المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (506) 10 رجب 1433هـ ـ 1 يونيو 2012م

خطبة الجمعة (506) 10 رجب 1433هـ ـ 1 يونيو 2012م

مواضيع الخطبة:

الخطبة الأولى: القلب السليم

الخطبة الثانية: خيانة للدين والأمة – مجزرة الحولة – خيار خاطئ 

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي لا يُنعت بتمثيل، ولا يُمثّل بنظير، ولا يُغلب بظهير، ولا يحتاج إلى وزير، ولا تراه العيون، لا تناله الظنون، ولا يغيب عن شيء، ولا يغيب عنه شيء. وكيف يغيب عن الأشياء ووجودها من عنده، ولا قيام لها إلاَّ به، وكيف تغيب عنه، وهي لا يصلها رزق إلاَّ من فيضه، ولا مدد لها إلاّ من كرمه، وابتداؤها واستمرارها بإرادته وفعله؟!
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
عباد الله فلنطلب الخير بالتقوى، فإنه لا مالك للخير غير الله، وما أشدّ خطأنا حين نطلب الغنى والنصر، والعزّ، وأيّ خير بمعصيته؛ وكأنّ العليَّ العظيم قد جعل شيئاً من الخير في معصيته، وشيئاً من النجاح في مخالفته، أو أن له شريكاً يملك من الخير كثيراً أو قليلاً لِيُسترضى من دونه بما فيه غضبه طمعاً في نيل شيء مما عنده.
أليس الملك كلّه خالصاً لله سبحانه، وأن لا شريك له في ملك، أو أمر؟! فإلى من يكون الاتجاه بالطاعة طلباً للخير إذا لم يكن لله؟! وهل من إله غير الله يُضحَّى بمرضاة الله ابتغاء مرضاته؟! ويكون الإقدام على سخط الله اتقاء سخطه؟!
ما أعظمه من شرك ما يقف وراء طلب الخير من عند غير الله(1)، ووراء ترك طاعته لطاعة غيره، والدخول في معصيته اتقاءً لمعصية من سواه!!
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم أنقذنا من الشرك ما ظهر منه وما بطن، واختر قلوبنا مساكن لذكرك، وأنرها بمعرفتك، ولا تجعل فيها حبّاً لأحد إلاّ من حبّك، وتعظيماً إلاّ من تعظيمك، وميلاً لطاعةٍ إلا من طاعتك، ولا رضا بشيء إلاّ مما يرضيك يا رحمان، يا رحيم، يا كريم.
القلب السليم:

أما بعد أيها الأخوة والأخوّات في الله فيقول الكتاب العزيز:{وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}(2).
وفي قولٍ آخر في كتاب الله:{وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ، إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}(3).
الإنسان(4) في مخزون قلبه، لا يصغر ولا يكبر عنه(5)، ومن أراد أن يعرف ما هو فلينظر إلى محتوى قلبه، وإذا سرّه أن يتقدم بمستواه، أو يصلح ذاته فليصلح قلبه، ويصحّح محتواه. وما عليه قلب المرء ينبئه عن قربه أو بعده عن الله عزّ وجل، وأنه من أصحاب الجنّة أو من أصحاب السعير.
ولا ينفصل عَمَلُ الإنسان جنساً ووجهاً عمَّا عليه قلبه، وما تأتلف منه فعلاً سريرته؛ فلا يأتي عمل صالح خالص لوجه الله الكريم من قلب خبُث ما فيه ورجس، ولا يصدر من القلب السليم الطاهر عمل سيء أو ما يشوبه نفاق.
وإنّ القلوب لتحيا وتموت، وتصحّ وتسقم، وتسلَم وتُعاب، وتطهر وتخبُث، ودنيا المرء وآخرتُه من حياة قلبه وموته، وصحّته وسَقمه، وسلامته وتعيّبه.
ولا شيء مما كان للإنسان في دنياه عائد بالنفع عليه في آخرته إذا لم يأت ربَّه بقلب سليم. ومنازل الناس يوم القيامة تابعة لما عليه عيب القلوب وسلامتها. وصاحب القلب السليم بلا شائبة من مرض وعيب لا يلحقه خزيٌ أيُّ خزي يوم يبعثون {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}(6) هو يوم لا حضور فيه ولا فاعليةَ منقذةً أو مخفّفة لمال، ولا بنين، ولا أيّ من أسباب دنيوية كنّا نتسبّب بها لخيرنا في هذه الحياة.
وما رفع مقام النبيّ إبراهيم عليه السلام عند الله حتّى اتخذه خليلاً إلاَّ درجة طاعته العظيمة له، ومسارعته فيها، وثباته عليها، وإخلاصها لوجهه الكريم بما وراء ذلك من قلب سليم.

وما القلب السليم؟

عن رسول الله صلّى الله عليه وآله – وقد سئل: ما القلب السليم؟ -:”دينٌ بلا شكّ وهوى، وعمل بلا سمعة ورياء”(7).
محتوى هذا القلب دين خالص ليس لهوى النفس فيه نصيب، ولا تخالط اليقين به شائبة من شك مما ينأى بأي عمل صادر من وحي هذا القلب أن تمسَّه سمعة أو رياء أو أيّ شيء مما يميل به عن طلب مرضاة الله تبارك وتعالى.
وعن الإمام الصادق عليه السلام في قوله تعالى:{إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}:”القلب السليم الذي يلقى ربَّه، وليس فيه أحد سواه، وكلّ قلب فيه شركٌ أو شكٌّ فهو ساقط”(8).
وأيُّ قلب ذلك الذي يتحقّق له أن تفقد كلّ الأشياء، وكل العظماء، وكل الأهوال، وكل القدرات، وكل السلاطين، وكلّ الدول، وكل الجيوش، وكل من في السماوات والأرض، وكل الخلائق أوزانها فيه لذكر الله الذي لا يفارقه؟!(9) وأي معرفة، وأي هدى ونور، وصفاء ونقاء وقوَّة وسعادة يعيشها ذلك القلب، ويتميز بها عن أيّ قلبٍ سواه؟!(10)
كم قلباً لإنسان في حياة الأرض كلِّها لا يَمَسُّه شرك ولا شك حتى ينجو من السقوط، ويبرأ من كل العلل؟!
وعنه عليه السلام كذلك:”هو القلب الذي سلم من حب الدنيا”(11) وهل تسقط قيمة الدّنيا، وتتفه، وتبقى بلا سحر، ولا جمال، ولا جاذبية إلا في قلب عرف الله، وشغله عشقه عن كل شيء، واستغنى به عن كل من سواه وما سواه؟!
وعنه عليه السلام:”صاحب النيَّة الصادقة صاحب القلب السليم، لأن سلامة القلب من هواجس المذكورات تُخلِصُ النيَّة لله في الأمور كلها، قال الله تعالى:{يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}”(12).
حين يكون المحبوب الأول في القلب هو الله، والمخوفُ الأول في القلب هو الله، والمرجوّ الأول للقلب هو الله؛ فَلِمَن تتجه النيّة عند هذا القلب، وتقرُّبُه بعمله الصالح من دون الله، وأيَّ شيء يشركه معه في القصد إليه، وطلب مرضاته، والمنزلة عنده؟!(13)
إنه إذا لم نكن من أهل مستوى القلب السليم(14)، فإن علينا أن نخوض معركة ضارية مع النفس للتخفيف من علل القلب وأسقامه وحجبه.
ولا توفيق إلا بالله، وعليه المعول، وبه المستعان.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم إنا نعوذ بك من كلّ ضلالة وغواية، ومن كلّ ما تحدِّث به النفس الأمَّارة بالسوء، والشيطان الرجيم. اللهم افعل بنا ما أنت أهله، ولا تفعل بنا ما نحن أهله يا رحمان، يا رحيم، يا كريم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}(15).

الخطبة الثانية

الحمد لله ربّ العالمين؛ له الملك والملكوت، والعزّ والجبروت، وهو الحيّ الذي لا يموت، بارئ كلِّ مخلوق، ورازق كلّ مرزوق. أحمده أتمَّ الحمد، وأجمله، وأسناه، وأكمله وأدومه، حمداً يليق بجلاله وجماله وكماله، لا يكون إلاّ له وحده، وينال رضاه، ويقرّب إلى رحمته.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
عباد الله علينا أن نطلب بالتقوى إصلاح أنفسنا وإنقاذها من الضّعف والهوى والظلمات لتكون لنا لا علينا، وليكون لنا منها واعظ لا داعية إلى النّار. فالنفس إذا أُهمل أمرُها لهواها أمرت بالسوء، وقادت إلى معصية الله، ولم تترك صاحبها حتّى تكبّه على وجهه في النار، ولم ينفع معها وعظ واعظ. وإذا ما جاهدها صاحبها، وحملها حملاً شديداً على التقوى استقامت وزكت وسمع منها الوعظ، وكانت عونه في طريق الطاعة والاستقامة. فالنفس التي يغلب منها جانب الأمر بالسّوء، قد تغيّرها المجاهدة فيظهر فيها صوت الواعظ الناصح بالخير، الزاجر عن الشر(16).
تقول الكلمة عن الإمام عليّ عليه السلام:”اعلموا أنَّه من لم يُعَنْ على نفسه حتّى يكون له منها واعظ وزاجر لم يكن له من غيرها زاجر ولا واعظ”(17).
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، اغفر لنا ربنا مغفرة جزماً حتماً وللمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم احمنا من هوى أنفسنا واجعل لنا من قلوبنا واعظاً، ومن نفوسنا زاجراً، وانأ بنا عن معصيتك، وأقْبِل بنا على طاعتك، واجعلنا من أهل عبادتك، وصر بنا إلى رضوانك وكرامتك يا حميد يا مجيد يا رؤوف يا رحيم.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين الصادق الأمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصّدّيقة الطّاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأنوارك في بلادك: الحسن بن علي الزّكي، والحسين بن علي الشّهيد، وعليّ بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصّادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعليّ بن موسى الرّضا، ومحمد بن علي الجواد، وعليّ بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس ياربّ العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصراً عزيزاً مبيناً ثابتاً دائماً قائماً.
أمّا بعد أيها الأحبّة في الله فهذا يوم مبارك من أيام الأمة المؤمنة، هو يوم ولادة الإمام التاسع الإمام الجواد عليه السلام، الذي كان معجزة من غير معاجز أهل البيت الطاهرين علماً وتقوى وعملاً، وأهلية للإمام الإلهية الشاملة.
صلوات الله وسلامه عليك يا رسول الله وعلى آل بيتك الطيبين الطاهرين. وبارك لكم جميعا هذا الشهر المبارك، والأشهر التي بعده، وهذه المناسبات الميمونة السعيدة المباركة.
والآن إلى بعض عناوين:

خيانة للدين والأمَّة:

أيّ نظام سياسي، أيّ حكومة، أيّ معارضة، أيّ مؤسسة، أي شخص يعمل على زرع روح الكراهة بين أبعاض الأمة، بين قوميَّاتها، بين طوائفها، بين أقطارها، وعلى تمزيق صفوفها، وتأجيج الأحقاد بين مكوّناتها إذا استبعدنا جهله بسوء ما يفعل فلا يمكن أن يُوصَف إلا بالخيانة للدين والأمة فليس هناك مكرٌ بالأمَّة والدين أخبث من هذا المكر، ولا إضعاف لهما أشدَّ من هذا الإضعاف.
والمصيبة مصيبة حكومات كثيرة اليوم ترى أنَّ في هدم وحدة المسلمين في بلد أو أعم من بلد، وبعثرة كيانهم، ودخولهم في حروب كلامية، وحروب دماء حماية لوجودها( )، وقطعاً للطريق لأي تغيير سياسيّ في صالح الشعوب، وإبقاء لمكاسبها المحرّمة التي تقوم على نهب ثروة الأوطان، وإذلال إنسانها، وإلغاء كرامته.
ووراء هذه الحكومات قوى أجنبيَّة متربّصة بالأمَّة لما ترى في نهضتها، ونموذج حضارتها ما يسقط قيمة النموذج الحضاري المادي على تقدير انبعاثه بقوّة وصدق، وتجسُّده على ما هو عليه من أصالة على الأرض، ولما تُقدّر فيه من جاذبية لشعوب العالم، وقدرة على استقطاب الضمير الإنساني، والطموح البشري بصورة هائلة مما يجعلها(19) تخسر مواقعها المادية المتقدمة وتندحر أمام زحف الإسلام العظيم.
هذه القوى تعمل جاهدة على تفتيت وحدة الأمة، وإشعال الفتن المذهبية والطائفية والقومية والإقليمية بين أبنائها، وتوظّف كثيراً من الحكومات والمؤسسات والفئات والحركات والأشخاص من أجل إحداث الفتن الداخلية في إطار الأمَّة وإشعال نارها.
أمَّا من آمن بالإسلام حقّاً، وعرف ما أعطته الشهادتان من حصانة لدم المسلم وعرضه وماله، وأنه لا إكراه في الدّين، ووعى ما تعنيه الكلمة الخبيثة المفرِّقة الواحدة من إسهام ولو بسيط في إحداث الفتنة بين المسلمين من إثم كبير؛ فإنه يصبر على كلّ أذى يتلقّاه من مُغرضٍ، ومستأجر، أو جاهل مهما كان دون أن يرتكب جناية في حقّ الإسلام والمسلمين بأن يقول كلمة مفرّقة.
ولو وعى أبناء الأمّة المسلمة ما تفعله الآراء والكلمات المشتّتةُ للأمة، المحطّمة لكيان وحدتها من آثار تدميرية هائلة لمصالح دينها ودنياها لألقم أتباعُ كل مذهب وطائفة وقوميّة وبلد منهم حجراً لكل متفوّه من أبناء انتمائهم بكلمة عابثة بوحدة أبناء الكتاب الواحد، والرسول الواحد صلَّى الله عليه وآله وسلم، والقبلة الواحدة، والفرائض الدينية المشتركة، ولم يسمعوا له كلمة.

مجزرة الحُولة:

مجزرة مرعبة بدمها وأشلائها وبشاعتها وفظاعة أسلوب القتل فيها. وهي مرعبة أكثر من ذلك بما تعنيه من قسوة قلوب، موت ضمائر، نفوس خلت حتّى من الحس الإنساني، بهيمية أشد من بهيمية البهائم، وحشية أغلظ من وحشية الحيوان، غياب لأيّ قيمة دينيَّة، لأدنى عاطفة رحمة، بما تعنيه من دواخل أجفّ من أرض الصحراء الحارقة، أصلب من الصخر، أخبث من الصديد.
من فعل هذه المجزرة المروعة بكل ما تحمله من معاني الخسّة والانحطاط (20)، وما تسيء به إلى إنسانية الإنسان، وتحطّ من مستواها؟!(21) أن يكون هذا الطرف أو ذاك لا يُغيّر من واقع هذه الخسة والانحطاط شيئاً، ولا يعفي أي إنسان من التبرؤ منه(22)، وإدانته، والحكم على الفاعل بالدونية، وأكبر الإجرام.
وأيّ إسلام تُقدّمه مثل هذه الأفعال الإجرامية البشعة التي تهزّ الضمير الإنساني كلّه لشعوب العالم الأخرى وأممه وهي تُرتكب في أوساط هذه الأمة على يد من ينتمون إليها؟
إنه إسلام منفّر مقزّز يثير الغثيان، تبرأ منه الفطرة(23)، تتنزه عنه السماء، يكفر به النبيون والمرسلون، يعاقب عليه الإسلام(24).

خيار خاطئ:

يهم الحكومات أن تبقى على كراسيّها، وتطيل من عمر سلطتها ما تستطيع، وتحصّن وجودها ما أمكن من أيّ اهتزاز يُهدِّد استمرارها فيما تتمتع به من حكم.
ولكن ما هو الطريق الذي تسلكه لضمان هذا الأمر؟
من الحكومات من تحاول المصالحة مع شعوبها بدرجة وأخرى، وطريقة وأخرى، وتكسب ودها وثقتها لتأمن جانب هذه الشعوب. ويكثر هذا في الحكومات المنتخبة التي لا تعتمد في وجودها على العمالة للخارج وتلقّي الدعم منه في مقابل خدمة مصالحه، والسير في ركب سياسته(25).
أمّا الحكومات القسريَّة فالغالب فيها أنها لا تُعطي قيمة لشعوبها، وتعتمد في استمرار فرض السيطرة عليها على أسلوب القوّة والاستضعاف والاستنزاف، وتوظيف كلّ ما تتطلبه عملية قمع الشعب وإرعابه وتفريق كلمته، وإسكات صوته من مبالغ ضخمة من ثروة الوطن التي تضع يدها عليها لو ناهضها، أو أحسَّت منه بدايات المناهضة بدل أن تعالج بهذه الأموال شيئاً من المشكلات التي تؤرِّقه، وتستفز إرادته.
يحتمي هذا النمط من الحكومات والأنظمة من الشعوب بأسلوب العنف والقوّة والاستضعاف والاستنزاف والتفريق والإخافة والرعب إلى جنب الاحتماء بأنظمة من الخارج يرى فيها القدرة على توفير الدعم لأمنه واستمراره فيتيح لها بذلك أن تتحكم في مصيره تحكمها في مصير الشعب والوطن والثروة.
وهذه الحكومات توقعها سياستها في خوفين: داخليّ: ناشئ من عدم ثقتها في الشعب لما تعرفه من تنكيلها ومعاداتها لمصالحه، وقسوتها عليه، واستهدافه، وخارجي: لتمكينها قوى الخارج من التحكم في مصيرها من دون أن تجد استغناء عن الاستسلام له وهي تعادي شعوبها.
وثروة الوطن في مثل هذا الوضع تتوزّعها ألوان عديدة من الهدر ووجوه الإفساد من ذلك:
الإنفاق على تحطيم الشعب وشراء باعة الدّين والشرف والأوطان استعانة بهم على كل الشرفاء والمستضعفين.
استئثار الحكومة نفسها بأكبر قدر يمكنها الاستئثار به من هذه الثروة.
استرضاء الداعم الخارجي بما يشبع نهمه ولو باسم شراء السلاح وتطوير القوّة العسكرية.
أما الشعب فله الحرمان والسجن والسوط والقمع والعذاب.
والحكومة باختيارها هذا الطريق الشائك الخاسر ترى أن التهديد يأتيها من الداخل الذي تعاديه، ومن الخارج الذي تحتمي به، وسبيلها الوحيد عند ذلك للإبقاء على وجودها إعطاء مزيد من التنازلات المتتابعة بما يرضي الأجنبي الذي يمسك بِنَفَسِها، ولا تستطيع أن تعصي له أمراً وتتمرّد عليه إلاّ أن تدخل في مجازفة الانتحار(26).
وهكذا تفعل أكثر الحكومات العربية وحكومات المسلمين بنفسها وشعوبها وأوطانها لتستعبد الجميع وتضعهم بقبضة الأجنبي، فما أضلّه من طريق تأخذ به هذه الحكومات الحكيمة الرشيدة الوطنية الوفيّة المخلصة!!
ما أشقى وطناً أخوف ما تخاف حكومته من شعبه، وأكبر التركيز لتفكيرها على التفنن في أساليب إضعافه، ومن أكثر ما تستورده وتنفق عليه أدوات قمعه، ذلك لأنها أمعنت وتمعن في ظلمه، ولا تريد أن تعدل عن هذا الظلم، وتعامل شعبها بالإنصاف، وتعترف بقيمته وحقّه ومكانته فلا تثق به.
ومؤسف جدّاً أن يكون وطننا مثالاً صارخاً لهذا الوطن المنكوب.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم إنا نعوذ بك من تشتُّت الأمر، وسوء الحال، وغلبة الباطل، وضياع الحقّ، والفتنة المضلّة، وحرمان النّصر، وشرّ المنقلب.
اللهم ارحم شهداءنا وموتانا، واشف جرحانا ومرضانا، وفكّ أسرانا وسجناءنا، ورد غرباءنا في خير وسلامة يا رحمان، يا رحيم، يا كريم.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – من طلب الخير من عند غير الله كان على شرك.
2 – 87 – 89/ الشعراء.
3 – 83، 84/ الصافات.
4 – الإنسان ماذا يساوي؟ يساوي مخزون قلبه.
5 – أنت وأنا بذلك المقدار تماماً.
6 – حتى لا أُخزى يوم القيامة علي أن أعمل على أن يكون قلبي سليما نظيفا.
7 – مستدرك الوسائل ج1 ص113 ط1 المحققة.
8 – الكافي ج2 ص16 ط4.
9 – كم نجد من هذا القلب في البشرية؟!
10 – ألا تجدون أن قلوب الأنبياء هي أقوى قلوب، وأن سعادة الأنبياء على متاعبهم الدنيوية هي أكبر سعادة؟ سبب ذلك كلّه ذلك القلب السليم المنصرف لله، الخالي ممن سواه.
11 – تفسير نور الثقلين ج4 ص58 ط4.
12 – المصدر السابق.
13 – هل مع الله شيء في ذلك القلب حتى يتّجه إليه القصد وتنصرف إليه النيّة، أو يُشرك مع الله سبحانه وتعالى غيره في ذلك العمل الصالح؟!
14 – وأنّى يكون ذلك؟
15 – سورة التوحيد.
16 – أليست نفسي الآن تأمرني بالسوء؟ لو جاهدت نفسي يمكن أن يختفي هذا الصوت، ويظهر من نفسي لي صوت الواعظ الزاجر.
17 – نهج البلاغة ج1 ص160 ط1.
دائماً نحتاج إلى قابل، فالنفس غير القابلة، غير السامعة التي لا استعداد فيها للاستجابة لا ينفع معها الوعظ.
18 – ترى في ذلك حماية لوجودها. وهذه مصيبة كبرى أن تجد الحكومات في البلاد الإسلامية أن حماية وجودها بزرع الفتنة بين المسلمين، وتأجيج نار الحرب.
19 – أي تلك القوى.
20 – لا يهم من يكون من هو الذي فعل هذه المجزرة المروّعة.
21 – وتضر بالدين أكبر الضرر.
22 – كانت حكومة، كانت معارضة، على كل مسلم أن يتبرأ من هذا الفعل ويدينه.
23 – نعم، هذا الإسلام تبرأ منه الفطرة. الإسلام الذي يستبيح قتل الطفل البريء، هذا إسلام سماء؟!
24 – لغة هذا الفعل تقول للعالم: إياكم أن تأخذوا بالإسلام، إياكم أن تفكّروا في الانتماء للإسلام، هذا إسلام الغابة، خلّفوه وراء ظهوركم، انفروا منه كل النفور.
25 – تعرف هذه الحكومات المنتخبة أن بقاءها في الحكم، عودتها إليه بعد دورتها الحالية تعتمد على رضا شعوبها وبذلك تحاول دائما أن تسترضي هذه الشعوب بدرجة وأخرى وبأسلوب صادق أو ساخر.
26 – بعد أن تُمكِّن أي حكومة محلية العدو الخارجي من رقبتها حينئذ لابد أن تستسلم له، ولو حاولت أن تشعر بشيء من العزّة وتحمي نفسها فهي تدخل في عملية انتحار في مواجهتها لمن يتحكم من الخارج في مصيرها.
27 – 90/ النحل.