المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (515) 21 شهر رمضان 1433هـ ـ 10 أغسطس 2012م

خطبة الجمعة (515) 21 شهر رمضان 1433هـ ـ 10 أغسطس 2012م

مواضيع الخطبة:

 

الخطبة الأولى: حياتك من هدفك

الخطبة الثانية: غياب وليد الكعبة – كلمة حول الشأن المحلي 

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي هدانا لحمده، ووفَّقنا لشكره، ورَزَقنا ذكر نعمائه، وجعلنا من أهل معرفته وطاعته، وشرّفنا بعبادته، وألهمنا طَلَبَ مرضاته، وهو ربُّنا الذي لا خير إلاّ من عنده، ولا تعويل إلاّ عليه، ولا مهرب إلاّ لرحمته.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمّداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
عباد الله الكريمُ من كَرُم عند الله، والرّفيع من ارتفع قدره لديه، ولا يكرُم عند الله إلاّ من اتّقاه، ولا يرتفع إلا من رفعته طاعته. ذلك أنَّ الكرامة بمقدار الجمال والكمال، ولا طريق لاكتساب الإنسان جمالاً، وبلوغه شيئاً من الكمال إلا بقربه إلى الله سبحانه عن طريق تقواه وطاعته، وتكميل ذاته في ضوء منهجه، والسّلوك إليه.
ولذلك كانت كرامة العبد عند الله بمقدار تقواه، واستجابته لطاعته {… إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(1).
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم إنا نفِرّ إليك من مكروهك ومعصيتك، ونرغب إليك في محبوبك وطاعتك، ونستعينك في عبادتك والجهاد في سبيلك، ونضرع إليك أن تجعلنا من عبادك الصالحين ممن كتبت لهم الجنّة، ومنحتهم الكرامة والرضوان يا كريم يا رحيم.
أما بعد أيها الأحبّة في الله فهذا حديث تحت عنوان:

حياتك من هدفك:

ما من حياةِ امرءٍ تتجاوز في قيمتها وحصيلتها النهائية مستوى هدفه.
والحياة التي يستقطبها هدفٌ صغير لابدّ أن تصغُر، وإن عظمت إمكانات صاحبها.
فمن كان هدفه التمتّع بنوع من لذّات الدنيا أو أكثر أعطى حياتَه لذلك الهدف، وتلخَّص مردود كل نشاطاته وإنجازاته فيما تُحقّقه له من تلك اللذائذ، ولم تنته حياته إلى قيمة أكبر مما أنفق من أجله عُمُره.
وتكبر الحياة بالهدف الكبير إذا كانت معه هِمّة عالية تنهض بمسؤوليته، وإلاّ كان أُمنية من الأماني الباردة التي لا تملك الطّاقة التي تُحرّك الحياة.
وسقوط الهمَّة يكشف أنْ لو كان وراءها هدف كبير فإنما هو مجرّد فكرة تراود الذهن، ولم تأخذ مكانها من النّفس، ولم تجدلها موقعا متمكِّناً في الشّعور. وإلاَّ فإنَّ من شأن الهدف الكبير حين يمتلك على النفس شعورها وتَنشدُّ إليه كلّ الانشداد أن يرفع من مستوى همَّتها، ويعطى لها الاندفاع، والقدرة على المقاومة ومواجهة التحديات.
ويُحقِّق أصحاب الهدف الكبير من قيمة الحياة بمقدار ما تكون لهم من همّة قادرة على مقاربة أُفُقِه ومسايرته.
والهدف الطَّاهر تطهر به الحياة، والأهداف الرّجسةُ تترجّس بها الحياة.
والأهداف المادّية على تنوّعها تنقطع بالحياة عن غايتها، وتُحوِّلها إلى ملهاة وساحة صراع واقتتال بَدَلَ أن تكون فرصة نموٍّ وكمال.
فأوّل ما يُقصد لإنقاذ حياة الإنسان من الوضاعة والعبثية والضّياع، ولتجنيب البشريّة شرّ الاحتراب والاقتتال أن يسموَ الهدف ويتجاوز مادّيات الحياة، ويُثير في الإنسان رغبةَ الكمال، ويأخذ به على طريقه، ويشعره بالنموّ الصالح، وتقدّم المستوى، والرّقي في الذات كُلّما خطى خطوة على هذا الطريق.
ومع التركُّز الفكريّ لهذا الهدف، واحتضان النفس له، واستقطابه لها تتولد الهمّة العالية التي تعين على الحركة في اتجاهه، وتُعطي الصبر والتحمّل لبذل الجهد الكبير الذي تتطلّبه.
إنَّ الهدف الكبير عندما تتشرّب بحبَّه النفس ويصدق شوقها إليه يرتفع بمستواها، وتسترخص ما دونه، ويسهُل عليها الصّعب في سبيله، وتستوحش من الانحدار، ولا ترضى عن الصّعود بالتوقُّف لحظة أبداً.
فأوّل الطريق إلى الكمال أن نؤمن بالهدف الكبير، ويملك علينا مشاعرنا، ويصدق عِشْقُنا إليه، وأوّل الانحدار أن يكون لنا هدف من الأهداف الصغيرة الحقيرة.
والقِممُ البشرية التي غَدَت أمثلة للإنسانية الرفيعة ولم يخفِت على طول المدى لها إشعاعٌ ما صنعها إلاّ الانشداد القوي والتعلُّق الكامل بالهدف العظيم.
ما صنع تلك القِمم الشّاهقة إلا عِشقها لله، طلبها رضاه، سعيُها إليه، أخذها بمنهجه، تفانيها في سبيله.
ولا يبلغ هدفٌ سموَّ هدف الرّضا الإلهي والقرب من الله، وكلُّ الأهداف الكبيرة، والطّاهرة والبنّاءة والتي تُمثّل كمالاً للإنسان تنضوي تحت هذا الهدف الأسمى وتقع على طريقه، وتؤدّي إليه.
وما خالفه من الأهداف لا يُمثّل إلاّ ضياعاً وسقوطاً وخسارة، وعاقبةَ سوء، وسوءَ مصير.
انظر أيّ شيء لمن انقطع بنظره عن الآخرة، وانصبّ اهتمامه على الدنيا، وكانت مُرادَه وهدفه وبُغيته {مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً}(2).
فصاحب الدنيا يخرج من دنياه ساقطَ القيمة، خسيسَ الذات ليدخل النّار ويصلاها مذموماً مدحوراً، فلم يُحقِّق له هدفُ الدنيا ذاتاً كريمة، وكمالاً ينأى به عن النّار، ويُؤهّله للجنَّة.
وأمّا من عَبَدَ الله وطَلَبَ الآخرة وعمل صالحاً في إيمان فقد تحقّق له هدف الحياة من بناء الذات والأخذ بها على طريق الكمال، وتأهيلها للجزاء الأوفى الكريم {وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً}(3).
فمن أجل أن نربح الحياة، أن نُحقِّق هدفها لابُد أولاً من التعرُّف على هذا الهدف، وأهمّيته، وقيمته العالية حتّى تنشدّ إليه النفس على قاعدةٍ من الوعي أتمّ الانشداد، وتأتي كل أهدافها التفصيلية متفرِّعة منه، منسجمة معه، مؤدّية إليه.
وليس لحياتنا إلا هدف واحد لا يقبل في حكم العقل والفطرة الاشتباه، وليس لغيره من دليل ولو واحد على الإطلاق.
الهدف أن يعرف العبدُ ربَّه، أن يعبده، أن يصوغ حياته في ضوء هدى دينه، أن يتحلّى بما يُمكِّنه وجوده المحدود، ومواهبُ الله عنده، وجهادُه ومصابرته من الجمال والكمال الذي يستعطيه من بارئه في تقرُّبه إليه، في خضوعه له، وطاعته وعبادته.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبدالله خاتم النبيين والمرسلين، وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم إنّا نعوذ بك من أن نجهل غاية الحياة، أو نضِلّ الطريق إليها، أو نُستزَلَّ عنها ونلهوَ، وأن تتفرّق بنا السُّبل عن سبيلك. ربّنا خذ بيدنا إليك يا حنّان، يا منّان، يا رؤوف، يا رحيم، يا كريم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ للَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } (4).

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي لا يمتنع من قدرته ممتنع، ولا يَرِدُّ قضاءه رادٌّ، ولا يُبطل مشيئته مبطل، ولا يقوم لإرادته شيء، ولا شيءَ إلا وهو خاضع لجبروته، محكوم لقهره، مستجيبٌ لأمره، مأسور لإرادته.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمّداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
عباد الله لقد كانت قبلنا أُممٌ عاشت على ظهر الأرض ما عاشت، وبنت ما بنت، وعمّرت وخرّبت، وأصلحت وأفسدت، وأحسنت وأساءت، وكُلّها انطوت واندثرت، وانتقلت من ظاهر الأرض إلى باطنها، وارتحلت من دُنياها إلى آخرتها، وكلٌّ ذَهَبَ بما كسبت يداه، وصار إلى ما قدّمه من يومه إلى غده، ومما بيده إلى ما هو مُقبِلٌ عليه من حسن أو سوء.
ونحن لاحقون بهم، وصائرون إلى ما صاروا إليه، ومنتهون إلى نهايتهم فلنُقدِّم لأنفسنا خيراً، ونكفيها أن تُواجه سوء العذاب. ولنأخذ بما أمر الله من تقواه فنحرز الفوز والنجاح.
اللهم لا تجعلنا ممن قسى على نفسه وظلمها وأساء إليها بمعصية ربّه الحق وهو أنت الله الذي لا إله إلا أنت واختار لها العذاب الأليم .
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبدالله وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اجعلنا ممن وفّقته لطاعتك، وشرّفته بعبادتك، واخترته لجنّتك وكرامتك يا جواد، يا كريم، يا رحيم.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على خاتم النبيين والمرسلين، الصادق الأمين محمد بن عبد الله، اللهم صلّ وسلم وزد وبارك عللى أمير المؤمنين وإمام المتقين علي بن أبي طالب، اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، اللهم صل وسلم وزد وبارك على أئمة الهدى الميامين: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس ياربّ العالمين. اللهم اجعلنا من أنصاره في غيبته وحضوره.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصراً عزيزاً مبيناً ثابتاً دائماً قائماً.
أما بعد أيها الأحبّة في الله:

فهذا يوم غاب في مثله عن هذه الحياة وليدُ الكعبة، وشهيد المحراب، يوم عرجت فيه روح علي بن أبي طالب عليه السلام إلى الملأ الأعلى الذي ظلّ مُنشدّاً إليه كلّ حياته، ولم تشغله عنه الأرض بكل ما تزدحم به من مغريات وملهيات، وصراعات، وتنافسات، وتحدّيات. الملأ الذي كان يعيش علِي علَى الأرض وهو من أهله، متخلّقاً بأخلاقه، محلّقا بروحه في أجوائه يعبد معبوده، ويسابقه في الإخلاص إليه، لا يُرضيه إلاّ ما يرضيه، ولا يغضبه إلا ما يغضبه.
عليٌ وما أدراك ما علي النسخة الأقرب من رسول الله صلّى الله عليه وآله إيماناً وعلماً وجهاداً وخُلُقاً وموقعاً، وَارِثُ إمامته الشاملة، وأمينُ الله على الدّين والأمّة، والدليل على الحق.
ذلك هو عليّ عليه السلام فما أشرف التشيُّع له، وما أصعبَه، وأثمره، وأربحه، وأعلاه!!

ثم ندخل في كلمة أخرى:

كثيرون من الناس وخاصّة من أصحاب السُّلطة يمارسون الظلم بإسرافٍ من غير أن يُعلنوا أنهم تخلّوا عن العدل، ورأوا في الظلم القانون الصالح ذلك لأنّهم لا يرضون الظلم يرتكبه الغير في حقِّهم، ولأنَّ جعل الظلم هو القاعدة والقانون مسألة يرفضها ضميرُ الإنسان بما هو إنسان على المستوى العالمي.
وتجريم الظلم والظالم أمر محسوم، وقضية جازمة في حكم الضمير الإنساني ما لم يخرج به فساده عن حدّ فطرته.
ومن هو الظالم: شعوب تقول لن نركع إلاَّ لله أو حكومات تقول لشعوبها كونوا عبيداً لنا؟
شعوب تقول الوطن للجميع، الثروة للجميع، الفرص البنَّاءة للجميع أو حكومات تقول كل شيء لنا؟
شعوب تقول أنَّ حكمها إنما يكون برأيها ولا تقهر عليه ولا تكره أو حكومات تقول لا رأي إلاّ رأينا؟
شعوب تُصرُّ على أخوَّة أبنائها ومساواتهم في الحقوق والواجبات لا تُميِّز بينهم إلاَّ الكفاءة والأمانة أو حكومات تُصرُّ على التمييز تفريقاً بين الإخوة، وإشعالاً للفتنة، وإحكاماً للقبضة على الشعب؟
شعوب تقول وُلدنا أحراراً، ويجب أن نبقى أحراراً أو حكومات تقول ما أنتم إلا رقيق؟
شعوب تقول لابد لنا من التمتع بالأمن الداخلي في أوطاننا مع الحياة الكريمة التي تتسع لها موارد الوطن أو حكومات تُخيّر شعوبها بين لقمة العيش الشحيح الذليل وبين السجون وسيول الدماء؟
وهل لشعب البحرين مطالب غير هذه المطالب الحقّة من مطالب الشعوب؟
وهل كلُّ القسوة والعنف والإرهاب الذي تواجه به السلطة الشعب، وكل التنكُّر للدين والقيم الخلقية ومواضعات المجتمعات الإنسانية الكريمة الذي يعامل على أساسه هذا الشعب إلاَّ من أجل هذه المطالب التي أصبح أمرها مُسلَّماً في مختلف أنحاء العالم؟
ماذا يقول العالم فيمن يُطالبون بالمواطنة المتساوية؟ بأن يكون للمواطن حقُّ اختيار ممثّليه النيابيين بصورة حرّة كاملة غير منقوصة، وبتمثيل متكافئ لا يُعطي لعشرة آلاف أن يمثلهم عشرة، ولعشرة آلاف من إخوانهم المواطنين لا يُمثلهم إلا واحد؟
فيمن يُطالبون بحق الاختيار لحكومتهم؟ باستقلال القضاء في وطنهم الذي إنما يكفله اختيار من يمثل الشعب لجهاز القضاء؟
فيمن مضت على مطالبته بحقوقه سنون، وعلى حراكه الأخير في هذا الاتجاه ما يقرب من سنة ونصف السنة وواجه على هذا الطريق ألواناً من العنف والإرهاب والعذاب على يد السلطة عقوبة لجهره بكلمة الحق، ومحاولة لتطويعه على حدّ ما يكون عليه العبيد، ولا زال كل علمائه ورموزه يُصِرّون على التزام السلم ومواكبته إلى الأخير؟
ماذا يقول العالم في هؤلاء؟ مخرِّبون؟ مفسدون؟ أهل عنف؟ إرهابيّون؟ عملاء متآمرون؟ كما تقول السلطة.
لا يقولها إلا نصيرٌ للظلم، عدوٌّ للعدل، معادٍ للدين، بعيد عن القيم، خارج عن الإنسانية، والخُلُق القويم.
ليس للشعب إلا خيار واحد، وليس أمامه أكثرُ من خيار حسب ما تُحتّمه الضرورة، وما يوافقه الحقُّ، ومصلحةُ الوطن، ولغةُ العقل، ويدعو إليه الدّين والضمير.
الخيار الذي لا بديل له هو الاستمرار في المطالبة بالإصلاح القادر على أن يُقدِّم حلاً ناهضاً يتكفّل بإنهاء الأزمة وبصيرورة الأوضاع قابلة للاستقرار والعيش المريح لجميع مكوّنات الوطن إلى مدى طويل بَدَل تعرُّض الوطن إلى ضربات زلزالية متوالية بفواصل زمنية قصيرة في ظلّ حياة قائمة على اختلال الموازين تلغي قيمة الشعب وتدبير ظهرها لإرادته.
وإذا كان النظام مقتنعاً بقيمة الشّعب وحقّه في تقرير مصيره، واختيار خطّ حياته، ولون سياسته، ومؤسسات حكمه فعليه ألاّ يراوغ في الاستجابة للمطالب الإصلاحية العادلة الكافية، وألاّ يُكلِّف الوطن الكثير لحساب تعطيل الحل، ويتوقّف عن هذا الإسراف في الظلم، وانتهاك الحرمات والتمادي في مُعَاداة الشعب، واستفزازه، والعمل على تصعيد الأمور، وتراكم الأزمات واستفحالها.
وإذا أصرّ على أن يكون السيد المطلق الذي يحكم مجموعة من العبيد، ويتحكم في مصائرهم وهو يعلم أنَّ الشعب شديد الإباء لأن يسمع كلمة واحدة في هذا الاتجاه فضلاً عن أن يقبل النظر في مثل هذا النوع من الكلام فهو لا يختار لهذا الوطن إلاّ أن تطول محنته حتى تأتي عليه، ولا يُبرهن بذلك إلاّ على حالة سافرة من الخروج على موازين العقل، والدين، والمواثيق والأعراف الإنسانية، وكرامة الإنسان، والمصلحة الوطنية، ولا يُسجّل بما يذهب إليه من هذا الرأي فيؤدّي إلى الفتك بحاضر الوطن ومستقبله إلاّ عدم الأهلية لتحمّل مسؤولياته.
وللعلم فإنه لا علاقة للحراك السياسي الإصلاحي في البحرين من حيث الاستمرار بتقلبات الساحة العربية ومآلات حراكاتها وثوراتها؛ فالحراك هنا مستمر رغم كل شيء(5)، وملتزم بمساره السلمي مهما كانت التقلُّبات.
الحراك المطلبي السياسي الإصلاحي في البحرين لم ينتظر بدايات التحرُّك في تونس التي انطلقت منها الحركات والثورات العربية الأخيرة، وإن كان قد تفاعل معها، واستمدّ منها.
وعندما تصاعد أسلوب الردّ الشعبي في بعض الساحات العربية على عنف الدولة بقي العلماء والرّموز السياسية هنا يُعلنون ويُصرّون على الالتزام بالأسلوب السلمي، ولا زالوا كذلك.
فالشعب هنا لن يرفع يده عن مطالبه الإصلاحية العادلة الكافية، ولا عن سلمية الحراك من غير أن يربط شيئاً من هذين الأمرين بمآلات ما يحدث خارج البحرين من ثورات وتحرُّكات.
وأمرٌ آخر أُشير إليه في هذا الحديث، وهو أنه صار مألوفاً ومكشوفاً أنه في كلّ مرة نقترب فيها من فتح ملف البحرين في منظّمة من المنظمات الحقوقية أو السياسية العالمية ينشط على لسان السلطة وفي صحافتها وإعلامها ذكر لُغةِ الحوار لغرض دعائي خارجي لدرء النقد وإعلان الحقيقة أو اعتماد أي قرار يصبُّ في مصلحة الشعب ومطالبه الإصلاحية الثابتة.
وهو أسلوب لابد أن يفقد قيمته الداخلية والخارجية في ظلّ تكراره بصورة هازئة هزيلة.
ولا شيء من هذه الأساليب له جدوى، والجدوى كلُّ الجدوى في الإصلاح العمليّ الجادّ، وأي دعوى للحوار ستكشف عن زيفها لو جاء الرابع عشر من أغسطس بإبقاء العلماء الأجِلاّء والرّموز السياسية الأوفياء داخل السّجن استمراراً في ظلمهم، وعقوبة لكلمة الحق التي قالوها في المطالبة بالإصلاح.
هذا الامتحان لجدّية السّلطة وعدم جدّيتها في الإصلاح يومه قريب(6).
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم أصلح هذا البلد وأهله، وكل بلاد المسلمين، واجعلها بلاد دين وعدل وهدى عز وأمن وخير وسلام.
اللهم ارحم شهداءنا وموتانا، واشف جرحانا ومرضانا، وأطلق سراح سجنائنا وأسرانا، ورد غرباءنا بعزّ وكرامة وفي نصر برحمتك يا أرحم الراحمين.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (7).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – 13/ الحجرات.
2 – 18/ الإسراء.
3 – 19/ الإسراء.
4 – سورة التوحيد.
5 – انتصر هذا أو ذاك، لم ينتصر هذا أو ذاك، نجحت هذه الثورة أو لم تنجح.
6 – وهو يوم الرابع عشر من أغسطس.
7 – 90/ النحل.