المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (504) 26 جمادى الثاني 1433هـ ـ 18 مايو 2012م

خطبة الجمعة (504) 26 جمادى الثاني 1433هـ ـ 18 مايو 2012م

مواضيع الخطبة:

الخطبة الأولى: متابعة لحديث: نعم الله

الخطبة الثانية: ممارسات لاتشرِّف – عاد هدم المساجد – اتحاد من مع من؟ 

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي لا وجود لكبيرٍ أو صغيرٍ إلاَّ من فيضه، ولا حياةَ لأحد إلاّ من عنده، ولا قيامَ لشيء إلاّ بقدرته، ولا إنعامَ في أرضٍ ولا سماءٍ إلاّ من جهته، ولا مصدرَ للجود سواه. وكلّ الأشياء مفتقرة إليه، مسترفِدة منه، مملوكة له، خاضعة لإرادته، منقادة لمشيئته.
أشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمّداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
أُوصيكم عباد الله ونفسي الأمَّارة بالسّوء بتقوى الله، فمن اتّقى الله كان الله معه، ومن فاز بالمعيّة من الله كان في حفظه وحِماه، وهدى من عنده ورشد، وتسديد وتوفيق، وعزٍّ وكرامة، لا يُضلّه مُضلّ، ولا يُغويه شيطان، ولا يَصْرَعُه هوى، ولا ينصرف به عن دينه صارف، ولا يجد في نفسه من شعوره بالعزّة بالله وإنْ ألمّ به ما ألمَّ من صروف الدهر ذُلاًّ ولا مهانة.
وقد وَعَدَ الله أن يكون مع الذين اتقوا في قوله سبحانه:{إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ}( ) لا يُهملهم، ولا يُسلمهم، ولا يتخلّى عنهم في شدّة أو رخاء، وفي سرّاء أو ضرّاء، وأيّ حال من الأحوال، وظرف من الظروف.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرّحيم.
اللهم أنقذنا من ظلمات الرّوح، وعشى البصيرة، وعلل القلوب، وظلمات العمى، واكفنا ما أهمّنا من أمر الدُّنيا والآخرة، وباعد بيننا وبين كلّ سوء يا رؤوف، يا رحيم، يا كريم.
أما بعد أيها الأحبّة في الله فهذه متابعة للحديث في موضوع:

نعم الله:

أجلُّ النعم:
كلُّ نعم الله عظيمة، ولكنَّ النعمة الكبرى في معرفته وتوحيده، وخلوص القلب له، بحيث لا يُزاحِم ذكرَه له ذكر، ولا حبَّه حبّ، ولا رجاءَه فيه رجاء، ولا خوفَه منه خوف، ولا تعظيمَه لجلاله وجماله تعظيم، ولا رضاه به رضا، وثقتَه فيه ثقة، وشوقَه إليه شوق، واطمئنانَه لرحمته اطمئنان، بل لايُرتجى غيره، ولا يؤمّل سواه، ولا يحذر إلاّ من غضبه، ولا يسكن نفسه إلاّ إليه، ولا يقلقه شيء إذا أحسّ برضاه.
عن الإمام الصادق عليه السلام:”ما أنعم الله على عبد أجلَّ من أن لا يكون في قلبه مع الله عزّ وجلّ غيرُهُ”(2).
وعن الإمام علي عليه السلام:”إنًَّ من النعم سعةَ المال، وأفضل من سعة المال صحّة البدن، وأفضل من صحة البدن تقوى القلب”(3).
كلّ النعم خير، وكلّها فضل، ولكنّها تتفاوت منزلة وقدراً، وأعظمها معرفة الله، وتوحيده وتقواه. وهي النعمة الباقية، والتي تُعطي القيمة للوجود والحياة، وتبوِّئ الإنسانَ المقامَ الكريم، والمنزلة الرفيعة، وتُحقّق له سعادة الأبد.
ويضيع دور كلّ النِّعم، وتذهب غايتها، وتسقط قيمتها العظمى، وتتحوّل إلى خسار في وجود عبد فرّط في معرفة الله، وأعطى قلبَه لغير ربّه، ونسي تقواه حتّى كأنّ أهل النعمة الحقَّ ليسوا هم إلاّ من وحّد الله حقّ توحيده، وأخلص قلبه له، حيث لا نصيب لأحدٍ فيه سواه.
{… اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}(4).
{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً}(5).
{وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً}(6).
ونعمة التوحيد والتقوى مع كونها موهوبة أصلاً لفطرة الإنسان فإنَّ تناميها والاحتفاظ بها وتركّزها، وتعاظمها، واشتدادها، وبلوغها المبالغ البعيدة يعتمد على السّعي الحثيث والجهد والمجاهدة، ومواصلة رحلة المعرفة الصَّاعدة، وتزكية النفس الجادَّة. {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا…}(7).
ومن أجل إبقاء هذه النعمة نعمة التوحيد وإدامتها، وإظهارها وتثبيتها، وتكميل الإنسان وإسعاده بها كان بعث رسل الله تبارك وتعالى لعباده. عن الإمام عليّ عليه السلام:”فبعث فيهم رسله، وواتر إليهم أنبياءه ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكّروهم منسي نعمته”(8).
وقضية ميثاق الفطرة التّوحيد، وهو النعمة الكبرى التي إذا ذُكِرَت ذُكِرَت كلّ النعم، وأثمرت كل النعم إثمارها الطيّب المطلوب، وإذا نُسِيَت(9) نسيت كل النعم وفقدت دورها المنشود.

أبقوا النعم:

يؤتي الله عباده النِّعَم، وليس لهم قوام إلاّ بها، وهي في الأساس لنفعهم وكمالهم وسعادتهم، وقد جعل لهم الإرادة في أن يضعوها حيث تشقّ بهم الطريق إلى السعادة والكمال، أو تنحدر بهم إلى الشقاء والحضيض، وأن يعملوا على إبقائها، والاستكثار منها، أو يُسبّبوا لها التلاشي والنِّفار.
ولكلٍّ من هذا وذاك طريق. بالطاعة تدوم النعم، ويسعد أهلها، وفي المعصية لله نِفارها، وشقاء أهل المعصية والطغيان.
نقرأ عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله:”أحسنوا مجاورة النعم؛ لا تُمِلّوها ولا تنفروها، فإنّها قل ما نفرت من قوم فعادت إليهم”(10).
في كفران النعم، وإساءة استعمالها خطران: أن تنفر، ثم لا تعود.
والخطر الثالث ما تحمله الكلمة عن الإمام عليّ عليه السلام:”أحسنوا صحبة النعم قبل فراقها؛ فإنها تزول، وتشهد على صاحبها بما عمل فيها”(11).
والترابط بين طاعة الله عزّ وجلّ، والأخذ بدينه ومنهجه، وبين غزارة النعم، وانفتاح باب البركات، ثم بين معصيته والتنكّر لدينه وبين سوء الأحوال، وتردِّي ظروف الحياة، وشقاء الأوضاع أمر واضح من آيات القرآن الحكيم.
{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}(12).
{وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ}(13).
{ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(14).
إنه ما ضُيّعت سنة من سنن الله، ولا خُولِف قانون من قوانين المادة والروح والبقاء والحياة مما قدّر عزّ وجلّ إلاّ واستتبع ذلك القلق والاضطراب والفساد والخراب والشقاء والهلاك بمقدار ما لذلك القانون من موقعية، ولتلك السنة من شأن ومقام في حفظ النظام وعلاقة الأسباب والمسبَّبات.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم ألهمنا ذكرك وشكرك، واحفظ علينا نعمك، وبارك لنا في ما أعطيتنا، ولا تَكرثنا في شيء من دينك، وبلّغنا رضاك يا كريم، يا رحيم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}(15).

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي لا يملك أحد من أمر نفسه إلاَّ ما ملّكه، ولا يستقِلُّ عنه طرفة عين وما هو أقلّ في وجوده وحياته، وفعله، وحركته، وسكونه.
وإليه يرجع مُلْك كلِّ مالك، وقدرة كلِّ قادر، وغِنى كلِّ غنيّ، وخير كلّ ذي خير، والكون كلّه عَدَمٌ بلا رفده، وظلمة بلا العطاء من نوره، ولا شيء على الإطلاق بلا مدده.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وزادهم تحية وبركة وسلاماً.
عباد الله علينا بتقوى الله، وأن نتّخذ من اتباع دينه سُلّماً لرضوانه، وألاّ تلهينا الدُّنيا عن ذكر الآخرة، فيفاجأنا لقاؤها على غير تهيّؤ، وتباغتنا ساعتُها على غير استعداد، وننتقل إليها محمَّلين بالأوزار يوم لا فرصة عمل، ولا مكانَ لتوبة، ولا سبيل لعودة دنيا، ولا مناصَ ولا مفرّ لغير الله الذي نسيه عبيدُ الدُّنيا من عذاب.
يجمع من يجمع للدّنيا بغير حساب ليتخلّى عنه يوم رحيله كلّ ما جمعه لها، بل ليكون عليه وزراً ثقيلاً يشقى به، وينتهي به إلى النّار، وما في ذلك عقلٌ وحكمة، وما فيه رعاية لنفس، ولا شفقة عليها، وضنٌّ بها على سوء المصير.
اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم إنّا نعوذ بك من هوى النفس، ووسوسة الشيطان وهمزه، ونفخه، ونفثه، وسحر الدّنيا، ومن كل ضلالة، وخسارة في الدّين.
اللهم اكفنا شرّ الدّنيا، والآخرة، ولقّنا خيرهما، واجعلنا من الآمنين إنك أنت الرّحمان، الرحيم.
اللهم صلّ وسلّم على حبيبك المصطفى محمد بن عبدالهم خاتم النبيين والمرسلين الصادق الأمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصّدّيقة الطّاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأنوارك في بلادك: الحسن بن علي الزّكي، والحسين بن علي الشّهيد، وعليّ بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصّادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعليّ بن موسى الرّضا، ومحمد بن علي الجواد، وعليّ بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس ياربّ العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصراً عزيزاً مبيناً ثابتاً دائماً قائماً.
أما بعد أيها الإخوة والأخوات في الله فالحديث يتّجه إلى ثلاثة عناوين:

ممارساتٌ لا تُشرِّف:

كلّ ممارسة لا تُشرّف ديناً ولا إنسانيّاً وهي محل إدانة من الدّين والضّمير والعرف المحلّي والعالمي إمَّا أن يأتي بها صاحبُها في حالة من التستُّر والخفاء، وإما أن يتعذَّر عليه التستُّر بها فيحاول أن يُضفيَ عليها عنواناً آخر ما استطاع، وإنْ كلّفه ذلك ما كلّف من أجل أن يُبقيَ لنفسه موقعاً في النّاس، ولا يخسر سُمعتَه بالكامل، وتجتمع عليه كلمة النّاس، وتُسقِطَه.
كثيرون هم الذين يمارسون الظلم، ولكنّهم يحاولون أن تكون ممارستهم له غير مكشوفة. ومع اضطرارهم لانكشافها يقومون بعملية تزوير إعلاميّ واسعة وماهرة لإلباس الظّلم عنوانَ العدل، وحفظ الأمن، ومنع الفوضى، وضبط الأمور، والوقوف في وجه الطّامعين، وما إلى ذلك من عناوين لا حقيقة وراءها، ولا وظيفةَ لها إلا التزييف.
وهذا ما يُجمِع عليه أسلوب الحكومات الطاغية في تعاملها مع شعوبها المظلومة.
ولأنَّ شعار الديموقراطية اليوم قد سَوَّق الغرب له كثيراً وذلك لأغراض سياسية واقتصادية لا إنسانية ولا دينية، وأخذ موقعه في نفوس الشعوب، وتعلّق به أمل المستضعفين في العالم، وما عاد من الممكن لطغاته أن يجاهروا بمعاداته، ولأنَّ السلطة الجائرة والدكتاتورية هي محلّ عِشْق الطغاة، وواقع ممارستهم للحكم وفي الإعلان الصريح للإصرار عليها ما ليس في مصلحتهم كان عليهم أن يدخلوا في عملية تزوير العناوين للاحتماء بها من النّقمة العامّة، والغربة التي تفرضها عليهم ديكتاتوريتهم في هذا العالم.
وهنا يأتي دور المجالس النيابية الكاذبة، والتعديلات الدستورية الزائفة، والإصلاحات الاسمية، ودعوى الديموقراطية المراعية للخصوصية المحليَّة، ودعوى الخطر الأمني من الديموقراطية، وخطورة القفزة، وعقلانية التدرّج، والحاجة إلى التجربة المتنامية، وقصور الشعوب عن الممارسة الناضجة للديموقراطية، ووجوب الصبر لتعلّم الاستحقاقات المترتبة عليها.
وكل هذه التلفيقات والتعلُّلات من أجل التخلّص نهائياً من استحقاق الديموقراطية، أو تطويل عمر الديكتاتورية ما أمكن.
واللعبة مكشوفة، والنية لا يسترها ستار.

عاد هدم المساجد:

كأنَّ هَدْمَ المساجد في بلاد الإسلام والإيمان والقرآن الكريم والسُّنة المطهّرة شرف لا غنى عنه، وقربة من قربات أهل الإيمان إلى الله سبحانه، وسبب عزّة وكرامة، ومما تُشترى به خواطر المؤمنين، وتطيب أنفسهم، ولذلك عادت الدولة وبصورة سافرة تهدم المساجد كما حدث لمسجد أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه.
إمَّا أن ترى الحكومة هذا الرّأي، وهو معصية كبرى، وإمَّا أن ترى أن هدم المساجد مضادّة للإسلام، خروج على القرآن والسنة، واستخفاف بحرمات الله، واستفزاز للضمير المؤمن، واستثارة للمسلمين. وهذا الرأي له ما له من دلالات خطيرة وخطيرة(16).
فأيّ الرأيين هو رأي الحكومة في المسألة؟!
ونحن لا نختار لها أيّ الرأيين. وكل منهما لا يليق بحكومة مسلمة.
ولابد أن تكون البراءة من الرأيين معاً بالتوقُف عن هذا العدوان، وإعادة بناء المساجد المهدّمة، كلّ المساجد المهدّمة.

اتحاد مَنْ مع مَنْ؟

هنا سؤال يتعلّق بالاتحاد الخليجي المطروح سواء كان اتحاداً ثنائياً أو سداسياً أو غير ذلك.
والسؤال ببساطة هو أنّه اتحاد مَنْ مع مَنْ؟
اتحاد حكومات… اتحاد شعوب…
اتحاد عام مشترك بين الشعوب والحكومات؟
الشّعوب يخصّها شيء من هذا الاتحاد أم لا؟ يعنيها أم لا؟ يمسُّ مصالحها أم لا؟ يؤثّر على حاضرها ومستقبلها أم لا؟ يُسرّع بحرّيتها واعتبار رأيها في شأن سياستها أم يُعطّل ذلك؟
الحكومات لا تُمثّل نفسها حتى يكون الاتحاد اتحادّاً بينها ولا شأن للشّعوب به من قريب أو بعيد.
وواضح أنَّ الاتحاد المطروح ليس اتحاداً بين الشعوب. وكيف يكون كذلك، والشّعوب مغيّبة تماماً، ومعزولة تماماً عن كلِّ ما يدور مما يتعلّق به، وهي آخر من يدري بما يجري التداول فيه بشأنه؟!
وإذا فُرِض أنه اتحاد حكومات من أجل الشّعوب فهو مرتبط بمصلحة الشّعوب ومضرّتها أولاً وقبل كل شيء، ومفاسده ومصالحه لا تنفصل بأيِّ مستوى من المستويات عن مضارِّها ومصالحها.
وعَزْل الشعوب عن الموضوع، وإسقاط رأيها نهائياً، وإلغاء إرادتها، وتمرير إرادة الحكومات بلا مراجعة الشّعوب في مسألةٍ مصيرية بهذا الحجم لا يكون إلاَّ لأنَّ الأمر لا يعنيها في شيء، وهذا واضح البطلان، أو لأنّه يُراد قهرها وقسرها، وهذه ممارسة ظالمة لا يمكن أنْ يُقِرها دين أو ضمير، أو ميثاقُ حكم له شيء من العدالة، ولا دستور من دساتير العالم الحرّ، ولا عُرف عالمي، أو لأنّ الحكومات تعتبر حكمها للأمة بالأصالة لا الوكالة، وهذا ما لا يمكن أن يقرّه أيُّ شعب من الشعوب، أو بدعوى أن الحكومات قد انتُخِبت انتخاباً حرّاً وفُوِّضت تفويضاً مطلقاً في التصرّف في مصائر الشعوب كما تشاء وتُقدّر، وأن تختار لها حتى ما ترى هذه الشّعوب أنَّ فيه تخلّفها، وتكريس الصورة الرجعية التي تُعاني منها، والتهميشَ المفروض عليها، وسلب إرادتها وحرّيتها من غير أن يكون لها حقُّ الاعتراض على ما تؤخذ له من أنفاق الهلاك(17).
لا الانتخاب الحرّ قد حصل للحكومات، ولا التفويض المطلق الذي يُخرج الشّعوب من كل خياراتها وتفكيرها ورعاية مصالحها ومصائرها، ويسلب منها كلّ رأي، وكلّ قرار، وكل حريّة.
الاتحاد أوّل ما يعني الشعوب وهو مرتبط بشدة وبكل تأكيد بمصالحها ومضارها واعتبارها وإلغائها، وحريتها وعبوديتها، والعدل والظلم الممارس في حقِّها، ولا يمكن في ميزان الحقّ والعدل أن يتم وراء ظهرها ورغماً على أنفها.
والشعوب ليست قطعان ماشية، ولا مجموعات من الخراف والنعاج، وليست في مرحلة الطفولة القاصرة، ولا بلهاء، ولا فاقدة للرّأي، ولم تخلق إماءاً وعبيداً يملكها إنسان(18)، ولا يجوز لها أن تتنازل لأحد من النّاس عن حريتها.
وإذا كان عدد من الحكومات المعنيّة بالاتحاد قد أبدى توجّساته، واعتراضه على الموضوع، فلماذا لا يجوز لأي شعب أن يظهر توجّسه واعتراضه ومقاومته السلمية لما يراد أن يُفرض عليه كُرْهاً وقهراً؟!(19)
ولا يُسقطُ حقَّ أيّ شعب في إعطاء رأيه في هذه المسألة التي تَمَسُّ حاضره ومستقبله في الصّميم أنَّ أي دولة في العالم صارت تؤيد الاتحاد أو تختلف معه.
فبغضّ النظر عن رأي أي دولة بهذا الشأن موافقاً كان أو مخالفاً فإنه لا يسلب حقّ الشعوب في إعطاء رأيها الذي تتخذه بكل حريّة واستقلالية بعيداً عن كلّ التأثيرات والتأثرات.(21)
اللهم صلّ وسلم على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم ألهمنا رشدنا، وأعذنا من شرّ نفوسنا، ومن شرّ كل ذي شر، ومن كيد الشيطان الرَّجيم.
اللهم ارحم شهداءنا، وفكّ أسرانا وسجناءنا، واشف مرضانا وجرحانا، وردّ غرباءنا سالمين غانمين يا رحمان يا حنّان، يا رحيم، يا كريم.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (22).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – 128/ النحل.
2 – بحار الأنوار ج67 ص250 ط3 المصححة.
3 – شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج19 ص337.
4 – 6، 7/ الفاتحة.
5- 58/ مريم.
6 – 69/ النساء.
7 – 69/ العنكبوت.
8 – نهج البلاغة ج1 ص23 ط1.
9 – أي قضيّة التوحيد.
10 – كنز الفوائد لأبو الفتح الكراجكي ص271 ط2.
11 – علل الشرائع للشيخ الصدوق ج2 ص464.
12 – 96/ الأعراف.
13 – 66/ المائدة.
والمعني التوراة والإنجيل على صفائهما ومن غير تحريف، وما أنزل الله من غير تزوير.
14 – 53/ الأنفال.
15- سورة التوحيد.
16 – لا يمكن أن تقبل الحكومة بها وإن كانت هي دلالات لازمةً لهذا الرأي.
17 – هتاف جموع المصلين (كلا كلا للاتحاد).
18 – هتاف جموع المصلين (هيهات منا الذلّة).
19 – هتاف جموع المصلين (هيهات منا الذلّة).
20 – تلك قضية أخرى، أنَّ دولة من الدول أو أكثر من دولة من خارج إطار دول الاتحاد اعترضت على الاتحاد، أيّدته، أيّدت كل الدول، خالفته كل الدول، هذا لا يعني شعب البحرين، شعب البحرين وشعب كل دولة خليجية له رأيه المستقل، وحريته في الاعتراض على هذا الاتحاد أو الموافقة عليه.
21- 90/النحل.