المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (523) 18 ذو القعدة 1433هـ – 5 أكتوبر 2012م

خطبة الجمعة (523) 18 ذو القعدة 1433هـ – 5 أكتوبر 2012م

مواضيع الخطبة :

 

الخطبة الاولىالأسرة في الإسلام

الخطبة الثانيةسلطة مطلقة وشعب معزول 

 

الخطبة الأولى

       الحمد لله واهب الوجود لكل شيء، ووجود كلِّ شيء بيده، معطي الحياة لكلّ حيّ، وحياة كلِّ شيء تحت أمره، وكلّ الأمور بقبضته، وكل المصائر في حكمه، وكلّ ما يجري بتقديره، ولا شيء يقوم لقهره، ولا خروج لشيء من سلطانه.

       أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.

       عباد الله ألا إنّ الجهل لا يؤدي إلى الحقِّ، وإنَّ الغفلة لا تُنتج الرُّشد، وإنّ التلهّيَ لا يوصل إلى الغاية. الطريق هو العلم، والذِّكر، والجدّ فلنكن على علم دائم، وذكر قائم برقابة من لا تغيب عن شيء رقابتُه، ولا يُعجزُ شيءٌ قدرتَه، ولا مفرّ لشيء من أخذه، ولا مخرج لأحد من حقّه، ولا نجاة إلا في طاعته، وكلُّ الرّشد والحقّ والنُّجْح في الخضوع إليه، وطلب عفوه، ورحمته؛ ذلك هو الله العليُّ العظيم، العليم الخبير، المنعِم، القادر القاهر، المحيط بكلّ باطن وظاهر.

       عباد الله علينا استحضار رقابة الله الشَّاملة فإنه القائل سبحانه وتعالى:{وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}([1]).

       ومن ذا الذي يُراقب الله فلا يتقيَه، ويجرأ على مضادّته، وارتكاب مخالفته؟! من راقب الله اتّقاه، ولم يمل به شيء عن طاعته، ولم يصرفه صارف عن طلب رضاه.

       اللهم أحيي قلوبنا حتّى لا يغيب عنها ذكرُك، وأيقظ ضمائرنا حتّى لا تشتغل عنك، واجعلنا نخشاك حتى كأننا نراك، وأسعدنا بتقواك، ولا تُشقِنا بمعصيتك يا كريم، يا جواد، يا رحمان، يا رحيم، وصل اللهم على محمد وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين وتُبْ علينا إنك أنت التواب الرحيم.

       أمَّا بعد أيها المؤمنون والمؤمنات فهذه الحلقة الثالثة من الحديث في موضوع:

الأسرة في الإسلام:

       أمام الاختيار:

       الصحيح أن يكون اختيار كل من الزجين للآخر في ضوء الدّاعي الفطري لهذه العلاقة، والحاجة الطبيعية التي تدفع إليها، وفي ضوء الأهداف الواعية النبيلة من ورائها، والغايات الكريمة المتوخّاة منها، والأجواء التي تُعطي للطّرفين الرّاحة النفسية، وحالة السَكَن والطمأنينة التي تساعد على نجاح حياتهما وإنتاجها المثمر ورقيّها؛ وهي الأجواء التي تُرجى لها.

       وما يأتي في الكثير من الحالات أن تُسبِّب الحاجة الجنسيّة، وما ترتبط به من حسن الصّورة، وجمال المنظر الخارجيّ، وجاذبيّة هذا الجانب إغفال الجانب المعنويّ في الزوج المنظور إليه والزوجة، فلا يُعتنى بمستوى عقليّ أو روحيّ، أو نفسيّ، أو دينيّ وخلقيّ، وإنما يكون كلّ التركيز على جانب البدن، وما عليه جمال الصورة وجاذبيتها.

       والنظرة الدينية تريد للإنسان المسلم أن يقوم اختياره في الزواج على الاهتمام بكلِّ الأبعاد التي تُساعد على استقرار الزواج ونجاحه وأدائه لوظيفته القريبة والبعيدة، وتحقيقه للأهداف النبيلة العالية المرجوَّة منه، ويدخل في ذلك أن يُطلب الجمال بالدرجة المعقولة التي تُساعد على استقرار العلاقة الزوجية، وتُجنِّبُ من هدمها من غير أن يُباع جمال المعنى، وسموّ الذات، وصِدْق الدّين، وأصالةُ النَّسَب، وطهر النفس، ودماثة الخلق، ورجاحة الفهم بما يتراءى جمال الصورة الخارجية، واعتدال القوام والرّشاقة.

       وكثيرة هي النصوص الهادية في هذا المجال:

  • في الجانب الجسدي:

       عن رسول الله صلّى الله عليه وآله:”مَن تاقَت نَفسُهُ إلى نِكاحِ امرَأَةٍ، فَليَنظُر مِنها إلى ما يَدعوهُ إلى نِكاحِها”([2]).

       وعنه صلَّى الله عليه وآله:”إذا أرادَ أحَدُكُم أن يَتَزَوَّجَ، فَليَسأَلَ عَن شَعرِها كَما يَسأَلُ عَن وَجهِها، فَإِنَّ الشَّعرَ أحَدُ الجَمالَينِ”([3]).

       والنظر إلى من يريد الشخص التزوّج منها له حدوده وأحكامه المذكورة في الرسائل العملية للفقهاء([4]).

       وعنه صلَّى الله عليه وآله:”تَزَوَّجُوا الأَبكارَ؛ فَإِنَّهُنَّ أطيَبُ شَيءٍ أفواها، وأدَرُّ شَيءٍ أخلافا([5])، وأحسَنُ شَيءٍ أخلاقا…”([6]).

       وعنه صلّى الله عليه وآله:”تَزَوَّجُوا الشَّوابَّ فَإِنَّهُنَّ أغَرُّ أخلاقا”([7]). المغني: أنهن أحسن خُلُقًا وربما في هذا إشارة إلى كون مزاجهن أهدأ، ولشدّة تعلّق الشّابة بالزوج تكون معه أصبر، وتودّدها إليه أوضح([8]).

       وعنه صلَّى الله عليه وآله:”اِغتَرِبوا لا تُضووا”([9]). والضَّوَى: ضؤولة الجسم ودقّته، ويقال أضوت المرأة إذا أتت بولد ضاو([10]) كما يقال أذكرت إذا أتت بولد ذكر.

       وفي الحديث إشارة إلى تأثير القرابة النسبية بين الزوجين وتأثيرها أحياناً على جودة النسل.

  • وعن الجانب المعنوي:

       نقرأ من الكثير الوارد فيه شيئًا مما أتى عنه صلَّى الله عليه وآله:

“مِن سَعادَةِ المَرءِ الزَّوجَةُ الصّالِحَةُ”([11]).

“مَا استَفادَ المُؤمِنُ بَعدَ تَقوَى اللّهِ، خَيرا لَهُ مِن زَوجَةٍ صالِحَةٍ”([12]).

“الدُّنيا مَتاعٌ، وخَيرُ مَتاعِ الدُّنيا المَرأَةُ الصّالِحَةُ”([13]).

وعن الإمام الباقر عليه السلام:”أتى رجل النبي صلّى الله عليه وآله يستأمره في النكاح، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وآله: اِنكِح، وعَلَيكَ بِذاتِ الدّينِ تَرِبَت يَداكَ”([14]).

و”عن الإمام الحسن عليه السلام (ـ لِرَجُلٍ جاءَ إلَيهِ يَستَشيرُهُ في تزويجِ ابنَتِهِ ـ:) زَوِّجها مِن رَجُلٍ تَقِيٍّ، فَإِنَّهُ إن أحَبَّها أكرَمَها، وإن أبغَضَها لَم يَظلِمها”([15]).

وعن الرسول صلَّى الله عليه وآله:”لا يُختارُ حُسنُ وَجهِ المَرأَةِ عَلى حُسنِ دينِها”([16]).

ومن الأحاديث عنه صلَّى الله عليه وآله في هذا المجال:”تَزَوَّجوا فِي الحِجزِ الصّالِحِ ، فَإِنَّ العِرقَ دَسّاسٌ”([17]). ومكان الحجز في مصدر من مصادر الحديث الحجر، والحجز أنسب للمعنى لأنه بمعنى الأصل.

“اِختاروا لِنُطَفِكُم ، فَإِنَّ الخالَ أحَدُ الضَّجيعَينِ”([18]). أي أنَّ الولد يتأثر وراثيًا من أجداد أمّه كما يتأثر من أجداد أبيه، والتأثير الوراثي يشمل جانب المادّة والمعنى.

“إيّاكُم وتَزويجَ الحَمقاءِ؛ فَإِنَّ صُحبَتَها بَلاءٌ، ووَلَدَها ضَياعٌ”([19]).

“شارِبُ الخَمرِ لا يُزَوَّجُ إذا خَطَبَ”([20]).

وعن الصادق عليه السلام:”إنَّ مَن زَوَّجَ ابنَتَهُ شارِبَ الخَمرِ، فَكَأَنَّما قادَها إلَى الزِّنا”([21]).

وعنه عليه السلام:”قامَ رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه وآله خَطيبا فَقالَ: أيُّهَا النّاسُ، إيّاكُم وخَضراءَ الدِّمَنِ. قيلَ: يا رَسولَ اللّهِ، وما خَضراءُ الدِّمَنِ؟ قالَ: المَرأَةُ الحَسناءُ في مَنبَتِ السّوءِ”([22]).

وأول خطوة على طريق الزواج الصالح، وبناء الأسرة السعيدة أن يرقى الإنسان بنية الزواج من مستوى مجرد الاستجابة لشهوة البدن إلى الحرص على حفظ الدين، ومكافحة الشيطان، وبناء الأسرة العابدة، والمجتمع الصالح، وإعلاء كلمة الله في الأرض([23]).

عن رسول الله صلّى الله عليه وآله:”مَن نَكَحَ للّهِِ([24]) وأنكَحَ للّهِِ، استَحَقَّ وَلايَةَ اللّهِ”([25]).

“دعائم الإسلام :عَنهُ [أي رَسولِ اللّهِ] صلى الله عليه و آله أنَّهُ نَهى عَن نِكاحٍ يُرادُ بِهِ غَيرُ وَجهِ اللّهِ وَالعِفَّةِ، ونَهى عَنِ النِّكاحِ بِالرِّياءِ وَالسُّمعَةِ”([26]).

ويسبق الدعاءُ الاختيار([27]). “الكافي عن أبي بصير: قالَ لي أبو عَبدِ اللّهِ عليه السلام: إذا تَزَوَّجَ أحَدُكُم كَيفَ يَصنَعُ؟ قُلتُ: لا أدري! قالَ: إذا هَمَّ بِذلِكَ فَليُصَلِّ رَكعَتَينِ ويَحمَدِ اللّهِ، ثُمَّ يَقولُ:

اللّهُمَّ إنّي أريدُ أن أتَزَوَّجَ، فَقَدِّر لي مِنَ النِّساءِ أعَفَّهُنَّ فَرجا، وأحفَظَهُنَّ لي في نَفسِها وفي مالي، وأوسَعَهُنَّ رِزقا، وأعظَمَهُنَّ بَرَكَةً، وقَدِّر لي وَلَدا طَيِّبا تَجعَلُهُ خَلَفا صالِحا في حَياتي وبَعدَ مَماتي”([28]).

اللهم صل وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

اللهم اهد ضالنا، وأصحّ عقولنا ونفوسنا وأبداننا، وأغن عائلنا، وأصلح فاسد أمرنا، وزوّج عزَّابنا ذكورًا وأناثَا، وادرأ عنا، وآتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار يا رحمان، يا رحيم، يا جواد، يا كريم.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}([29]).

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي فتح أبواب الهدى لعباده ودعاهم إليها، وبيّن سبل الضلال وزجرهم عنها، وجَعَلَ لهم من طاعته معراجًا للكمال، ومن عبادته سُلَّم الوصول للغاية، وبعث فيهم رسلًا هادين، وأقام لهم أئمة ميامين، وليس في من بعث من رسول، أو رضي من إمام من يخطئ الغاية، أو يَضلُّ الطريق، ويسلك بالنّاس إلى غير الجادّة التي رضي لعباده.

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وزادهم تحية وبركة وسلامًا.

عباد الله لا تهلكة كتهلكة النّار، ولا عذاب كعذابها، ولا شقاء كشقائها، وهمُّها فوق كلّ همّ، وكربها أعظم من كل كرب، والداخل فيها قد لا يخرج، والمَقام فيها لخارجٍ منها طويل، وأهل النار ليسوا من أهل رحمة الله. فلا محذور بعد هذا لعاقلٍ أكبرُ من محذور النار، ولا عاقبةَ على مُتَوَقٍّ أن يتوقّى منها أشدّ من عاقبتها.

ولا واقي من النّار لعبدٍ من عبيد الله بعد رحمته سبحانه غيرُ طاعته، والأخذِ بتقواه، فلنرحم أنفسنا، ونطلب النجاة من شقاء الأبد، والفوز بجنّةٍ لا تنقضي، ولا تبلى بطاعة الله وتقواه ما حيينا طالبين عفوه ورضاه.

اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

اللهم لا تدعنا لمضلاّت الفتن، ولا تخذلنا عند مخادعة الشّيطان، ولا تُسلِمنا لهوى النفس، واجعل لنا هدى كافيًا، وبصيرة منقِذة، ورشدًا وتوفيقًا، ولا تعدل بنا لسوء عمل أو نية أبدًا عن دينك القويم.

اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين الصادق الأمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى حججك على عبادك، وأنوارك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.

اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس ياربّ العالمين.

عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصراً عزيزاً مبيناً ثابتاً دائمًا قائماً.

أمّا بعد أيها الأعزاء من المؤمنين والمؤمنات فعنوان الحديث:

سلطة مطلقة وشعب معزول:

تأخذ السلطة في البحرين شكل السّلطات الثلاث وحقيقتها أنها سلطة واحدة مطلقة لا رأي للشعب فيها.

الشعب معزول تمامًا عن النظر في أمر حكمه، في إدارة شأنه العام، في التصرف فيما يتعلّق بثروته، في تقرير مصيره. شعبٌ في حكم الصغار القصّر يُدار أمر حياته على خلاف إرادته. أكثر من ذلك أن يُمنع عليه أن يعطي رأيًا فيه مصلحته.

والسّلطة الواحدة المطلقة هي التي تضع بإرادتها المنفردة دستور البلاد، وهي التي تُجري عليه التعديلات التي تراها، وهي صاحبة الرّأي الأول والأخير المتحكِّم في الثروة، وهي التي تُقرِّر كما تشتهي ما لها وما عليها، ومن تقتل ومن تُبقي، ومن تطرد ومن تُؤوي، ومن تُبعّد ومن تُقرّب، ومن تُعطي ومن تمنع. لا رأي مع رأيها، ولا كلمة تعارض كلمتها، رأيها نافذ، والكل عليه أن يخضع لإرادتها.

وللسّلطة حسبما تدل عليه لغة المواقف والأحداث رأي في هذا الشعب وشؤونه خارج الزمن، وخارج المنطق، وخارج الموضوعية، وخارج الصِّدْق وإنسانية الإنسان، وما يرضاه الدين.

للسلطة رأي يقول:

‌أ-   الشعب عبيد مماليك المعاملةُ الأمثل في حقّه أن تكون بالعصا، وأن يُساق إلى ما يريده سادتُه سَوقًا بلا أن تُعتبر له إرادة، وإن استعلى عُومل معاملة الأغنام والأبقار والمطايا([30]). وهنا تصطدم الإرادتان أشدَّ الاصطدام: إرادة الاستعباد والاستحمار، وإرادة الحرية والانعتاق.

‌ب-   بقاء السلطة مطلقة، قبضتها الحديدية، استئثارها بكامل القرار، وبالثروة، وكلّ الامتيازات، وتحكّمها في المصائر، وهيبتها التي لا تُمسّ، ولا تُدانيها هيبة سلطة أخرى في العالم هو المهم ولا مهمَّ غيره، وهو أغلى من كلِّ شيء؛ من كلِّ الشعب ودينه وقِيَمِه وحاجاته وضروراته وإنسانيته وكرامته وحاضره ومستقبله.

‌ج-     حقوق المرأة شعار يصلح للمتاجرة به مع الغرب بإعطائه مفهومه الغربي من حيث ما يُخالف الدّين، ويُلغي أحكامَه وضوابطه ويتنكّر لأخلاقه وقِيَمِه، لا من حيث حرية الرأي السياسي والتمتع بحقوق المرأة في الاختيار الحر للسّلطة التي تحكمها والوطن وفي التوزيع العادل للثروة والأمن على النفس والعرض والحرية الدينية والكرامة.

‌د-       الحرية شعار ترفعه الشعوب المغلوبة على أمرها، وهو ضرب من أحلام العبيد الذين يجب أن يبقوا في ذل العبودية، وأن يعاملوا بأشدّ ألوان القمع التي تجعلهم ينسون هذا الحُلُمَ وينسلخون منه.

‌ه-     العدل خُرافة من خرافات الدين، وشعار من شعارات الضعفاء، ولا يصحّ أن يستجيب له الأقوياء المتسلطون.

‌و-       الدين يصلح مطية من مطايا السياسة حيث تحتاجه للوصول إلى أغراضها الدنيئة وتبرير مظالمها، وخنق الصوت المطالب بالعدل والحرية والكرامة، وحيث تجد من يزوّره لصالح إرادتها، ويخرج به عن أصوله وقِيَمِه وأحكامه وشريعته.

‌ز-        الديموقراطية شعار آخر يمكن أن يُخادع به من يُخادع في الخارج، ويمكن أن يستغفل من يُستغفل به في الداخل، لكنّه شعار يجب أن يُرفع إعلاميًّا وبقوة، وأن يُحارب على الأرض بأشدّ ألوان المحاربة.

وما أروع موقف السلطة من حقوق الإنسان وكرامته، وتقديرها لنداء العقل والدّين والضمير، وما أشدّ سماعها لكلمة النصح تأتي من كلّ مكان، ورجوعها عن الظلم والعمد السيء والخطأ استجابةً للإنكار تسمعه من كلّ صوب([31]).

       يتجلّى هذا في إصرارها على إدانة الأطباء والزجّ بهم في السجن برغم كل ما سمعته من شجب واستنكار، وتنديد، وإدانة، ومطالبة بإطلاق سراحهم لما هم عليه من البراءة. سَمِعت هذا من منظمات حقوقية متعددة، ومن دول مختلفة بما فيها من تراها دولًا صديقة وحليفة، ومن مجامع دولية، ومن لجنة تقصّي الحقائق التي كان اختيارها كاملًا على يدها، وأعلنت التزامها بقراراتها.

       والنتيجة لهذا كلّه أنْ ضربت عرض الحائط بكل ما سمعته، وبكل ما التزمت به.

       وإذا كان هذا هو موقف السلطة من قضية جزئية من قضايا هذا الشعب واجهت فيها كل هذه الفضيحة، وكل هذا الإنكار، والمطالبة بالتخلي عن البغي فيها، وحالة الاستعلاء والمكابرة في الباطل فما حال القضايا الأخرى المتعدّدة التي تُمثّل جراحات نازفة لهذا الشعب ولم تُسلّط عليها الأضواء بهذه الدرجة؟!

       وقضية أخرى يتجاوز فيها استخفاف السلطة بهذا الشعب له، ذلك أنْ استخفَّت بكل النداءات والتوصيات الحقوقية والدولية وبكل ما قطعته على نفسها من وعود، وبأبسط الحقوق السياسية المتعارفة وذلك فيما يتعلّق بالسماح بالتعبير السلمي في الرأي السياسي حيث يستمر المنع والقمع الشديد للمسيرات السلمية واستعمال آلة القتل في مواجهتها برغم كلِّ النداءات والتوصيات ومنها توصيات لجنة التحقيق المستقِلّة، وتوصيات جنيف.

       بعد كلِّ التوصيات يُقتل حسام الحداد، وعلي حسين نعمه على يد قوات الأمن عمدًا لمشاركتهما في مسيرة سلمية. على السُّلطة أن تبرز صورة للسّلاح القاتل، أو الجارح، أو ما يُسبّب حتى خدشًا بيد أيٍّ من القتيلين الشهيدين حين قتله.

       شهيدان واجها القتل العمد المتقصّد على يد قوات الأمن عقوبة على التعبير السلمي عن الرأي بعيدين كل البعد عن العنف وما يمتُّ إليه من وسيلة.

       وتأتي في سياق استرخاص السلطة لحياة أبناء الشعب، والإمعان في حربهم وفاة محمد علي أحمد مشيمع المسجون ظلمًا تحت تأثير الحرمان من العلاج والدّواء.

       نحن أمام حالة من الإرهاب والعنف الرّسمي الذي لا يترك لأحدٍ من أبناء الغالبية في هذا الشّعب مجالًا للتفكير في التفريط في مطلب الإصلاح والتغيير تحت أيّ من الظروف.

       وهذا ما عليه كل الأحرار من أبناء الشعب من جميع الشرائح والطوائف والتنوعات.

       وحسب السياسة الأمنية للسلطة على الشّعب أن يدفع ضريبتين مكلفتين عند سقوط كلِّ شهيد على تراب الوطن؛ ضريبةً عند زفاف الشهيد لقبره، وأخرى يوم إنهاء مجلس الفاتحة المقام عليه.

       لابد من سقوط جرحى، ومختنقين بالغازات السَّامة، وحصول إعاقات عقوبة على التشييع، وعلى العودة إلى قبر الشّهيد في اليوم الثالث من أيام الفاتحة لقراءة ما تيسّر من كتاب الله وتوديعه.

       عليه فإنَّ الحكومة في البحرين لو صُوِّت عليها اليوم لكان نصيبها من أصوات الناخبين 99,9%، وحتى يتبيّن صدق هذه المقولة فَلْتُقدِم الحكومة على هذا التصويت لاكتشاف الوزن، ولتتحدَّ الشرذمة القليلة بهذا التصويت، وتُثبت إحراجها لها.

       هل تفعل؟ لا، لن تفعل.

       اللهم صل وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

       اللهم لا تجعل منّا نصرة لباطل، ولا خُذلانًا لحق، ولا ميلًا لشر، ولا زهدًا ولا عزوفًا عن خير، ولا رضًا بظلم، ولا تقصيرًا في معروف، واجعل قصدنا رضاك، واسلك بنا طريقه يا رحمان يا رحيم يا كريم.

       اللهم ارحم شهداءنا وموتانا، واشف جرحانا ومرضانا، وأطلق سراح سجنائنا وأسرانا، وأرجع غرباءنا سالمين غانمين في عزّ وكرامة يا أرحم الراحمين.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}([32]).

 

 

 

[1]– 13، 14/ الملك.

[2]– موسوعة معارف الكتاب والسنة ج2 ص292 ط1.

[3]– من لا يحضره الفقيه ج3 ص 388 ط2.

[4]– فلا يُغفل ذلك.

[5]– والأخلاف جمع خلف، هو طرف الضرع.

[6]– تهذيب الأحكام ج7 ص400 ط4.

تكملة الحديث:”…. وأفتَحُ شَيءٍ أرحاما . أما عَلِمتُم أنّي اُباهي بِكُمُ الاُمَمَ يَومَ القِيامَةِ ، حَتّى بِالسِّقطِ ، يَظَلُّ مُحبَنطِئا عَلى بابِ الجَنَّةِ ! فَيَقولُ اللّهُ عز و جل لَهُ : اُدخُلِ الجَنَّةَ ، فَيَقولُ : لا ، حَتّى يَدخُلَ أبواي قَبلي . فَيَقولُ اللّهُ تَعالى لِمَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ ائتِني بِأَبَوَيهِ ، فَيَأمُرُ بِهِما إلَى الجَنَّةِ ، فَيَقولُ : هذا بِفَضلِ رَحمَتي لَكَ”.

[7]– المجازات النبوية للشريف الرضي ص312.

[8]– وهذا ليس قاعدة عامة، وإنما قد يكون في الأغلب، وقد تأتي كبيرة إلى مدى معين خيرًا بكثير من شابة.

[9]– المصدر السابق ص92.

[10]– أي ضئيل.

[11]– الكافي ج5 ص327 ط3.

[12]– كنز العمال ج16 ص272.

[13]– موسوعة معارف الكتاب والسنة ج2 ص249 ط1.

[14]– الكافي ج5 ص332 ط3.

[15]– مكارم الأخلاق ص204 ط6.

[16]– كنز العمال ج16 ص301.

[17]– مكارم الأخلاق ص197 ط6.

[18]– الكافي ج5 ص332 ط3.

[19]– تهذيب الأحكام ج7 ص406 ط4.

[20]– الكافي ج5 ص300 ط3.

[21]– من لا يحضره الفقيه ج4 ص58 ط2.

كأنه يكون قوّادًا.

[22]– الكافي ج5 ص332 ط3.

[23]– اعطِ زواجك بُعده الاجتماعي والرسالي.

[24]– ماذا تعني من نكح لله؟ يعني طاعة لله، من أجل أن أساعد النفس على عبادة الله عز وجل، حتى لا يشغلها الشيطان فيصرفها عن طاعة الله عز وجل.

[25]– موسوعة معارف الكتاب والسنة ج2 ص288 ط1.

لهذا ينال محبة الله ونصره وعنايته وتسديده وتوفيقه.

[26]– دعائم الإسلام ج2 ص196 ط2.

[27]– نيّة صالحة، ودعاء قبل الإقدام على الخطبة والزواج بالزوجة الصالحة، والزوج الصالح.

[28]– الكافي ج3 ص482 ط3.

[29]– سورة التوحيد.

[30]– هتاف جموع المصلين (هيهات منا الذلة).

[31]– تسمعه من المنظمات الحقوقية، من دول مختلفة، ومنها الصديقة والحليفة كما هو نظرها.

[32]– 90/ النحل.