المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (519) 20 شوال 1433هـ ـ 7 سبتمبر 2012م

خطبة الجمعة (519) 20 شوال 1433هـ ـ 7 سبتمبر 2012م

مواضيع الخطبة:

 

الخطبة الأولى: أذى أسوأ من أذى

الخطبة الثانية: تثبيت أحكام السجن المؤبد

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي امتنع على العقول تصوُّره لعظمته، وعلى أنْ تعرِف كنهه لعدم محدوديته، وعلى الأوهام والأخيلة أن تدنو منه لجلاله وجماله وكماله. محيط بكلِّ شيء ولا يحيط به شيء، وغنيٌّ عن كلّ شيء ولا يستغني عنه شيء، لا تبلغ رحمتَه رحمة، ولا مغفرتَه مغفرة، ولا عفوَه عفو، جزاؤه فوق كلّ جزاء، وعطاؤه أبلغ من كلّ عطاء.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
عباد الله كلُّ دعوة الدِّين الصِّدقِ وهو الإسلام للأخذ بالحقّ، وترك الباطل، واختيار الطيّب من القول والعمل، وكلِّ ما تحتاج إليه حياةُ الإنسان، أو يلذُّ تناوله وهو طيّب، والعزوف عن الخبيث. وما حرّم الله طيّباً، وما أحلّ خبيثاً. فأيُّ دين يُقدّمه العقل على هذا الدين؟! أو يبحث عن أهدى منه وأكمل؟! وأيُّ ذوق إنساني رفيع يتوقّف متردِّداً في هذا الدين؟! وأيُّ دين يمكن له أن يصل بالإنسان إلى غايته مما هو على خلاف هذا الدّين؟!
لقد عَقِل من أنفق حياته كلّها في ضوء هذا الدّين، وسار على هداه، واستمسك بعقيدته، ولم يشذّ له قول أو فعل، أو فكر، أو شعور عنها وعن شريعته، وأقام كلَّ أمره على تقوى الله وخشيته.
علينا عباد الله بتقوى الله، وألاّ نعدل بتقواه تقوى أحدٍ دونه فكلُّ من دونه ليس شيئاً، وليس له شيء إلاّ به.
اللهم إنّا نعوذ بك من أن نتّخذ من دونك إلاهاً، أو نشركَ بك شيئاً، أو نطلب الخير إلاَّ منك، والنجاةَ إلا من عندك، والفوزَ إلاَّ من فضلك وكرمك.
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولوالدينا وأرحامنا وأصدقائنا وجيراننا ومن علّمنا علماً نافعاً لنا في دين أو دنيا من مؤمن ومؤمنة، ولجميع المؤمنين والمؤمنات، وتب علينا إنّك أنت التوّاب الرَّحيم.
أما بعد فالحديث استكمال لحديث الجمعة السابقة الذي كان تحت عنوان: من خُلق اللئام. والآن إلى عنوان:

أذى أسوأ من أذى:

لا ظلم في الإسلام، ولا استخفاف بحقّ عبد من عبيد الله أو أَمَةٍ من إمائه، ولا أذى لمخلوق ليس منه أذى. لا أذى لحيوان ليس منه سوء، ولا لحشرة ليس منها ضرر(1).
وكلما عَظُم شأن المقصود بالأذى، أو عظم إحسانه للمؤذي زاد قُبْح أذاه، وعظم الوزر الذي اكتسبه مؤذيه على نفسه.
وإنَّ لآل بيت رسول الله صلَّى الله عليه وآله المعصومين لشأناً ليس لغيرهم، ومقاماً فوق مقام النّاس، و إحسانهم للأمة وإصلاحهم لشأنها ليس مثله في الناس إحسان ولا إصلاح. فمن آذاهم أثبت من نفسه جرأة على الله ورسوله بالغة في السوء والشر، وميلاً هائلاً عن الصراط، والخلق القويم، والعدوانُ عليهم إنما هو عدوان على الأمة كلّها(2).
ونقرأ بهذا الشأن عن الرَّسول صلَّى الله عليه وآله:”أيّها الناس اسمعوا قولي واعرفوا حقّ نصيحتي، ولا تخلفوني في أهل بيتي إلاّ بالذي أُمرتم به من حفظهم؛ فإنهم حامَّتي وقرابتي وإخوتي وأولادي، وإنّكم مجموعون ومساءلون عن الثَّقلين فانظروا كيف تخلفونني فيهما.
إنّهم أهلُ بيتي فمن آذاهم آذاني، ومن ظلمهم ظلمني، ومن أذلَّهم أذلَّني، ومن أعزهم أعزّني، ومن أكرمهم أكرمني…”(3).
وعنه صلَّى الله عليه وآله:”من آذاني في أهلي فقد آذى الله”(4).
وعنه صلَّى الله عليه وآله:”من آذى عليّاً فقد آذاني”(5).
وعنه صلَّى الله عليه وآله في حق فاطمة عليها السلام:”إنما ابنتي بضعة منّي يريبني ما أرابها، ويؤذيني ما آذاها”(6).
وعمَّن آذى مجاهداً في سبيل الله جاء عنه صلَّى الله عليه وآله:”من اغتاب غازياً وآذاه أو خلفه في أهله بسوء نصب له يوم القيامة ويستغرق حسناته ثم يركس في النّار ركساً إذا كان الغازي في طاعة الله عزّ وجلّ”(7).
والمجاهد في سبيل الله شأنه عظيم عنده سبحانه، فلا غرو أن تعظم جريمة أذاه في نفسه أو في أهله.
ويعزُّ العبد عند الله سبحانه بإسلامه وإيمانه، وشأن أي إنسان لا يعظم حقّاً إلا بأن يكون مرضيّاً عند الله، مستجيباً لأمره، داخلاً في طاعته. ومن كان كذلك وجب احترامه، وقبح أذاه بقدر ما له من شأن عند ربّه.
عنه صلَّى الله عليه وآله:”من أحزن مؤمناً ثمَّ أعطاه الدنيا لم يكن ذلك كفّارته، ولم يؤجر عليه”(8).
وعنه صلَّى الله عليه وآله:”قال الله تبارك وتعالى: ليأذن بحرب منّي من آذى عبديَ المؤمن، وليأمن من غضبي من أكرم عبدي المؤمن”(9).
وممن يَعظُم ذنبُ أذاه الوالدان لما لهما من حقّ كبير على الولد.
فعن الرسول صلّى الله عليه وآله:”يقال للعاقّ: اعمل ما شئت من الطاعة فإني لا أغفر لك”(10).
وعنه صلَّى الله عليه وآله:”ملعون ملعون من ضرب والده أو والدته”(11).
وأيُّ نفس جهولة خبيثة متنكّرة للجميل مغلّفة بالظلام كالحة ساقطة وراء ضرب الوالدين؟! إنها لنفس مخوفة موحشة معدنُ شرٍّ وسوء.
وممن له حق كبير على صاحبه كلُّ من الزّوجين، والعلاقة بينهما ينبغي أن تكون من أشدِّ العلاقات التي تسودها المودَّة والحنبة، والإخلاص، والاحترام، والتعاون في الخير والوفاء والأمانة.
وتَبدُّل هذه العلاقة إلى علاقة لسان بذيء، ويد جانية وإزعاج وإقلاق، قلبٌ للموازين، وقبح مشين، وظلم عظيم، وبذلك يزداد قبح الأذى من أيٍّ من طرفي هذه العلاقة للطرف الآخر.
ويكفي هذا الحديث عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله في كفِّ الزوجين عن أذى بعضهما البعض لمن كان له دين، وفي قلبه خشية من الله، وعنده احترام لرسول الله صلَّى الله عليه وآله.
يقول الحديث عنه صلَّى الله عليه وآله:”أيُّما امرأة آذت زوجها بلسانها لم يقبل الله عزّ وجلّ منها صرفاً ولا عدلاً ولا حسنة من عملها حتّى ترضيَه وإن صامت نهارها، وقامت ليلها، وأعتقت الرِّقاب، وحملت على جياد الخيل في سبيل الله، وكانت في أول من يرد النّار، وكذلك الرجلُ إذا كان لها ظالماً”(12).
والجار من أولى النّاس بالبر والإحسان من جاره، وبالستر، والتغاضي عن التقصير والأذى منه، فإذا تحوَّل إلى عنصر من عناصر إيذاء جاره، وسبباً من أسباب إقلاقه وإزعاجه كان أذاه له من الأذى الأشد قُبحاً، وأعظم إدانة.
عن الرسول الخاتم صلَّى الله عليه وآله:”من آذى جاره حرّم الله عليه ريح الجنّة، ومأواه جهنّم، وبئس المصير”(13).
وإنَّ الأذى لمؤلم مسَّ بدناً أو شعوراً، واستهدف نفساً أو سمعة وشرفاً ولكن كل الأذى وإن طغى يهون في سبيل الله عند من يعرف قيمة الدّين، ولا يرتدّ الأذى الطاغي بالمؤمن الحقّ عن دينه.
{لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}(14).
{فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ}(15).
وما كفّ أذى امرئ عن غيره كالإيمان. المؤمن بعيدٌ كلَّ البعد عن أذى المؤمن، والمسلم، وممن لم يكن على دينه، وعن كلّ ظلم لأيّ إنسان، وأي شيء من خلق الله.
كيف يكون المؤمن مصدرَ أذى بظلم لأي مخلوق والحديث عن الرسول صلّى الله عليه وآله يقول:”كل مؤذ في النّار”(16)، “من خاف النّاس(17) لسانه فهو من أهل النّار”(18)، “من روّع مسلماً لرضا سلطان جيء به يوم القيامة مغلولاً”(19)، “من آذى ذِمّياً فأنا خصمه، ومن كنت خصمَه خصمتُه يوم القيامة”(20). وعن الإمام الصادق عليه السلام:”من روّع مؤمناً بسلطان ليصيبه منه مكروه فلم يصبه(21) فهو في النّار، ومن روّع مؤمناً بسلطان ليصيبه منه مكروه فأصابه فهو مع فرعون وآل فرعون في النّار”(22).
اللهم صل وسلم وزد وبارك على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اجعلنا صالحين مصلحين، لا فاسدين ولا مفسدين، وأجرِ الخير على ألسنتنا وأيدينا طالبين مرضاتك، ولا تُنْطِقْ ألسنتنا بكلمة لا ترضاها، ولا تُطْلِقْ أيدينا بما لا تحب. كفَّنا ربنا في عافية عن كل سوء، واكفنا من كل سوء برحمتك يا أرحم الراحمين.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}(23).

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي لا يشوب وجودَه عدم، ولا يجوز على حياته موت، ولا يمسُّ قدرتَه وهن، ولا تُطال بعجز، ولا يُخالط علمَه جهل، ولا يناله قصور، ولا يأتي على إرادته تردُّد، ولا يدنو من حكمته ضلال، ولا من عدله ظلم، وهو العليُّ العظيم.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
عباد الله ألا إنَّ الأمور بعواقبها والعاقبة للتقوى؛ تقوى العبد لربّه الله العليّ العظيم؛ فما صلُحت نفس إلا بتقواها. ولا كمال، ولا سعادة، ولا رضى لنفس تُعاني من الفساد، وهو هادم لها. فلنرغب عباد الله في تقوى الله لتأخذَ بنا في طريقه الذي لا طريق غيره للخروج من الظُّلمات إلى النور، ومن النقص إلى الكمال، ومن الشّقاء إلى السّعادة.
اللهم صل وسلّم وزد وبارك على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم إنا نعوذ بك من أن يستزلَّنا الشيطان عن طريقك، أو يميل بنا هوى النفس الأمّارة بالسوء عن طاعتك، أو تشغلنا الدُّنيا عن ذكرك، أو يخالطنا شكٌّ في دينك، أو نُقدِّم إرادة على إرادتك. اللهم أبقنا ما أبقيتنا في الدّنيا مؤمنين، ولا تخرجنا منها إلاَّ على رضاك، مغمورين بلطفك ورحمتك، قد كتبت لنا النجاة من النّار، والفوز بالجنّة فإنك أنت الرؤوف الرحيم، الكريم.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبدالله خاتم النبيين الصادق الأمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأنوارك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس ياربّ العالمين.
اللهم عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصراً عزيزاً مبيناً ثابتاً دائماً قائماً.
أما بعد أيها الأعزاء من المؤمنين والمؤمنات فعنوان الحديث:

تثبيت أحكام السجن المؤبد:

ثبَّتت محكمة الاستئناف العليا أحكامَ السجن والسجن المؤبّد التي أصدرتها محكمة ما يسمّى بالسلامة الوطنية في حقِّ عدد من أبطال هذا الشّعب ورموزه السياسيين. والقضية التي لم تستطع المحاكم أن تثبت غيرها بحقٍّ بشأنهم هي تعبيرهم عن رأيهم السياسي ومطالبتهم العلنية بحقوق الشعب.
والأحكام المشار إليها كانت ولا تزال محلاً للنقد والشجب والتنديد والاستنكار والمطالبة بالإلغاء من دولٍ ومنظمات حقوقية دولية ودبلوماسيين وحتى من لجنة تقصي الحقائق التي تم اختيارها وتشكيلها من جانب السلطة وأعلنت موافقتها على تقريرها.
وجاء تثبيت هذه الأحكام الجائرة ذات الخلفية السياسية البحتة ليكشف عن عددٍ من الحقائق الثابتة:

1. أنه لا تراجع من السلطة عن باطل إلى حق.
2. أنَّ تعدُّد المحاكم وعناوينها ولافتاتها، وكذلك عناوين السلطات لا يعني شيئاً، فهو قرار سياسي واحد يمتثل له الجميع، ويُنفَّذ من قبل الجميع.
3. أن السلطة لا بديل عندها عن خيار القبضة الأمنية المشدّدة، وأنَّ الخيار أمنيٌّ لا غير، والتعبير عنه بصور مختلفة، وفي جميع مفاصل الدولة ومرافقها.
4. أنّها مستعدة لأن تشتري الذِّمم الرَّخيصة، وتسرف في البذل من مال الشعب على تجنيد أي وسيلة إعلامية خارجية مستعدة للمساومة على دماء ومظالم شعبنا، ومناصرة أو تحييد أي جهة يمكن لها أن تقول كلمة مؤثّرة في الكشف عن سياستها القائمة على العنف، والمستخِفّة بحقوق الإنسان. أمَّا أن تستجيب لأي صوت منصف لهذا الشعب مؤيِّد لحقوقه، مطالب بالإصلاح أو ناصح به من الداخل أو الخارج فلا.
وبالنسبة لرأي الجماهير الحرّة العريضة من هذا الشعب الكريم فالسلطة لا ترى له أي وزن وتضرب به عرض الحائط، وكأن ما تسمعه من احتجاجات هذه الجماهير وصرختها المدوية لا يزيد على طنين الذباب.
5. أنَّ كل ما يسرَّب أحياناً أو يُشاع، أو يبدو أنه تحضير لأيّ نوع مما يقال عنه بأنه حوار فإنما هو لذرّ الرّماد في العيون ولأغراض التفافية وإعلامية مؤقّتة.
وفي تثبيت الأحكام السياسية الجائرة بالسجن والسجن المؤبد للرّموز الأبطال لغة مباشرة وقوية ومثيرة ودافعة للشعب بالاستمرار في حراكه الإصلاحي وكأنَّ هذه الاستثارة وهذا الدفع من أجل حصد أرواح عددٍ أكبر من أبناء الشعب، وسجن أعداد أضخم، وإيقاع دمار أوسع، وترويع أشد إشباعاً لرغبة الانتقام، وشهوة التعدّي(24).
والسلطة أول من تعرف بأنه إذا كان تثبيت الأحكام الجائرة الصادرة عمّا يسمى بالسلامة الوطنية والتي أقرّتها محكمة الاستئناف قد أقلق الدول الصديقة الحليفة لها كما تقول تلك الدول فإن ما عليه هذا الشعب الأبي هو أنه ممتلئ ألماً وغيظاً وغضباً من هذه الأحكام، وأنه شاعر بالاستهداف العام، والاستخفاف العام، والتهديد العام، وإرادة تكميم الأفواه، وإجهاض المطالب الحقّة العادلة، وأنه لابد أن يُعبِّر عن رأيه الرافض لهذه الأحكام المسيسة، ومناهضة الإذلال والإجحاف الممارسة في حقِّه بأساليبه السلمية المتحضرة المتاحة، والتي اعتادت هذه الجماهير أن تواجه بها السلطة، والتي اعتادت السلطة أن تواجه هذه الجماهير المطالبة بحقها بالقوة والبطش… بالغازات الخانقة، والرصاص المطاطي والانشطاري والحي، وبالاقتحامات العِدائية الواسعة والاستباحة للمناطق الآمنة والسجن والقتل(25).
وغريب هو أمر السلطة ففي الوقت الذي تتعامل فيه مع المرأة المعاملة مع الحيوان وتُمعن في الاستخفاف بقدرها وقيمتها وتجرّها مطروحة على أرض الشارع كما في بعض الحالات، وتُكدِّس عدداً من النساء تكديس الأغنام في تراكم بصورة مذلّة كما في حادث المركز التجاري للعاصمة، وتدخل عليها جلاوزة النظام وهي في خلوة الفراش بلباس النوم، وتُذيقها وجبات من التعذيب القاسي في التوقيف والسجون؛ في الوقت الذي تتلقّى فيه المرأة كلّ هذا الاستخفاف والمهانات والإذلال من السلطة نسمع من السلطة نفسها وأبواقها دعوى الانتصار للمرأة والمرأة الشيعية بالخصوص، وإنقاذها من عبوديتها للرجل بإنقاذها من هيمنة الدين وأحكام الشريعة الإسلامية الظالمة في نظر السلطة ولكن لا عجب ولا غرابة من متناقضات السياسات الدنيوية المتناقضة أصلاً مع أصول الكون والحياة والفطرة والعقل والضمير(26).
ومعلوم ما تحمله الإثارة لموضوع قانون الأحوال الشخصية في شقه الجعفري في هذا الظرف بالخصوص من استهداف خبيث لإحداث الفرقة في صفوف المعارضة، وانشغال عن مسألة الحقوق السياسية، والتشويش على المطلب الإصلاحي العام، واسترداد حقوق وكرامة وحرية الشعب.
يريدون لنا أن ندخل في الحديث عن موضوعات أخرى وننسى الموضوع الأساس؛ موضوع الإصلاح الجدّي الجذري الذي لابد منه، ولا رفع لليد عنه، ولن يُستغفل الشعب بشأنه، ولن يتوانى في السعي لتحقيقه.
لييأسوا، لن يصرف الشعب عن مطلبه الأساس صارف. لا الألاعيبُ السياسية القذرة، ولا الإعلام المضاد، ولا المال، ولا القوة، ولا شيء آخر مما يمتلكونه بقادر على أن ينسى الشعب أو يستغفله، أو يُثنيه عن الإصلاح الجدّي الجذري الذي لا أمن له، ولا حياة كريمة، ولا استقرار، ولا حرية بدونه على الإطلاق(27).
اللهم صل وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم أعذنا من أن نكون ظالمين أو مظلومين، وأن نشطَّ عن دينك في أمر من أمورنا، وأن نستجيب لرغبة عدوّ من أعدائك، وهوى من أهواء المضلين من عبادك.
ربّنا انصرنا على من ظلمنا، واجعلنا في درعك الحصينة التي تجعل فيها من تريد.
اللهم ارحم شهداءنا وموتانا، واشف جرحانا ومرضانا، وفك أسرانا وسجناءنا، ورد غرباءنا سالمين غانمين.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (28).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – هذا هو الإسلام.
2 – بعد أن كانت الأمة كلها محتاجة إليهم، وبعد أن كان إحسانهم عامّا لكل الأمة، بل للإنسانية جميعاً.
3 – بحار الأنوار ج38 ص94 ط2 المصححة.
وكم استُهدف أهل البيت عليهم السلام من هذه الأمة، وكم واجهوا من صنوف الإذلال، وإن كانت عزّتهم بالله فوق كل ذلك، لا تقبل الإذلال.
4 – كنز العمال ج12 ص103.
5 – تحف العقول ص459 ط2. وقد وردت هذه الرواية في مصادر عديدة.
6 – بحار الأنوار 37 ص66 ط2المصححة.
7 – ثواب الأعمال ص256 ط2.
8 – بحار الأنوار ج72 ص150 ط3المصححة.
9 – المصدر السابق ج64 ص71 ط3 المصححة.
ونحن منا من يُهين أكرم الناس على الله في عائلته، في أصدقائه، إلخ، وكم يهين الزوج الزوجة، وكم تهين الزوجة الزوج.
10 – كنز العمال ج16 ص476.
11 – وسائل الشيعة (آل البيت) ج16 ص281 ط2.
واللعن الطرد عن رحمة الله، فليبحث من حرم نفسه من طاعة الله عن رحمةٍ من مصدر آخر.
12 – مكارم الأخلاق ص214 ط6.
13 – الأمالي للشيخ الصدوق ص514 ط1.
14 – 186/ آل عمران.
15 – 195/ آل عمران.
16 – كنز العمال ج14 ص523.
الأذى من غير حقّ هو طريق إلى النار، لا تقل لي أنا آذيت كافراً، آذيت حيوانا، كل مؤذ في النّار، إيذاء الآخرين من غير حق هو طريق للنار لأن الله عز وجل لا يرضى إلا بالحق والعدل.
17 – الناس، وليس المسلمين فقط.
18 – مكارم الأخلاق ص433 ط6.
لسانه لا يتوّرع أن يقذف، أن يبهت، أن يرمي بغير حق.
19 – موسوعة معارف الكتاب والسنّة ج2 ص99 ط1.
20 – كنز العمال ج4 ص363.
نغلب رسول الله يوم القيامة في الخصام؟! 21 – التفت إلى أنه لم يصبه الأذى من السلطان.
22 – الكافي ج2 ص368 ط4.
درجة تختلف عن درجة.
23 – سورة العصر.
24 – هتاف جموع المصلين (الله أكبر، النصر للإسلام)، (نطالب بالإفراج عن المساجين).
ولا يمكن لهذا الشعب إلا أن يطالب بالإفراج عن المساجين، وليس من صوت مخلص لهذا الوطن إلا ويجب أن يرتفع بالمطالبة بالإفراج عن المساجين. هتاف جموع المصلين (نطالب بالإفراج عن المساجين).
25 – هتاف جموع المصلين (هيهات منا الذلة).
26 – هتاف جموع المصلين (هيهات منا الذلة).
المرأة اليوم في البحرين أوعى وأوعى وأوعى من أن تستغفلها السلطة، ومن أن تنال منها التجاوب والانسجام مع خططها الخبيثة.
27 – لن ننثني عن مطلب الإصلاح، ولن نألوا جهدا في هذا السبيل، وعلى هذا الشعب أن يصمد، أن يواصل، أن يقاوم، أن يناهض، أن يصر، أن يعاند حتى تحقيق مطالبه العادلة.
هتاف جموع المصلين (الله أكبر، النصر للإسلام)، (معكم معكم يا علماء).
28 – 90/ النحل