المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (501) 5 جمادى الثاني 1433هـ ـ 27 أبريل 2012م

خطبة الجمعة (501) 5 جمادى الثاني 1433هـ ـ 27 أبريل 2012م

مواضيع الخطبة:

 

الخطبة الأولى: الإنسان مختار مسؤول

الخطبة الثانية: ماذا بعد السباق؟ 

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي فَطَرَ النفوس على الدّين، وزوّد العقولَ بهدى البراهين، وفتح للقلوب طريق اليقين، ودلّ عباده على مسالك الآمنين، وأرسل رسله بالمنهاج القويم، ودعا إلى الصّراط المستقيم، وأجزل ثواب المطيعين، ولم يُعاجلْ بالعقوبة العاصين، وأَكْرَمَ التائبين.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
أوصيكم عباد الله ونفسي القاصرة بتقوى الله الذي وصلتنا أوامره وزواجره، وحاشا لأوامر الله ونواهيه أن تكون عن هزل أو جزاف، أو حاجة تتصل به وهو الغنيّ المطلق المتقدّس عن كلّ الحاجات.
ما من أمر من أوامره إلا لمصلحة العباد، وما من نهي من نواهيه إلا لدرأ مفسدة عنهم، وتجنيبهم لمزلقة ومهلكة. لا يصدر عنه إلاّ الحقُّ، وكلُّ فعله حكمة، ولا يليق بجلاله هزل ولا جزاف.
اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم أعذنا من أن يستهوينا الشيطان، ويصرف قلوبنا عن ذكرك، ويصير بها إلى العمى عن معرفتك، ونسيان واجب طاعتك وعبادتك، ويحرمها أهليّة رحمتك، وينقطع بها عن التعرّض لفيضك، وشامل كرمك. ربَّنا الطف بنا يا أكرم الأكرمين، ويا أرحم الرَّاحمين.
أما بعد أيها الإخوة والأخوات في الله فالموضوع بعنوان:

الإنسان مختار مسؤول:

ما أوجد الله الإنسان مجبوراً على هدى أو ضلال، وما سلَّط عليه شيئاً من داخله أو خارجه يقهره قهراً على خير أو شر.
أوجده عاقلاً مختاراً {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}(1)،{وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}(2)، {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}(3)..
وفي كلّ من داخل الإنسان وخارجه متقابلات لا يفقد معها حالة الاختيار. في داخله دوافع مادة وشهوات، وفيه فطرة دين تتجه به إلى السموّ والرفعة والكمال، وعقل يُعينه على ذلك، ويضعه على طريقه {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ…}(4) فيه نفسٌ لوّامة، ونفس أمّارة بالسوء.
فيه قلب له أذنان أذنٌ عليها ملك، وأذن عليها شيطان “ما من قلب إلاّ وله أذنان: على إحداهما ملك مرشد، وعلى الأخرى شيطان مُفْتنٍ، هذا يأمره، وهذا يزجره: الشيطان يأمره بالمعاصي، والملك يزجره عنها. وهو قول الله عزّ وجلّ {… عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ، مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}( 5″(6) عن الصادق عليه السلام.
وتأتي الإنسان من خارجه دعوتان: دعوة إيمان، ودعوة كفر، دعوة استقامة، ودعوة انحراف، نداءان: نداء من نداء الرّحمان، ونداء من نداء الشيطان، ويعرض عليه ظاهرُ الحياة ما فيه عِظةٌ وعبرة، وما فيه فتنة وضلال، ما يُذكّره بربّه، ونفسه، وآخرته، ومصيره، وما ينسيه كل ذلك، ويشغله بتفاهات من تفاهات دنياه، وما يصرفه عن غايته.
وقد تشتدُّ ضغوط الخارج، وتسوء تربية الإنسان، وقد يحصل إكراهٌ يمارس على بدنه، ويتهدّد راحته وأمنه وحياته إلاّ أن ذلك كلّه لا يُفقِده إرادته، ولا يخرج به عن حدِّ الاختيار.
والإكراه الذي يضطر المستهدَف له لاستجابة خارجية مرخّص بها أو غير مرخص شرعاً لا يتملّكُ القلب، ولا يجبرُه على عقيدة معيّنة، ولا يسلبه ما يؤمن به(7).
وكثيراً ما يعتذر الإنسان في تقصيره بغواية الشيطان، ودوره في الإضلال إلاّ أنّه ليس في ذلك عذر للإنسان، فدور الشيطان موازَن بدور الملك الذي على خلافه، وكل مؤشر للشرّ، داعٍ إليه في حياة العبد يقابله ما يؤشّر للخير ويدعو إليه.
أخذ الشيطان على نفسه أن يُزيّن للإنسان القبيح، ويعظّم الدّنيا، ويجيدَ عرض فتنتها عليه، ويلهيه عن خيره {.. بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ..}(8) وقد أُقْدِر على هذا الدور. وهذا كلُّ ما يملكه، ولا يملك أن يقود الإنسان مُرغماً مسلوب الإرادة إلى ما يريد.
دور الشيطان لا يُعطّل إرادة الإنسان {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ…}(9).
وهذا ما يحتجُّ به الشيطان على أوليائه يوم القيامة وهو يتبرأ من شركهم {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ…}(10).
وقد مرّ بنا أن أمر الشيطان للإنسان بالمعصية يقابله زجر الملك عنها، فلا تفرّد لصوت الشيطان بالإنسان وندائه له بالقبيح، فالنفس التي تسمع هذا الصوت يصلها صوت الملك الزاجر عن الوقوع في القبيح إلاّ أن تسدّ النفس مسمعها عنه في اختيار.
وإذا ضعفت مسامعها عن سماعه بعد طول إعراض كان ذلك من تفريطها الذي تتحمل مسؤوليته.
وصوت أعوان الشيطان في الأرض، وسعي جنوده في الغواية لا يلُغي إرادة الإنسان ومسؤوليته القائمة عليها، ولذلك لا يصلح عذراً يستمسك به من سقط في حبائل مكرهم يوم القيامة، يوم يتبرأ التابع من المتبوع من أهل الضلال، والمتبوع من التابع.
{… وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ، وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(11).
يعتذِر المتّخذون أنداداً لله من المستكبرين في الدنيا يوم القيامة بمكر المستكبرين بهم ليلاً ونهاراً وتخطيطهم لإضلالهم، وأمرهم لهم بطاعتهم مما فيه معصية الله. وكلُّ هذا يُدين المستكبرين، ولكنّه لا يُعذّر المستضعفين، ولا ينجيهم عند الله، فيحقّ العذاب على من أضلّ ومن ضلّ، على من أغوى ومن غوى، على من أمر، ومن ائتمر، والمصحِّح لذلك بقاء الإرادة والاختيار.
والنّاس يلمسون الآثار المدمِّرة لحياتهم لقضية الاستكبار، وينسون أنَّ كل المتاعب والإرباكات والكوارث السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة والأمنيّة والنفسيّة وغيرها التي تنتجها هذه الآفة(12) في الدّنيا لا تُساوي شيئاً مما تُعقبه لمن دخل في طاعة المستكبرين، واستجاب لصدّهم عن طاعة الله مما ينكشف له يوم القيامة من هول وسقوط في العذاب.
فإذا كانت مقاومة الاستكبار في الأرض مكلفة للشعوب والأمم في هذه الحياة فإن الاستجابة للمستكبرين، والاستسلام لإضلالهم ورغبتهم في اتخاذ الناس لهم آلهة من دون الله يُطاعون على خلاف طاعته، ويُستجاب لهم على خلاف أمره ونهيه أشدَّ فتكاً بهم في الدّنيا، وأعظم سوءاً بخسارة الآخرة، والوقوع في أليم عذابها المقيم.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اجعلنا لا نُشرك بك شيئاً، ولا نتخذُ من دونك إلاهاً، ولا نبتغي عن دينك حولا، ولا نسمع على خلاف أمرك ونهيك نهياً ولا أمراً. واجعلنا في أمن من مكر الماكرين، واكفنا شرَّ الظالمين يا قويّ، يا عزيز، يا رحمان، يا رحيم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}(13).

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي أشرقت بنوره السماوات والأرض، واستعلنت الأشياء بقدرته، وظهرت من كتم عدمها برحمته، ولا قيام لشيء منها إلاّ بإرادته، ولا مخرج لها من سلطانه، ولا رافد لها غير جوده، ولا تعلُّق لها بغير مدده.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وزادهم تحية وبركة وسلاما.
عباد الله علينا بتقوى الله الذي لا تقوم لقدرته قدرة، ولا يُشبه عدله عدل، ولا يعزب عن علمه شيء، ولا يُستغنى عن جوده، ولا مفرّ لأحد من ملكه، إذ لا ملك إلاّ ملكه، ولا سلطان إلاّ سلطانه، ولا أمان إلاّ أمانُه، ولا أرض ولا سماءَ غيرُ أرضه وسمائه.
اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
أعذنا ربّنا من التعويل على من سواك، والاعتماد على غيرك، والاطمئنان إلى من عداك من أهل القوَّة والسّلطان والغنى؛ إذ لا خير لأحد إلاّ من عندك، وكلُّ الأمر بيدك، فلا تعويل إلا عليك، ولا ثقة إلاَّ بك، ولا اطمئنان إلاَّ لرضاك . بك احتمينا، وعليك توكّلنا، وإليك ننيب.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبدالله خاتم النبيين والمرسلين الصادق الأمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأنوارك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس ياربّ العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصراً عزيزاً مبيناً ثابتاً قائماً.
أما بعد أيها الإخوة والأخوات المؤمنون والمؤمنات فإلى هذا الموضوع:

ماذا بعد السباق؟

مرَّ سباق السيارات الذي استضافته الدولة، وقد أُمِّن برعب الشعب لما قدْ رأته السلطة من أنَّ تأمينه، أو كما هو الصحيح لما توهمته من أن التستر على فضائح الوضع لا يتم إلا به، وبسجن خيرة من شبابه، وبشهادة ابن بارٍّ من أبنائه في صورة تنطق بوحشية القتلة، وفقدهم كلَّ حسٍّ ديني أو إنساني، وحقدهم الأسود على أبناء هذا الشعب، وتدهور حادٍّ في الحالة الأخلاقية المتردّية التي يُعانون منها.
أُمِّن بمزيد من الانتهاكات لحقوق الشعب وحريته، وكرامته، وأمنه وراحته.
وماذا خلّف؟
هل حسّن صورة السلطة في الإعلام الخارجي؟ لا. بل كشف عن قبح أكبر من قبائح الظلم، وانفصال السلطة عن شعبها.
هل أقنع أحداً في الداخل بالاستقرار؟ كيف وقد تحوّلت ساحة الوطن إلى ساحة معركة من قبل السلطة، وانتشرت الدّبابات، والمصفّحات، ونقاطُ التفتيش، وعُطِّلت الدراسة في بعض النقاط الحسّاسة، واستمر أزيز الطائرات، وحصلت حالة استنفار للقوّة؟!
هل انتهت الأزمات؟ لا، بل تصاعدت الأزمة الأمنية، وعدنا إلى أيام ما يُسمّى بالسلامة الوطنية على مستوى نقاط التفتيش والمداهمات الجماعية وتطويق المناطق، وانتشار حالة الرعب العام، والاعتقالات الجماعية.
هل احتضن الشعب السلطة؟ واقع الفعل الحكومي يُوسّع من الفاصلة، ويزيد في عمق الهُوّة.
هل اشتُري رضا الشعب؟ زادت تصرفات السلطة في غضبه.
هل أمّنت السلطة الاستقرار والثبات؟ العنف لا يعطي ذلك:
العنف لا يخلق استقراراً، ونتيجته أنّه من أين أتى لا يخلق إلاّ العنف.
وكلّ مناداتنا بالسلميَّة، وتأكيدنا عليها عن صدق وإيمان يُخاف أن يفشلها عنف السلطة. وهو يستهدف فيما يستهدف ذلك.
وهو عنف لا مبرّر له في دين ولا قانون، ولا عرف متحضّر.
أأبسط من حقّ الشكوى من الظلم، والمطالبةِ بالحريّة المسلوبة، واسترداد الحق؟!
وماذا تعني المسيرات والاعتصامات السلمية غير هذا؟
وهل أبشع ظلماً من اعتبار الشكوى من الظلم جريمة؟! من مواجهة الضاجّين من الظلم بالقتل والتعذيب؟! من اختطافهم من ساعات النوم في ظلمة الليل للزنزانات وأقبية السجون؟!
ما أجمع الدول الكبرى اليوم على الظلم، وما أشد استخفافها بكرامة الإنسان، وتجاوزها لموازين الحق والعدل!!
كيف يُسكت عن عذاب شعب مسالم، بل يُساعد عليه؟! شعب كلّ جريمته شكواه في مسيرة أو اعتصام سلميّ من ظلم لا يترك له حقّاً إلا انتهكه، ولا قيمة إلاّ سحقها، ولا وزناً إلا استخفّ به، ولا كرامة إلاّ هدرها(14).
أيُّ حقٍّ من حقوق الدّين والإنسانية والمواطنة يتوقع العالم أن تحترمه سلطة تعاقب على الشكوى من الظلم؟!
لغة السلطة هنا أن الشرعيَّة، وتأكيد الشرعيَّة، واستمرار الشرعيّة وتثبيتها إنما هو في فاعلية السيف، في القتل، في الفتك، في السجن، في التعذيب، في التنكيل لا في أمر آخر.
وهي تشعر بأنَّ العالم في دوله المادية الاستكبارية اليوم كلّه معها في هذه اللغة برغم شعارات الديموقراطية والحريّة والحقّ الإنساني التي تُسوَّق للخداع والتغرير، والتوصّل للهيمنة على الشعوب والثروة.
هناك لغة قديمة، قد حصل التسويق لها حتى على المستوى الديني، وهي لغة العالم المادي اليوم بدوله الكبيرة والصغيرة. فصيح هذه اللغة أن السيف الذي يسفك الدماء حتى يسيل أنهاراً، ثم يحكم يكون حكمه حكماً شرعيّاً(15).
صحيح أن هذه اللغة هي لغة الغاب، لغةُ الحيوان الأعجم لكنها أيضاً لغة الإنسان الذي يتخلّى عن دينه وإنسانيته، وقيمه.
بدأ وعيٌ يُناهض هذه اللغة في كل الدُّنيا ومعه إرادة جادّة، جهدٌ عملي، تضحياتٌ، تصميم، اندفاعة قوية تنتشر وتعمُّ كلّ المجتمعات الإنسانية في مقاومتها. والمعركة ضارية، ومكلفة، ومستمرة، ولكنَّ النصر فيها لروح التحرّر لا الاستعباد، لصوت العزّ والكرامة، لا الإذلال، للحقِّ لا الباطل، للشّعوب التي طال قهرها، لا للحكومات المتغطرسة.
هكذا منطق التاريخ…. منطق الواقع.. وعد الله، والله لا يخلف وعده.
تستطيع أيّ سلطة أن تكون جزَّاراً متوحِّشاً تقتل من تقتل من شعبها، وتُحدث في صفوفه تصفيات جسدية واسعة، ولكنّها لابد أن تعلم حينئذ أنها تضع نفسها وشعبها والوطن الذي تحكمه أمام أصعب الخيارات، وأشد الطرق خطورة، وأقسى العواقب مأساة وكارثة(16).
وذلك ما لا تفعله حكومة لها شيء من رشد.
المسار الذي تسلكه الأوضاع على يد السلطة هنا مسار جنوني لا عقل فيه. تصعيد أمني متواصل… قتل من النوع الوحشي خارج القانون… قمع جماعي بلا هوادة… إعراض تام عن الإصلاح… نشر لحياة الرُّعب والهلع في نفوس المواطنين… استعلاءٌ فوق العادة على كل نداءات العقل والحكمة والقانون… إنّه المسار الذي لا يستهدف إلا هدم المجتمع، وتدمير الوطن، وإغراقه في المأساة.
وتُوصِل السلطة مثالاً من أمثلة تصلّبها، واستخفافها بقيمة الإنسان، وبحياة المواطنين إلى كل العالم من خلال إصرارها على أن يموت عبدالهادي الخواجة متفرجة عليه وهو في قبضتها لحكم ظالم قام على خلفية التعذيب، وكلُّ موضوعه التعبير عن رأيه السياسي، وذلك رغم النداءات المكثّفة بالإفراج عنه من جهات متعددة في العالم.
هذه صورة واحدة من صور العدل والإنسانية والحرية التي يتمتع بها هذا الشعب الكريم من عطاءات السلطة.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة، تعزّ بها الإسلام وأهله، وتذل بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك، والقادة إلى سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة.
ربنا الطف بنا يا رحيم يا كريم. ربنا ارحم شهداءنا، اشف مرضانا، وجرحانا، أطلق سجناءنا وأسرانا، ردّ غرباءنا، وكذلك جميع أهل طاعتك من الشهداء والمسجونين والمرضى والجرحى برحمتك يا أرحم الراحمين.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (17).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – 3/ الإنسان.
2 – 10/ البلد.
3 – 8/ الشمس.
4 – 30/ الروم..
5 – 17، 18/ ق.
6 – الكافي ج2 ص 267 ط4.
7 – ليس من إكراه يملك عليك قلبَك، يفقدك إرادتك إنما هو الضغط الذي يحاول أن يتجه بإرادتك إلى خيار معيّن.
8 – 39/ الحجر.
9 – 100/ النحل.
10 -22/ إبراهيم.
11 – 31- 33/ سبأ.
12 – آفة الاستكبار.
13 – سورة التوحيد.
14 – هذا كلّ الذنب؛ ذنب أن الشعب يشكو من ظلم يعانيه. شكواه تعبر عنها مسيرته السلمية واعتصامه السلمي.
15 – هتاف جموع المصلين بـ(لن نركع إلا لله).
لأن الناس للناس، من يستطيع أن يستغني عن الناس 16 – كارثة لا تأتي على طرف دون طرف، ولا تختص بفئة دون أخرى.
17 – 90/ النحل.