المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (503) 19 جمادى الثاني 1433هـ ـ 11 مايو 2012م

خطبة الجمعة (503) 19 جمادى الثاني 1433هـ ـ 11 مايو 2012م

مواضيع الخطبة:

 

الخطبة الأولى: نعم الله تبارك وتعالى

الخطبة الثانية: من حقائق الساحة العربية والمحلية 

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي فطر النّأس على معرفته، وجعل القلوب لا تطمئن إلاّ إليه، متعلِّقة بعطائه، مشتاقة للاستنارة بأنوار جماله، وكماله، منشدَّة إلى عظيم أسمائه، بُغيتها الحقيقية في التقرُّب إليه، وضياؤها في هدى دينه، وسعادتها في نيل غفرانه، ورضوانه.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
أوصيكم عباد الله ونفسي المقصِّرة بتقوى الله، والاستعانة بها على النفس، وفي طلب الهدى والرشد، والتزام الصِّراط، والسّير إلى الغاية المتمثِّلة في رضا الحقِّ تبارك وتعالى، ومواجهة مشقّات الحياة وآلامها، وسَفَه السفهاء، وجهالة الساقطين، وشراسة الأعداء؛ فإنّ التقوى خير ما تقوى به النفس، وخير سفينة نجاة، وخير مركب نور.
اللهم صل وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اشرح قلوبنا بهدى الإيمان، ونوّر بصائرنا بنور معرفتك، وحصِّنا بتقواك، ولا تزلّ لنا قدماً عن دينك، ولا تجعل لقلوبنا ميلاً على خلاف رضاك.
ربّنا ادرأ عنَّا كلّ سوء ومكروه، واحمنا بحمايتك، واكلأنا بكلاءتك، واحفظنا بحفظك يا قويّ، يا عزيز، يا عليُّ، يا عظيم.
أما بعد فالحديث في:

نعم الله تبارك وتعالى:

يذهب العقل إلى أقصى مداه، ويمتد التفكير إلى أبعد أبعاده، ويوغل الاستقصاء، ويتّسع، ويتعمّق إلاّ أنّه مع ذلك كلّه يرتدّ خاسئاً دون أن يُحصي نعم الله، أو يبلغ مدى آلائه.
{… وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا…}(1).
لو اجتمع النّاس جميعاً على عدّ نعم الله لم يبلغوا لها عدّاً، ولم يدركوا لها إحصاء؛ فجلَّ من منعم تغرق العبد نعمُه، وتتجاوز الإحصاء آلاؤه.
أكبر العباد إدراكا لله سبحانه مَنْ عَلِمَ منهم بأنه لا يدركه، وكلّ معرفة بعظمة الله سبحانه هي دون حقّه، ودون العلم بالعجز عن إدراكه.(2)
وأتمُّ ما يملك العباد من معرفة بنعم الله أن يعرفوا أنهم لا يبلغون معرفتها، وأنهم لا يخرجون من التقصير عن أداء شكرها.
في الخبر:”كان عليّ بن الحسين عليهما السلام إذا قرأ هذه الآية {… وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا…} يقول عليه السلام: سبحان من لم يجعل في أحد من معرفة نعمه إلاَّ المعرفة بالتقصير عن معرفتها(3)، كما لم يجعل في أحدٍ من معرفة إدراكه أكثر من العلم بأنه لا يدركه(4)، فشكر عزّ وجلّ معرفة العارفين بالتقصير عن معرفته، وجعل معرفتهم بالتقصير شكراً(5)، كما جعل علم العالمين أنّهم لا يدركونه إيماناً…”(6).
يدرك العاقل الحقُّ نقصَ نفسه، ومحدوديته، وأنَّ الله عز وجل فوق كلّ محدودية للكمال، وكلّ منتهى، وبذلك يعلم أنّه ليس أهلاً أن يُدركه، أو يدنوَ من معرفة كنهه، وتقدير حقّه، وإنْ ظهر له من عظمته ما يبهره، ويصعق له، وهذا هو أقصى معرفته بربّه الذي لا يُحيط شيء بحقيقته.
ونِعَمُ الدنيا على سعتها وسبوغها لا تعد شيئاً عند نعم الآخرة إذ تقول الكلمة عن أمير المؤمنين عليه السلام في بيان قدرة الله “سبحانك ما أعظم شأنك!… وما أسبغ نعمك في الدّنيا، وما أصغرها في نِعَم الآخرة”(7).
وكما لا يمكن أن يحصي أحد نِعَم الله، ولا يدرك كماله لا يمكن أن يبلغ مدحتَه. تقول الخطبة الأولى من نهج البلاغة:”الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون، ولا يحصي نعماءه العادون، ولا يؤدي حقه المجتهدون”(8).
كلُّ أهل مدحةٍ يقصر مدحهم عن مدحه، وكلّ العادين لنعمه يقل عدُّهم عن نعمه، وكلّ المجتهدين في أداء حقِّه لا يبلغون أداءه.
ولا يسع عبداً اشتغل بالتفكير في مظاهر قدرة الله، وآثار حكمته، وفي ما يغمر الكون والحياة مما لا يُحصى من نعمه أن يخرج عن طاعته، أو يستكبر على عبادته، وينصرف بوجهه عنه.
تقول الخطبة المائة والخامسة والثمانون من خطب أمير المؤمنين عليه السلام في النهج:”ولو فكّروا في عظيم القدرة، وجسيم النعمة، لرجعوا إلى الطريق، وخافوا عذاب الحريق، ولكن القلوب عليلة، والبصائر مدخولة”(9).
أنوار الحقّ ساطعة، وأبواب معرفة الله مشرَّعة، وطرق طاعته سالكة، ودعوته إلى الجنّة قائمة، وشريعته واضحة ولكنّ المشكلة في القلوب التي أمرضها حبّ الدنيا، وأفسدها الإقبال المجنون على شهواتها، والبصائر المزاحمة بالهوى، المدخولة لغشوات العمى بما اجتمع من ذنب، وتراكم من معصية، وتوالى من عناد.

النِعَم الظاهرة والباطنة:

{أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً…}(10).
نِعَم الله عزّ وجلّ على الإنسان منها ماديٌّ، ومعنويّ، ومنها ما يظهر لجيل، وما يظهر لجيل آخر يعقبه كما في بعض المعادن والمخترعات النافعة المستجدَّة، ومنها ما هو قائم في كل جيل بما فيه من ظاهر وباطن.
وما أكثر النِّعَم التي لا يراها إلا ذو لبّ وبصيرة.
في مجمع البيان: قوله تعالى:{.. ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً..} “في رواية الضحاك عنه – أي عن ابن عباس – قال: سألت النبيّ صلَّى الله عليه وآله عنه(11) فقال:”يا ابن عبّاس أمَّا ما ظهر فالإسلام وما سوَّى الله من خلقك، وما أفاض عليك من الرزق. وأمّا ما بطن فسَتْرُ مساوئ عملك ولم يفضحك به…”(12).
وعن الباقر عليه السلام:”أما النعمة الظاهرة فالنبي صلّى الله عليه وآله، وما جاء به من معرفة الله عزّ وجلّ وتوحيدُه، وأمَّا النعمة الباطنة فولايتنا أهل البيت وعقد مودّتنا”(13).
وعن الكاظم عليه السلام:”النعمة الظاهرة الإمام الظاهر، والباطنة الإمام الغائب”(14).
“إنَّ مِنَ النِّعْمَةِ تَعَذُّرُ المَعاصِي”(15) عن علي عليه السلام.
وعنه عليه السلام:”إنَّ لِلّهِ تَعالى فِي السَّـرّاءِ نِعْمَةَ الإفْضالِ، وَ فِي الضَّـرّاءِ نِعْمَةَ التَّطْهِيرِ”(16).
ذلك حيث إن الضراء من شأنها أن تطهر الإنسان من كبره وذنبه، وتكسر غروره، وتُذهِب نسيانه لنفسه، وقيمة دنياه وآخرته، وعبوديته لربّه.
والأحاديث الشريفة إنّما تُقدِّم أمثلة متنوّعة من النعم الظاهرة والباطنة، ويبقى المجال مفتوحاً لألوان وألوان لا تعدّ ولا تحصى من نِعَم الله وآلائه التي منها ما هو ظاهر وما هو باطن.
وعن أول نعمة على العبد؛ يقول الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنه قال لعليّ عليه السلام:”قل ما أول نعمة أبلاك الله عزّ وجلّ وأنعم عليك بها؟ قال: أن خلقني جلّ ثناؤه ولم أك شيئاً مذكورا. قال: صدقت”(17).
نعمة الوجود مبدأ نعم الله عند عبيده، وكل نعمة عندهم بإيجاد منه سبحانه وإفاضة، فلا شيء من خير في الإنسان أو بيده، ولا نعمة من نِعَم الكون كلِّه إلاّ من عطاء الخالق العظيم. فمن ذا الذي يُحصي نعمه؟!! ومن ذا الذي يفي بشكره؟!! ومن ذا الذي يخرج من حقّ إحسانه؟!!
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم أحسن معرفتنا بك، وأصدق شكرنا لك، واجعلنا من أهل خالص طاعتك، الموقنين بلقائك، المصدّقين بوعدك ووعيدك، المجاهدين في سبيلك، الموفّقين لمراضيك يا أرحم من استُرحِم، ويا أكرم من سُئل، يا جواداً لا منتهى لجوده.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}(18).

الخطبة الثانية

الحمد لله الغنيّ بذاته، القائم به كلّ من عداه، وما عداه. لا يجد أحد رفداً من غيره، ولا حولاً ولا قوّةً له إلاّ به. منه وجود كلّ موجود، وحياة كل حيّ، وقدرة كلّ قادر، وعلم كلّ عالم، وخير كلّ ذي خير.
الهارب منه لا مهرب له، ولا يجد ملجأ إلا بالرجوع إليه، ولا مفر لأحد من عدله، ولا غنى لأحد عن عفوه، وغفرانه.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
عباد الله ما أحرانا ونحن المملوكون لله العلي القدير في كل ذرّة من ذرّات وجودنا، وفي كل نبضة من نبضات قلوبنا، وفي كلّ لحظة من لحظات حياتنا، وفي كل حركة وسكون أن نتقي الله، وأن لا نبتغي في الأرض الفساد، وأن نكون مصلحين، وغداً يقدم كلّ على ما قدَّم، ويوافي ما عمل، و إنَّ كتاب الأعمال عند الله لا يغادر كبيرة ولا صغيرة إلا أحصاها {… فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}( ) يراه نعيماً، ويراه عذاباً( )، ويراه سعادة، ويراه شقاء. وكلُّ العمل ينقطع بانقطاع الحياة، وليس بعد ذلك إلا الحساب، والثواب والعقاب، فليحذر عاقل من غده، وليسع ساع إلى الفلاح والنجاح.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم لا تجعل لنا صارفاً عن طاعتك، ولا شاغلاً عن ذكرك، ولا ملهياً عن شكرك، وقنا من كل ما يزلّ لنا قدماً عن صراطك، أو يميل بقلوبنا عن رضاك. اللهم اجعلنا في درعك الحصينة التي تجعل فيها من تريد.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على خاتم النبيين والمرسلين محمد بن عبدالله الصادق الأمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصّدّيقة الطّاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأنوارك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس ياربّ العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصراً عزيزاً مبيناً ثابتاً دائماً قائماً.
أما بعد أيها الأعزاء فالموضوع هو:

من حقائق الساحة العربية والمحلية:

من قبل أكثر من سنة تحرّكت الساحة العربية في اتجاه الإصلاح والتغيير على يد شعوبها فيما يُصطلح عليه بالربيع العربي.
الملاحظ في هذا الحراك كلّه أنه ليس كما كانت طبيعة الحركات السياسية والانقلابية قبله والتي كانت تنطلق من تدبير قيادة شخص أو حزب أو فئة متنفذة، وطلباً لمكاسب تتحرك في دائرة ضيّقة خاصة.
امتاز الحراك الذي عاشته الساحة العربية هذه المرة بأنه حراك شعبي عام منطلق من معاناة الشعوب، ومن وعيها، وبجهودها وتضحياتها، ويعبر عن آلام الشعوب وآمالها وطموحاتها، ويسعى لاستعادة عزة هذه الشعوب وكرامتها، ولذلك لا يتوقف عند وصول البديل الذي لا يحقّق أحلام الشعب وأمنياته رغم كلّ الكلمات المعسولة، والألوان الزاهية، وأساليب الخداع، والشعارات الرنّانة(21).
وللطبيعة الشعبية لهذا الحراك تجده لا يموت بموت رجل ولا رجال، ولا بسجن مئة ولا مئات، ولا بتراجع حزب أو أحزاب، ولا يضعف بمن يضعف، وخيانة من يخون. إنه تفجُّرٌ عام لقوته وسعته واشتداده لا تؤثر على اندفاعته العارمة كل هذه الخسائر، وكل هذه التراجعات.
هذا الواقع الذي رآه الجميع في عموم الساحة العربية لابد أن يؤكد للذين يطمحون لإسكات صوت الشعب هنا عن مطالبه بأنه لو مات كلُّ علماء البلد ممن يتمنّون موتهم أو غُيِّبوا في السجون أو هُجِّروا، ولو خلت الساحة من كل رمز من رموزها السياسية فإنَّ ذلك لا يقضي على حركة الشعب، وإصراره على مطالبه العادلة(22).
وجاء دور الأنظمة العربية التي خاضت الصراع من حراك شعوبها على تفاوت.
فمنها ما حاول امتصاص الصدمة بدرجة وأخرى مع الإصلاحات مبكِّراً أو بعد حين بصورة استطاعت تهدئة الأوضاع أو لم تستطع، ومنها من لم يعرف إلا استعمال لغة القوّة، ومنها من يتّجه إلى السماح بالمطالبة السلمية بالإصلاح، ويتعامل معها بمهارته السياسية في المراوغة والالتفاف مع مضايقته للمطالبة محاولةً للتخلص من إحراجها، ومنها من يعاقب على أصل المطالبة، ويلاحق بالأذى كلَّ صوت ناقد، وكلمة تبوح بطلب الإصلاح.
والظاهر أننا صرنا هنا إلى هذا المستوى الأخير(23).
وهذا المنحى يزيد الإيمان بضرورة الإصلاح، لأنه يضيف إلى المحنة، ويرفع من درجة القهر، ويضاعف المشكلة، ويزيد في التأزيم، ويكثّف من حالة الاضطهاد.
قولنا أمام هذه الحالة: لا عنف، ولكن لا تراجع عن الإصلاح..
لا عنف، ولكن لا تضحية بالمطالب..
لا عنف، ولكن لا عودة إلى الوراء…
لا عنف، ولكن لابد من الحرية والعزة والكرامة…
لا عنف، ولكن لابد من حقوق المواطنة الكاملة…
لا عنف، ولكن لابد من أن تصدق كلمة الميثاق بأنَّ الشعب مصدر السلطات(24).
ذهب عشرات الشهداء إلى رحمة الله، ودخل السجون مئات الأحرار والحرائر، وامتلأت ساحة الوطن من أنواع الانتهاكات التي ضاق بها الشعب، وهُدِمت المساجد، ولا زال يُمنع بنيانها والصلاة في مواقعها، ولا زال الشرفاء والشريفات مغيّبين في حبسهم، ولا زال سماحة الشيخ المحروس والناشط الحقوقي الخواجهة يتهددهما الموت في المستشفى السجن، ولا زال رجب الناشط والحقوقي الآخر يحتجز ويحاكم، وقادة الرأي السياسي ممن في السجن يتلاعب بمصيرهم، والرعب الذي تفرضه السلطة هو سيد الموقف والمطالب الحقوقية والسياسية معطّلة. كلّ ذلك ولا حاجة للإصلاح؟!!!
مقولة يتنكّر لها الدين والضمير، والعرف العالمي، والحسّ الإنساني والميثاق الوطني، وكل دستور فيه شمّة من العدالة.
سؤال يتطلّب جواباً موضوعيّاً منصفاً من السلطة. كيف تباركون لأي سلطة أنتجتها الديموقراطية في أي بلد من بلدان الربيع العربي من خلال إرادة الشعب، ثم ترون أن مجرد المطالبة بالديموقراطية من هذا الشعب جريمة لا تغتفر، ولابد أن تُواجَه بالعقوبة الصارمة وأشد التنكيل والعذاب؟!(25)
تمتلك السلطة الكثير من الإمكانات للبطش، والتنكيل، وتنفيذ مشتهياتها في النّاس، ولكن كلّ المقادير محكومة لمالكها الواحد الأحد الذي لا نفاذ لأمرٍ إلا بإذنه.
وإذا كانت المحاولة من كل التهديدات والتوعُّدات أن يتخذ مؤمن من أي سلطة ربّاً مع الله سبحانه يخافها خوفَه منه، ويرجوها رجاءَه فيه، ويمتثل لإرادتها امتثاله لإرادته، فضلاً عن أن يُقدّم لها أمراً، أو نهياً على أمره ونهيه فهذا مما يستحيل على عقل المؤمن، وإيمانه ونفسيته التي بناها الإيمان(26). والله هو العاصم، ولا حول، ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم(27).
وليسمح لي ملؤكم الكريم أن أعرض بصورة مقتضبة لما نالني من التشكيك في جنسيتي في حملة من الافتراء المكشوف، والتجنّي السافر المتجاوز لحدود الدين والأدب واللياقة وكلّ عرف إنساني حيث أراه طريقاً للتشكيك ليس في جنسية المئات من أرحامي فحسب، ولا جنسية طائفة بكاملها بل هو طريق للتشكيك في جنسية أي مواطن أصلي مغضوب عليه من السلطة(28). لكن لماذا يتجاوزني هذا التشكيك والمئات من أهلي إلى كل مواطن مغضوب عليه؟
ذلك لا لأنّي أمثّل غير نفسي، أو أن لي امتيازاً على أيّ طفل من أطفال الطائفة أو الشعب.
ولكن لأن نسف ثوابت جنسيتي مع ترسّخها يفتح الباب لنسف ثوابت الجنسية لأي واحد يُراد التخلص منه للعداء السياسي.
يبعد بيت جدّي الرابع عبد الإثني عشر (عبد الأئمة عليهم السلام) والمسمّى ابنُ عمي المباشر باسمه وهو أبو الشهيد عبدالحميد عن بيت الوالد والعم الذي تربيت فيه حوالي 150 قدماً فقط.
وأمّا عائلة المصلّي والتي ينحدر أجدادي منها، والتي كانت قاطنة في حيّ المصلّي المعروف الآن بفويليد(29) وفيه مسجد القدم الذي يقع قريباً من هذا الجامع… فإن هذه العائلة قد اضطرها الاضطهاد السياسي المعروف تاريخيّاً إلى الهجرة من البحرين بعد أن صبّ رجالها عرقهم على أرض هذا الوطن منذ مئات السنين، إسهاماً في بنائها، وتركوا شواهد هجرتهم قائمة وقد وقفت فيمن وقف على آثارها.
ومع ذلك(30) فإن أبناء العمومة والخؤولة من مباشر وغير مباشر ممن يلتقون بنا ونلتقي بهم في جدّ واحد يبلغون في الدراز بالمئات، إلى جنب أبناء وبنات من عاش من الأخوة حتى سن الزواج والذين يعدّون بالعشرات.
ولا فخر كالفخر بالإسلام(31) فأسأل الله الحنّان المنّان لي ولكم سلامة الدين، وزاد التقوى.
وشكوانا إلى الله، وكفى بالله حاكماً ونصيراً(32).
ولي كلمة إلى كل المؤمنين والمؤمنات من أبناء هذا الشعب الكريم. أبلغكم أيها الأعزاء أنه لا يرضيني بل يسوؤني مسّني ما مسّني من سوء ظلم الظالمين أن يضطرب وضع هذا الوطن، أو أن أكون سبباً في أن تسيل قطرة دم واحدة من أي مواطن أو مقيم كان من كان.
وإني لشديد الحرص على سلامة شبابنا نفسي لهم الفداء.
أمّا طريق المطالبة السلمية بحقوق الشعب، ونيل حريته، واسترداد كرامته، وتصحيح الوضع فلا انقطاع له، ولا يمكن التوقُّف عن هذه المطالبة ذهب منا من ذهب، وبقي من بقي(33). ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم. وما النصر إلا من عند الله(34).
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم برِّئنا من الفساد والإفساد والمفسدين، واجعلنا من أهل الصلاح والإصلاح، وممن لا يعدل بهم شيء عن الحقّ، ولا يميل بهم إلى باطل.
اللهم ارحم شهداءنا وموتانا، والشهداء المؤمنين والمسلمين في كل مكان وزمان، واشف مرضانا وجرحانا، ومرضاهم وجرحاهم، وفك قيد أسرائنا وسجنائنا المظلومين وقيد أسراهم وسجنائهم كذلك، ورد كل غريب من الغرباء المؤمنين والمسلمين إلى أوطانهم في عز وكرامة يا رحمن، يا رحيم، يا كريم.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (31).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – 34/ إبراهيم.
2 – كل معرفة بعظمة الله سبحانه هي دون حقّه، وأكبر ما يمكن أن يصل إليه علم عبد بالغ العلم هو أن يعرف عجزه عن إدراك الله، وعن إدراك أسمائه الحسنى.
3 – هذا أبلغ ما يمكن.
4 – المعرفة العظيمة لرسول الله صلّى الله عليه وآله بربّه هي أنّه يعلم بأنه لا يدركه، وأنه عاجز عن إدراك كنه ربّه.
معرفة الرسول صلى الله عليه وآله بربه قمّة في المعرفة، ولكن معرفته بأنه لايمكن أن يحيط بحقيقته أكبر وأدّق.
5 – كونك تعرف أنك أعجز من أن تشكر نعم الله هذا يعدّه الله عز وجل لك شكرا.
6 – تحف العقول ص283 ط2.
7 – شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج7 ص194.
8 – نهج البلاغة ج1 ص14 ط1.
9 – المصدر السابق ج2 ص116.
10 – 20/ لقمان.
11 – يعني عن قول الله عز وجل الذي مر {.. ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً..}.
12 – تفسير مجمع البيان ج8 ص88 ط1.
13 – تفسير نور الثقلين ج4 ص213 ط4.
14 – كمال الدين وتمام النعمة ص369.
15 – هداية العلم في تنظيم غرر الحكم ص600.
انسداد باب المعصية أمام المرء هو نعمة من نعم الله عز وجل لو انفتح ربما اشتهى العبد واندفع. ولكن الله عز وجل أغلق عنه هذا الباب، إن أغلق عنه هذا الباب تكويناً فقد كفاه.
16 – هداية العلم في تنظيم غرر الحكم ص598.
17 – تفسير نور الثقلين ج4 ص213 ط4.
وليتذكر أحدنا إذا كان ابن العشرين أنه قبل عشرين سنة وتسعة أشهر لم يكن شيئا مذكورا.
18 – سورة التوحيد.
19- 7، 8/ الزلزلة.
20 – إمّا هذا وإما ذاك. ليس من نعيم تلقاه إلا وكان عملا صالحا كنت قد قدمته لنفسك إلا ماضاعفه الله لك من مثوبة. ولا يلقى احد عذابا يوم القيامة إلا وقد كان صنعه لنفسه من خلال عمله.
21 – تطلب الشعوب الحرية والانعتاق، العزة والكرامة، وأن تسود، لا أن تسودها الحكومات المفروضة بالإكراه والقوة.
22- هتاف جموع المصلين (هيهات منا الذلة).
23- أن تُلاحَق، أن تُجرّم كلمة مطالبة بالإصلاح.
هتاف جموع المصلين (لن نركع إلا لله).
24 – هتاف جموع المصلين (الله أكبر) (النصر للإسلام).
25 – كيف تحاربون من أجل الديموقراطية في بلدان من بلدان الربيع العربي وتقهرون صوت الحرية في هذا البلد؟!
26- هتاف جموع المصلين (لن نركع إلا لله).
27- إن تكن قويّاً فالله أقوى منك. ولا يمكن أن يقدم مؤمن رضا مخلوق على رضا الخالق.
28- هتاف جموع المصلين (فليسمع رأس الدولة، هيهات منا الذلة).
29 – وهو شمال الدراز.
30 – مع هذه الهجرة، وكانت واسعة.
31 – ولا قيمة لنسب من دون عمل صالح.
32 – مثل الكلام الذي نُشر فضيحة من فضائح الإعلام الرسمي، وصورة من صور الظلم البشع للمواطن.
33 – هتاف جموع المصلين (هيهات منا الذلة).
34 – هتاف جموع المصلين (نصر من الله وفتح قريب).
35 – 90/ النحل.