المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (516) 28 شهر رمضان 1433هـ ـ 17 أغسطس 2012م

خطبة الجمعة (516) 28 شهر رمضان 1433هـ ـ 17 أغسطس 2012م

مواضيع الخطبة:

الخطبة الأولى: الأناة في الرأي

الخطبة الثانية: خيارهم أن تبقى الأزمة – يوم القدس العالمي – يكفي هذا التعليق – كيف نودع الشهر الكريم

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي منَّ علينا بنعمة الإسلام، وأكرمنا بكرامة الإيمان، وجعلنا من محبّي أوليائه، ومبغضي أعدائه، والمقدِّمين لمن قدّم، والمؤخِّرين لمن أخّر، والمحِلِّين لحلاله، والمحرِّمين لحرامه، الرّاجين لعفوه، ورضوانه. نحمده الحمد الذي يرضاه، ويقرّب إليه، وتُنال به مغفرته، والكرامة لديه.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
لا شيء لغير الله حتّى ينفعَ أو يضرَّ بغير إذنه ويُسعد أو يُشقي، ويُخافَ ويُرجى، فلا ذُلَّ لغير الله، ولا عبادة إلاّ إليه، ولا طاعة لأحد إلاَّ بأمره.
ولا استكبار على الله، ولا تمرّد على طاعته وكيف يُتمرّد على طاعته ولا ملك إلا ملكه، وكلُّ شيء تحت تصرّفه، ولا منقذ لأحد مما أراد به؟!
فاتقوا الله عباد الله حقّ تقاته، ولا تُساووا بين كل المخلوقات وبينه فمن يساوي بين الخالق والمخلوق كان أسفه من سفه، وأضلّ من ضلّ، وكان من الهالكين.
اللهم خذ بنا إلى هداك، وارزقنا تقواك، ولا تجعل لنا غضباً على خلاف غضبك، ولا رضا عل خلاف رضاك يا أرحم الراحمين.
أمَّا بعد أيّها الأعزّاء من المؤمنين والمؤمنات فإلى حديث تحت عنوان:

الأناة في الرّأي:

طريق الهدى في الناس العقلُ والدّين، وليس كل الأفكار عند الإنسان من وحي العقل الإنساني الثابت الرَّصين، ومما يقوم على قاعدته. فلأوضاع النفس تأثير على نمط التفكير، ولأوضاع الخارج وما نقرأ من أفكار الآخرين بغض النظر عن قيمتها ودقّتها تأثير على تشكيل أفكارنا.
وليس كلّ ما سبق إليه الفكر، وأُخذ به على عجل موافقاً للحقيقة.
والنظرة العُجلى في الدّين قد لا تقود لما هو عليه من رأي، وما تؤدّي إليه أدلته.
ولا يستوي الرأي الفطير المأخوذ به على عجل من غير إمعان، والرأيُ المدروس الذي أُمْعِن فيه النظر، وجرت محاسبته محاسبة فكرية دقيقة، وأُشبِع من الدراسة والمحاكمة.
والرأي الذي يَتبَعُهُ الموقف النفسي والعملي يأتي الموقف من مستواه في خطئه وصوابه، وصلاحه وفساده. والموقف الصائب يتطلب دائماً رأياً صائباً.
لذلك جاء التحذير من الأخذ بالنظرة العاجلة، والإسراع بحسم الرأي قبل استكمال النظر، والحثُّ على تبادل الرأي توصّلاً للرأي الأحقِّ، ووجهة النظر الأمثل، والسماعُ إلى أهل التجارب.
وإنَّ من زلّة الرأي لما يُسقط الكيانات المتينة، ويُهدّد الدّول، ويُزيل الأمم.
ولنقف على عدد من النصوص الواردة عن الإمام علي عليه السلام بالخصوص في هذا المجال، وهو الإمام الذي لا شك في حكمته، وأصالة رأيه المتين، ومجاراته للنبي الكريم صلّى الله عليه وآله في مجانبة كلمته للهوى، وأخذه بما هو حقّ لا يخالطه باطل، ولا يدنو منه بعضَ دنوٍّ، ولا يقترب منه بعض اقتراب. من هذه النصوص:
1. “الرأي مع الأناة وبئس الظهير(1) الرأيُ الفطير(2)”(3).
الرأي الذي يُطمأن لصلاحه، ويعتمد عليه، وتبنى عليه المواقف هو الرأي الصادر عن أناة، البعيد عن النظرة المستعجلة.
أمّا الرأي الفطير، والذي لم ينلْ ما ينبغي من إمعان النظر والدراسة فتُخافُ منه السطحيةُ، وعدم النضج، وبذلك لا يضعك على الطريق الصحيح، ولا يقرُبُ بك من الغاية المنشودة.

2. “اضربوا بعض الرأي ببعض يتولّد منه الصواب”(4).
تبادل الآراء حول الموضوع الواحد، والقضية الواحدة يكشف عن مواطن الضعف والقوة في كلٍّ منها لينتهي الأمر مع الأخذ بالموضوعية، وطرح التعصّب إلى الأخذ بما تجتمع الآراء على صحته وأولويته، بعد حذف ما هو أقل قيمة وما يضرُّ.

3. “من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ”(5).
الآراء المتعددة إذا كانت قادرة وموضوعية أبعدُ عن الغفلة عن مواطن القوة والضعف في القضية الواحدة المنظورة، وبعضها يَجبُر البعض الآخر، ومن إدخال مجموعها في المقارنة يكون القرب من التوصُّل للصواب.

4. “اتّهموا عقولكم فإن من الثقة بها يكون الخطأ”(6).
العقل هنا(7) كما يستظهر هو مستوى التفكير عند الشخص، وليس العقل الإنساني المشترك الذي يُرجع إليه في وزن القضايا كلها ومحاكمتها في ضوء قواعد ثابتة عنده لا اختلاف عليها، ولا تقبل التغيير.
ووثوق أحدنا بتفكيره الشخصي يجعله يستسلم لكثير من الخطأ الذي يقع فيه، ولا يعطي المسائل التي يعرض لدراستها حقّها المطلوب من النظر، ولا يُصغي لوجهة نظر الآخر التي قد تنقذه من خطئه.

5. “زَلَّةُ الرَّأيِ تَأتي عَلَى المُلْكِ وَ تُؤْذِنُ بِالهُلْكِ”(8).
لا غرابة في أن تتخذ دولةٌ قراراً من منطلق رأي خاطئ، وتقدير لا دِقّة فيه لتجد نفسها في ورطة لا مخرج لها منها، وأنّها قد أقحمت نفسها في النَّفَق المنتهي بها للهلاك. وكثيراً ما تقود وجهات النظر من مغرورين في الدّول دولَهم إلى هذا المصير.

6. “قَدْ يَزِلُّ الرَّأيُ الفَذُّ”(9).
وفي ظل واقعية هذه الكلمة، وتصديق الخارج لها على من يرى أنَّ لرأيه وزنا، وله وثوق بخبرته وتجربته ألاّ يصاب بالاستعلاء والغرور، وأن يقبل المناقشة.
وهذا الغرور، وإعجاب المرء برأيه تأتي فيه هذه الكلمة عن الإمام عليه السلام:”ما أُعْجِبَ بِرَأْيِهِ إلاّ جاهِلٌ”(10).

7. “الدولة تَرُدُّ خطأ صاحبها صواباً، وصوابَ ضده خطأ”(11).
مواقع الغنى والقوة المادية والشهرة والسلطان تعطي قيمةً ظاهرية لرأي صاحبها، واحتراماً له في نفوس الكثير من الناس من غير أن تُصحِّح الرأي نفسه، أو تعطيه قيمة كبيرة فوق قيمته، ويبقى هو الرأي الساقط أيّاً كان مصدره إذا كان ساقطاً في نفسه. والرأي الراجح يبقى راجحاً، ولامعاً، ومفيداً وإن خطّأته وقلّلت من قيمته القوة المادية لصاحب الرأي المضاد.

8. سُئل أمير المؤمنين عليه السلام “أيُّ الناس أثبت رأياً؟ قال: من لم يغرّه النّاس من نفسه، ولم تغرّه الدنيا بتشويقها”(12).
مطلوب لنا جميعاً أن يعرف واحدُنا نفسه، وما هو عليه من قوة وضعف، وخير وشر، وألاّ يُخدع بتقييم الآخرين إذا ارتفعوا به عن مستواه، وتجاوزوا به عن حدّه.
وإذا انخدع لهذا التقييم، وكبر في نفسه لأن أحداً رأي فيه خطأ أنه كبير دلَّ على خفّة رأيه ونفسه، وأن ليس له من الرأي ما يقاوم به المؤثرات.
ومطلوب لنا كذلك أن نعرف قيمة أنفسنا، وشرف إنسانيتنا، وسموَّ دورنا المطلوب منا في هذه الحياة فلا نسقط في داخلنا ونتفهَ بتشويق الدنيا لنا وخداعها، وننحدر مع شهواتها الرخيصة من الأفق الرّفيع.

9. “رَأيُ الرَّجُلِ على قَدْرِ تَجْرِبَتِهِ”(13).
لا ينبغي لأحد حتى من أهل التجربة الطويلة، والخبرة المتراكمة أن يثق برأيه مستغنياً عن آراء الآخرين، ولكن لا يستوي الرأي من أهل التجارب المكثّفة والنظر الدّقيق مع الرأي من غيرهم دقة ووثاقة واستقراباً للإصابة، واعتماداً من العقلاء عليه.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبدالله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبن الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم لا هدى إلا من عندك، ولا تسديد إلاّ منك، ولا توفيق إلا بك؛ فاهدنا بهداك، واكفنا المزالق بتسديدك، وحقّق لنا الخير بتوفيقك، واجعلنا من أهدى من هديت، وأصوب من سدّدت، وأنجح من وفّقت، يا حنّان، يا منّان، يا مجيد.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ}(14).

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي لا يجد الوافدون مثله جوداً وكرماً، ولا المستغفرون من يشبهه عفواً ورحمة، ولا الخائفون عند غيره مأمنا، ولا الفارّون عند من سواه ملجأ، ولا الهاربون منه مهرباً. وعنده وحده المأمن والملجأ والمهرب، وإليه يفر الفارّون.
رحمان رحيم، عفوّ غفور، عظيم المثوبة، شديد العقوبة، عزيز حكيم.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
عباد الله العاقل لا يشغله حاضره عن مستقبله، ولا تُنسيه ساعته وما هو عليه فيها من القوّة والغنى والقدرة على التفكير عما كان عليه في ماضيه من الضعف والفقر وعدم القدرة على التفكُّر والتبصُّر والتدبر، وتدبير شيء من الأمور. ليس بعيداً عنا يومُ ولِدنا، أو يوم كنّا شيئاً من تراب، أو يوم نموت.
وفاصل ما بين لحظة المرء ويوم رحيله وإن بَعُد قليلاً، ولكن ما أسرع ما تطويه السّنون.
بالأمس لم نكن شيئاً مذكوراً، واليوم نُرى شيئاً يُذكر، ولنا فعل وأثر، وغداً سنغيب عن ساحة الحياة ونُنسى، وستذهب منا كل فُرصة يُتدارك بها قصور أو تقصير.
فما أقبح أن ننسى اليوم حقَّ من جعلنا مذكورين، وسنقف بين يديه غداً محاسَبين، وما أخسرنا أن نكون كذلك! فإن من نسي ربَّه ضلّ الطريق، وضيّع الغاية، وما أبقى مدبر عن الله عز وجل من نفسه لنفسه شيئاً، وما اختار لها إلا الشقاء وسوء المصير.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبدالله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم أنقذنا من ورطة الغافلين، وعاقبة الضّالّين، واجعلنا من المهتدين، واحشرنا في الصالحين، وأورثنا جنّة النعيم يا رحمان، يا رحيم، يا كريم.
اللهم صلّ وسلّم على خاتم النبيين والمرسلين محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأمنائك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس ياربّ العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصراً عزيزاً مبيناً ثابتاً دائماً قائماً.
أمّا بعد أيها الإخوة الكرام المؤمنون والمؤمنات فإلى بعض عناوين:

أولاً: خيارهم أن تبقى الأزمة:

فيما يبدو من موقف السلطة في البحرين أن خيارها بقاءُ الأزمة وتوسُّعُها، وأن تحصد من أبناء الشعب من تحصد، وأن تهدم من بُنية الوطن ما تهدم، وتنال من كرامة الدين والإنسان ما تنال، وليُسجن من يسجن، ويعوّق من يعوَّق، حتى يُسلِّم الشعب مرغماً لفساد الأوضاع، ويقبل مضطراً بالمذلّة والمهانة، ويعترف تحت الضغط الهائل بأن ليس له أن يملك من أمر سياسته شيئاً.
خيار السلطة أنه لا إصلاح إلا ما تعطيه هي مزحاً وسخرية اسم الإصلاح. أمّا الإصلاحي الحقيقي فليس لأحد أن يتحدّث عنه من الداخل أو الخارج.
خيار السلطة أن لا مسيرات ولا اعتصامات، ولا أيّ نوع من الاحتجاجات، وأن يُغلق ملف المطالب على لا شيء، ويتم التسليم بالأمر الواقع(15).
خيار السلطة أن لا يرتفع صوتٌ يُنكر الظلم، ويشجب الخطأ، ويُدين الفساد، والتمييز، والاستئثار، والتفرّد بالسلطة من أي مسجد، أو حسينية، أو أي مؤسسة، وجمعية وزواية وشارع(16).
خيار السلطة ألاّ يُسمِعَها أحد كلمة نقدٍ واحدة لأي سياسة طائشة ترتكبها.
أن يسكت الناس على مأساة المئات من المواطنين المطالبين بالحقوق السياسية والدينية والمدنية والمساواة في حقوق المواطنة ممن تقبرهم السلطة في سجونها، وأعدادهم تتصاعد كل يوم، وكأنهم لا صلة لهم بهذا الشعب على الإطلاق، ولم تكن تضحياتهم من أجله وفي سبيل كرامته وحريته.
وهذا الخيار بكل متعلقاته الباطلة وأمانيه الفاسدة لابد للشعب أن يقاومه، ومن حقّه أن يقاومه، ومن واجبه أن يُقاومه ويُفشله(17).
ولا يمكن لشعب يحترمُ نفسه، ويقدِّر قيمته أن يعين ولو بسكوته على ظلمه، وأسره، واستعباده.
واستهداف السلطة ما تعلم يقينا حسب كل المعطيات لحراك الرابع عشر من فبراير، وما ترشّح عنه باستحالة صبر الشعب عليه لا يعني في النتيجة إلاّ أنها تستهدف إشقاء هذا الوطن وتدميره.
وهذا ما لا تُقدم عليه أيُّ سلطة تملك شيئاً من الحسّ الوطني، وحسابات المصلحة والمفسدة، وتقدير إنسانية الإنسان، واحترام الخلق والدّين.
بالنسبة للمساجد فالمساجد في الإسلام للإسلام، لإعلاء كلمة الله في الأرض، لهدى النّاس، للأخذ بهم في اتجاه عبادة الله، وحاكمية الله، والخضوع لله مما يصنع لهم مستواهم الإنساني الرفيع، ويصحِّح أوضاع حياتهم ويرقى بها.
والكلمة في المسجد لهذه الأهداف لا لغيرها، فما التقى من أوضاع السياسة مع هذه الأهداف، والطرق الشرعية لها التقت به كلمة المسجد والتقى بها، وما فارق منها أهداف المسجد فارقته كلمته.
والمسجد لا يبقى مسجداً إلا بأن ينسجم مع أهدافه كما هي في الإسلام، والكلمةُ لا تكون كلمة مسجد حتى تُوظَّف من أجل هذه الأهداف.
وتدخُّل السياسة المعادية للمسجد التي تستبيح هدمه، وتعطيلَ الصلاة فيه، وتمنع من إعادة بنائه، وتُبعثر أوراق القرآن مع ما تُبعثره من بنائه في توجيه كلمته، وفرض الهيمنة على خطيبه لا يعني إلا الانحراف به عن خطّه ووظيفته، وتحويله إلى أداة من أدوات السياسة الدنيوية المناصبة لفكر المسجد، وخلقه، وروحيته، ورسالته وتوجيهه.
وكلمة المسجد لابد أن تكون مُصلِحة ومربية وهادية وأبعد ما تكون مما يجعلها محلاً لشيء من المؤاخذات، ويؤثِّر على فاعليتها المطلوبة.
لابد من حماية المسجد، حماية دوره، كلمته، استقلاليته عن أباطيل السياسات الدنيوية الطامعة الفاسدة.
ومما يحمي المسجد مع حقانية الكلمة أن تكون مترفعة في خطابها ما أمكن، وألاّ تغلظ إلا بمقدار الضرورة وما يناسب سموَّها. وما أكثر ما استُعمِل المسجد في هذا البلد ممن تتماشى مواقفهم مع سياسة السلطة في تفريق صفوف المسلمين وتكفيرهم وإثارة الفتنة الطائفية، والسب والشتم لطائفة معينة أصيلة كريمة، وحريصة على الإسلام، شديدة التمسك بالإسلام، لا تقدم على الإسلام الحق شيئاً!!
يمارس كل ذلك بصورة علنية وموثقة دون أن تُحرِّك الحكومة في وجه ذلك ساكناً على الإطلاق.
وبشأن احترام القضاء فإن أول الطريق لاحترام القضاء أن يُرجع في اختيار القضاة إلى الإرادة الشعبية التي يُمثّلها مجلس نيابي منبثق عنها حقّاً لا ادّعاءاً، وذلك بأن يكون نتيجة عملية انتخابية حرّة مكتملة الشّروط والأركان، بعيدة عن تدخلات السلطة التنفيذية، والمال السياسي، وقوانين الانتخاب الفردية المفروضة والتي لا تستهدف إلا إنتاج مجلس نيابي من هوى السلطة لضمان هيمنتها.
وبشأن محاكمات العلماء والرموز السياسية والأطباء والتربويين وكل السياسيين الآخرين والمشاركين في الحراك الشعبي من أجل المطالب العادلة، وبغض النظر عن التأجيلات والتسويفات، ومراقبة ما تقتضيه المصالح السياسية وحساباتها من إعفاء أو تخفيف أو تشديد فإن القضية من أساسها سالبة بانتفاء الموضوع، بمعنى أنه لا موضوع لها فهي منتفية تبعاً لانتفاء موضوعها ، بعد أن كانت خلفية كل هذه المحاكمات هي ممارسة الحق القانوني العادل في التعبير عن الرأي بالطرق السلمية، والمطالبة بالحقوق المسلوبة.
وهو حق لا يُنكره دين ولا ضمير، ولا يقف في وجهه ميثاق ولا دستور، ولا عرف بل كل ذلك معه، ويفتح الطريق واسعاً أمامه.

ثانياً: يوم القدس العالمي:

يوم لا لبلد خاص من البلدان الإسلامية، ولا لقوميّة خاصة، ولا أهل مذهب معين.
يوم لكل الأمة… لعزّتها، وانتصارها، وعودة أرضها ومقدَّساتها، وكرامتها، ووحدتها، وتلاحم صفوفها، والنأي بها عن آفة الانقسام، وخطر التمزّق، والتخلّي عن الحق.
يوم لبيت المقدس، وأرض فلسطين المغتصبة، لقضية أمٍّ تخاذل عنها مَنْ تخاذل، وتآمر عليها من تآمر، وخانها من خان، واشتغل عنها من اشتغل حتى تُرك الشعب الفلسطيني المسلم نهباً لآلة الفتك الصهيوني العملاقة التي لا تشبع من دم ولحم الأبرياء من أبناء ذلك الشعب الأبي الصابر المقاوم.
يوم ينتج إحياؤه إحياء روح العزة والكرامة والإباء والوحدة والانتماء الإسلامي للأمة.
يوم يعني إحياؤه وضع الأمة على طريق إنقاذ القدس وفلسطين. يوم إذا صدق المسلمون في الالتفاف بهدفه، في الالتفاف برؤيته، في الالتفاف بالقاعدة الإسلامية التي ينطلق منها عزّ، وذلّ كل من عاداهم في الأرض(18).

ثالثاً: يكفي هذا التعليق:

السلطة التي تدين بالإسلام إذا كانت تحترم الدين، وتقيم له وزناً في سياستها فأول ما يتوقع منها في هذا المجال هو احترامُها للإسلام وتقديره، ولا يُتصوّر في حقّها مع اختيارها للإسلام على غيره من الديانات أن تحترم أيّ دين أكثر من احترامها للإسلام.
والمفارقة أنَّ السلطة في البحرين هدمت في صورة مهينة ومخزية ومتحدية وعلنية عشرات المساجد التي بناها هنا الإسلام ولا زالت تقف في وجه إعادة بناء العديد منها بينما تُخصِّص قطعة أرض لبناء كنيسة مساحتها 9 آلاف متر مربع.
الدافع الديني لا يسمح بالجمع بين الإجرائين بل يحمل تهافتاً، ومصادمة بين ما هو خيار التعبُّد بالإسلام، وتقديمه على المسيحية، وخيار التنكيل بالمسجد، واحتضان الكنيسة(19).
أو أن الدافع هو التطلع لكلمة نائب الفاتيكان لشمال شبه الجزيرة العربية المطران كابيلو بالين القائلة أنَّ ذلك سيكون شاهداً على الانفتاح الثقافي والديني في البحرين، وهو التطلع لما وراء ذلك من إرضاء دول كبرى، وشراء مواقفها على حساب هذا الشعب المظلوم والإسلام في موطن من مواطنه الأصيلة العريقة.

رابعاً: كيف نودع الشهر الكريم؟

فلنكن على أحسن نوع من المعاملة مع هذا الشهر الكريم، وأخلاقياته وآدابه وطاعاته في ما تبقّى من أيامه ولياليه المباركة وساعاته المفعَمة بالخيرات.
وإذا ودَّعناه لا نودِّعه وداعَ ضيف مستثقَل مللناه، أو امتحان باهظ سئمناه، أو سجن ضقنا بلياليه وأيامه.
لا نودّعه ونودعُ معه كل ما اكتسبناه فيه من قوة ونور وهدى وإقبال على الطاعة، وتخلٍّ عن المعصية، وتصحيح إرادة، وحسن نية، وسلامة خلق، وتقوى تُقرّب إلى الله(20).
فليكن وداعنا له مقروناً بحمد الله الكريم الذي وفّقنا لصيامه وقضاء شيء من حقّه علينا فيه، وبعزم شديد على مواصلة طريق الطاعة لله سبحانه الذي شدّنا إليها هذا الشهر المبارك بدرجة أكبر، وبحرصٍ بالغ على الاحتفاظ بما توفّر لنا من عطاءاته، وأنالنا الله من مواهبه(21).
اللهم صلّ وسلم على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم إنا نسألك ألاّ نبقى على معصية، ولا نتخلّى عن طاعة، ولا نعدل عن سبيل من سُبُل رضوانك، ولا نطمع في غير امتنانك، ولا تلحقنا سأمة في طريق طاعتك، ولا نُصابَ بفترة عن عبادتك، وتفضّل علينا بتوفيقك وتسديدك يا متفضّل يا رحمان يا رحيم.
اللهم ارحم شهداءنا وموتانا، واشف جرحانا ومرضانا، وأطلق سراح أسرانا وسجنائنا، ورد غرباءنا سالمين غانمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (22).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – الظهير: هو النصير. (الشيخ).
2 – الفطير: كل ما أعجل عن إدراكه يقال:”إياك والرأي الفطير” أي المأخوذ من غير روية. (المصدر)
3 – بحار الأنوار ج75 ص81 ط2 المصححة.
4 – ميزان الحكمة ج2 ص1024 ط1.
5 – نهج البلاغة ج4 ص42 ط1.
6 – ميزان الحكمة ج2 ص1024 ط1.
7 – يعني في هذه الكلمة.
8 – هداية العلم في تنظيم غرر الحكم ص246.
9 – المصدر السابق.
الفذ: هو العظيم.
10 – هداية العلم في تنظيم غرر الحكم ص376.
الإعجاب بالرأي لا يكشف عن رجاحة رأي، ولا عن رأي عادل، إنما عن رأي من جاهل.
11 – ميزان الحكمة ج2 ص1026 ط1.
12 – الأمالي للشيخ الصدوق ص479 ط1.
13 – هداية العلم في تنظيم غرر الحكم ص246.
14 – سورة الكوثر.
15 – هتاف جموع المصلين (هيهات منا الذلة).
إذن هناك تنافٍ بين ما تريده السلطة وبين ما يريده الشعب، لأن الشعب كل ما سمع هذا قال هيهات منا الذلة.
هتاف جموع المصلين (هيهات منا الذلة).
16 – على الجميع أن يصمت، على الجميع أن يتوارى، على الجميع أن يُسلِّم.
17 – هتاف جموع المصلين (لن نركع إلا لله).
18 – هتاف جموع المصلين (الله أكبر) (الموت لإسرائيل) (الموت لأمريكا).
19 – كيف تجمع بين الثلاث: أقدم الإسلام على المسيحية، أهدم المسجد، أقيم الكنيسة، هذه ثلاثة خيارات لا تجتمع.
20 – هذا هو الزاد الذي استفاده المستفيدون من شهر رمضان، الذين صاموا شهر رمضان حقّا، هذا الزاد أكبر زاد، وأغلى زاد، ولن ينفع زاد كما ينفع هذا الزاد، وليس هناك من طريق أصعب في الصعود إلى زاد مثل الطريق في الصعود إلى هذا الزاد. هذه حصيلة ضخمة بما لها من رفع مستوى الذات، أنت لا ترفع من مستوى رصيدك المالي، هذا التحسين لم يدخل على بناء بيتك. التحسين دخل على بناء نفسك، الرفعة أخذت من مستوى ذاتك إلى فوق، هذا زاد أكبر الزاد، وأغلى الزاد، فاحذر أن تخسر مما تزودته من شهر رمضان شيئاً بخروجه.
21 – شهر رمضان يربّينا، يرفع من مستوانا لنواصل طريق الجهاد، شهر رمضان من أجل أن نكتسب رصيداً إيمانياً أكبر، رصيدا على مستوى الإرادة الخيرة، على مستوى الوعي، على مستوى الانضباط ليعيننا هذا الرصيد في مواصلة الطريق طوال السنة، هو من أجل الاستفادة، من أجل الاستثمار، من أجل التوظيف من جديد، من أجل مردود آخر، وليس من أجل التنازل عنه، والرقي به جانباً.
22 – 90/ النحل.