍ وضلال!! يأخذ به إلى غير المقصد، وينتهي به إلى غير الغاية، ويفاجئه بالكوارث.
أما السائر في النّور فعلى بصيرة من معالم الطريق، وكلِّ منعطفاته وملتوياته، وكلِّ ما نُصِب فيه من علامة وإشارة. لا يضيع شيءٌ من خطاه، ولا يخسر شيئًا من سعيه، ولا يُخطئ القصد إلى غايته، وكلّما أَفْسَحَتْ له الرؤية في امتداد البصر تجنَّبَ مباغتة الأخطار.
وقد قالوا بأنَّ العلم نور، والجهلَ ظلمة، وليس الأمر إلَّا كذلك، وهو ما تشهده كلّ نفس في واقع حياتها.
إنّ مساحات الحياة الدّنيا كلّها، والسيرَ في طُرُقِها يحتاج إلى نور العلم، وإنَّ خير الآخرة لا سبيل له بغير هذا النور.
وخطر الآخرة أكبر من خطر الدّنيا، والغموض الذي يكتنف طُرُقُها أشدّ مما يغشي طرق الدّنيا من غموض.
في هذه الحياة لا قيام لأمرِ صحّةٍ ولا طبٍّ، ولا غذاء ودواء، ولا زراعة وصناعة، ولا سياسة وإدارة واجتماع، ولا إعمارٍ وهندسة، ولا ما فيه تصحيحٌ وتقدّمٌ بمستوى الأوضاع، ولا حركةِ رقيٍّ إلّا بالعلم.
تصوّروا لو أنّ مساحةَ الطبِّ حكمَها الجهل ماذا سيتسبَّب ذلك في خسارة للأعمار. ولو أنّ حركة الطيران انفصلت عن العلم ماذا ستُسبِّب من كوارث. إن يومًا يخسر النّاس فيه علمهم بضرورات الحياة، ومتطلباتها وطُرُق الحفاظ عليها هو يوم خسارتهم للحياة أصلًا، وبصورة كاملة.
والأمَّة التي تتعطّل حركة العلم فيها لابد أن تكون أمَّة مشلولة كسيحة فقيرة مغلوبة مقهورة.
فحيث تتوقف حركة العلم لأيّ أمة تتوقف حركة التقدم في وجودها، وتكون قد بدأت طريق نهايتها، والطريق إلى الهاوية.
والدعوة إلى العلم دعوة العقل والعقلاء في كلّ الأمم وفي كلّ زمان، وفي كلّ مكان.
ولكن لا دعوة للعلم في سعةِ، وتركيزِ، وإصرارِ، وتأكيدِ دعوةِ الدّين الحقِّ إليه.
وما خُوطبَ الإنسان عامّة ولا إنسان الأمّة الإسلامية بخطابٍ يدعوه إلى العلم ويحمّله مسؤوليته كما كان عليه خطابُ هذا الدِّين.
ولقد فرّطت الأمة الإسلامية كثيرًا، ولفترة طويلة من الزمن في طلب العلم للدنيا وللآخرة. لقد أهملت وامتدّ إهمالها كثيرًا علم دينها، وعلم ما تفرضه عليها حاجات الحياة الدّنيا، ومسؤوليتُها بأن تكون أقوى الأمم.
ولقد كان للسياسة المنحرفة الدور الأكبر في التخلُّف العلميّ للأمة كما هو الحال في سائر التخلّفات، ولا زالت تُصِرّ على ارتكاب هذه الخطيئة الفادحة.
إنقاذًا للنفس، وطلبًا لخيرها، وإنقاذًا للمجتمع وطلبًا لخيره، وإنقاذًا للأمّة وطلبًا لخيرها، وإنقاذًا لكل العالم وطلبًا لخيره ينبغي لنا أن نكون في حركة علمية جادّة دائمة صاعدة في مسار علم الدٍّين والدنيا تجمع هذه الحركة بينهما بشغل كلّ التخصّصات المتعدِّدة المطلوبة بصورة متناصرة متكاملة متناسقة ما وسع الجهد، واتسعت المواهب والإمكانات.
أيّها الإخوة والأخوات لا مُستثنى منّا جميعًا في حركة العلم المستمرّة الصَّاعدة. لا أميَّ ولا متعلّمَ، ولا طالبَ ولا مدرّسَ، ولا أيَّ مستوى من المستويات العلمية المتقدِّمة خارج دائرة المسؤولية في طلب العلم، والمضيّ في سبيله حتّى الأخير.
ولا عطلة في طلب العلم إلّا ما فرضته الظروف القاهرة على الشخص(1). ولا قمة من قمم العلم التي يمكن أن يصل إليها جادٌّ نابه مُلهَم تُعدُّ هي النهاية التي تُجيز توقّف هذه الحركة التي هي حركة العمر كلِّه. لا توقُّف على الإطلاق في حركة الصعود العلمي الدينية والدنيوية عند نقطة معيّنة على الإطلاق.
ولا تطور في المسار العملي في صورته الإيجابية الصَّالحة من دون استمرارٍ وتوسُّع في هذه الحركة، وإعطائها ما تستحقه من الجهد والوقت والمال وكلّ الإمكانات المساندة.
ولعلم الدّين من يتفرّغ له، ولعلم الدُّنيا من يتفرّغ له، ولا غنى للأمة بأحدهما عن الآخر، وليس منهما ما يشير بإهمال صاحبه، أو يعاديه.
وما أكثر وأشدّ حثّ الإسلام على طلب العلم النافع بصورته العامَّة، وما أنفع علومًا دنيوية رئيسة كعلم الأحياء والفلك والطبّ في تركيز الرؤية الكونية الدينية وتعميقها وبلورتها وتسييجها عن الأوهام والشبهات.
ومقدارٌ من علوم الدنيا يحتاجه الحفاظ على الصحَّة والحياة بدرجة ملحّة لابد منه لكل فرد، ومقدار من علوم الدين تقضي به ضرورة التدين وتكاليفُه لا يمكن لمسلم أن يُفرّط به.
ولشرف الحديث، وصدقه، وإعطاء الموضوع الأهميَّة البالغة، والجديَّة التي يستحقها يُتوَّج بذكر بعض الآي الكريم، والحديث الشريف من كثيرٍ يصعب استيعابه:
من آيات الكتاب العزيز:
{… قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ…}(2).
{… يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}(3).
{… إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}(4).
ومن السنّة المطهّرة:
“من لم يصبر على ذلِّ التعلّم ساعة بقي في ذلّ الجهل أبدًا”(5)، “اكتسبوا العلم يُكسبْكُم الحياة”(5)، “لوددت أنّ أصحابي ضُربت رؤوسهم بالسياط حتّى يتفقّهوا”(7)، “اطلبوا العلم ولو بالصّين؛ فإنّ طلب العلم فريضة على كلّ مسلم”(8).
اللهم صل وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم لا تدعنا لجهلنا، ولالهوى نفوسنا، ولا لسوء نيّاتنا، ولاتجعلنا ممن فرّط في عمره، وأهمل أمر دينه، فخسر الخسارة الكبرى، وانقلب إلى العاقبة الأردى. أنقذنا ربّنا من كلّ سوء، وهب لنا خير الدّنيا والآخرة إنك الجواد الكريم، الرَّحمن الرحيم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}(9). 

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي انقادت له السماوات والأرض، وذلَّت له الجبابرة، وصغر أمام إرادته الأبالسة والفراعنة، وخضعت كلُّ الأشياء لقدرته، ولا يقوم شيءٌ لقهره، وانتظم أمر المخلوقات بتدبيره، واستقام الكونُ لتقديره، وشهد كلُّ شيء من صنعه بعِلمه وحكمته وعدله وإحسانه.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وزادهم تحية وبركة وسلامًا.
عباد الله للعقول ما يُصلحها، وما يُفسدها، وللنفوس والأبدان ما هو كذلك، وكلُّ دين الله وأحكام شريعته لجلب المصالح، ودرأ المفاسد، ووقاية الإنسان من الخسارة، والبلوغ به إلى الغاية، وليس في الدين عبثٌ ولا جزاف.
وما من تكليف من تكاليف الدين، وما يتحمَّلُه الإنسان من صعوبة في أداء ما دعاه إليه دينُه إلّا وكان طريقًا من طرق بنائه وقوته ومتانة وجوده، وتصفيته من أدرانه، وتزكيته وتطهيره، وكان ثوابه أجزل، وجائزته أعظم.
فلنُجاهِد النفس ضعفَها ووسوستَها واستثقالَها لبعض التكاليف، ونكوصها عن الطاعة، وتلكّؤها على الطّريق، ولنتّق الله سبحانه ونُصِرَّ على الاستقامة حتى تؤتى النفسُ هُداها، وتقوى وتكمُل وتكرُم وتسْعَد، وإلا خسَّت وخسِئت وخسِرت وصارت إلى هلاك.
اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين.
ربّنا أعنَّا على أنفسنا، واهدنا لما فيه رشدُنا وخيرُنا، وأبلغنا رضاك، وتولّنا برعايتك وكفايتك يا رحمان يا رحيم يا أجود الأجودين، وأكرم الأكرمين.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين الصادق الأمين، وعلى عليٍّ أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصّديقة الطّاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأمنائك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم. اللهم صلِّ وسلِّم على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القُدُس ياربّ العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصرًا عزيزًا مبينًا ثابتًا دائمًا قائمًا.
أما بعد أيّها الأحبّة في الله فإلى أكثر من عنوان:

شهيد لا يُنسى:

ذلك هو الشّهيد السّيد محمّد باقر الصّدر شهيدُ الإسلام والأمَّة والحريَّة والعزّة والمجد والكرامة. وإنَّ الأمّة التي تنسى الشّهيد الصّدر لتشهدُ على نفسها بضحالة الوعي، وضعف الذاكرة، وقلّة الوفاء والإخلاص، وعدم التقدير للعلم والإيمان والجهاد والشّجاعة والفداء والتضحية والبطولة.
عاش الرّجل للدّين، واستُشهِد في سبيله، وقد سلك طريق الشهادة عارفًا به، ثابتًا عليه، صابرًا على كلفته، عاشِقًا فيما تدلّ عليه مواقفه للقاء ربّه.
ومن منطلق دينه وعلى خطِّه عاش حياته لأمّته، وأعطى لعزّتها وحرّيتها وكرامتها دمه.
من حقّ الشهيد الصدر أن لا يقتصر الاحتفاءُ بذكراه على إطار طائفته. فكما عاش للأمّة كلِّها فكرها وقضاياها ودينها ونهضتها ورفعتها فعلى الأمّة كلّها أن تُظهر الاعتزاز به وتكريمه اعتزازًا بدينها وتكريمًا له، ولنفسها. وكما حَمَل همّ الإنسانية كلّها، وأخلص إليها فعلى المجتمع الإنساني أن يعرف له انفتاحه وإخلاصه له ووفاءه.
والاحتفال بالشّهيد الصدر على مستوى الأمَّة احتفال بإيمان بالغ، ورؤية إسلامية ثاقبة، وقدرة علمية إبداعية فائقة، وروح إنسانية طاهرة، وشعور اجتماعي دفّاق، وحسٍّ غيري غزير، وعواطف نبيلة كريمة متوهّجة، ومواجهة عنيدة لطاغوتية عنيفة لا ترحم، ولا تعرف حدودًا للعدوان، واحتفال بروحٍ تضحويّة عالية لا تدّخر شيئًا في سبيل الله، ونَظَرٍ مستقبلي بعيد، وصَبْرٍ وجَلَد يعلِّم الأمّة الصمود.
الرجل كنز ثرٌّ من كنوز هذه الأمّة النادرة والتي لا يجود بها الزمان كثيرًا، ويقِلُّ لها النظير.
وواحد من مواقف الشهيد الصدر الرّساليّة والبطوليّة على صعيد الرّوح فرحته العارمة الكبرى بانتصار الإسلام في إيران، ووضعُه لإمكاناته بكلّ تواضع بيد القيادة الإيمانية المظفَّرة للثورة هناك التي تحقّق لها النصر، وأخذت ذلك البلد الإسلامي إلى شاطئ الأمان.
رحمه الله من شهيد عظيم ورَفَعَ في الجنَّة مقامه.

هدم المساجد:

ذكرى هدم المساجد في البحرين على يد السّلطة ذكرى موجعة غائصة الألم إلى الأعماق. ذكرى كما هي مؤلِمة فإنها فاضحة ومعرّية ومخزية، لا تغسل سوءَتَها الأيام، ولا يمحو عارها الزّمن.
ويُلهبُ الألم، ويزيدُ العار، ويضاعفُ الفضيحة ويُشدّد الخزي أن يستمر العنادُ للدّين، والاستخفاف بحرمة بيوت الله، فتُعطَّل عودة المساجد، ويُصادَر هذا الحقُّ لبعضها، وينازَع البعض الآخر منها على مواقعها.
وشَرَفٌ أن يبقى الشعب على دفاعه المستميت عن حرمة المساجد، وإصراره على إعادة عمارتها على المستوى الماديّ والمعنويّ، والحفاظ على مواقعها ووظيفتها الدينية المقدّسة، وبقائها كما أرادها الله سبحانه تشعّ الهدى، وترفع لواء التوحيد، وتبثّ الإيمان، وتدعو للخير، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتُوحِّد الأمّة، وتجمع شملها، وتذود عن الإسلام، وتُثبِت الحقَّ، وتنفي الباطل(10).
ولا يمكن لهذا الشعب المسلم المؤمن أن يُفرّط في حرمة شبر أو أقل من شبر من مسجد واحد من مساجد هذا البلد العريق في الإيمان.
أمر المساجد لا يقبل عقلُ هذا الشعب أن يغفُلَه، ولا ذاكرته أن تنساه، ولا غَيرته أن تهمله، ولا هِمَّتُه أن تتساهل فيه، ولا عزيمته أن تفتُرَ عنه.
حماية المساجد، وإعادة إعمارها بناءًا وصلاة وذكرًا وتلاوة وتعبُّدًا وتهجّدًا، وتوحيدًا خالصًا لله سبحانه بلا شائبة من شرك، ولا عبادة لمن سواه، ولا طاعة على خلاف طاعته واجب شرعيٌّ يدرك هذا الشعب قدسيَّته، ويُقدّر حرمته، ولا يتخلّف عن تحمّل مسؤوليته، ولا يمكن أن يُساوَم عليه، أو أن يمسحه الزمن من ذاكرته(11).
وإنَّ إصرار الإخوة العلماء وطلاب العلوم الدينية الغيارى المحترمين ومن ورائهم جماهير هذا الشعب المؤمن الأبيّ على إقامة صلاة الجماعة في المساجد المهدّمة في تحدٍّ واضح لظروف الحرّ والبرد، والظرف الأمنيّ المُشدَّد لشاهد حقّ على الإيمان القويّ، والغَيرة الدينية، والإصرار الثابت على أداء هذا الواجب، والوفاء لحقّ الإسلام وحرمة هذه المساجد.
بُورِكْتَ يا شعبَ الإيمان والهدى والعزيمة والإصرار على الحقّ.

ليل البحرين وضحاها:

السّلطة في البحرين والمعارضة والموالاة؛ الكل صار يعترف بوجود أزمة في البحرين، وأنّ وراء الأزمة خللا في مُجمل الوضع يحتاج إلى تصحيح.
والكلُّ وبحسب ما تُظهره تصريحاته أنه لا يريد إلَّا أن تخرج البحرين من ليلها إلى ضحاها، ومن عُنق الزجاجة إلى المساحة الواسعة، والفضاء الرّحْب، والجو الفسيح، وأن تتخلّص من أزمتها، وتجد العافية، وتعيش الرّاحة والاطمئنان والازدهار، وتغنى بالحركة الإيجابية البنَّاءة النشطة التي تحتاجها في كلِّ مسارات تقدّمها.
والسؤال المهم: أين ليل البحرين، وأين ضحاها؟ في أيّ شيءٍ ليلُ البحرين وضحاها؟
ليل الشدّة والظلام، والتّيه والضّياع، والعُبوس واليأس والقنوط، والخطر المحدِق، والتوقّعات المخيفة في أي توجّه، وفي أي نداء، وفي أي طرح، وفي أي موقف؟
وضُحى الفرج والضياء، والرَُشْد والهدى، والأمل والرجاء، والنتائج السعيدة، والغد الواعد، والأيام الحبلى بالطيّبات في أيّ توجّه، في أيّ نداء، في أيّ طرح، في أيّ موقف؟
توجّهٌ، نداءٌ، طرحٌ، موقفٌ يدعو ويُصرّ على أن يبقى الدستور المثير للمشكلة هو الدستور، أن يبقى الشعب المعزول معزولًا عن موقع اتخاذ القرار واختيار من له اتخاذه، معزولًا عن التشريع أو التدخُّل في من يكون له حقّه، وعن التنفيذ والرأي في من بيده سلطته، وعن القضاء وعن الكلام في من بيده أمره.
أن تبقى عملية الانتخابُ شكلية تؤدي إلى نتيجة حتمية تُمكّن من بقاء الوضع سلطويًّا شموليًّا متحكِّمًا نافذًا بصورة مطلقة، ودور الشعب الطاعة والاستجابة، والانقياد، وتلقّي الأوامر والنواهي السيادية القاهرة(12).
أن يبقى الشعب بلا رأي حقيقي أو على الإطلاق في سلطة تشريعيَّة أو تنفيذية أو قضائية، وخارجَ العملية السياسية، منتظِرًا كلَّ ما يُملى عليه لِيُسارع في الاستجابة والتنفيذ(13).
أن تبقى عشرة أصوات وعشرون صوتًا انتخابيًّا من جهة لا تعدل في قيمتها إلّا صوتًا انتخابيًّا واحدًا من جهة أخرى.
أن يكون التمييز بين المواطنين على أساس الولاء السياسيّ للسُّلطة. وأن يكون هذا الولاء هو المقياس، وهو القانون، وهو الحَكَم في التقديم والتأخير في كلّ المواقع التي تقع تحت يد الدولة أو ما يمكن أن تصل يدُها إليه من مواقع بلا أيّ حساب لأي ترجيح آخر يقوم على الكفاءة والأمانة والإخلاص للوطن.
أن تُعاقَب الكلمة الحرّة، والرّأي المطالب بالإصلاح، والمسيرةُ المعترِضة على الظلم، وأيّ اعتصام، وتجمُّع من هذا النوع بأعلى درجات القسوة والشدّة، وأغلظ ألوان التنكيل، وأن يتوالى تساقط الشُّهداء على هذا الطريق، وتشتغل الجماهير بتوديع الشهيد بعد الشهيد، والمظلوم بعد المظلوم، والمألوم بعد المألوم للعَسْف، والقهر، وسحق الكرامة، ويختنق من يختنق، ويُجرح من يُجرح، ويُقتل من يُقتل من أبناء الشّعب عند تشييع كلِّ شهيدٍ وكلِّ مظلوم، وكذلك يوم إنهاء مجلس الفاتحة على يد قوَّات الأمن.
ويُشار هنا أنه لم يمضِ وقت بين توديع الشعب للطّويل حتى وُدِّع الريّس في سلسلة متواصلة الحلقات من الشهداء والمظلومين المقهورين. سلسلة مضيئة من السُّعداء، ولكنّها كلّما طالت عقّدت من الوضع المتأزّم، وضاعفت الأخطار، وأكّدت المحنة، وضيّقت المخارج(14).
هذا توجّه، ونداء، وطرح، وموقف. أما آخر فيذهب إلى الإصلاح الحقيقي القادر على كسب رضا الشعب وتوافُقه مع الحلّ الذي يُنتهى إليه مما يُلبّي متطلبات المرحلة، ويضع الوطن على سكّة الإنقاذ، ويُصحِّح العلاقة القائمة بين دور الشعب ودور الحكم وهي علاقة فاقدة في حاضرها لأيِّ توازن مطلوب، وبعيدةٌ كلَّ البُعْد عن موازين الحقّ والعدل، وما وصل إليه العصر من اعتراف بقيمة الشعوب وحقوقها.
هذا التوجُّه، والنداء، والطرح، والموقف الثاني يواجه الأزمة بحلٍّ يتطلب جرأة وشجاعة من السلطة ومن كلِّ المستفيدين من الحالة الرَّاهنة السّيئة للوضع السياسيّ وما يترشَّح عنه من أوضاع تتبعه في سوئه ورداءته تواجه فيهم نوازع التسلّط المطلق وروح الاستئثار، والتمسُّك بتهميش الآخر.
هذا التوجّه يذهب إلى حلٍّ هو الأقرب ما أمكن إلى العدل والإنصاف والمساواة بين المواطنين على أساسٍ من مواطنتهم المشتركة بلا مُرجِّح إلّا من خبرة وكفاءة وأمانة، وتفانٍ في خدمة الوطن بعيدًا عن الحسابات الفئوية والطائفية والعائلية والقومية، وبعيدًا عن حسابات الولاء السياسيّ والمصالح الشّخصيّة الذي يُمثِّل المقياس الوحيد في الوضع المريض الظالم الرّاهن.
ونُعيد السؤال هنا من جديد الحل في أيّ التوجّهين؟! خير الوطن في أيّ الموقفين؟! ضُحى البحرين في أيٍّ من الطرحين، والندائين؟! أيٌّ من الرأيين يُبقي ليل البحرين سرمدًا، ويقضي على أمل الخروج من النفق المظلم الكئيب المخيف المرعب؟ وأيّهما يطلّ بها على انبثاقة الفجر، وانفجار النور؟
لك دين، لك عقل، لك ضمير، لك تجارب، لك فطرة فلتقضِ من خلال كلِّ ذلك في جور أحد الرأيين وعدل الآخر.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم لا تجعل لنا رأيًا مُنافيًا للحقِّ، ولا قولًا في غير رضاك، ولا مَيلًا بظلم، ولا موقفًا من وحي الهوى يا لطيف يا رحيم يا كريم.
اللهم ارحم شهداءنا وموتانا وارحم عبدك وابن عبديك عبد الغني بن حسن الريّس، وأقِرَّ عينه بما يُرضيه من إحسانك، واشف جرحانا ومرضانا، وفكّ أسرانا وسجناءنا، ورُدّ غرباءنا في خيرٍ وسلامة وعزٍّ وكرامة، وفرّج لنا فرجًا عاجلًا يا حميد يا عزيز يا مجيد.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون (15).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – وإلّا فلا عطلة في طلب العلم في كلّ العمر.
2 – 9/ الزمر.
لا فرد يستوي مع فرد أحدهما جاهل والآخر عالم، ولا شعب يستوي مع شعب أحدهما جاهل والآخر عالم، ولا أمّة تستوي مع أمّة أخرى إحداهما تعيش الجهل والأخرى ترتع في رياض العلم.
3 – 11/ المجادلة.
4 – 28/ فاطر.
5 – بحار الأنوار ج1 ص177 ط2 المصححة.
إذا أراد شعب أن يبقى في الذل أبدًا فليلزم خط الجهل، إذا أرادت أمّة أن تكون كذلك فعليها أن لا تفارق خطّ الجهل.
6 – موسوعة العقائد الإسلامية ج2 ص32 ط1.
7 – الكافي ج1 ص31 ط5.
الصعوبة موجودة. لابد من شدّة، ولابد من تشديد على طلب العلم، وطريق العلم ليس مفروشا بالرياحين، ولو كثرت صعابُه، وعظمت مشقّته كان على الأمّة أن لا تعدل عنه.
8 – وسائل الشيعة (آل البيت) ج27 ص27 ط2.
9 – سورة التوحيد.
10 – هتاف المصلين (الله أكبر، النصر للإسلام).
11 – هتاف المصلين (لبيك يا إسلام).
12 – هتاف المصلين (هيهات منا الذلة).
13 – شأنه شأن العبيد.
14 – وأعطت للشعب اندفاعة أكبر، وإصرارا أشد على مواصلة الطريق.
15 – 90/ النحل.