المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (502) 12 جمادى الثاني 1433هـ ـ 4 مايو 2012م

خطبة الجمعة (502) 12 جمادى الثاني 1433هـ ـ 4 مايو 2012م

مواضيع الخطبة:

الخطبة الأولى: ذكر الله

الخطبة الثانية: بقاء العلة بقاء المعلول (ماذا أطلق الحراك السياسي الجماهيري الواسع في البحرين ؟) 

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي يسجد الكون كلُّه لعظمته، وتُسبِّح كلُّ مخلوقاته بحمده، وينطق كلُّ موجود بآيات قدرته وعلمه وحكمته، ولا ممكن إلاَّ وهو تحت أمره وإرادته، ولا كمال بلا تناهٍ إلاّ وهو له، ولا نَقْصَ إلاّ وهو مسلوبٌ عنه. مُحيط بكلِّ شيء، ولا يحيط به شيء، ولا عِلْم لأحد إلاَّ من عنده، ولا بقاء لشيء إلا من فيضه.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وزادهم تحية وبركة وسلاماً.
أوصيكم عباد الله ونفسي الغافلة بالتزام تقوى الله الذي لا مفرَّ منه إلاّ إليه، ولا يجد مخلوق خيرَه إلاَّ من عنده، ولا يُستدفع الشرّ إلاَّ به، وهو الذي لا يتقاضى على نِعَمِه ثمناً، ولا يحتاج بغناه إلى جزاء.
والتقوى زادٌ تَطِيب به القلوب، ونور تهتدي به النفس، وعصمة تستمسك بها عن الضّلال، وسبب قوة يحميها من الانهيار. وبالتقوى صلاحُ حياة النّاس وأمنها، وبها فلاح الآخرة، والفوز بالسعادة.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اعمر قلوبنا بعمارة الإيمان، وارزقنا درجة اليقين من معرفتك، والثبات الحقَّ على دينك، والإخلاص في طاعتك وعبادتك، والوفاء بأماناتك، والرضا بقضائك وقدرك، وارعنا برعايتك، واحفظنا بحفظك، وانتهِ بنا إلى رضاك وكرامتك يا رحمان، يا رحيم، يا كريم.
أما بعد أيها الأعزاء من المؤمنين والمؤمنات فالموضوع:

ذكر الله:

تتكوّن شخصيتنا الإنسانية نوعاً، ومستوى في إطار من تصوراتنا وتصديقاتنا ومفاهيمنا ورؤانا، ولا يمكن أن تُولد شخصية إنسانية عظيمة من أرضية أفكار ساقطة ووضيعة، ولا مجال لأن تعظم شخصية ومثلها الأعلى يعاني من وضاعة.
وإذا كانت الأفكار الحاضرة في النفس، المستوعبةُ لها أفكاراً ساقطة فلا سبيل لها للسموّ.
شخصيتنا لا يمكن أن تتكوَّن خارج دائرة الفكر الذي يملأ النفس، وعلى انفصال من تأثير المَثَل الأعلى الذي تتبناه، وتنشدُّ إليه.
شخصيتك من مثلك الأعلى الذي تُؤمن به، وتتحرّك بذاتك في اتجاهه، وتطلب رضاه.
إذا كان المثل الأعلى لإنسان سيّئاً جاء هو سيئاً لا محالة.
ومن كان مثله الأعلى عالياً حقّاً كان له اقتباس من شعاعه، واقتراب من عُلاه، وانبنت ذاته انبناء قوّة وهدى وصلاح.
ولا مثل أعلى كالله عزّ وجلّ، والجلال بلا حد، والجمال بلا نهاية، والكمال بلا غاية إنما هُوَ لَهُ لا لأحد سواه.
وذِكْر العارفين له ذكر للجلال والجمال والكمال بلا نهايات ولا حدود. ذِكْر للحياة والعلم والقدرة بلا تناهٍ ولا قيود. وذِكْر للخالقية والرازقية وعظمة التدبير، ودقة الإتقان، وفعل العدل والحكمة واللطف والرحمة والإحسان.
ذِكْرٌ وعشق يجعل غاية الذاكر نيلَ أكبر ما يتَّسع له وجوده من كمال، يُورثه الرضا والطمأنينة، يُكسبه القوّة، يُقوّم سلوكه، ينقذه من الانهزام، من هموم دنياه، ومن ضيق الأفق، من التجمّد في إطار المكان والزمان، من الرّعب، من اللامبالاة والعبثيّة، من الكسل والتراخي، والاستسلام للفراغ، ويُجنّب من السقوط والمنزلقات، يُرشّد كلَّ الخيارات في الحياة.
لذكر الله سبحانه وتعالى تنتهي قيمة العلم كلّه، وقيمة العبادة كلِّها، وهو سرّ الاستقامة والصلاح، والسعادة الحقيقية والانشراح. {… وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ…}(1).
والعبادة التي لا تَغنى بشيء من ذكر الله فاقدة للقيمة، ولا تستحق عنوان العبادة، وقيمة أيّ عبادة بما تغنى به من ذكر الله، والخضوع لعظمته.
عن رسول الله صلّى الله عليه وآله:”ليس عملٌ أحبَّ إلى الله تعالى، ولا أنجى لعبد من كل سيئة في الدنيا والآخرة من ذكر الله. قيل: ولا القتال في سبيل الله؟ قال: لولا ذكر الله لم يؤمر بالقتال”(2).
القتال في الإسلام لذكر الله، لتعظيمه، لطاعته، لعبادته فذلك الذي يُخرج النّاس من الظلمات إلى النور، ويرقى بحياتهم، ويضمن سعادتهم، وينقذهم من الشقاء بعبادة الطاغوت، وطاعته، والاستجابة لأهوائه ونزواته، والذّل المميت بين يديه، والانفصال عن غاية الكمال لمشتهاه.
ولصنع الإنسان المهتديّ، السّويّ، القويّ، الرَّشيد، الهانئ السعيد جاء أمر الإسلام بذكر الله كثيراً، الله الغني عن ذكر الذاكرين، وشكر الشاكرين، ومع كل ذكر لنا لله سبحانه، ومع كلّ ثناء عليه لابد من تسبيحه وتقديسه( ) إذ لا ينال حمدَه حمدُنا، ولا يصل ثناءَه ثناؤنا، ونحن أهلُ النقص وهو حقُّ الكمال، والكامل المطلق الذي لا تجوز على كماله الحدود، ومنّه لا يعدله منّ، وإحسانه فوق كلّ إحسان، وجمال فعله لا تحيط به العقول.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً}(4).
وليس للذكر وقت يخصّه، وإنما هو عبادة ينبغي أن تعمر بها كل الأوقات، والعبد في كل أوقاته يحتاج إلى عاصم من الزيغ والضلال الذي يجد مساربه للنفس من داخل الذات وخارجها. وفي ذكر الله عز وجل عصمةٌ مما يتهدّد النفس من هوى، وزيغ، وانحراف، وضلال.
ذكر الله يردع النفس عن جهلها، ويسمو بها عن الإصغاء لهواها، وينير لها الطريق، ويورثها الهدى، ويمدُّها بالبصيرة، ويعطيها الغلبة على محاولات الشيطان، وأهل الضّلال، وبذلك يأمن العبد من الانزلاق.
عن الصادق عليه السلام:”أكثروا ذكر الله ما استطعتم في كلّ ساعة من ساعات الليل والنهار، فإنّ الله أمر بكثرة الذكر له”(5).
وليس لكثرة الذكر في حدّها الأعلى تقدير، ويُفهم من بعض النصوص أن حدّها الأدنى له تقدير.
فعن الصادق عليه السلام:”إذا ذكر العبد ربَّه في اليوم مائة مرّةٍ كان ذلك كثيراً”(6).
وعنه عليه السلام:”تسبيح فاطمة الزهراء عليها السلام من الذكر الكثير الذي قال الله عزّ وجلّ {اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً}”(7).
تفسير نور الثقلين: بإسناده إلى عبدالله بن بكير قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن قول الله تبارك وتعالى:{اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً} قال: قلت: ما أدنى الذكر الكثير؟ قال: فقال: التسبيح في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة”(8).
وما عليه المعوَّل في معالجة النفس، وتخليصها من الضعف، ووقايتها من الزّيغ، والارتفاع بها إلى أفق رفيع إنما هو ذكر القلب، وتعظيمه لخالقه، وانشداده لجماله وكماله.

من بركات الذكر:

لذكر العبد ربَّه منافع جمّة للعبد وبركات منها:
1. فيه حياة الروح ولذّتها فعن الإمام علي عليه السلام:” اَلذِّكْرُ لَذَّةُ المُحِبِّينَ”(9)، وعنه عليه السلام:” اَلذِّكْرُ مُجالَسَةُ المَحْبُوبِ”(10). المحبوب للأرواح اليقظة العشّاقة لجمال الحياة، والقدرة، والعلم، والعدل، واللطف، والرحمة، والحكمة، والإحسان، وجميع الأسماء الحسنى. والله الذي لا جمال كجماله، ولا كمال ككماله، ولا شيء من جمال ولا كمال إلاّ من عطائه.
وما أحلى الجلوس للحبيب، والإقبال عليه، وما أعظم اللذّة بذكره، والتعلّق به(11).
2. الذكر شرف للذاكرين. عن الإمام زين العابدين عليه السلام:”يا مَنْ ذِكْرُهُ شَرَفٌ لِلذّاكِرينَ….”(12).
3. ذكر للعبد في السماء. عن رسول الله صلّى الله عليه وآله:”عليك بتلاوة القرآن وذكر الله كثيراً فإنه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض”(13).
نور يقيك من التخبّط والعثرة والتيه والضياع.
4. فيه أمن العقاب والخذلان. عن الإمام علي عليه السلام:”احترسوا من الله عز ذكره بكثرة الذكر”(14).
5. يورث المنزلة الرفيعة. عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وقد سئل: أحبّ أن أكون أخص الناس إلى الله تعالى؟ قال: أكثر ذكر الله تكن أخصّ العباد إلى الله تعالى”(15).
6. طيب الذكر. عن الإمام علي عليه السلام:” مَنِ اشْتَغَلَ بِذِكْرِ اللّهِ طَـيَّبَ اللّهُ ذِكْرَهُ”(16).
7. الوقاية من ميتات بشعة. عن الصادق عليه السلام:”يموت المؤمن بكل ميتة: يموت غرقاً، ويموت بالهدم، ويبتلي بالسَّبُع، ويموت بالصاعقة، ولا يصيب ذاكر الله”(17).
8. ذارك الله يذكره الله. {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ}(18).
عن رسول الله صلّى الله عليه وآله:”قال الله تعالى: لا يذكرني عبد في نفسه إلاّ ذكرته في ملأ من ملائكتي، ولا يذكرني في ملأ إلا ذكرته في الرفيق الأعلى”(19).
9. وما أكثر الأحاديث المعصومية في جليل عوائد الذكر على من أخلص ذكره لله تبارك وتعالى.
فمما عن الإمام علي عليه السلام بهذا الشأن:
“مَنْ َعَمَرَ قَلْبَهُ بِدَوامِ الذِّكْرِ حَسُنَتْ أفْعالُهُ فِي السِّـرِّ وَالجَهْرِ”(20).
“مُداوَمَةُ الذِّكْرِ قُوتُ الأرْواحِ، وَ مِفْتاحُ الصَّلاحِ”(21).
“اذكروا الله ذكراً خالصاً تحيوا به أفضل الحياة، وتسلكوا به طرق النجاة”(22).
“مَنْ ذَكَرَاللّهَ سُبْحانَهُ أحْييَ اللّهُ قَلْبَهُ وَنَوَّرَ عَقْلَهُ وَ لُبَّهُ”(23).
وعن الرسول صلّى الله عليه وآله:
“إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله خنس(24)، وإذا نسي التقم(25)، فذلك الوسواس الخناس”(26).
الخطم: مقدّم الفم. وخَنَس: انقبض، ابتئس.
وعنه صلّى الله عليه وآله:”من أكثر من ذكر الله فقد برئ من النفاق”(27).
ومن طلب طمأنينة القلب ومسَّرته ورضاه وهداه فليطلب كلّ ذلك في ذكر الله {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}(28).
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اجعلنا ممن وفَّقتهم لطاعتك، وجنّبتهم معصيتك، واخترتهم لذكرك وشكرك، ومنحتهم جِنانك، وشرّفتهم برضوانك، وفازوا بالكرامة من لدنك يا حنّان، يا منّان، يا جواد، يا كريم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}(29).

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي أكرمنا بمعرفته، وأدخلنا في طاعته، وهدانا لعبادته، وشرّفنا بذكره وشكره، وسلك بنا سبيل رضوانه، ودفع عنّا النقم، وضاعف علينا النعم، وجعلنا من أهل محبّته ومودّته، وأتباع رسله وأئمة دينه وأوليائه. الحمد لله الذي يجيب السائلين، ولا يخيّب رجاء الرَّاجين. ولا يفعل إلا ما هو الحق، والعدل وإلاّ ما هو إحسان وحكمة وجميل.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
أوصيكم عباد الله ونفسي القاصرة بتقوى الله، واغتنام فرصة العمر التي لا تدوم، وما اغتنم الفرصة من ألْهَتْهُ دنياه عن آخرته، وتابع هواه، ونسي ذكر ربّه، وكان دليله الشَّيطان. وما أضرّ أحدٌ بنفسه مثل ما أضرَّ بنفسه من ركب هذا الطريق، وما ظلم ظالم نفسه بمثل ما ظلمها.
وقد أذهب حياته هدراً من أمضى أيَّامه في فراغ، وفرّط في أكبر رصيد مُنِح له، وما ترك لنفسه إلاّ أن يلقى الحسرة يوم القيامة.
إنَّه لا اغتنام لفرصة العمر، ولا ربح بالحقّ، ولا نجاةَ غداً، ولا عاقبة يُغبط عليها إلا لمن اهتدى الطريق إلى الله، وعَرَفَ حقّه، وأمضى العمر في طاعته، والوصول إلى عفوه ومغفرته ورضوانه. فليطمع الطّامعون في النّجاة والفوز في طاعة الله والجهاد في سبيله، وليتنافس المتنافسون في طلب رحمته وإكرامه.
اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اجعلنا جادّين في طلب النجاة عندك، ونيل مغفرتك، والتأهُّل لرضوانك، وارزقنا عزم الطاعة لك وتوفيقها، وخذ بيدنا إلى سبيلك، واكفنا زيغ القلب، وزلَّة القدم، وأحسن عاقبتنا وامنحنا سعادة الدَّارين يا كريم، يا رحمان، يا رحيم.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبدالله خاتم النبيين والمرسلين الصادق الأمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصّدّيقة الطّاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأنوارك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس ياربّ العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصراً عزيزاً مبيناً ثابتاً دائماً مقيماً.
أما بعد أيها الأحبة في الله فعنوان الحديث::

بقاء العلّة بقاء المعلول:

ماذا أطلق الحراك السياسيَّ الجماهيري الواسع في البحرين؟

أطلقه ظلمُ السّلطة للشّعب، الإمعان في الاستخفاف بحقوقه، قهر إرادته، الإعراض عن كلّ دعوات الحوار الجادّ المنطلقة من شخصيات وجمعيات سياسيّة مخلصة من أبنائه، التآمر على وحدته عبر آليات تدميرية تضمّن منها ما تضمّن تقرير البندر، نهب أراضيه، والتضييق على لقمة عيشه، مصادرة حقّه السياسي في صوغ دستور حكمه، وانتخاب مجلسه النيابي انتخاباً حرّاً عادلاً قائماً على قاعدة (صوتٌ واحد لكل مواطن)، إسقاط قيمة التجربة النيابية بمجلس شورى معيَّن، ونواب بحكم المعينين، محاكم موقفها ثابت من تجريم أبناء الشعب وتبرئة أصحاب الجرائم والمعذِّبين والقتلة من منتسبي أجهزة الدولة، إعلام رسمي تحريضي يهزأ بأبناء الشعب، ويكيل لهم الاتهامات جزافاً، ويبثّ الفتنة، ويُعمّق ظاهرتها، فساد اقتصادي، واجتماعي، وإداري، وأخلاقي، وعبث بقيم الدين.
أطلق هذا الحراكَ السياسي عذاباتُ الشعب، معاناة الشعب، دين الشعب، ضمير الشعب، ونفاذ صبر الشعب، احترام الشعب لذاته، إحساسه بتحدّي إنسانيته، شعوره بامتهان كرامته، خوفه على مصيره، غَيْرَته على وطنه.
كلُّ أسباب هذا الحراك كانت جاهزةً محليّاً لا تحتاج إلى استيراد، ولا إضافة، وكان الرفض مرافقاًَ لولادة الدستور الذي لا رأي للشعب فيه بل كان الرفض سابقاً على ولادته لما عُرِف منها بأنها تمثّل مصادرة لإرادة الشعب.
وأَمَلُ الدستور العادل، وأخذه بالإرادة الشعبية، وعودة الحياة النيابية في صورة أكبر تقدّماً، وتحقيقاً للديموقراطية، والتأكيداتُ الرسمية التي كانت تَعِدُ بذلك، ولغةُ الميثاق المغرية هي التي كانت قد شكَّلت أرضية المصالحة الوطنية بعد انتفاضة التسعينات. فعندما تبخّر كل ذلك كان لابد أن تعود الانتفاضة بصورة أقوى، ويأخذ الحراك درجة أوسع وأقوى، وأكثر امتداداً.
ومضى على الحراك اليومَ أكثرُ من سنة وشهرين، وكل الأسباب التي وُلِد في أحضانها وألهبت شرارتَه لم يتغير منها شيء، وما انضاف إليها من انتهاكات جديدة بشعة في العام المنصرم لا زال ينصبّ على رؤوس الشعب ليُحوّل حياته إلى جحيم.
لم يتصحَّح شيء على الأرض في أيّ من الوضع السياسيّ، والوضع الحقوقيّ برغم كل ما قيل وما يُقال على لسان الإعلام والدعاية الفارغة.
وإذا بقيت العلة بقي المعلول. إنه ما دامت الأسباب التي انطلق منها الحراك باقية فالحراك باق. قيام لا قعود بعده، ونهضة لا يعتريها فتور، وحراك لا يعرف التراجع حتى تتحقق مطالب الشعب العادلة. هذا ما يقوله بقاء الظلم للشعب، وسلب الحقوق، ومصادرة الحريات، وتهميش الإرادة الشعبية بل سحقها، والانتهاكات المتعدِّدة، وتغييب الشرفاء من كل المواطنين في السّجون، واستمرار المحاكمات الجائرة في أساسها، وقتل الأبرياء، وإغراق المناطق السكنية بالغازات السَّامة القاتلة، وإذلال العُمَّال والموظفين، والطلاب والمربين، وبقاء الدستور المرفوض على ما كان، وقبر المسألة السياسية برمّتها والتي لا حلّ إلاّ من خلال حلّها.
وهذا ما يقوله إباءُ الشعب، وإيمانه بضرورة الإصلاح والتغيير، وما تدعو إليه الضرورة، وتُنادي به مصلحة الوطن، وما تقف وراءه الإرادة الحديدية للشعب، وإصراره وصموده، وصبره، واستماتته في الدفاع عن موقعه وحريته وحقوقه، وما يتمتع به من روح تضحوية تُصِرُّ على الحقّ، ولا تعرف العدوان، وتستهدف الإصلاح، ولا تُريد في الأرض الفساد.
عُنْفُ السلطة المتزايدُ، وإعلامُها المفضوح، والمشاريع الشّكلية، ومنها التعديلات الدستورية السّاخرة بإرادة الشّعب كلُّ ذلك لا يُقدِّم حلاًّ، ولا يوقف الحراك الشعبي السلمي، ولا يصرف عن المطالب. الحلُّ الوحيد هو تحقيق مطالب الشّعب، وكلُّ محاولات اللفّ والدوران، وكلُّ أساليب العنف والشّدّة والقسوة التي تُمارسها السلطة لا تُجدي شيئاً(30).
اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم إنا نعوذ بك من أن نخرج من حقٍّ أو ندخل في باطل، وأن نفارق طاعة من طاعتك، أو ندنو من معصية من معاصيك، أو ننتقل من صفوف أوليائك إلى صفوف أعدائك، ومن طريق جنتك إلى طريق النّار.
اللهم انصرنا بنصرك، وأعزّنا بعزّك، واحمنا بحماك.
اللهم ارحم شهداءنا، وفك أسرانا، وسجناءنا، واشفِ جرحانا ومرضانا، ورد غرباءنا سالمين غانمين، وافعل ذلك بشهداء جميع أهل الإيمان والإسلام وأسراهم، وجرحاهم، ومرضاهم، وغربائهم يا كريم، يا رحمن، يا رحيم.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (31).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – 45/ العنكبوت.
2 – كنز العمال ج2 ص243.
3 – أنت تحمد الله وعليك في الوقت الذي تحمد فيه ربك أن تسبّحه. حمدك لن يصل من الحمد المستحق لله إلى شي يُذكر. دائما نحن في حمدنا مقصّرون، فعلينا أن نسبّح الله عما يدخل في تصورنا من حد لحمد الله.
4 – 41، 42/ الأحزاب.
وتجد في القرآن موارد حمد الله يصاحبها دائما الأمر بتسبيحه كما يقول صاحب تفسير الميزان، إلا في مورد ذكر المخلَصين له.
5- الكافي ج8 ص7 ط4.
وأنتم تعلمون أن الله ليس محتاجا لذكر الذاكرين.
6 – بحار الأنوار ج90 ص160 ط2 المصححة.
7 – الكافي ج2 ص500 ط4.
8 – تفسير نور الثقلين ج4 ص287 ط4.
9 – هداية العلم في تنظيم غرر الحكم ص237.
10- المصدر السابق.
11 – صحيح أن هناك أرواحا ميّتة، لا تشعر بلذة ولا ألم بعد أن فقدت قدرتها على الإحساس.
12 – الصحيفة السجادية، من دعائه عليه السلام بخواتم الخير.
13 – معاني الأخبار للشيخ الصدوق ص335.
14 – بحار الأنوار ج74 ص369 ط3 المصححة.
الاحتراس من الله احتراس مما يغضبه من سوء، من قبيح. واحتراسنا من الله من جهة أخرى احتراس من عدله، احتراس من قوته، احتراس من علمه، احتراس من قدرته، وهو الله الذي لا يرضى بالقبيح. من اجتنب القبيح أمن الله، ومن قارف القبيح فعليه أن يخاف الله.
15- كنز العمال ج16 ص128.
16 – هداية العلم في تنظيم غرر الحكم ص239.
يطيب ذكرك هنا، ويطيب ذكرك في الآخرة. يطيب ذكرك في الدنيا عند المؤمنين، ويطيب ذكرك في الملأ الأعلى.
17 – بحار الأنوار ج90 ص162 ط2 المصححة.
يعني هذه أمور من الميتات البشعة لا تصيب ذاكر الله وإن أصابت المؤمنون الآخرون.
18 – 152/ البقرة.
19- كنز العمال ج1 ص420.
20 – هداية العلم في تنظيم غرر الحكم ص239.
21 – المصدر السابق.
22- بحار الأنوار ج75 ص39 ط2 المصححة.
23- هداية العلم في تنظيم غرر الحكم ص239.
فالذكر نور العقول، وحياة النفوس، وجلاء الصدور.
24 – الذي يخنس الشيطان.
25- أي الشيطان.
26 – تفسير نور الثقلين ج5 ص725 ط4.
27 – كنز العمال ج1 ص446.
28 – 28/ الرعد.
لن يفزعك شيء، لن تضطرب، لن تهلع لهذه الدنيا، لو ألمّ بأحدنا ما ألمّ به من كوارث وكان ذاكرا لله ذكرا حقا خالصا لعالج ذكر الله في نفسه كل مصيبة ومشكلة.
29 – سورة التوحيد.
30- هتاف جموع المصلين (هيهات منا الذلة).
31- 90/النحل.