المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (511) 22 شعبان 1433هـ ـ 13 يوليو 2012م

خطبة الجمعة (511) 22 شعبان 1433هـ ـ 13 يوليو 2012م

مواضيع الخطبة:

الخطبة الأولى: ماذا تفعل الذنوب؟ – إن لم أتب

الخطبة الثانية: الحكومات المسؤول الأول – الساحة المحلية 

 

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي لا تراه العيون، ولا تناله الظنون، ولا يحويه مكان، ولا يحدّه زمان، ولا يصل إليه وهم، ولا يحيط به فهم، كبير لا نهاية لكبريائه، عظيم لا ساحل لعظمته، قدير كل شيء خاضع لقدرته.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، و أشهد أن محمد عبده و رسوله صلى الله عليه وآله وسلم تسليما كثيرا كثيرا.
عباد الله لا يطلب عاقل رضا ضعيف بغضب قوي، و لا تقرُبا من فقير بمعصية غني، ولا يشتري حب ناقص ببغض كامل، فليس بعاقل من قدَم مخلوقاَ على الخالق، و اشترى رضا مملوك بسخط المالك. فلنطلب مرضاة الله، ولا يعدل بنا عن ذلك سخط الساخطين، و نقمة الناقمين، فإن أمر الله غير مردود، وأمر غيره تحت حكمه. ألا إن تقوى الله منجية، و تقوى سواه في معصيته مردية، فلا يسفه منا الرأي، و لا يخطئ الإختيار.
اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا أنك أنت التواب الرحيم.
اللهم إنه لا حول ولا قوة إلا بك فاصرفنا عما لا يرضيك إلى ما يرضيك، و عما يضعنا عندك إلى ما يرفعنا عندك، وعما يبعدنا عنك إلى ما يقربنا إليك، وعمَا يضَر بنا في ديننا أو دنيانا إلى ما ينفعنا يا جواد يا كريم، يا رحمان يا رحيم.
أما بعد فهاتان كلمتان:

الأولى: ماذا تفعل الذنوب؟:

خلق الله الناس مبصرين لا عمياناَ، مهتدين لا ضُلالاً، و جعل لهم عقولاً مدركة، و قلوباً فاقهة، وأسماعاً وأبصاراً من غير أن يقهرهم على الهدى، و أن يغيروا ما بهم من نعمة.فللإنسان القدرة من الله سبحانه أن يبقي على ما له عنده من نعمة، و أن يزداد من عطاء ربه بطاعته، وأن يزداد من عطاء ربه بطاعته، وأن يغيّر نعمة الله عنده بمعصيته، وأن يخسّرَ نفسه ما كان من عطائه له.
وما أعظم نعمة القلب الذي يعرف به العبد ربه، ويهتدي به إلى عظمته. القلب الذي يتنور بذكرالله، و يطمئن إليه، و يجد كل القوة، والوقاية، والحمى، والأمن من عنده، ويتلقى فيوضاً كريمة، ومراتب من الحياة الراقية الجليلة بالإنشداد إليه، والإنفتاح الصادق عليه.
هذه النعمة إن حفظها الإنسان، و أعطاها حقها، و تعامل معها التعامل الذي يرضي الله سبحانه و تعالى احتفظ بإنسانيته، وارتقى بمستواها، ووجد حياة طيبة في الدنيا وحياة طيبة في الآخرة، وتبوأ مكانا كريماً، ومنزلة رفعية عند ربه، وسعادة عظيمة بلا نفاد.
و إن أضاعها من وهبت له، وأساء إليها، كان في أسفل سافلين يقوده إليه في غيًه وضلاله وعماه.
تأتي القلوب أساساً مبصرة، وقابلة للزيادة في قوةالابصار، والأرواح منفتحة على الله وعلى الاستعداد لزيادة الانفتاح و لكن يصيبها من تراكم الذنب، و سوء الإثم ما يحدث لها الشك و الريب، و يصل بها هذا التراكم أن تغشَّى و تحجب عن رؤية النور، و معانقة الحق، فتتحول إلى سجن مظلم لا نافذة له على شعاع هدى، ولا ثغرةَ في جداره تطل به على شيء من آيات الآفاق والأنفس على ما تغنى به تلك الآيات التي لا تعد و لا تحصى من مخلوق من دلالات، أو على شيء مما تزخر به الحياة كم عبر وعظات.
كل آيات الآفاق و الأنفس، وعبرِ الحياة وعظاتها، تفقد لغتها وخطابها وقيمتها بالنسبة لجهاز استقبالٍ أفسده صاحبه، وغلّفه بألف غلاف سميك يمنعه من الاستفادة من النور، وهل يفعل من يصر على الذنوب بقلبه غير ذلك؟!
من مناجاة المطيعين المنسوبة للإمام زين العابدين عليه السلام”… واقشع عن بصائرنا سحاب الارتياب، واكشف عن قلوبنا أغشية المرية والحجاب، وأزهق الباطل عن ضمائرنا، و أثبت الحق في سرائرنا”.
في هذا الكلام: لنا بصائر نرى بها الحق و الباطل، و نعرف بها الهدى من الضلال، و نهتدي بها لله عز وجل و ما يرضيه، و نستدل بها إلى طريق الغاية الكريمة والكمال المنشود، و هي منفذنا إلى عالم الحقائق الكبرى. لنا عقول و أفئدة تعرف الله، و تجلّه و تعظّمه، وتحبّه، وترجوه، و تخشاه، و لا ترى مثله شيئاً، وتقدّمه على كل شيء، و تطمئن إليه، و لا تطمئن إلى شيء عداه، وتستريح لذكره، و يكسبها إنساً لا تجده في ذكر أحد غيره، وكل ذلك من إنعامه و إكرامه.
لكن هذه البصائر يعلوها سحاب الإرتياب، وظلمة، الشك، وأغشية و أغلفة من المرية والحجاب، فمن أين يعتورها كل ذلك، ويحيط بها، و يسد عليها الآفاق، و يفقدها رؤيتها النافِدة؟ اقتراف الذنب و معاودته وتواليه وتراكمه، وتسويف التوبة، و تأجيل الأوبة.
و مثل ذلك التوبة المازحة، والأوبة غير الجادة، والإستغفار الكاذب.
و في هذا الكلام عنه عليه السلام أنه بانقطاع القلوب، و انحجاب الضمائر بتراكم الذنوب و تكاتفها عن الآيات و الدلالات، واضاءات الهدى تلبَّست بالباطل و اندغمت به، واستذوقته و حلا عندها طعمه، وانفصلت عن الحق، ووهنت علاقتها به، وصارت في تزلزل وقلق و اضطراب.
و الإمام عليه السلام يدخل نفسه في هذا النفر المحتطب على نفسه تواضعاً لربه، وأخذا بالشدة المغلظة على نفسه، و استعظاماَ للمخالفة النادرة لو حدثت للأمر غير المولوي من أوامر خالقه مع نزاهته عن الخروج عمَّا أوجب أو حرم مالكه و سيده سبحانه، والدخول فيما يغضبه.
و في هذا الكلام فزع إلى المولى الحق العلي القدير ناتج عن احساس عميق بالخسارة، و سقوط ذريع، وفقد لقيمة الذات، وضياع شديد، وغربة و وحشة قاتلة، و فيه تعلق برحمة الله، وتمسك بكرمه لإنقاذ السائل من أكبر ورطة تواجه النفس، و كربة تقع فيها، و كارثة قاضية على قيمتها و مستقبلها وأملها.
إنها خسارة البعد عن الله، والوقوع في دائرة مقته و طرده.

إن لم أتب:

العاصي لله مضيع للطريق والغاية، مستخف بنفسه، مسترخص لذاته، مسيء لقيمته، لا يرى لوجوده قدرا، ولا يقيم لحياته وزناً.
والمعصية لا تصنع إلا الضعف والانهيار، ولا تنتج إلا الانحدار وسحق الإرادة.
وطريق الطاعة لله سبحانه وتعالى يصعنك قويا، ومريدا، وقويما، وهاديا، ومهديا وبناءً وصالحا ومصلحا. يكسبك سعادة هنا، وسعادة بعد أن تلفظك هذه الحياة.
لن تجد قويا يعتمد على قوته كالله، لن تجد غنيا تستمد منه الغنى كالله، لن تجد هاديا تهتدي بهداه كالله، لن تجد حاميا، ملجأ، حافظا، كافيا كالله، لن تجد مجزيا، مثيبا، متكرما، متفضلا كالله.
لا منقذ لك من الله، لا حامي لك منه، لا مغيث لك من أخذه، لا عاصم لك من دونه، فارجع إليه واقطع غرورك، وانتبه من غفلتك، وصحح تفكيرك، واستعد إرادتك، وافتح عينيك، وارجع إلى واعيتك، تدارك أمرك، انهض من كبوتك، انتشل نفسك من غرقك.
عليَّ أن أنتبه سريعا من سباتي، أن أتفلت من قبضة شيطاني، أن أقوم من ارتكاستي، أن أخرج من ذنبي.
أنا لا أدري متى يفاجؤني أجلي، اللحظةَ قد يضرب جرس رحيلي الذي لا عودة لي بعده لهذه الحياة، ولا يبقي لي فرصة لتدارك تفريطي، وهل يساق من وافاه الأجل وهو في بالوعة الذنوب إلا إلى عذاب قبر، ونار برزخ، ثم نار قيام؟!
كيف أنام على الذنب وأنا لا أدري أتكون لي يقظة من نومي أو لا تكون؟! ألقى صباحا جديدا أو لا ألقى؟! أقوم من فراشي مريدا أو أحمل غير مريد على أكف الرجال إلى ملحودة عذاب؟!
إن لم أتب أندم حيث لا تفيد الندامة، إن لم أتب خاب المنقلب، وساء المصير. اللهم صل وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اغفر ما سلف منا من ذنب، واعصمنا فيما بقي لنا من عمر من كل معاصيك، واجعل لنا اقبالاً شديداً على طاعتك، ونفوراً بالغاً من مخالفتك، و ارأف بنا يا أرحم الراحمين، وخير الغافرين، يا أكرم من سئل، و أجود من أعطي.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ للَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } (1).

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي لا موجود سواه إلا من خَلْقِه، ولا حياة لأحد من دونه إلا من فيضه، ولا رزق لمرزوق إلا من عطائه، وهو الذي لا نبضة لقلب، ولا طرفة لعين، و لا حركة لجارحة، و لا نمو لنامٍ إلا بإذنه، له الأمر كله، و كل شيء خاضع لأمره.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمّداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
عباد الله فلنطلب تقوى الله، ولا نفرط بها فإنها منقذة للنفس من عِللها، مصلحة لها أوضاعها، مخلّصة لها من ملكات السوء، مرسّخة ملكات الخير فيها، وفيها نجاتها من النّار، وعذابِها الدائم، وفوزُها بالجنة، ونعيمها المقيم.
اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. اللهم طهّر قلوبنا، ونقّ أرواحنا، وزكّ أعمالنا، ورطّب الستنا بذكرك، وأجزل عطاءنا من فضلك، وأسبغ علينا نعمك، وارفع قدرنا عندك يا ولي العطاء والمنِّ والإحسان.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين الصادق الأمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصّدّيقة الطّاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأنوارك في بلادك: الحسن بن علي الزّكي، والحسين بن علي الشّهيد، وعليّ بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصّادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعليّ بن موسى الرّضا، ومحمد بن علي الجواد، وعليّ بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس ياربّ العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصراً عزيزاً مبيناً ثابتاً دائماً قائماً.
أما بعد أيها الأعزاء من المؤمنين والمؤمنات فأمامنا عنوانان:

1. الحكومات المسؤول الأول:

البلاد الإسلامية كلها، البلاد العربية كلها، منطقتنا الخليجية كلها، البحرين؛ ليس من ذلك إلا ونحن محتاجون لإطفاء النيران فيه لا لإشعالها، لإخماد الفتن لا إثارتها، للمّ شمل المسلمين لا تفريقهم.
والمسؤولية في كل ذلك وإن كانت مشتركة بين الحكومات والشعوب من كل أهل المذاهب والتوجهات إلا أن المسؤولية الكبرى في كلّ من جانبي التهدئة والاثارة إنما تقع على عاتق الحكومات بلحاظ ما تحت يدها من مختلف امكانات الأمة وقدراتها، وبما لقراراتها وسياساتها من نفوذ وفاعلية وامتداد، وبما تمتلكه من أجهزة تنفيذية هائلة.
الحكومات هي التي تخلق الأزمات، وتستطيع أن تخفف منها وتعالجها، وهي التي تشعل الحرائق وتملك في العادة أن تطفئها، وهي التي تختلق كثيرا من الخلافات وتديرها لمصلحتها، وتتحكم في تصعيدها والتخفيف منها.
تملك الحكومات الكثير من إمكانات الحل للأمور المتأزمة، وإنقاذ الأوضاع من مزيد من التدهور بما يعود لحياة السياسة والاجتماع والاقتصاد لا بفتح أبواب السجون، وسياسة الاغتيال ومطاردة العلماء والشرفاء، واعتماد الرعب والنار والرصاص، وخنق حرية التعبير، ومصادرة الرأي المعارض، وإثارة النعرات والأحقاد، وإنما بالعدل والانصاف، والمساواة، والاقتراب من الشعوب، واحترام إرادتها، والاعتراف بحقها وحريتها وكرامتها.
إنّ أبغض ما نبغض لبلادنا الإسلامية والعربية ولمنطقتنا الخليجية أن تتحول إلى ساحة عنف، وصراعات مريرة تنهك إنسانها، وتستنزف قدراتها، وتسيء إلى دينها وحضارتها، وتطلق اليد بعيدا عن قيم الإسلام الحق في القتل والهدم والتصفيات الجاهلية الحمقاء الآثمة.
ولا مسؤول كالحكومات في تهدئة الأمور وإثارتها، وإخماد النار وإشعالها، وصلاح الأوطان وفسادها.
وماذا يضمن تهدئة الأوضاع، وتوجه المجتمعات نحو الترابط والتلاحم والبناء، ويفتح الطريق للقوة الصالحة البناءة المشتركة غيرُ أخذ الحكومات بالحق والعدل والاصلاح، وإنصاف الشعوب، والنظر إلى الجميع بعين المواطنة الواحدة؟!
العالم كله اليوم يتجه إلى احترام إرادة الشعوب والاعتراف لها بمكانتها ومرجعيتها، والحكومات القديمة للمنطقة العربية لا زالت تصرّ على الاستمرار في الاتجاه المعاكس وإحكام القبضة الحديدية على الشعوب، وسياسة تهميشها، ووأد كلمة الحرية فيها، وملاحقة كل ناطق بحق الشعب وكرامته.
هذا الإتجاه لا يمكن له في ظل ما صار ليه العالم من وعي عام وإرادة جديدة أن يضمن استقرارا، أو يوفر أمنا، ولم يعد لمثل هذا المنطق أن يكون قابلا للبقاء، وليس من اللائق أساسا أن تتشبث به حكومة من الحكومات لتصبح واضحة الشذوذ والتخلف في وسط واقعها العالمي.
إن إرادة الاصلاح والتغيير إلى الأفضل وما هو الأقرب إلى الصحة والحق والعدل في علاقة الشعوب مع حكوماتها قد انطلقت بقوة وعلى قاعدة من الوعي المتقدم الراسخ بحيث لا يردّ الشعوب عنها راد من ظلم السلطات وبطشها وعنفها، وما تتفنن فيه من أساليب التنكيل والقسوة، والمكر والخديعة.
وهذا ما يتحدث به واقع ناطق صارخ في كثير من بقاع الأرض، ويشغل مساحة واسعة من الاعلام العالمي، ويصل إلى سمع عموم الحكومات والشعوب.

1. الساحة المحليّة:

محليّاً تتخذ السلطة مساراً شاذاً جداً معاكسا لما تتجهُ إليه الساحة العالمية حيث تجد هنا التراجعات المتتابعة في رعاية حرمة الإنسان، وكرامة المواطن، وتصاعدَ مسلسل الانتهاكات لحقوق المواطنة، والتضييق على الحرياتِ ومصادرتها، والاستمرار في حملات الاعتقالات ومداهمة البيوت، وهتكِ حرمتها، واستباحة محتوياتها، وإرعاب أهلها بمن فيها من امرأة وطفل وشيخ كبير طاعن في السن وإذلالهم.
في البحرين يسقط قتلى، يكثر الجرحى، تتعدد الاعاقات، تمتلئ السجون، يعمُ الرعب المناطق السكنية، تستباح حرمة البيوت، تلغى جمعيات سياسية والذنب واحد؛ هو أن تعبّر عن رأيك السياسي ولو بأهدأ الأساليب السلمية، وأظهر الطرق من ناحية القانون.
السلطة اليوم لا تمتنع عن إعطاء الحق فحسب وإنما تأخذ بأشد أساليب القمع لئلا يريفع صوت مطالب بحقوق الشعب. إنها تذهب إلى أن بقاء الواقع المستبد الظالم هو قدر هذا الشعب، وعليه أن ينهي أي تفكير له في الإصلاح والتغيير، ويقبل مرغما أو راضيا بموقع التبعية الذليلة، والهوان، والانسحاق.(2)
ما يجري في حقّ شعب البحرين من انتهاكات فظيعة ، ومآسٍ، ومصادرة للحقوق، وإرعاب وإخافة وإذلال، وتكميم أفواه، وإفراط في استعمال القوة ضد حرية التعبير عن الرأي لا يمثّل سياسة ظالمة محلية فحسب إنما يمثل توافقا سياسيا واسعا على مستوى الكثير من الدول العربية الخليجية وغير الخليجية، والدول الكبرى المساندة يرافقه دعم عملي لسياسة التنكيل بهذا الشعب، وكأن شعبنا المسالم القليل في عدده يمثل تهديدا جديَّا للعالم، وأن للعالم في ذمته جرائم لا تغتفر، ويمثل في نظره قمة الارهاب.
وهذا الشعب شعب مسالم صابر صامد، قد آمن بربه، وبقيمة ذاته الايمانية والانسانية، وبحقه في أن يعيش حرا كريما عزيزا، وقد رأى أن من حق حريته وكرامته وعزته عليه أن لا يسجد لغير الله سبحانه وتعالى (3)، وأن يضحي بكل ما تجوز التضحية به مما يجد وتأذن به شريعة الله في سبيل هذه الحرية والعزة والكرامة. فإن كان هذا هو ذنبننا عند كل ظالمينا والذي نستحق عليه المحق فإنا مصرون على هذا الذنب، وإننا لصابرون. (4)
ومن جهة غلق جمعية أمل فهو مفردة من مفردات فوق العدّ لمصادرة حرية الكلمة الصادقة ومحاربتها وخنق الصوت الناطق بالحقّ، وهو تهديد لكل الجمعيات السياسية المناهضة للظلم على أنه غير قادر على اسكات الصوت الحر للمواطنين الغيارى من منتسبي جمعية أمل والجمعيات الأخرى، وغيرهم ممن ضاق صدرهم بالظلم وسياسة الاذلال.
وإعادة الحقوقي نبيل رجب إلى السجن إعلان بأنه كما لا مكان للكلمة السياسية المعارضة، لا مكان للكلمة الحقوقية الفاضحة. ورغم ذلك سيبقى الشعب يقول كلمته من دون أن يتنازل عن حقه في التعبير عن رأيه، والحرية والعزة والكرامة واستعادة كامل الحقوق.

كلمة شكر وتقدير:

قضى قدر الله سبحانه وتعالى أن يكون للضعفاء موقعهم، وللأقوياء موقعهم في هذه الحياة، وللقوة دائما الموقع المتقدم.
فلا تطلب تقدما لنفسك، أو لمجتمعك، أو لأمتك إلا من خلال طلب مواقع القوة.(5)
والإسلام كله من أجل الفرد القوي، والأسرة القوية، والأمة القوية، والعالم القوي، ولا طريق للقوة في كل أبعاد الذات الانسانية الصالحة، وأبعاد الحياة الكريمة، وبصورة جامعة متكاملة إلا الإسلام.(6)
والعلم النافع واحد من أسباب القوة التي تطلب بها المواقع المتقدمة دنيوية كانت هذه المواقع أو أخروية.
ويتحتم على المؤمنين إسلاما أن يبنوا أنفسهم أقوياء، ومجتمعهم قويا، وأمتهم قوية، وأن يسعوا جادّين في كل ذلك، وفي بناء عالم قوي في علمه وإيمانه وإنجازه.
وهنا أتقدم بالشكر الجزيل والتقدير العالي لأبنائنا وبناتنا الطلاب والطالبات في مختلف المراحل الدراسية ممن قاوموا كل التحديات في هذا الوسط السياسي والأمني المتعب المرهق، وسجَّلوا تفوقا دراسيا ملحوظا حسب نتائجهم النهائية، واحتلَّو مواقع متقدمة في ترتب الدرجات العلمية ليكونوا عناصر قوة وصلاح لمجتمعهم وأمتهم حين يتوفر لهم مع العلم الإيمان.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم أصلح لنا ديننا ودنيانا، وجنبنا المضائق والمزالق والمآزق، وافتح علينا أبواب رحمتك، وأغلق عنا أبواب نقمتك، وانصرنا نصرا قريبا عزيزا مبينا، يا علي، يا قدير، يا رحمان، يا رحيم.
اللهم ارحم شهداءنا وموتانا، واشف جرحانا ومرضانا، وفكّ أسرانا وسجناءنا، ورد غرباءنا في خير وسلامة يا رحمان، يا رحيم، يا كريم.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (7).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – سورة التوحيد.
2 – هتاف المصلين: هيهات منا الذلة.
3 – هتاف المصلين: لن نركع إلا لله.
4 – هتاف المصلين بالتكبير.
5 – تقبل بالضعف وتطلب أن تكون عزيزا وأن تتوفر على حقوقك وأن تكون المتقدم أنت واهم، تغرق في سبات.
6 – إذا أردت القوة مجتمعة ومتكاملة في أبعاد ذاتكـ في أبعاد أمتك، في الأبعاد كلها بما للإنسانية من كيان فليس لك إلا أن تسلك طريق الإسلام.
7 – 90/ سورة النحل.