المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (548) 16 جمادى الأولى 1434 هـ ـ 29 مارس 2013م

خطبة الجمعة (548) 16 جمادى الأولى 1434 هـ ـ 29 مارس 2013م

مواضيع الخطبة:
الخطبة الأولى: تتمة لموضوع: بين السنة والبدعة

الخطبة الثانية: وعد النصر – هل من نية إصلاح ؟

 

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي جَعَلَ النِّداء إلى الدّين من أصل الفِطرة، وأنبتَ أُصولَه في وجدان الإنسان، وجذورَ أخلاقِه في ضميرِه، وجَعَلَ غايتَه غايةَ له، وهداياته طريق كماله، وعزَّز فِطرةَ الدِّين بآيات لا يعدّها العادّون، ولا يُحصيها المحصون، ولم يَترك لأحدٍ مجالًا للجحود، ولا مُتَّسعًا للإنكار.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمّدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.
عِبادَ الله ما من نفسٍ إلَّا وتطلب الغايةَ، وتستهدف الكمالَ، وتنشُدُ السَّعادة ولكنّها قد تضلّ الطريق، ويغلِب منها الهوى الهدى، وتميل بها عن الصِّراطِ الشهوات.
وما تضِلّ نفسٌ مجبورةً على الضَّلال، وما تميل عن الحقّ، ولا تَعمى عن الصِّراط مقهورة.
للضَّلال أسباب، وللعمى عواملُ منها ما يكون بسعيٍ من النفس، ومنها ما يدخل على الإنسان من غير اختيار ولكنْ لا شيءَ من ذلك يسلب خيار الكفر والإيمان، والشرِّ والخير، ويَذهب بأصل البصيرة، ويُعطّل عمل الإرادة.
وسبيلُ الإنسان إلى الإبقاء على صفاء الفِطرة، وصِحّةِ الرّؤية، وقوّةِ الإرادة، ونورِ القلب أن يطلبَ العلم، ويَجِدَّ في طلب المعرفة، وأن لا يواقع القبيح، ولا يأتيَ السيّئة، وبالتعفُّفِ يكسبُ زيادة في البصيرة، وحمايةً للسّريرة من مسِّ الأقذار والتلوُّث بالشهوات والقبائح. وطريقُ تقوى الله عزّ وجلّ هو الضّمان؛ فلنتّق الله تبلغ بنا تقواه ما بَلَغَت به الصَّالحين من قِمّة الكمال، ومُنتهى السعادة.
اللهم صلّ وسلِّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اجعلنا ممن يبقى ما حَيي على هُدى فِطرتك، ولا ينحرف به الضّلال عن الغاية التي ارتضيتَها لعبادك، ولا يميلُ به الهوى عن الصِّراط الذي دَلَلْتَهم عليه، وهديتهم له حتّى المنقلب إلى مستقرِّ رحمتك، ومأوى جنَّتك حيث تَقَرّ العيون، وتطمئنُّ النفوس يا رحمان، يا رحيم، يا جواد، يا كريم.
أمّا بعد أيّها الأعزّاء من المؤمنين والمؤمنات فالحديث تتمّة لموضوع:

بين السنّة والبدعة:

البدعة تطردُ السنّة، وتأخذ مكانَ الدِّين، وتبتعد بالحياة عن شريعة الله، وتُقيمها على أساس من هوى النفس والشّيطان؛ فلو أَذِنَ بها الدِّين لنفى نفسه، وأسَّس للقضاء عليه، وتناقض من داخله في جَعْلِ التشريع حقًّاً لله وحده، وفَتْح بابه لهوى الإنسان، فتحريمها لا يحتاجُ إلى نظر. ولكلِّ هذا تَشَدَّد الإسلام في مكافحتها.
مكافحة البدعة:
مكافحة البِدعة مسؤوليّة حمَّلها الإسلامُ كلَّ الأطراف المؤثّرة ممن يملكون موقفًا رادِعًا، أو كلمةً نافذة، ورأيًا مسموعًا، وممن لهم فكرٌ قادر على إبطال الشُّبُهات، وردّ ما يفترى على الدّين القويم. ومنهم:
1. فئة العلماء:
عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله:”إذا ظَهَرَتِ البِدَعُ في اُمَّتي فَليُظهِرِ العالِمُ عِلمَهُ، فَمَن لَم يَفعَل فَعَلَيهِ لَعنَةُ اللّهِ”(1).
والعلماءُ هم أبصر النّاس بما ينسجم مع الدّين الحقّ من فكرٍ وسلوكٍ ودعوةٍ، وما يُنافيه ويناقضه. وهم أسبق الفئات في اكتشاف هذه الانحرافات وبوادِرِها، والأغراض الخبيثة التي تقف وراءها، وعليهم أن يكونوا دائمًا بالمرصاد لمواجهتها(2).
ففي الحديث الآخر عنه صلَّى الله عليه وآله في موضوع البدعة:”إنَّ الشَّيطانَ يَضَعُ البِدعَةَ لِلنّاسِ فَيُبصِرُهَا العالِمُ فَيَنهى عَنها، وَالعابِدُ مُقبِلٌ عَلى عِبادَتِهِ…”(3).
ويضع الشيطانُ البدعةَ للنّاس عن طريق جاهل، ومتحمِّس للدِّين من غير فهم، أو عالم سوء ممن أغرقهم طمع الدّنيا وحبّ الجاه، والبحث عن الأتباع.
2. الحاكم:
يتحمّل الحاكم المسلم مسؤوليةً ضخمة في حماية الدّين، والذّود عن حريمه، ومواجهة المؤامرات التي تُحاك ضدّه. وما بيد الحاكم من قوّة الرّدع في مواجهة أوجُه الفساد والانحرافات ما ليس لغيره من النّاس. وإذا كانت عينُه مفتوحةً على حماية الدّين، والدّرأ عنه استطاع أن يُدير معركةً وقائيةً وعلاجيّةً ناجحة ضدّ كل ألوان الزيغ والانحراف والفساد وعلى صُعُدٍ متعدّدة علمية وتربوية وعقابيّة عادلة وغيرها.
عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله ـ وَالمُسلِمونَ حَولَهُ مُجتَمِعونَ ـ:”أيُّهَا النّاسُ، إنَّهُ لا نَبِيَّ بَعدي، ولا سُنَّةَ بَعدَ سُنَّتي( )، فَمَنِ ادَّعى بَعدَ ذلِكَ فَدَعواهُ وبِدعَتُهُ فِي النّارِ، فَاقتُلوهُ، ومَنِ اتَّبَعَهُ فَإِنَّهُ فِي النّارِ”(5).
وجاء في رجال الكشي عن محمّد بن عيسى بن عبيد: إنَّ أبَا الحَسَنِ العَسكَرِيَّ عليه السلام أمَرَ بِقَتلِ فارِسِ بنِ حاتِمٍ القَزوِينِيِّ وضَمِنَ لِمَن قَتَلَهُ الجَنَّةَ، فَقَتَلَهُ جُنَيدٌ، وكانَ فارِسٌ فَتّانا يَفتِنُ النّاسَ(6)، ويَدعو إلَى البِدعَةِ، فَخَرَجَ مِن أبِي الحَسَنِ عليه السلام:”هذا فارِسٌ لَعَنَهُ اللّهُ يَعمَلُ مِن قِبَلي فَتّانا داعِيا إلَى البِدعَةِ ودَمُهُ هَدَرٌ(7) لِكُلِّ مَن قَتَلَهُ، فَمَن هذَا الَّذي يُريحُني مِنهُ ويَقتُلُهُ، وأنَا ضامِنٌ لَهُ عَلَى اللّهِ الجَنَّةَ”(8).
وأَمْرُ أبي الحسن عليه السلام بقتل فارس المبتدع صادر من موقع إمامته، وهذا من الأمور الداخِلة في صلاحيَّات ومسؤولية الإمامة.
3. عامّة الأمّة:
نوع تعامل الأمَّة مع البدعة والمبتدع قد يفسح المجال لهما ويُغري بهما، ويُعطي لهذه الضلالة تمكينًا وسَعة في الانتشار. وقد يعزلُ المبتدع، ويحاصر البدعة ويقضي عليها، ولا يُعطي لمثل هذه الدعوات أن تتكرَّر في أوساط النّاس بما يُلقّنه من دروس مؤدّبة لذوي النزعة في الابتداع.
هناك موقفُ التعامُلِ الطبيعي القائم على الاحترام، وعدم الإنكار لما يُقدِم عليه المفترون من بِدَع، وهذا يخلق بيئة خصبة مطمعة للمبتدع، ويُعطي مساعدةً على انتشار البِدَع والضلال.
والموقف الآخر هو موقف الرفض والإنكار والتبرّؤ والمقاطعة للمبتدع، ومجابهة البِدَع، وهو ما يقطع الخطَّ على هذا العمل التخريبيّ، والفساد الخطير.
عنه صلى الله عليه و آله:”مَن تَبَسَّمَ في وَجهِ مُبتَدِعٍ فَقَد أعانَ عَلى هَدمِ دينِهِ”(9)، “مَن أعرَضَ عَن صاحِبِ بِدعَةٍ بُغضا لَهُ، مَلَأَ اللّهُ قَلبَهُ يَقينا ورِضا”(10)، “إذا رأيتم أهل الرَّيب والبدع(11) من بعدي فأظهروا البراءة منهم وأكثروا من سبّهم(12) والقول فيهم والوقيعة وباهتوهم كي لا يطمعوا في الفساد في الإسلام ويحذَرَهم النّاس ولا يتعلّمون من بِدَعهم، يكتب الله لكم بذلك الحسنات، ويرفع لكم به الدّرجات في الآخرة”(13).
ويذهب المجلسيُّ إلى أنَّ المراد من المباهتة هنا ليس ارتكاب البهت للمبتدع وهو القول بغير حق وإنما إقامة الحجّة عليه حتى ينقطع جوابه كما قال الله تعالى:{فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ}(14).
إنه لا يمكن للأمَّة المسلمة بحقّ أن تكون في تعاملها مع أصحاب البِدَع محضنًا لِبدعهم، وترويج باطلهم، وإغرائهم بالمزيد من الضّلال، والتمادي في إفساد البيئة المؤمنة.
وإن الله عزّ وجلّ متكفّل بحماية دينه، وتهيئة من يردّ عنه كيد الكائدين، وبِدَع المبتدعين، ويدرأ عن الضعفاء أن يقعوا في الشبهة، ويكونوا ضحيَّةَ البدعة. عنه صلى الله عليه وآله:”إنَّ للّهِِ عَلى كُلِّ بِدعَةٍ كيدَ بِهَا الإِسلامُ، وَلِيّا صالِحا يَذُبُّ عَنهُ”(15)، “ما ظَهَرَ أهلُ بِدعَةٍ، إلّا أظهَرَ اللّهُ فيهِم حُجَّةً عَلى لِسانِ مَن شاءَ مِن خَلقِهِ”(16).
أمّا القضاء على البِدَع، وإحياء السُّنن بالصورة التامّة فهو المشهد الموعود به في دولة القائم عجّل الله فرجه، وذلك من بين المشاهد الرَّائعة المشرقة التي تسود تلك الدّولة المباركة التي يتمّ لها نورُ الإسلام على الأرض ويطرد كلَّ ظلمة.
عن الإمام الباقر عليه السلام:”إذا قام القائم عليه السلام… لا يترك بدعة إلّا أزالها، ولا سنّة إلّا أقامها”(17).
اللهم صلّ وسلِّم وزد وبارك على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التوّاب الرّحيم.
اللهم إنّا نسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى، والعمل بما تُحبّ وترضى، والاستقامة على دينك، والانتهاء إلى رضوانك يا من هو على كلّ شيء قدير، وبالإجابة حقيق جدير.
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}(18).

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي خَلَقَ الحياةَ، وهو المعيدُ لها بعد الموت، وخَلَقَ العقولَ وألهمها معرفتَه، وأَوْجَدَ الأشياءَ وأنطقَها الشّهادةَ بقدرته وعلمه ورحمته وكرمه وحكمته، وَوَضَعَ كلَّ شيء في المسار الموصل لغايته، وواءم بين وظائف المخلوقات كلِّها وما جعل لها من هدف جامع، وغاية مشتركة واحدة في نظام تدهش به العقول، وتُصعق الألباب.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمَّدًا عبده وروسله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.
عِبادَ الله من طلب الدّنيا وأخلص جُهده لها حُرِم الآخرة، ومن كان أكبرُ جِدّه للآخرة لم يُحرَمْ الدّنيا ولم يَفُتْه ما قُدِّر له من رزقها.
وليس في دينِ الله أن يُهمِل المؤمنُ شأن دنياه، وأن لا يعطي من جهده ما يصلح به أمرَ حياته ويقوِّمُها. وإنّما دعوةُ الدّين أن يكون للحياة الدّنيا في نفس الإنسان هدفٌ يسعى إليه، ويُوظِّف أيامَها ولياليَها وزَهرَتها في سبيله. وما هدفُ الدنيا إلا كمالُ الإنسان، والسَّعادةُ الأبديّة التي فُتح له بابُها، ويُسِّر له سبيلُها.
فماذا يُزهِّد العاقلَ الحكيم في دين يُصلح له شأن الحياة، ويرتفع بمستواها، ولا يمنعه من لذّةٍ طيّبةٍ أو منفعة حقيقيّة ويجمع له بين خير الدّنيا وخير الآخرة؟!
إنّه الدّين الذي ما رغب عنه إلَّا ساقطُ عقل، سفيهُ رأي، مضيّعٌ للطريق.
فلنرغب عِبادَ الله في دين الله الذي لا صلاح للحياة إلّا به، ولا منجا في الآخرة ولا فوزَ فيها إلّا عن طريقه، ولنأخُذ بتقوى الله ما حَيينا ففي التقوى سعادةُ الحياة، وسعادةُ الممات، وما بعد الموت.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك محمد المصطفى وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التوّاب الرحيم.
اللهم لا تجعلنا ممن تعرَّض لِسَخَطِك، وسَلَكَ طريق معصيتك، واستحقّ بسوء عمله عقوبتك.
اجعلنا ربّنا من طالبي رضاك، الملازِمين لطاعتك، الذين أوجبت لهم مغفرتك، وشَمِلَهم عفوك، وكَتَبْتَ لهم مثوبتك، ومقامًا كريمًا في جنّة الخُلدِ التي أعددتها لكرامة أوليائك يا حميد، يا مجيد، يا متفضّل، يا محسن، يا كريم.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله الصادق الأمين خاتم النبيين والمرسلين، وعلى عليٍّ أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصّديقة الطّاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأمنائك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم. اللهم صلِّ وسلِّم على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القُدُس ياربّ العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصرًا عزيزًا مبينًا ثابتًا دائمًا قائمًا.
أما بعد أيها الأحبة في الله فإلى هذا العنوان:

وعد النصر:

من أراد الله نصره لابد أن ينتصر، ولا غالبَ له، ومن أراد هزيمتَه فلا يمكن له الانتصار، ولا بدَّ له من الهزيمة فإرادة الله لا يردُّها رادٌّ، ولا يقهرها قاهر، ولا تقف أمامها الظروف، ولا تتبع حالة الأسباب، كيف وكلّ الأسباب خاضعةٌ لإرادته وجودًا وعدمًا، حدوثًا وفي مرحلة البقاء؟!
يقول سبحانه:{… وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}(19)، {إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ}(20).
وهذا مفروغ منه واقعًا وحقًّا، وفي فكر المؤمن وشعوره.
وقد وَعَدَ الله المؤمنين بالنصر {… وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}(21)، {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}(22)، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}(23).
وتُجيب الآيةُ الأولى وكذلك الثالثة من هذه الآيات على هذا السّؤال: أوعدُ الله للمؤمنين بالنصر مُطلقٌ أم مشروط؟ إذ تُجيبان بأنه وَعْدٌ مشروط، والشرط أن تكون نصرتهم لله؛ لدينه ومنهجه فيما يتّصل بأمر دنياهم وآخرتهم حيث لا صلاح لهم، ولا كمال، ولا سعادة في أمر دنيا أو آخرة إلّا بحاكميّة الدِّين، وأخذهم به والاستجابة إليه.
ومتى يصدق موقفُ النصرة لله(24)؟ يتوقف ذلك على أمور:
1. بَذْلُ ما في الجهد، واستفراغُ ما في الوِسْعِ من الإعداد، ثمَّ البّذْلُ والعطاء والتضحية.
2. الأخذُ بالأسلوب العمليّ الأنجع(25).
3. وحدة الصّفّ وبناؤه بناء رصينًا متماسكًا.
4. خضوع كلِّ الوسائل، والخطط، والخطى وفي كل المراحل، والمنعطفات(26) للأحكام الشرعية.
5. أن تكون الرّايةُ من رايات الحقّ.
6. إخلاصُ القصد لله.
7. عدم استكثار البذل في سبيل الله، وعدمُ المنّ عليه، وطلبُ النصر من عنده، والتوكّلُ عليه.
8. الثبات على الطريق وعدم التراجع وإن أبطأ النصر، فالله هو العالم بالمصالح والمفاسد والآثار والعواقب، وما قد يتسبّب فيه النصرُ العاجل من مضارّ، وما قد يختزنه النصرُ الآجل من فوائد، وما يُؤدّي إليه طول التجربة من عطايا.
وإنَّ خيرَ نصرٍ يتحقّق لشخصٍ أو جماعةٍ أو شعبٍ أو أمَّةٍ لهو النّصر على النفس، والاستمساك بالحقّ، والاستقامة على الطريق، والثبات على خطّ الغاية الكبرى من كمال الذَّات، ورضا الله، والمصير إلى الجنّة، وذلك لا يكون إلَّا بالأخذ بالدّين الحقِّ، ومجاهدة النفس على طريقه، وضَبْط التصرف كلّ التصرّف في ضوئه.
وإنّ شرَّ هزيمة يقع فيها فرد أو جماعة أو شعب أو أمّة لهي الهزيمة أمامَ النفس، والخسارةُ لإرادة الخير فيها، وضعفُها أمام المشتهيات، ومواقعتها للرّذيلة.
والنصرُ يعقبُه ظلمٌ من المظلوم هزيمة(27)، والنصر يُغري بالفساد في الأرض هزيمة، والنصر يُطغي ويُضِلُّ هزيمة، والنصر يَبعُدُ بالمنتصر عن الله عزّ وجلّ ويُصيبُ المنتصرَ بالاستكبار أعظمُ كارثةٍ له، وأسوأ هزيمة.
وعلى السَّاعين من المؤمنين للنصر أن لا ينسوا الله في هدفٍ أو أسلوب، وأيّ ممارسة ووسيلة؛ فما من حقّ من نَسِي الله في شيء من ذلك أن يطلب منه النصر، أو يتعجَّلَ الفرج.
وليس للصفّ المؤمن المتمزّق والمتباغض أو المتنافس على الدّنيا، والمباهي بعضُه بعضًا بالقليل أو الكثير مما يُعطي ويبذُل ويُضحّي أن يتوقعّ النصر، ويُسِّرَ له الله أسبابه، ويفتح عليه أبوابه.
وإن يوم نصرٍ للمؤمنين يغلبهم فيه سحرُ الدنيا، ويأسرُهم زخرفها، فيقتتلون لمنصبٍ من مناصبها كما يقتتلُ الآخرون ممن لا طمع لهم في الجنّة، ويسفحون الدّمَ الحرام وراء المواقع لهو يومُ شؤمٍ وسوءٍ وكارثةٍ كبرى وعارٍ وفضيحة، وهو يومٌ يسيء للإسلام ويضرّ به.
ولنصرٌ لا يعِفُّ طالبوه عن ارتكاب الإثم والأخذ بكلّ وسيلة وإن خسّت وحَرُمت ليس هو النصر الذي يطلبه المؤمنون.
والمؤمنون السَّاعون في البحرين لدفع الظلم وطلب الإصلاح حريصون على توقّي المزالق، وما لا يُرضي الله سبحانه، وعلى مراعاة أحكام الشّرع، وأخلاق الدِّين، وأعراف المجتمع الصّالح، وتوفير شروط النصر الإلهي، وتعجيل الفرج، وتجنُّب ما يُثير البغضاء والفُرقةَ بين الصفوف.
ولكنْ ينبغي أن نكون أشدّ على أنفسنا، وأصرم في مواجهتها، وتحقيق قُربٍ أكبر لما يرضي الله سبحانه من تراحم وتوادٍّ وتناصر في الحقّ ورعاية للحقوق، وتنزُّه عن النيل من بعضنا البعض بما يسخط الربّ، ويُشتِّت الصف، ويهدم البناء، ونستحقّ به عند الله العقوبة.
علينا جميعًا أن نكون أكثر التصاقًا وحرصًا على الأخذ بالحكم الشّرعيّ في كل مساحة حياتنا(28)، فهو الواجب أصلًا، وهو وسيلة فعّالة في استمطار النصر من فيض الله.

هل من نيّة إصلاح؟
السُّلطة إمّا أن تكون عندها نيّة إصلاح من أيّ منطلقٍ من المنطلقات المبدئيّة أو الموضوعيّة، وإمّا أن لا يكون لها نيّة ولا توجّه من هذا النوع.
وبغض النظر عما هو المضمر في نفس السّلطة، ودلالة الشّواهد الخارجية على الأرض على أيٍّ من التوجّهين: التوجُّه للإصلاح وعدمه فإنَّ فَرْضَ عدم الإصلاح يساوق أمرًا خطيرًا جدًّا يتمثّل في الإرادة الجدّية بالتنكيل بالشَّعب(29)، ومضاعفة آلامه واستهدافه بصورة قاسية نظرًا إلى إصراره على الإصلاح، وتشبُّثه به، وعدم إمكان تنازله عنه لمكان ضرورته وإلحاح هذه الضّرورة.
فموقف التصلُّب عند السُّلطة من الإصلاح في حال الإصرار الشعبيّ عليه ومحاولتُها لكسر إرادته، وتراجعه عن هذا المطلب يستتبع منها أن تُبالغ في شدّتها، وتُعمِل السّيفَ في الرقاب إلى حدّ ما تتصوّر أنه يقهرُ هذه الإرادة، ويفرض على الشّعب أن يتراجع، وإن كانت إرادةُ الشعب غيرَ قابلة للهزيمة(30)، وموقفه غير قابل للتراجع.
ومن شأن مذبحة من هذا النوع أن تُحوِّل أرض الوطن إلى جحيم تشقى بها كل فئاته، على أنّها مذبحة لا مكان لها في الزمن الذي نعيشه، وعالم القرية الواحدة الذي عليه وضع عالمنا اليوم مهما تبلّد ضميرُ السّاسة الدنيويين فيه، وتقدّست المصالح المادية في نفوسهم، وساد المذهب النفعيُّ الذي يكفر بالقيم، وكان مليون إنسانٍ لا يُساوي في قيمته برميلًا واحدًا من النفط في الحضارة المادية القائمة، ورُعاتها المتسيِّدين على العالم.
ولو كانت هناك نيّة إصلاحٍ جدّي فإنه لا يتناسب معها استمرار القمع للمسيرات السلمية، وبقاء كلّ مظاهر التأزيم وإغراق المناطق السّكنية بالغازات السّامّة القاتلة مما يقف وراء تمدُّد سلسلة الشهداء الأحرار الذين كان آخرهم شهيد سترة جعفر الطويل رحمه الله وحشره مع الأنبياء والمرسلين والأنبياء والصالحين. كما لا يتناسب مع نية الإصلاح لو كانت تدفُّق البلاغات ضد الرموز السياسيين وأعضاء الجمعيات كالأستاذ مجيد ميلاد وسماحة الشّيخ حسين الديهي، والتهديدات والإنذارات الموجّهة لأصحاب الكلمة الناقدة كسماحة الشيخ علي سلمان، وكذلك ما عليه وضع الحوار وملابساتُه، والموقفُ المتشدّد للطرف الرسمي فيه من مقدِّماته، وما ينبغي أن يكون من مسلّماته.
إنَّ شيئًا من ذلك وكلَّ التوترات التي يُثيرها الإعلام الرسمي واستمرار المحاكمات والأحكام القاسية ضدَّ المعارضين السلميين لا يلتقي ولا يُشير من قريب أو بعيد إلى نية الإصلاح فضلًا عن الإرادة الجدّية المتعلّقة به.
ومن أسوأ مظاهر المصادرة لحقّ التعبير، ومن أنكر المنكر وأبشعه أن يُجرّم المنبر الدّينيّ لكلمة معروف يُوجّهها الدّين، ولإنكار الصور المكشوفة من الظلم والاضطهاد وأوجه الفساد، وأن يُمنع الدين من قول كلمته في هذا المجال(31).
وسواء أنه لم تكن هناك نية إصلاح على الإطلاق، أو كانت هناك نية إصلاح مؤجَّل، أو منقوص تفرض عليه السلطة ضريبةً ترى أنّها لم تستوفِها بعد من دم الشعب وأمنه وآلامه وأوجاعه، وأُخوّة أبنائه، واستقرار الوطن وثروته ومصالحه؛ فإنَّ الشعب مصمّم كلَّ التصميم الذي ليس فوقه تصميم بأنْ يمضي على طريق المطالبة بالإصلاح بكلِّ الوسائل السِّلمية المشروعة حتّى تحقيق النصر، وتصحيح الوضع ليجدَ هذا الوطنُ الرّاحة والأمن والاستقرار ويعيش كل أبنائه(32) الأخوة الإسلامية والوطنية الصَّادقة في ظلِّ درجة عالية من العدل والمساواة والإنصاف، وفي جوٍّ راق من الحرية والعزّة والكرامة.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
ربنا اسلك بنا أقرب السبل وأيسرها وأوصلها إليك، وأرضاها عندك، وانأ با عن كلّ سوء، وأنقذنا من كلّ هلكة وضلالة، وهب لنا نورًا هاديًا دائمًا، ورشدًا عاليًا ثابتًا مقيما.
اللهم ارحم شهداءنا وموتانا، واشف جرحانا ومرضانا، وفك أسرنا وسجناءنا، ورد غرباءنا في خير وسلامة وعزٍّ وكرامة.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون (33).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 -الكافي ج1 ص54 ط5.
2 – والسياسة اليومَ تقول لمنبر الدين لا تدخُّل في السياسة، ولتأخذ منكرات السياسة ما تأخذ من مجال ومن مساحة وعلى المنبر الديني أن يصمت. بينما الحديث يقول:”إذا ظَهَرَتِ البِدَعُ في اُمَّتي فَليُظهِرِ العالِمُ عِلمَهُ، فَمَن لَم يَفعَل فَعَلَيهِ لَعنَةُ اللّهِ”.
3 – روضة الواعظين ص12.
وجاء في كتاب منية المريد ص100 ط1 (فيزيلها) بدل (فينهى عنها).
4 – طريق صائب يوصل إلى الله، إلى غاية كمالك، إلى غاية سعادتك، لا يوجد على خلاف سنة رسول الله صلّى الله عليه وآله.
5 – من لا يحضره الفقيه ج4 ص163 ط2.
القتل في الإسلام في العادة راجع إلى حكم الحاكم الشرعي.
6 – يفتن: يضلّ.
7 – ذَهَبَ دمهُ هدرا : بالسكون والتحريك : أي باطلاً لا قود فيه (المصباح المنير : ص ۶۳۵ «هدر»). نقلًا عن موسوعة معارف الكتاب والسنة ج7 ص255.
8 – اختيار معرفة الرجال للشيخ الطوسي ج2 ص807.
9 – مناقب آل أبي طالب ج3 ص375.
10 – موسوعة معارف الكتاب والسنة ج7 ص256 ط1.
11 – من ينشرون الشكّ والريب في الناس.
12 – السبّ ليس بالمعنى المعروف وهو تناول الأبوين، وإنما بذكر المثالب في الشخص نفسه.
13 – الكافي ج2 ص375 ط4.
14 – 258/ البقرة.
وشرح الشيخ المجلسي (رحمه الله) مذكور في هامش الكافي تعليقًا على الحديث المذكور.
15 – موسوعة معارف الكتاب والسنة ج7 ص259 ط1.
16 – المصدر نفسه.
17 – بحار الأنوار ج52 ص339 ط3 المصححة,.
18 – سورة التوحيد.
19 – 126/ آل عمران.
20 – 160/ آل عمران.
21 – 40/ الحج.
22 – 47/ الروم.
23 – 7/ محمد.
24 – تحقيقًا للشرط الذي اتخذته الآية مقدّمة لنصر الله.
25 – وليس لك أن تتخيّر بين كلّ الأساليب في عرض واحد.
26 – السهلة والصعبة.
27 – أن أتبدّل، أن أأخذ أنا المطلومَ محلّ الظالم، وأن يأخذ الظالمُ محلّي هذا نصرٌ هزيمة.
28 – ومنها مساحة الاخاط وعدم الاختلاط الفاحش المضر الهدّام للأخلاق.
29 – إذا لم تكن هناك نيّة إصلاح فهناك نيّة تنكيل شديد للشعب. ليس إلا أحد الأمرين، ولا واسطة بينهما.
30 – هتاف جموع المصلين (هيهات منا الذلة).
31 – حتّى في بيت من بيوت الله.
23 – وليس بعضُ أبنائه فقط.
33 – 90/ النحل.