المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (534) 7 صفر 1434 هـ ـ 21 ديسمبر 2012م

خطبة الجمعة (534) 7 صفر 1434 هـ ـ 21 ديسمبر 2012م

مواضيع الخطبة:

 

الخطبة الأولى: الأمانة

الخطبة الثانية: البحرين بخير – لن ينساك شعبك

الخطبة الأولى

الحمد لله حمدا لا يختص بحال دون حال، ولا بفعل دون فعل، ولا بما أسرّ دون ما أحزن، ولا بما عُلم وجه حكمته دون ما لم يُعلم.
هو الحق العدل، العليم، الخبير، الحكيم، الرؤف، الرحيم، القدير الذي لا يصدر منه فعلٌ إلا من مقتضى جلاله، وجماله وكماله.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.
عباد الله علينا أن نعلم بأن الساعي للدنيا، الجامع لها لا يأخذ منه فيها إلا القليل، ويترك الكثيرَ الذي بذل فيه ما بذل من عمره، وأنفق ما أنفق من أيامه، وصرف ما صرف من فُرصه.
وكل ما بذله من عمر فيما ترك من دنياه حيث لم يكن سعيه لآخرته، ولا نية له بالتقرب بسعيه إلى ربه، ولا مراعاة له فيه إلى أحكام الله، وضوابط دينه فهو ضياع من العمر، بل تحويل للفرص إلى شر مصير، وأشد غصص.
فليحذر عاقل هذا السفه، وليتق مؤمن ربه، ويأخذ بما فيه خير آجله، ويتمتع بدنياه بما لا يضر آخرته، ويعمل لله عز وجل، لا لهوى نفسه فإن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي.
اللهم اجعل سعينا سعي الصالحين، ونيّتنا نيّتهم، ومنقلبنا منقلبهم، ولا تجعل للدنيا علينا سلطانا فنخطئ الرأي، ونتبع الهوى، ونُضيع العمر، ونُسئ للنفس، ونخسرَ الآخرة، وننتهي للعذاب.
اللهم صل وسلم على حبيبك المطصفى محمد خاتم النبين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين وأغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
أما بعد أيّها الإخوة والأخوات في الله فالحديث في موضوعٍ عنوانه:

الأمانة:

الأمانة والأمن والأمان مصادر وهي تعني اطمئنان القلب وسكونه، وسمي الأمين أمينا من جهة حفاظه وتعهُّده ورعايته لما تحمّل من مسؤولية، وعُهد إليه من وظيفة، أو أودع من شيء مما يجعل القلب يطمئن إليه، ويأمن على ما وضع في عهدته.
وما أودعته الآخر، أو وُضع في مسؤوليته فهو أمانة عنده.
والأمانة أصل لا ينحفظ الكون، ولا المجتمع إلا به، ولو أُخِذَ بالخيانة قاعدةً عامةً في مجتمع النّاس بدل الأمانة لما مكثت حياة المجتمعات إلا قليلا؛ فبناء النّاس جميعا على أن يخونَ بعضهم بعضا في كل الأمور والمعاملات والمواقف يهدم ُكل شيء من أمور الاجتماع، ويُقوضُ الثقة بصورة شاملة، ويصيب بالضرر البالغ القاتل كلَ الأطراف، وينسفَ الحالة الاجتماعية نسفا جذريا عاجلا (1).
وعلى المستوى الكوني العام لو أعطيت الكواكب والنجوم والمجرات قدرة الاختيار فاتجهت إرادتها للخروج على مساراتها، والاخلالِ بوظائفها، وخيانة مسؤليتها لتحطم كوننا المادي، وانتهت عمارته في الأقل من لمح البصر.
وللأهمية الموضوعية البالغة للأمانة وضرورتها في بناء المجتمع، واستمراره، وبقاء الحياة شدد الإسلام في الأخذ بها، وعدم التسامح بشأنها وإن تعلقت بالشيء اليسير، وإن يكون المؤتمن من كان إذا لم تكن الأمانة في واقعها خيانة كما في الحفاظ على أسرار الظالم حتى يتحقق ظلمه (2).
وليكن الكلام في الموضوع تحت بعض العناونين:

الأمانة واجب شرعي:
في الكتاب الكريم، ” إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً “[3].
الأمر في الآية الكريمة بإداء الأمانة صريح، فلا تردد في الوجوب، وخصت الحكم بالعدل في الحكم بين الناس بالذكر وهو داخل في الأمانات تأكيدا لأهميته، وتشديدا على وجوب الأخذ به.
وعن الإمام الصادق عليه السلام: “إن رسول الله صلى الله عليه وآله وقف بمنى حين قضى مناسكها في حجة الوداع فقال: ….. ألا من كانت عنده أمانه فليؤدها إلى من ائتمنه عليها” (4).
وعنه صلى الله عليه وآله: “لا تخونن أحدا في مالٍ يضعه عندك، أو أمانة ائتمنك عليها (5)، فإن الله تعالى يقول:” إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا”[6].
وإن كل نعمة عند العبد من ربه سبحانه هي أمانة، عليه أن يضعها موضعها الذي يرضاه الله، ولا يؤدي أمانته حتّى يفعل ذلك، ولو فعل لما أضاع شيئا من عمره، وما أضر بنفسه، وما أخطأ طريق سعادته.

لا استثناء في الأمانة:
أداء الأمانة لا استثناء فيه لا من ناحية المؤتمِن صديقا كان أو عدوا، محسنا كان أو مسيئا، مسلما كان أو كافرا، ولا من ناحية كثرةِ أو قِلة ما أُتمن المرءعليه.
نعم ما كان من الأمانة في حقيقته خيانة وظلما كوفاء الداخل في خدمة الظالم بأداء المهمَّات الظالمة تحملا للمسؤلية الموكلة إليه، وإخلاصا لعهده عنده، فذلك خيانة لا أمانة، وحرام لا واجب كما تقدَّم.
ولابد من إيراد طائفة من النصوص التي لا ترخِّص في التساهل في أمر الأمانة، ولا تعطي عذرا في الاخلال بها، وتجعلها حقّا ثابتا، لكل مؤتمِن على كل مؤتَمن في كل أمانة سائغة في شريعة الله، وحكما شرعيَّا لا تجوز مخالفته.
عن الإمام علي عليه السلام في وصاياه لكميل: “يا كميل: افهم أنا لا نرخص في ترك أداء الأمانات لأحد من الخلق، فمن روى عنّي في ذلك رخصة فقد أبطَلَ وأثم، وجزاؤه النّار بما كذَب.
أقسم لسمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله يقول قبل وفاته بساعة مرار ثلاثا: يا أبا الحسن أدِّ الأمانةَ إلى البَرِّ والفاجر في ما قلَّ وجلِّ حتى في الخيط والمِخيَط[7].
أنظر إلى التعميمين الواسعين جدّا في قوله عليه السلام “لأحد من الخلق”، والآخر وهو “قلّ وجلّ”.
والتمثيل لما قلَّ بالخيط والمِخيَط.
وعن الإمام الصادق عليه السلام: “أدّوا الأمانة إلى من ائتمنكم عليها بَّرا أو فاجرا، فإن رسول الله الله صلى الله عليه وآله كان يامر بأداء الخيط والمِخيَط”.
وكل هؤلاء الذين قد يتوهم متوهم أنه لا يجب أداء الأمانة لهم جاءت النصوص لتثبت وجوبه فيما ائتمنوا عليه الغير من شيء، جاءت نصوص خاصة تنص على أنه تجب أداء الأمانة لهم، وتذكرهم بعناوينهم الخاصة بهم إلى جنب العموم الذي يثبته الكتاب الكريم في الآية السالفة الذكر، وما تقدم بهذا الشان من الحديث (8).

أدّ أمانة من خانك:
عن رسول الله صلى الله عليه وآله: “أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك”.
عن الإمام علي عليه السلام: “لا تخن من ائتمنك وإن خانك، ولا تُذِع سرَّه وإن أذاعه”.
ويصل الأمر هنا أن صاحب السر وإن فرط في حقّ نفسه بأن أذاع سرَّه لغير من أئتمنه عليه، فليس لذلك المؤتمن أن يتّخذ من ذلك ذريعة لافشائه.

أمانة الفاجر:
الأمانة من الفاجر لا تخان كما هي الأمانة من البّر المتّقي.
عن الإمام الباقر عليه السلام: “ثلاث لم يجعل الله عز وجل لأحد فيهن رُخصة: اداء الأمانة إلى البّر والفاجر، والوفاء بالعهد للبّر والفاجر، وبِرُّ الوالدين بَرّين كانا أو فاجرين “.

أمانة العدو:
الأمانة من العدوّ محفوظة من المؤمن، يؤدِّيها إليه من غير نقص، ولا تغيير.
عن الإمام الصادق عليه السلام: اتّقوا الله، وأدّوا الأمانات إلى الأسود والأبيض وإن كان حروريّا[9]، وإن كان شامّيا.
والمقصود من الشامي من كان مبغضا لأهل البيت عليهم السلام، معاديّا لهم.

أمانة أصحاب الجرائم الكبرى:
عن الإمام علي عليه السلام: “أدّوا الأمانات ولو إلى قتلة الأنبياء”.
وعن الإمام الصادق عيله السلام: اتقوا الله، وعليكم باداء الأمانة إلى ائتمنكم ولو أن قاتل علي بن أبي طالب عليه السلام ائتمنني على أمانة لأديتها إليه.
عن الإمام زين العابدين عليه السلام: يوصي شيعته: عليكم بأداء الأمانة، فوالذي بعث محمدا بالحقّ نبيا لو أن قاتل أبي الحسين بن عليّ عليه السلام ائتمنني على السيف الذي قتله به لأديته إليه.

أمانة الكافر:
عن الحسين الشيباني عن الإمام الصادق عليه السلام، “أدوا الأمانات إلى أهلها وإن كانوا مجوسا فإن ذلك لا يكون حتّى يقوم قائمنا أهل البيت فيحلَ ويحرم”.
هذه هي مدرسة الإسلام، هذه هي مدرسة أهل البيت عليهم السلام حقّ لمن أخذ بأحكامها وخُلُقها وأدبها وهداها أن ينالَ الثقة من كل من عاشرهُ وعرف سيرته وسلوكه، وسبر شخصيته.
مدرسة لا تخّرِجُ إلا أشرافا، أبرارا أطهارا ونماذجَ إنسانية راقية لا تضمرُ السوء، ولا تقترفُ الشر، ولا تأتي رذيلة، ولا تتخلف عن فضيلة.
وما أسعد العالمَ لو أخذ على نفسه أن يلتزم بمنهجِ هذه المدرسة، ويصوغ حياته وعلاقاته في ضوء عطاءتها دون تعّدٍ لمقتضاها، ولا تخلف عن مبتغاها.
اللهم صل وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا أنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اجعلنا ممتثلين لما أمرتنا، منتهين عمّا نهيتنا، أمناء على ما ائتمنتنا، مسارعين في طاعتك، طالبين مرضاتك، منتهين إلى جنتك يا ذا الفضل والمنّ، والإحسان، والعطاء الجزيل.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}(19). 

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي أنزل على رسله الديِّن القويم، وجعله هدى للمتقين، ونجاة للصَّالحين، ومعراجاً للسالكين، فكمُل به أهل طاعته، وسعِد به أهل تقواه، وشقي من شقي ممن عاند الحقّ، وخرج عن الطاعة، وأخذ بالمعصية، وخسر التقوى.
فتح بما أنزل على رسله أبواب الرَّحمة على العباد، وأقام الحجة، وقطع العذر، وكلّف يسيرا، وأثاب كثيرا.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلم تسلينا كثيرا.
عباد الله تذكروا أن ليس لكم من عند أنفسكم، ولا من غيركم من دون الله شيء مما به أنتم موجودون، وبه تحيون وتعملون، فلا يكن لكم من غيره سبحانهُ معبود؛ فلا معبود بالحقّ سواه.
وهل في العقل أن يجحد المخلوق خالقه ومدَّبِرَه ورازقه، أو أن يستكبرَ على عبادته، وتخرجَ إرادته عن مقتضى إرادته، ويتمردَ على أمره ونهيه، أو أن يشركَ معه في طاعته، وعبادته مخلوقاً مثله؟!.
علينا أن نرجعَ إلى العقل والفطرة فانّهما قاضيان بعبادة الله وحده، والتسليم والرضى والانقياد لأمره ونهيه، وإنكار كل طاعة على خلاف طاعته.
عباد الله التقوى التقوى من ربّ الأرباب، ومالك الرقاب، ومن بيده كل المسبّبَات والأسباب.
اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولأرحامنا وقرابتنا وجيراننا وأزواجنا ومن علمنا علما نافعا في دين أو دينا من المؤمنين والمؤمنات ولجميع المؤمنين والمؤمنات وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
أعذنا ربنا من شيطان يُغوينا، ونفس توسوس لنا، وهوى يخادعنا، ودعاة سوء يستهدفوننا، وفتنة فيها ضلالنا، وخسارة دين أو دنيا تتهدّدنا يا حنّان يا منان، يا قويَّ، يا عزيز.
اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين الصادق الأمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصّدّيقة الطّاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأنوارك في بلادك: الحسن بن علي الزّكي، والحسين بن علي الشّهيد، وعليّ بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصّادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعليّ بن موسى الرّضا، ومحمد بن علي الجواد، وعليّ بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس ياربّ العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصراً عزيزاً مبيناً ثابتاً دائماً قائماً.
أمَّا بعد أيها الأحبة في الله، فموضوع الحديث:

البحرين بخير:

هكذا يقول فريقان متقابلان في البحرين، وكل يقول هذا من وجهة نظره، ومن الزاوية التي تتوافق مع توجهه، وما يريد.
فريق من الحكومة والموالاة يقول آلت الأمور إلى خير، وذهب السوء، وتقشعت المشكلة. لماذا؟ هل لأن البلد خرجت من أزمتها بلا رجعة؟ لأن الوضع قد تصحح؟ لأن الظلم تبَّدل عدلا؟ لأن الفساد انقلب إلى صلاح؟ لأن الأمور سويّت بين الحكومة والمعارضة بما يعطي للوطن فرصة الاستقرار والانتعاش؟ لأن الدستور محل النزاع قد حسم أمره بما نال موافقة الشعب؟ لأن الناس قد تمت لهم القناعة بالعدل المثالي للحكومة؟لأن كل الملفات محلّ الصراع انتهى أمرها إلى الأخذ بالحقّ والعدل؛ فانتهى بذلك كلّ خلاف؟ لا، لا شيء من ذلك على الاطلاق كما تنطق الأرض، ويشهد الواقع.
إذا لماذا؟ لا يُدري. لا نجد من واقعٍ إلا أن السجون قد امتلأت، والإجراءاتِ المتشددة في استمرار إن لم تكن في تصاعد، وعددَ الشهداء قد ارتفع، ولا واحد من الملفات التي تقف وراء الأزمة وتفاقهما قد حلّ، وقد جَدّ سحب جنسيات لعدد من المواطنين، وزاد التضييق على الشعائر الدينية، وحريةِ التعبير، واستدعي عدد كبير من العلماء وخطباء المنبر الحسيني. وكل ذلك زاد من السخط العام، ووسع الهوّة بين طرفي الصراع في ساحة الوطن.
قد يقول البعض لا باس بكل ذلك إذا أعطي النتيجة المطلوبة، وأوصل إلى الغاية المهمة. وما هي؟ هي أن تصمت الدعوة إلى التغيير والإصلاح، أن تندحر المعارضة، أن يسكت الناس على الظلم، أن يبقى ما كان على ما كان، أن يُقهر صوت الحريّة، ألا يطالب أحد بحق، أن يصبر الناس على التهميش، والحرمان، والتمييز ولو عن قهر، وتحت ضغط هائل (10).
والجواب أن الصوت المطالب بالحق والتغيير والاصلاح، والحرية لم يصمت، لم يخفت، لم يتراجع، لم يخف، وأنه كلما زاد البطش والتنكيل والقسوة في وجهه زاد ارتفاعا، واتسع دائرة، وعظم إصرار وعنادا.
فنتيجة الإذعان للفساد، والتراجع عن المطالبة بالحقوق تحت طائلة سياسة التعذيب والعنف والارهاب والتنكيل، والتي يراها هذا الرأي خيرا على سوئها ومنافاتها للدين والحق والعدل ومصلحة الوطن، ومسار التقدم لا وجود لها على الأرض، ويستحيلُ على هذا الشعب التراجع عن مطالبه العادلة، أو التهاون فيها في ظل وعيه وعزمه وتصحيحه ومعاناته ومكابدته. فتبقى هذه النتيجة وهماً في ذهن من يذهب إليها الآن وبعد الآن وعلى طول المدى.
وما الوجه للقول الآخر والذي يرى أن البحرين بخير؟!
المعارضة تدرك جيداً أن الأزمة قائمة، وأن الوضع متعب، والوطن متضرر، والخسائر متلاحقة. وكل ذلك مؤلم لمن له غَيرة دينية، وإنسانية، ووطنية، ويحمل تقديراً للانسان والثروة، ولقيمة الأمن والاستقرار.
ولكن برغم كل ذلك البحرين بخير بلحاظ ما عليه إنسانها اليوم من التهاب وعي، ويقظة ضمير، وفهم دين، وصحة رؤية، ومتانة انتماء للاسلام، وتمسك بالحريّة، وايمان بالتغيير والاصلاح، وسلامة نية، وحب للخير، وحرصٍ على الأخوة الاسلامية والوطنية، واحترام لانسانية الانسان، وعزْم وتصميم وروح عطاء وفداء بلا تهور، ولا غرور، ولا سفه، ولا عدوانية ولا شهوة انتقام، ولا ميل للعنف والارهاب، وحالات الانفلات البعيد عن قيم الدين، وعن العقل والحكمة والرشد، والنظر البعيد (11).
وهذا النمط من الانسان، والنموذج من الشخصية مفتاح لكل خير، ومنطلق للآمال الكبيرة الحميدة، والرجاء الطيّب العريض، إن هذا الإنسان هو ثروة كل وطن يطمح للرقي والمجد والعدل والرفاه. إنه المقدِّمة الأهم في بناء الأوطان المجيدة، وإن وطنا يجد هذا الانسان لهو وطن مجيد صاعد، وكل أوضاعه إلى تصحيح بإذن الله.
ثم إن الوطن بلا اصلاح يعني أن مشكلته بلا حل. الشعب يدرك ذلك، الخارج يدرك ذلك، والحكومة تدرك ذلك.
هل تنتظر السلطة أن تتغير المعادلة مِما يَعفيها من الاصلاح؟ أولاً: الاصلاح ضروري في ظل أي معادلة جديدة فرضت إلاّ أن يراد شرّ الوطن وخسارته.
ثم إن على الحكومة ألا تنتظر من إنسان هذا الوطن أن ينتازل عن حريته وحقوقه وكرامته، وأي شيء من دينه، أن ينسى ما تتطلبه مصلحة وطنه التي لا انحفاظ لها من دون إصلاح، واصلاح جدّي وصادق.
ولو أن أيَّ حكومة استهدفت من مواطنيها أن ينسوا كرامتهم، وحريتهم، دينهم، مصلحة وطنهم، لم تكن حكومة أسوأ نية، ولا أشر منها، فما على الحكومات من وظيفة إنما هي وظيفة البناء لا الهدم، والإعمار لا التخريب، والاصلاح لا الافساد، فإذا خرجت حكومة عن وظائفها إلى العكس فقدت اعتبارها تمامّاً،ولم تبق لها شرعية سماوية، ولا أرضية في نظر عاقل.
كلٌّ من الإعراض عن الاصلاح وتسويفه لا ترتكبه سلطة تريد خيرا لوطنها.
وهناك أمر يتصل بشأن هذا البلد المسلم ينبغي أن يُسر له المسلمون في كل مكان، وهو أنه هنا تفتح مراقص، وتهدم مساجد، ويحارب سَاعون إليها لذكر الله، وتمنع الصلوات.

لن ينساك شعبك:

رحمك الله أبا جميل وجزاك عن الاسلام وأهله، وعن هذه الأرض المؤمنة جزاء المحسنين.
هنا أبا جميل شعبٌ لا ينساك، ومعاناته تزيده ذكراً جميلاً لك، وإحساساً عميقا بالحاجة إلى دورك.
شعب يحبّك ويُكبرك، وتزيده المحنة حبّاً وإكباراً لك بما تثيره من ذكر وفائك وإخلاصك وتضحيتك وجهادك وصمودك وبسالتك.
شعب يستلهم الدروس المربيَّة منك، ويرى في كل يوم من أيام ذكراك حافزا يدفع به على طريق المطالبة بالاصلاح والحرية والكرامة، واختيار تقرير المصير في أسلوب حضاري سلمي لا يشدُ في شيء عن مقرّرات الشريعة، وضوابط الدين الإسلامي القويم.
شعب سيبقى وفيّاً مخلصا كما كنت، وكما احببت له، وكما دعاه الديّن لربه ودينه وشعائر دينه، ولوطنه بإنسانه وأرضه، أمينا على ثروة بلاده، غير مفرّط في المطالبة بحقوقه، غير متوان عن استرداد حريته وكرامته.
كنت معلّما لهذا الشعب، وستبقى معلما له، وسيبقى ذاكرا لك الجميل.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم أصلح ما فسد من أمور المسلمين جميعا، واجمع كلمتهم على التقوى، وأخرجهم من المحن، واكفهم مضّلات الفتن، وهب لنا عفوك ورحمتك، وارزقنا العافية من فضلك عافية الدّنيا والآخرة، وقرّبنا إليك، يا رحمان، يا رحيم، يا جواد يا كريم، يا من لا رحمة كرحمته، ولا جود كجوده، ولا كرم ككرمه.
اللهم ارحم شهداءنا وموتانا، واشف جرحانا ومرضانا، وفكّ أسرانا وسجناءنا، ورد غرباءنا في عز وكرامة يا رحمان، يا رحيم، يا كريم.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون (12).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – تصور أن زوجتك تخونك في الطعام فتسمك، وأنت تخونها في فعل آخر فتقتلها، وكل واحد يخون الآخر ليصيبه بالضرر البالغ والهلاك، فلو كان القانون والقاعدة في التعامل على هذا المنوال ليوم واحد لفني الناس، وهذا يبن لك أهمية هذا الأصل، وجدية الإسلام ولماذا تشدد الإسلام في أمر الأمانة وواقعية الإسلام وإحاطته.
2- في هذه المورد فقط، في مورد أن تكون الأمانة في حقيقتها خيانة، أما كل الموارد الأخرى فالأمانة واجبة.
3- سورة النساء / 85.
4- الأمانات أوسع من الأمانات المالية.
5- فهناك عمومات ومطلقات في الأمانة تعمم للأمانة وجوب الوفاء بها لكل مؤتمن، وهناك أحاديث خاصة ترتبط بعناوين خاصة على أداء الأمانة لأصحاب هذه العناوين.
6- سورة االنساء / 85.
7- المخيَط: الإبرة.
8- من هذا المؤتمن؟ قد يكون مؤمنا، كافرا، ، فاجرا فاسقا، عليك أن تؤدي أمانته.
9- الحروري: هو الذي يبرأ من عليّ بن أبي طالب عليه السلام، ويشهد عليه بالكفر. أنظر موسوعة معارف الكتاب والسنة، عن مجمع البحرين صفحة 385.
10- هتاف المصلين: هيات منا الذلة
11- هذا إنسان راق ونموذجي، وإنسان يمثل رأس الثروة كل الثروة.
12- سورة النحل/ الآية 90.