المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (517) 6 شوال 1433هـ ـ 24 أغسطس 2012م

خطبة الجمعة (517) 6 شوال 1433هـ ـ 24 أغسطس 2012م

مواضيع الخطبة:

الخطبة الأولى: الإنسان واليوم الآخر

الخطبة الثانية: الدم والأشلاء شاهدة

الخطبة الأولى

الحمد لله واسع الرَّحمة، كثير العفو، عظيم التجاوز، يقبل التوبةَ، ولا يعجل بالعقوبة، ويُجزل العطاء، ويزيد المثوبة. غفور رحيم، جواد كريم.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلَّم تسليماً كثيراً كثيراً.
عباد الله ليس من عبدٍ أحسَّ بشرف إنسانيّته، وكرامة عبوديّته لله سبحانه، وسموِّ ما يمكن أن يصيرَ إليه من رفعة ومكانة، وينقلبَ إليه لو استقام من خلودٍ في النعيم، ولو انحرف من خلودٍ في الجحيم إلاَّ آذاه قُبْحُ نفسه، وآلمه ذنبُه، وأسرَّهُ ما يكون لها من جمال وحسنة.
وكلُّ معصية من معاصي الله يأتيها العبد تُعقِب في نفسه قُبحاً، وتهبط بها مستوى، وتزيدها رداءة، وتُبعِد بها عن الطُّهْر الذي خلقها الله سبحانه عليه، وتُغرقها في الظلمات.
ولا يغسل النفس من أدرانها، ويُزيل عنها ما أوقعتها فيه الذنوب من الظُّلَم، وألصقته بها من القُبْح، ويُعيد لها الطهارة والنظافة والوضاءة إلاّ التقوى، والعودة إلى الحقّ، والأخذ بالرُّشد، وطلبُ مرضاة الله بالجدِّ في طاعته، والإخلاص في عبادته.
في كلمةٍ عن أمير المؤمنين عليه السلام:”أوصيكم عباد الله بتقوى الله… وأشعروها قلوبكم، وارحضوا بها قلوبكم… ألا فصونوها، وتصوّنوا بها”(1).
فَرَحْضُ القلوب وهو غسلها إنما يكون بماء التقوى، ولا صيانة للقلوب عن القذارة والتلوّث والفساد إلا عن طريقها. وفي صيانة التقوى صيانة للقلوب، وفي إهمالها عَطَبُها. القلب الذي تغمره التقوى لا مكان للقذارة فيه، بعيدٌ عن الرِّجْس، بريءٌ من التلوّث.
يا من لا حول ولا قوّة إلا به ارزقنا من معرفتك وتقواك ما يُخلِّصنا من كلِّ قبيح، ويُخرجنا من كل قذارة ورِجْس ووضاعة، ويزيننا عندك، ويرفع قدرنا لديك يا أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
أما بعد أيها الأعزاء من الإخوة والأخوات المؤمنين والمؤمنات فإلى عنوان:

الإنسان واليوم الآخر:

إنّه ليس لأحدٍ أن ينفيَ اليومَ الآخر لأنه غيب لا طريق له إلى نفيه، فأكثر ما يمكن لإنسان أن يدّعيَه أن اليوم الآخر محتمل ولا يقين له به. فمن كان محجوباً قلبُه، منغلقة روحُه لا يستقبل إخبارَ الدين، ودلالة آياته، وإيحاءات الفِطرة، وإشارات العقل باليوم الآخر، ولا طريق له للتسليم بذلك اليوم. أما أن يطّلع على الغيب فلا يجد فيه مكاناً لذلك اليوم فذلك أمر مستحيل، ولا يمكن أن يدّعيَه إلا كاذب. وكفى هذا القلب المحجوب بظلمات ذنوبه أن يحتمل اليوم الآخر فيتوقّى محذوره، ويطلب مرغوبه لما عليه ذلك المحذور من خطر عظيم لا تحتمله النفوس، ومَكْثٍ دائم لا انقطاع له، وما عليه ذلك المرغوب من شأن لا شأن مثلُه فيما يُحقِّقه من سعادة أبديّة لا تقترب منها سعادة.
أمّا القلوب المؤمنة بربّها، المنفتحة على معرفته، المهتدية بهُدى دينه، المصدّقة برسله بدلالة العقل والفطرة والآيات فلها من الشوق إلى وعده، والخوف من وعيده ما يجعلها تجدُّ في طلب رضاه، والفِرار من غضبه، وصرف العمر في طاعته، وعبادته، والاستعداد بإخلاص النيّة، والعمل الصالح ليوم لقائه، والتهيؤ للمقامات الكريمة في الجنّة التي أعدّها لسعادة أوليائه.
ولا يُعادي الإسلامُ بين دنيا الخير والصّلاح والعدل والإحسان والمحبّة والمودّة والتعاون فيما يُسعد النّاس ويرقى بهم وبين الآخرة، ولا بين هدى الآخرة والحياة الرغيدة الآمنة الهنيئة الرشيدة.
يُنشِّط الإسلامُ حركة البناء والإعمار الصالح في الدنيا، ويدفع بمستوى القوة إلى الأمام في خدمة المصالح الإنسانية الحقيقية والهدف الأسمى للحياة الدُّنيا في ضوء حِسِّ الآخرة، ووعيها ويَعُدّ ذلك طريقاً من طُرق الفوز الأُخروي الذي تأخذ منه الحياة الدنيا كلَّ قيمتها.
فمن الدور العبادي الذي يمارسه الإنسان المسلم في سبيل مرضاة الله سبحانه أن يبني الدنيا بهدف الآخرة وعلى طريق ذلك الهدف، ورَفعاً للعوائق وصعوبات الحياة التي قد تبتعد بقلبِ العبد عن تعلّقه اللائق بالله.
مطلوب من الإنسان المسلم أن يعمُر الدنيا لجيله وللأجيال التي بعده إعماراً لا ينفصل بها عن هدف الآخرة وقيمه وأخلاقيّاته، وأن يُهيأ أجواءها لطاعة الله سبحانه. ولو كان كذلك كان عمله بنظر الآخرة وحِسّها وتقديرها ولها ومن أجلها، وكان عمله بنظره الطويل للدّنيا عَمَلَ من كان ينظر وكأنّه يموت غداً، وكلُّ تركيزه على اليوم الآخر.
“اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً”(2).
يأتي العمل الواحد للإنسان المسلم مما هو دنيوي مَظهراً فيه بناء الدنيا والآخرة، جامعاً بين نظرةِ كأنّه يعيش أبداً ونظرةِ كأنَّه يموت غداً. ذلك حين يأتي على طريق بناء دنيا الصلاح والفلاح والمحبة والمودة والعدل والإحسان والطُّهْر والخير ومن أجل أن يهنأ الإنسان، ولا يعبد إلاّ الله، ولا تشقى الحياة بكفر، ولا طاغوتية، ولا فقر، ولا مرض، ولا ظلم، ولا فحشاء.
ولو اجتمعت الدنيا كلُّها لامرئ، وخسِر نصيبه من الآخرة لم يكن له من حظّ، وكان من الأخسرين. وما اختار أحد هذا إلاّ ودلَّ كما في الحديث عن غرر الحكم على أنه لا عقل له، تقول الكلمة عن غرر الحكم “من لم يؤثر الآخرة على الدنيا لا عقل له”(3).
فتقديم الفاني على الباقي، والقليل على الكثير، والعقوبة على المثوبة كلُّ ذلك دليل انفلات العقل، وفساد الذوق، وانحراف الرأي.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم لا تجعل لنا اختياراً على خلاف ما اخترت لنا من طاعتك وعبادتك والجهاد في سبيلك، وطلب رضوانك، والسعي إلى جنتك، واجعل حياتنا كلها بِذلة في سبيل الوصول إليك، وطلب رحمتك وكرامتك، ولا تُزِلّ لنا قدماً أبداً عن صراطك المستقيم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ للَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } (4).

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي الحمدَ يقتضيه كمالُه، ويليق بعظمة جماله، وعلوّه وجلاله، الحمدَ الذي لا يُحدّ، ولا يَعرِف عارفٌ كنهه، ولا يملك واصِفٌ غيرُه وصفَه. الحمد لله؛ منه المبدأ، وإليه المعاد، وأمرُ كلّ شيء بيده، وكلُّ خير من عنده، ولا دافع للشّرّ إلا هو، ولا مفرّ إلاّ إليه.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً دائماً.
عباد الله ألا إنَّ أبواب الهدى، والنجاة، والفوز قد فتحها الله لعباده إلاَّ من صدَّ عنها، وقدّم العمى على الهدى، والظلامَ على النور، وأخذ مختاراً بالباطل متخلّياً عن الحقّ.
ومن سعى إلى مزيد من الهدى وَجَدَه، ومن جدَّ في التقرّب إلى الله قرّبه، ومن استغاثه في ضلالةٍ أغاثه، ومن فرّ إليه من غوايته أنجاه.
وما من حياةٍ أنقى وأرقى وأسعد وأهنأ من حياة روحٍ اهتدت بهدى الله، وقلب تنوّر بمعرفته، وضمير شغله الشوق إليه، ونفسٍ وجدت لذّتها في طاعته وعبادته.
فلنطلب هذه الحياة الرَّاقية الهانئة التي لا انقطاع لها، وليكن سعيُنا في طريقها حثيثاً، وجهادنا صادقاً، ووصولنا إليها الغاية المقدَّمة على كلِّ غاية، ولا تعدلها عندنا غاية.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبدالله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اجعل حياتنا من أجل الغاية التي خلقتنا لها؛ غايةِ معرفتك وعبادتك وتقواك، ونيل رحمتك، والفوز بالكرامة لديك، وأعذنا من أن يكون شيء من أيامنا في معصيتك، وأن يكون لنا اشتغال ليس فيه ذكرُك، ورعايةُ حقِّك، أو فراغٌ نتخلّى فيه عن السعي إليك، وطلب مرضاتك يا كريم، يا رحمان، يا رحيم.
اللهم صلّ وسلّم على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين الصادق الأمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأنوارك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس ياربّ العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك.
أما بعد أيها الأحبّة في الله فإلى هذا العنوان:

الدم والأشلاء شاهدة:

قال الله في كتابه العزيز:{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً…}(5).
هناك إنسانية واحدة تتكثّر مصاديقها بعدد كثرة أفراد النّاس، وحفظُ قيمتها يقتضي احترامها في كلّ النّاس، وهدر قيمتها يكفي فيه هدرها في فرد من أفرادهم.
فمن احترم إنساناً لإنسانيّته كان عليه أن يحترم الإنسانية في كلّ النّاس، ومن اعتدى على إنسانية إنسان ولم يُقِم لها وزناً فقد استخفّ بوزن الإنسانية وامتدّ بعدوانه عليها في كل النّاس، وكشف ذلك عن هوانها على نفسه فيهم جميعاً.
وقتل النفس بالنفس فيه حفظ لإنسانية الإنسان، وكفٌّ للتعدّي عليها، وردع عن الاستخفاف بها، وهدر قيمتها، والقتلُ لمحاربة الله ورسوله والفساد في الأرض حماية عن أن تسقط إنسانية الإنسان، وتفقد قيمتها، وتتردّى إلى مستوى البهيمة، ويعم الفتكُ في الناس، وتحكم الفوضى، وينتقض الاجتماع.
أمّا قتل النفس بغير نفس ولا فساد في الأرض فكقتل الناس جميعاً بعد أن كانت الإنسانية حقيقة واحدة؛ احترامها في واحد يستلزم احترامها في الجميع، وهدرُ قيمتها في واحد يعني هدر قيمتها في الجميع.
وفي البحرين تساقط العشرات مضرَّجين بدم الشهادة على يد السلطة آخرهم الشهيد حسام الحدّاد.
شهداء ما قَتَلوا نفساً، ولم يحاربوا الله ورسوله، وما أتوا فساداً في الأرض.
شهداء كان ذنبهم أن شاركوا في مسيرة أو اعتصام للمطالبة بالعدل والحرية والكرامة والحقوق المسلوبة لهذا الشعب، واحترام الدين وموازينه، فاستهدفهم السلاح القاتل لقوات الجيش أو الأمن. وبعضهم اختطف من منطقة سكنه من غير مشاركة في أي لون من ألوان الاحتجاج على الظلم ليوجد مقتولاً ببشاعة، وآخرون قُتلوا تحت التعذيب في السجون عمداً.
في أي دين، في أي عرف إنساني، في أيّ ضمير، في أي ميثاق، دستور، قانون شبه عادل أنَّ من يخرج إلى الشارع معلناً ظلامته وظلامة شعبه، مطالباً بالحقّ، محتجّاً على المواقف الجائرة للحكم، أو منتصراً لقضايا أمّته المعتدى عليها كقضية القدس وفلسطين يُقابَل بالسلاح الفتّاك لِيُضرّج بدمائه، ويُمزّق بدنه، ويُقضى على حياته بدم بارد، ثم يعاقب من يخرج في تشييعه أو تأبينه؟!
من يستطيع أن يقول أن الخارج في مسيرة أو المشارك في اعتصام فيه أمر بمعروف ونهي عن منكر، ومطالبةٌ بالحق والعدل والإصلاح والإنصاف محارب لله ورسوله ومفسد في الأرض، وأنَّ جزاءه هدر حياته وتصفيته؟!
كم من نفسٍ بريئة من أبناء هذا الشعب قد أُزهِقت على يد السلطة من غير نفس ولا فساد في الأرض في المسيرات والمظاهرات، وبيد الخطف والاغتيال، وتحت التعذيب في السّجون، وكم من بدن بُضّع ومُزّق ليشهد كلُّ ذلك بأنَّ السلطة هنا لا تُقيم شيئاً من وزن للإنسانية كلّها التي يعني هدرُها في إنسانٍ واحد هدرَها في كلِّ إنسان، ولا تتعامل مع الدّم الحرام التعامل الذي يحكم به الدّين، ولا تُعير اهتماماً مواطَنَة، أو شيئا من وزن لدستور، أو قانون أو عرف اجتماعي يحمل سمة من صلاح.
إن دم أبناء هذا الشعب قد صار في نظر السلطة، ونظر كثير من الحكومات العربية والأجنبية ذات التأثير الواضح في الواقع السياسي في البحرين أرخص من دم الأغنام، وقد هانت النفس الإنسانية على العالم المادي، وانحطّت قيمتها عن قيمة برميل بترولٍ واحد، وسَهُل أن تسفك دماء الألوف من بني الإنسان، وأن تشقى مجتمعات ضخمة بكاملها لو كان هذا مساعداً على نجاح طالبي الرئاسة في الانتخابات الرئاسية من عبيد الدنيا ومناصبها.
إنَّ السّياسة الظالمة حوَّلت هذا العالم إلى غابة لا تقوم فيها الحياة على شيء من القِيَم، ولا تُحرِّك السلوك عند الأكثرية من قادتها السياسيين إلا شهوة الأسفلين، وهوى السلطة، وغرور القوَّة.
في مقابل نظرة السلطة المزدرية لإنسانية الإنسان يصرّ الرأي العلمائي، ورموزُ المعارضة السياسيون على سلمية الحراك الإصلاحي انطلاقاً من نظرة الاحترام لإنسانية الإنسان، وتقديساً للحكم الشرعي برعاية حرمة الدماء والأعراض والأموال، وحرصاً على مصلحة الوطن، وتجنيباً له عن الخسائر.
وفي الوقت الذي لا يمكن للشعب ولا يجوز عنده ولا يسمح لنفسه أن يسترخص دم أبنائه، أو يتهاون في المطالبة بحق شهدائه إلاَّ أنَّ ذلك لا يجعله يبخل بشيء من دمه في سبيل عزّته وكرامته ودينه وحرّيته واسترداد حقوقه كما برهن على ذلك مدةَ هذا الحراك وقبله.
ولن تلين إرادة هذا الشعب في التغيير والإصلاح، ولن تتقهقر خطوة واحدة إلى الخلف في حراكه المطلبي أمام شلال الدم النازف من أبنائه، وما يتعرَّض له من متاعب وانتهاكات فردية واجتماعية واسعة لا تُراعي ديناً ولا إنسانية ولا حقّاً من حقوق المواطنة الثابتة.
الشهادة لا تُركِّع النفوس الأبيَّة، بل تؤكّد على ضرورة الإصلاح، وتزيد من الإصرار عليه، وتلهب إرادة الناس الذين تهمهم عزّتهم وكرامتهم ودينهم، واسترداد ما سُلِب منهم من حقوق، وصُودر من حرية.
إنَّ ظلم السلطة، واستهتارها بالأرواح، وتماديَها في قتل الأبرياء لا يُصحّح للشعب أن يقابلها بالمثل، ولكن يفرض عليه أن يستعمل كل ما يملك من وسائل سلمية في سبيل الإصلاح الذي ينقذه من نزيف الدم، والاستهتار بقيمة أرواح أبنائه وبناته، ويضمَن له استرداد حريته وكرامته وحقوقه، ويُصحِّح الوضع المقلوب الذي فُرِض عليه فبدل أن يكون مصدر السلطات، وإذا به من خلال إرهاب السُّلطة وعنفها وبطش القوة لا كلمة له على الإطلاق(6).
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اكفنا شرّ الأشرار، وكيد الكفّار، وطوارق الليل والنهار، وظلم الظالمين، وعدوان الباغين.
اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل الدين، وأحلل غضبك بمن أراد بالمؤمنين سوءاً، وبدينك القويم أذى يا قوي يا عزيز.
اللهم ارحم شهداءنا وموتانا، واشف جرحانا ومرضانا، وفك أسرانا وسجناءنا، وردّ غرباءنا سالمين غانمين يا أرحم الراحمين.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (7).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – نهج البلاغة ج2 ص134، 135 ط1.
2 – وسائل الشيعة ج17 ص77 ط2. وقد ورد هذا الحديث في مصادر متعددة باختلاف القائل؛ فبعض المصادر نسبه إلى الرسول الكريم (ص) وبعضها نسبه إلى بعض الأئمة عليهم السلام. وعلى كلّ حال فالمنبع واحد.
3 – غرر الحكم ودرر الكلم حديث رقم2229.
4 – سورة التوحيد.
5 – 32/ المائدة.
6 – هتاف جموع المصلين (فليسمع رأس الدولة، هيهات منا الذلة).
7 – 90/ النحل.