المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (518) 13 شوال 1433هـ ـ 31 أغسطس 2012م

خطبة الجمعة (518) 13 شوال 1433هـ ـ 31 أغسطس 2012م

مواضيع الخطبة:

الخطبة الأولى: من خُلق اللئام

الخطبة الثانية: شعب بلا كلمة

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي لا يتغيّر له علم، ولا يتبدَّل تقدير، ولا يُنقض حكم، ولا تُردّ إرادة، ولا مَيلَ في عدله، ولا خَلَلَ في حكمته، ولا مُستصعب في قدرته، ولا بعيد عن أخذه، وكلُّ شيء راجع إلى حكمه، وداخل تحت قبضته.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
عباد الله ما أفاق قلب امرئ إلاّ واستحى من الله لعظمته، وجليل نِعَمِه، وسابغ آلائه. وكم هم الذين يدخلون في طاعة العبيد لعطاءٍ لا يساوي شيئاً من عطاء الله، ولا يملك مُعطوه له سبيلاً أصلاً من أنفسهم لولا تيسيره، ولا يصدر عنهم إلا رغبة في جزاء، ودفعاً لضرٍّ، وتخلّصاً من حرج؟! هذا ونِعَمُ الله تتوالى على عباده تفضّلاً لا عن اضطرار، وإحساناً لا بقصد جزاء، وتكرُّماً لا عن حاجة. وهي نِعَمٌ لا تُعدّ، وآلاء لا تُحصى، لا يقوم بدونها لشيء وجود، ولا تتمُّ لأحد من غيرها حياة.
فكيف نُقدم بعد هذا كلّه على معصية الله، ونقابل آلاءه بالجحود والطغيان، ونستعمل نِعَمَه في محاربته؟!.
أرأيت جحوداً أكبر من هذا الجحود، وتنكُّراً للجميل أكثر من هذا التنكّر، وسقوطاً في الخُلُق أشدّ من هذا السقوط، وتعرُّضاً للعقوبة أوضح من هذا التعرُّض؟!.
اللهم إنا نعوذ بك من جَحْد نِعَمِك، ونسيان ذكرك، وإهمال شكرك، والتعرُّض لسخطك، واستحقاق طردك، وأليم عقوبتك.
اللهم ارزقنا وإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين دوام الذِّكْر، وكثير الشكر لما أنعمت به علينا، وزدنا من فضلك يا جواد، يا كريم.
اللهم صل وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبدالله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
أما بعد أيّها الأعزاء من المؤمنين والمؤمنات فعنوان هذا الحديث:

من خُلق اللئام:

الأخلاق مرآة النفس تُريك ما عليه باطنها، وتُعبّر عن كثير ممَّا يزدحم فيها من أفكار ومشاعر.
فللنفس الكريمة خُلُقُها، وللنفس اللئيمة خُلُقٌ آخر. وإيذاء الناس من أسوأ الخلق، ولا يصدر إلاّ من نفسٍ دنأت وخبثت، وساد أجواءها الشّر، وأعطبها الفساد، وأُصيبت بِعُقَدٍ قاتلة جعلتها تجد لذّتها في أذى الآخرين. لا يصدر إلا من نفس لا تحترم إنسانيتها لتحترم من يشاركها في الإنسانية، ولا تحسُّ بجمال علم ولا تقوى، ولا تُقدّر لأهل الفضل فضلهم، ولأهل الإحسان إحسانهم ليكون في ذلك حاجز لها عن أذاهم، والنيل من راحتهم، وكرامتهم، والتعرُّض لهم بالإهانة.
ما أبعد ما بين نفسٍ لا تجد راحتها إلاّ في إيذاء النّاس وإضرارهم، وفي آلامهم ومتاعبهم، وما يُحطّم حياة الآخرين ويشقيها، ونفس لا تأنس وهي في كامل رَغَدِها، وفي الظروف الناعمة التي تتمتّع بها ما دام آخر يشقى في حياته، ويُعاني من سوء الحال، ولا تسعد إلاّ بأن تسعى جاهدة للتخفيف من متاعب الآخرين وآلامهم، وإنقاذهم مما هم فيه من سوء. ولقد قالوا (كل إناء بالذي فيه ينضح).
ونفسٍ بناها الإسلام وتربّت على هُداه، ووعيه، وأخلاقه، وانفتاحه، وتقواه أبعد ما تكون من شهوة الإيذاء للآخرين ومقاربتها، وأن يكون ملؤها الحقد، والحسد، والضغينة، والبغضاء من غير حقّ، والعدوانيّة، وروح الفتك براحة النّاس وإقلاق حياتهم.
انظر المسافة الشاسعة التي يقرّرها الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله بين نفس تستسيغ أذى الناس، و تُقدِمُ عليه، وبين ما هو الإسلام الحقّ في فهمه الصحيح، والسلام الذي يدعو إليه، والخير الذي يستهدف أن يعمَّ كلّ الحياة.
عنه صلَّى الله عليه وآله:”أيّها النّاس؛ إنَّ العبد لا يُكتب من المسلمين حتى يسلم الناس من يده ولسانه، ولا ينال درجة المؤمنين حتى يأمن أخوه بوائقه، وجاره بوادره، ولا يُعدّ من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حِذاراً عما به البأس”(1).
الإسلام لا يطلق يداً، ولا لساناً، ولا يسمح بنظرة فيها أذى إنسان من غير حق، وخارج ميزان العدل.
أمّا درجة الإيمان فتجعل من صاحبها شخصاً مأموناً تطمئنُّ إليه القلوب، وتسكن النفوس ولا يُصيب منه أخاه المؤمن، وجارَه توجُّس، ولا يُتوقّع أيُّ شر من جهته. يأمن أخوه بوائقه، وهي غوائله وشروره، ويطمئن أن لا تأتيه من جهته داهية، ولا يسمح هديه وتقواه وجمال سريرته بأن يتوقع منه جاره بادرة حدّة فيها أذى من قول أو فعل.
وعن الإمام عليّ عليه السلام:”كيف تكون مسلماً ولا يسلم النّاس منك؟! وكيف تكون مؤمناً ولا تأمنك النّاس؟! وكيف تكون متقياً والنّاس يتقون أذاك؟!”(2).
فلا اجتماع في فهم أمير المؤمنين عليه السلام للإسلام وبين أذى الناس من المدّعي أنه مسلم، ولا بين الإيمان وبين ألاّ يفرض إيمانُ المرء الثِّقةَ به في قلوب عارفيه من الناس حتى يأمنوا جانبه، ويطمئنّوا إلى أنه مصدر خير لا شر، وأنه بعيد عن الإيذاء والإضرار.
وأين التقوى في نظره عليه السلام من شخص يحذر النّاس أذاه، ولم تورث سريرته في معاشريه الطمأنينة إليه، والأمن من شرّه؟!
وأين شر النّاس من الإسلم الصادق الجامع لكل خير، البريء من كل شر؟! “وشرّ الناس من تأذّى به النّاس”(3) كما في الكلمة عن الصادق الأمين صلَّى الله عليه وآله.
صناعة الإسلام عقولٌ واعية، وقلوبٌ طاهرة، وسرائر صالحة، ونوايا كريمة، وأفعال نافعة، وسلوك حميد، وعلانية حسنة تُشتاق، وتَجتذِب.
يقول الحديث عنه صلَّى الله عليه وآله:”طوبى لمن صلحت سريرته، وحسنت علانيته، وعزل عن النّاس شرَّه”(4) فلا شرّ يصدر منه ليصل للناس منه شيء من شر.
المسلم ليس مصدر أذى وسوء، وموقفه من قضية الخير والشر ليس موقف اللامبالاة، ولا تجده متفرجاً على مأساة الناس.
المسلم يأخذ بقول الإمام عليّ عليه السلام:”أُبذُل معروفك وكف أذاك”(5).
وعن الإمام زين العابدين لولده الباقر عليهما السلام:”كُفَّ الأذى، وفُضّ الندى”(6).
وفي التنزّه الشديد من المؤمن الحقّ عن أذى المخلوقات تأتي هذه الكلمة العالية عن الإمام الصادق عليه السلام لحفص بن غياث:”فاز والله الأبرار، تدري من هم؟ (هم) الذين لا يؤذون الذر”(7) والذر صغار النمل.
وكل أذى المسلم حرام، وللأذى صور منها إخافته. فعنه صلَّى الله عليه وآله:”لا تروّعوا المسلم فإن روعة المسلم ظلم عظيم”(8).
ومنها النظر إليه بنظرة مؤذية. فعنه صلَّى الله عليه وآله وسلّم:”لا يحلّ لمسلم أن يشير إلى أخيه بنظرة تؤذيه”(9).
وما أعظم أذى الكلام الساقط الجارح المتجنّي، وما هو بهتان، وما فيه تطاول ظالم على الحقّ وأهله!!
لا أذى لأخيك وجليسك حتى بالتحدّث له بما لا يعنيه. عن الإمام الباقر عليه السلام:”كفى بالمرء عيباً أن يتعرّف من عيوب النّاس ما يعمى عليه من أمر نفسه، أو يعيب على النّاس أمراً هو فيه لا يستطيع التحوّل عنه إلى غيره، أو يؤذي جليسه بما لا يعنيه”(10).
ومن أذى الإخوان ما قد لا نلتفت إليه كما في هذا المورد المنقول عن رسول الله صلّى الله عليه وآله مما قد نبه عليه. يقول الخبر: اعتكف رسول الله صلّى الله عليه وآله في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: ألا إنّ كلكم مناج ربَّه، فلا يؤذين بعضكم بعضاً، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة – أو قال: في الصلاة -“(11).
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا لإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم أعذنا من أيّ ميل عن صراطك، وأيّ زيغ عن دينك، وأيّ تساهل في طاعتك، وأيّ استخفاف بحقّك، وأيّ خروج على محبوبك، وأيّ دخول في مكروهك، وألزمنا سنة نبيك وأوليائك، ولا تعدل بنا عن الحق لسوء ما تأتيه أيدينا أبداً يا رحمن يا رحيم يا كريم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ للَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } (12).

الخطبة الثانية

الحمد لله الكافي لمن استكفاه، الشافي لمن استشفاه، الغافر لمن استغفره، التائب على من تاب إليه، الرحيم بمن استرحمه، الناصر لمن استنصره، المُعزّ لمن استعزّ به. قدير لا يعجز، غالب لا يُغلب، غني لا يفتقر، حي لا يموت، قيوم لا يعيا، لا شيء إلاّ من خلقه، وبتقديره، وتدبيره.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
عباد الله لقد دعا الله العباد إلى طاعته وهو غني عنها، ونهاهم عن معصيته ولا يضره منها شيء. ما دعا لطاعته، وما نهى عن معصيته إلاّ للطفه ورحمته؛ إذ لا سبيل لأحد لكماله، ولا طريق له لسعادته إلا بطاعة الله، وصوغ ذاته في ضوء منهجه، والأخذ بأحكام شريعته، والتخلّق بأخلاق دينه. فلنرغب في طاعة الله، ولنستمسك بها نكتمل، وننج، وتسلم لنا آخرتنا، وتصلح دنيانا.
وما أشقى حياة النّاس إلاّ أن خرجوا على منهج دينه، واستكبروا على طاعته، وعَمُوا عن هداه، وابتعدوا عن رحمته فوقعوا في مأساة الدّنيا قبل مأساة الآخرة.
اللهم لا تجعلنا من أهل الضلال والعمى، واجعلنا ممن هديت فاهتدى، وعمل بما تحب وترضى، وأخذ بالتي هي أزكى، وفاز بالتي هي أبقى يا حميد، يا مجيد، يا رؤوف يا رحيم، يا كريم.
اللهم اغفر لنا ولوالدينا وأرحامنا وقراباتنا وجيراننا ومن علَّمنا علماً نافعاً في دين أو دنيا من المؤمنين والمؤمنات ولكل مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين الصادق الأمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الهداة الميامين أئمة أهل البيت عليهم السلام بعد رسول الله بالحق: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس ياربّ العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصراً عزيزاً مبيناً ظاهراً ثابتاً قائماً.
أما بعد أيها الأحبة في الله فإلى هذه الكلمة:

شعب بلا كلمة:

شعب البحرين تُريده السلطة القائمة شعباً بلا كلمة، بلا رأي، بلا تفكير، بلا إرادة إنسانيّة حرّة، بلا آمال، بلا شعور بالكرامة، بلا استمساك حقيقي بدين يرفض سياسة الاستئثار، والاستكبار، وإذلال الشعوب، وتهميشها. تريده شعباً بلا مؤسسة شعبية واحدة.
كل الكلمة لها، كل الثروة لها، كل الإعلام لها، كل الدِّين، والمساجد والحسينيات لخدمتها، كل المؤسسات تحت أمرها، كل أرض الوطن، وسمائه وما تقلّه أرضه لها.
المجلس النيابي لابد أن يكون من صناعتها وتصميمها ليكون لها، يدعمه مجلس شورى أو يتحكم في إرادته زيادة في الاطمئنان لبقاء مقرراته في مصلحتها، لابد من وجود اتحاد عمالي مساير لإرادتها، من لجنة حقوقية ولكن دفاعها عنها، من لجنة للإشراف والتحقيق في ما تُنفِّذه من توصيات لجنة تقصّي الحقائق المترتّبة على شيء مما سُجِّل من مظالمها على أن تكون هذه اللجنة من اختيارها، ولا تخرج عمّا تستهدفه سياستها، من قضاء تتفرّد بالكامل بكل تفاصيله وتعييناته ليكون من وجهة نظرها.
ليس لمسجد أن يستقِلّ، ليس لأيّ مؤسسة ثقافية أن تستقِلّ، ليس لمؤسسة دينية كمجلس علمائي أن يستقل، ليس لاتحاد عمالي أن يستقل فضلاً عن أن يكون للشعب كلمة أن يتمتع بالحرية، واستقلال الرأي، وأن يكون له خياره، وتحديد مسار حياته، والتحكم في مصيره، وأن يكون مصدر السلطات حقيقةً لا دعاية إعلامية فقط.
المسجد الرافض لسياسة الإسكات وتكميم الأفواه، المطالب بحقوق الشّعب يحق هدمه أو إغلاقه، والخطيب المعارض له العزل والإقصاء من الموقع أو السجن والمحاكمة، الاتحاد العمالي المدافع عن حقوق العمال تُشنُّ عليه الحرب ويُستبدل عنه، وكل البحرين تضيق عن اعتصام أو مظاهرة تُعلن ظلامةَ هذا الشعب، كل المؤسسات السياسية المعارضة تحت التهديد بالمحاكمة والغلق… أحرار الكلمة امتلأت بهم السجون من علماء ومختصين، وشباب وشيب، وصبية من حرائر وأحرار ومن مختلف الخطوط والانتماءات المتعدّدة.
استنفذت سياسة الإسكات كل وسائلها وعلى مدى زمني طويل ولم تفلح في خفض صوت الشعب الرافض للظلم والإذلال، والتخفيف من الإرادة والإصرار على العدل والحرية والانعتاق واسترداد الحقوق مما لا تراجع عنه عند هذا الشعب.
سجنوا، قتلوا، اغتالوا، اختطفوا، جوّعوا، فصلوا الأعداد الهائلة من الطلاب والعمال وأصحاب الوظائف والاختصاصات العلمية المتقدِّمة من مواقعهم، وفرضوا عليهم التعطُّل، وحولوا البحرين إلى سماء داكنة تُغطّي سمومها المناطق السكنية المختلفة لتغتال حياة الكثيرين، وتوقع آخرين في أمراض خطيرة، وسبّوا، وشتموا، وشهّروا، وخوّنوا، واستباحوا سُمعة الكثير من أبناء الشعب، ونالوا من كرامة أغلبيّته، وأنزلوا ألوان الإهانة بحرائر هذا الوطن، وأعراض المؤمنين في السّاحات والشوارع، وأذاقوا الأحرار والحرائر ألوان العذاب في أقبية السجون، وفتكوا تحت التعذيب بحياة عدد من أبطال هذا الشعب.
وكلُّ ذلك لم يسكت صوت شعبنا، ولم يُخفِّض منه. فهل تُراهن السلطة، وهل تُراهن المنطقة، وهل يُراهن عدد كبير من الدول العربية، وهل تُراهن الدول الصديقة الحليفة للبحرين الرّسمية على ارتكاب المزيد من عذاب هذا الشّعب، وإرهابه، واستباحة حُرُماته، وسفك دم أبنائه وبناته من أجل إسكاته وإذلاله واستسلامه؟!(13)
ألم ييأس كل هؤلاء من جدوى سياسة العنف والبطش والإرهاب في كسر إرادة هذا الشعب الحرّة الأبيّة أو تليينها لترضخ لإرادة الإذلال والاستعباد والتسليم؟!
هناك من لا يزال يتشبّث بسياسة العنف، ويراهن عليها، ويجهر بالمطالبة بها، ويدعو صراحة إلى تقديم الحل الأمني أملاً في إسكات صوت الشعب، ولصالح بقاء الوضع الظالم، وتهميش الإرادة الشعبية وإلغاء اعتبارها، وكل ألوان الفساد السياسي والاقتصادي والإداري والقضائي والاجتماعي والأخلاقي والتعدي على الحريات ومصادرتها، والتمييز، والإقصاء، واستعباد النّاس(14).
خيار الحل الأمني وتقديمه أعلنته الصحافة المحلية صراحة عن موقع متميّز في مؤسسة من مؤسسات السلطة الرئيسة(15).
وهذا الرأي(16) ينبغي أن يُكتب بماء الذهب، ويُعدَّ رائعة من روائع الفكر الرّاقية، والضمير الإنساني الحيّ، والحسّ الدّيني النابه، والشعور الخُلُقي المتدفق، والحرص الشديد على سلامة الأوطان، ومتانة لحمتها، واحترام إنسانية الإنسان.
هذا كلُّه ليس كثيراً على هذا الرأي لما له من قيمة عالية لا يُمكن أن تُنسى.
رأي سامح الله قائله، وعسى أن يكون صادراً عن غفلة لا سوء قصد.
رأي ليس في الأخذ به إلاَّ تدميرُ هذا الوطن، والقضاء على مستقبله، وإهلاك أهله، فليس للظلم المدعوم بالعنف والإرهاب والسجن والقتل إلاّ هذا النوع من النتائج.
وهذا الرأي لا يُقدِّر لهذا الشعب قدرته على الثبات والصمود والتضحية والبذل والعناد في الحق، والصبر على الأذى، والإصرار على الحريّة، والتمسُّك بالدين والعزّة والإباء، وكأنه لم يرَ تجسيد كل هذه المعاني الكريمة واقعاً عمليّاً مدة هذا الحراك.
العنف لن يفيد، ومثله الالتفاف، والمراوغة، والإعلام الزائف، والمناورات السياسية التي تأخذ بها السلطة.
الطريق للخروج بالوطن من أزمته المرهِقة التي تسبّب فيها تغوّل السلطة ومعاداتها للشعب الرضوخ للحق، والاعتراف بمكانة الشعب، والإصلاح الحقيقي الذي يأتي على الظلم والتمييز والتهميش و إهمال إرادة الشعب، ورأيه في تقرير مصيره.
العلاج أن يتبدَّل الواقع السيء، وأن لا يُعامَل الشعب بروح الغطرسة والاحتقار والفوقية المتعالية في حين أنَّ الشعب مصدر السلطات وصاحب الحق الأول في تقرير مصيره كسائر الشعوب.
اللهم صل وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبدالله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم أصلح أوضاع أمّة الإسلام، واجعلها عارفة بحقّ دينها، ووفِّقها للرجوع إلى منهج قرآنها الكريم، ونبيها العظيم، وهداتها الميامين صلوات الله وسلامه علهيم أجمعين.
اللهم ارحم شهداءنا وموتانا، واشف مرضانا وجرحانا، وفك أسرانا وسجناءنا، ورد غرباءنا سالمين غانمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (17).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – بحار الأنوار ج74 ص177 ط3 المصححة.
2 – موسوعة معارف الكتاب والسنة ج2 ص74 ط1.
3 – بحار الأنوار ج72 ص281 ط3 المصححة.
4 – المصدر السابق ج74 ص91.
5 – عيون الحكم والمواعظ ص82 ط1.
6 – نزهة الناظر وتنبيه الخاطر ص91 ط1.
كن كريماً، كن معطاءاً، كن مصدر خير، ولا تكن مصدر شر أبداً.
7 – بحار الأنوار ج2 ص27 ط2 المصححة.
8 – كنز العمال ج16 ص11.
9 – جامع السعادات ج2 ص165 ط4.
10 – الكافي ج2 ص460 ط4.
11 – كنز العمال ج1 ص608.
12 – سورة التوحيد.
13 – هتاف جموع المصلين (هيهات منا الذلة).
14 – هناك من يراهن على أسلوب العنف من أجل بقاء كل هذه المآسي والتراكمات الخبيثة.
15 – تجدون هذا في الأسبوع المنقضي.
16 – رأي تقديم الحل الأمني عل أي حل آخر.
17 – 90/ النحل.