المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (496) 29 ربيع الثاني 1433هـ ـ 23 مارس 2012م

خطبة الجمعة (496) 29 ربيع الثاني 1433هـ ـ 23 مارس 2012م

مواضيع الخطبة:

 

الخطبة الأولى: متابعة لحديث الحزن بين الهدم والبناء

الخطبة الثانية: موقف واحد لا موقفان – الإنصاف أولاً – مساجدنا – البحرين إلى أين؟ 

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي تعالى بغناه الذّاتيّ عن كلّ حاجة وظلم، وبكماله عن كلِّ نقص ومحدودية، وامتنع على الأشياء بإمكانها أن تستغني عنه، وأن توجد من غير فيضه، وأن تبقى من غير رفده، وأن تملك لنفسها شيئاً من غير جوده، وأن تجد لها كمالاً من غير تدبيره، وأن يصل المكلّف منها إلى غايته من دون تشريعه.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
أوصيكم عباد الله ونفسي القاصرة بتقوى الله والاهتداء بهداه، والأخذ بما دلّ عليه دينه من أمر الآخرة وأهميته، ودعا إليه من الاستعداد لموافاته بالقلب السليم، والنيّة الطاهرة، والعمل الصالح.
وإنّا لمودِّعون لهذه الدنيا، لمودِّعون، لخارجون منها لخارجون، ولنحْذر أن نخرج منها بقلوب سقيمة، ونيّات لئيمة، وأعمال مُشينة فإن في ذلك سواد الوجوه، والعذاب الأليم، والشَّقاء المقيم.
نحن أجساماً معلومٌ إلى ما سنصير، وليس لنا من بعد الأجسام إلاّ الروح؛ فإذا خرجت الروح خبيثة، منتنة أشدَّ من نتن البدن فماذا بقي لهذا الإنسان وقد أخذ بهذا الخيار لمصيره؟!!
أعذنا ربّنا وإخواننا المؤمنين والمؤمنات من سفه الرّأي، وسوء المنقلب، وشرِّ المصير، وصلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا جميعاً وتب علينا إنّك أنت التوّاب الرحيم.
أما بعد أيها الأعزاء من المؤمنين والمؤمنات فهذه متابعة لحديث :

الحزن بين الهدم والبناء:

لا مفرّ مما يقتضي الحزنَ في الدُّنيا، لكن لا يفقد الإنسان دفع الأحزان، والتخلّص منها، والتخفيف منها باللجأ إلى الأسباب التي فتحها الله تبارك وتعالى بفضله عليه.
وتتكفّل النصوص الدينيَّة بالدلالة على عدد من هذه الأسباب ومنها:
1. الاتكال على القدر:

قَدَر الله جار بقدرة لا تردّ، وبعلمٍ لا يضلّ، وبعدلٍ لا خَلَلَ فيه، وبحكمة لا زيغ يعتريها، فمن تمّ إيمانه بالله، واطمأنَّ إلى صحَّة قَدَره، فوافاه القدر بشيء مما يكره كان له من إيمانه واطمئنانه ما يُثبّت نفسه عند المصيبة، ويحفظ لها توازنها، ويحميها من الحزن والانهيار.
وتقول الكلمة عن الإمام عليّ عليه السلام في هذا:”نِعْمَ الطّارِدُ لِلْهَمِّ اَلاِتِّكالُ عَلَى القَدَرِ”(1) فتفويض الأمر لله، وطلب المخرج من السوء من عنده، والثقة برحمته يُريح النفس، ويُخرج من الكربةِ، ويُفرّج الهم(2).
وهذا على خلاف من كان شأنه السخط على الله، واتهامَ قَدَره؛ فإنّه لا يجد وهو يرى نفسه المظلوم المخذول الذي لا منقذ له إلاّ أن يحترق قلبه، ويذوب أسى لمحنته، وينهار تحت وطء المصاب.
وهذا ما نقرؤه عن الإمام الصادق عليه السلام في هذه الكلمة عنه:”إن الله – بعدله وحكمته وعلمه – جعل الرَّوْحَ والفرح في اليقين والرضا عن الله، وجعل الهمَّ والحزن في الشكّ والسُّخط، فارضوا عن الله وسلِّموا لأمره”(3).
وهو المعنى الذي جاءت به الكلمة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله قبل ذلك:”إن الله بحكمه وفضله جعل الرَّوح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط”(4).

2. النظر إلى المستقبل:
الانشداد إلى خسارة دنيوية وقعت، ولا يمكن تداركها والخروج منها بالنسبة إلى ما مضى يثير في النفس الحزن ويحطِّمها، ولا يعود بعائد نافع على صاحبه.
فالنظر يجب أن يتجه إلى المستقبل، ومحاولة الوصول إلى ما يمكن الوصول إليه من خير النفس بما فيه ما هو من أمر الدُّنيا بدل الاشتغال بندب النفس على تعثّر حظّها في الماضي، ووقوع ما وقع من خسارة لها، وفوات ما فات من نقص في مال أو صحة، أو موت حبيب، لأن هذا الاشتغال ينقل المصيبة إلى داخل النفس بقوة، ويركّز مأساتها ويضاعف الحدث المرّ، ويُركس في بحر من الهمّ والحزن الذي يقعد بالنفس عن الحركة في اتجاه الخير الذي يمكن لها أن تناله، وتصحيح الوضع الخارجي الذي تطمح إليه، والحياة الجديدة السعيدة التي تتطلَّع إليها، وشق الطريق إلى غاية الكمال المهيئة إلى بلوغه.
نقرأ في هذا كلمتين الأولى عن الإمام الحسن عليه السلام:”اجعل ما طلبت من الدّنيا فلم تظفر به بمنزلة ما لم يخطر ببالك”(5).
فعليك أن تنسى ذلك تماماً وكأنه لم يقع لك في بال، ولم يُمثّل لك أمنية من أماني هذه الحياة لتستريح نفسك من أي أثر سلبي يسببه فواته.
انفصل بنفسك عنه تماماً، ولا تعدَّه شيئاً داعب خيالك على الإطلاق لتنطلق في طريق بناء حياتك بكلّ قوّة لا تلوي على ذكراه.
والكلمة الثانية عن أبي الحسن عليهما السلام:”لا تُشعِر قلبك الهم على ما فات، فيشغلك عما هو آت”(6).
لا تُعطّل حركتك للمستقبل، وتتجمَّد في مأساة ماضيك، فإن ذلك يُفرِّغ حياتك من معناها، ويلغي في وجودك قيمة الحياة.

3. ذكران فاعلان:
عن رسول الله صلّى الله عليه وآله:”أمان لأمتي من الهمّ: لا حول ولا قوَّة إلا بالله، لا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه”(7).
الحول إمَّا الحيلة، أو الحركة، أو المنع والوقاية؛ ولا شيء من ذلك ولا قوة إلا بالله، ومن فيضه وعطائه. وكل قضاء وقدر إنما هو من الله، ولا مقدّر لما منع، ولا مانع لما قدّر، ولا ملجأ من أخذه إلاّ إليه، ولا منجى إلا من عنده.
وحين يعيش القلب هذا الذكر بمعناه التوحيدي الصادق، ويملك عليه شعوره، ويستيقنه وجدانه، ويطفح جادَّاً على لسانه، ويُمثّل في نفس صاحبه انقطاعاً عميقاً عن الاعتماد على الأسباب إلى مسبّب الأسباب، واعتماداً مخلَصاً على حوله ومنعه وقدرته ورحمته وطوله يكون الوثوق والطُمأنينة والسكينة ويذهب الهم، وينكشف الغم، ويُؤمَن الحزن.
وعنه صلَّى الله عليه وآله:”من أكثر الاستغفار جعل الله له من كلِّ همٍّ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب”(8).
والمطلوب في الذكر المنتج كاملَ أثره أن يكون عن فهم ووعي، وصدق وإخلاص، وأن يكون كلمة عقل وروح وقلب قبل أن يكون كلمة لسان.

وهناك لون من الحزن في بعض الأسباب المادية ما يذهب به حسب الوارد من الأحاديث:
عن الإمام الصادق عليه السلام:”شكا نبيٌّ من الأنبياء إلى الله الغم فأمره بأكل العنب”(9).
وعنه عليه السلام:”لما حسر الماء عن عظام الموتى فرأى ذلك نوح (ع)(10) جزع جزعاً شديداً، واغتمّ لذلك، فأوحى الله إليه: كل العنب الأسود ليذهب غمّك”(11).
وعنه عليه السلام:”من وجد همّاً ولا يدري ما هو ليغسل رأسه”(12).
عن الإمام علي عليه السلام:”غسل الثياب يُذهب الهم والحزن”(13).

الهم الذي لا فرج له:
هموم الدنيا في مجيء ورواح، وظهور واختفاء، ولا بقاء لشيء من خير هذه الدار وشرها، وأمرها لا يستقيم على حال.
وللآخرة شأن آخر فنعيمها مقيم، وشقاؤها طويل، وأهل النّار فيها همهم متصل، وغمّهم مغرق، وفرجهم بعيد بعيد.
يقول الكتاب الكريم:{كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ}(14).
وعن الرسول صلّى الله عليه وآله:”ما من همٍّ إلاَّ وله فرج إلا همَّ أهل النار”(15).
فإنْ ثَقُل هم الدنيا على النفس، وضاقت بأحزانها مع ما هي إليه من انصراف وانقضاء، ولا تبلغ من همّ الآخرة وحزنها شيئاً فليكن للعاقل من ذلك ما يجعله يتّقي غضب الله، وعذاب اليوم الآخر، وهمّ النّار وغمّها، والخلود في الحزن المطبق الشديد المقيم الذي لا يملك الإنسان ما ينقذه منه، ويخرجه من غيهبه.

حزن متبادل:
بين القلوب المتجانسة المتقاربة إيماناً، المتشابهة نوراً جسورٌ ممتدّةٌ رغم تباعد المسافات، وعدم تعارف الوجوه، بينها تواصل في السراء والضراء، وتأثير وتأثر في الأحزان والأفراح، وما يلقاه أهلها مما تحمله الدنيا لسكانها من خير وشر.
هذا ما يُنبء به الحديث عن المعصومين عليهم السلام. ومن كان له هدى من هدى أهل البيت عليهم السلام، ونور من نورهم، وعنده صدق ولاء ومعرفة بهم وبحقّهم يجد كما في الحديث حزناً في نفسه لحزنهم، وفرحاً لفرحهم.
علل الشرائع:”عن أبي بصير، قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام ومعي رجل من أصحابنا، فقلت له: جعلت فداك يا بن رسول الله، إنّي لأغتمُّ وأحزَن من غير أن أعرف لذلك سبباً؟ فقال أبو عبدالله عليه السلام: إن ذلك الحزن والفرح يصل إليكم منّا، لأنّا إذا دخل علينا حزن أو سرور كان ذلك داخلاً عليكم، لأنّا وإيّاكم من نور الله عزّ وجلّ”(16).
بحار الأنوار: روي أنه سئل العالم عليه السلام(17) عن الرجل يصبح مغموماً لا يدري سبب غمّه؟ فقال: إذا أصابه ذلك فليعلم أن أخاه مغموم، وكذلك إذا أصبح فرحان لغير سبب يوجب الفرح. فبالله نستعين على حقوق الإخوان”(18).
الكافي: عن جابر الجعفي قال: تقبّضت بين يدي أبي جعفر عليه السلام فقلت: جعلت فداك، ربّما حزنت من غير مصيبة تصيبني، أو أمر ينزل بي حتى يعرف ذلك أهلي في وجهي، وصديقي. فقال: نعم يا جابر، إنّ الله عزّ وجلّ خلق المؤمنين من طينة الجنان، وأجرى فيهم من ريح روحه، فلذلك المؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمه(19)، فإذا أصاب روحاً من تلك الأرواح في بلد من البلدان حزن حزنت لأنها منها”(20).
وقوله:”فلذلك المؤمن أخو المؤمن لأمّه وأبيه” على نحو التشبيه من حيث علاقة الجذب والانجذاب بين الروحين والقلبين في هذه الناحية.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين، وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اجعل ولاءنا لك ولمن والاك، وعِداءنا للشيطان ولمن والاه، واجعل رضانا لرضاك، وغضبنا لغضبك، ولا تعدل بنا عن صراطك طرفة عين يا كريم، يا رحمان، يا رحيم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}(16).

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي يُوحِّدُه كلُّ ما في الكون من مادة وروح بحاجة كل شيء إليه، واستغنائه به، واسترفاده منه، واعتماده عليه، وخضوعه لقضائه وقدره، واستسلامه لقهره وجبروته، ونطقه بآيات قدرته، وحياته، وعلمه، وحكمته، وإتقان صنعه، وعظيم تدبيره، ودقيق إحكامه، ولطيف رحمته.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله صلَّى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً كثيراً.
أوصيكم عباد الله ونفسي الغافلة بتقوى الله والتًّخلّي عمّا تَخلّى عنه أولياؤه من كلّ ما يحطّ بقدر الإنسان مما يخالف الفطرة، وينافي العقل، ويضادُّ الدّين، ويخرج على الحياء، ويعيق عن بلوغ الكمال، وبالتحلّي بما تحلّوا به من عقل وخُلُقٍ ودين مما بلغوا به كمالهم، ونالوا به القرب من العليّ الجليل، وفازوا به من رضوانه، واستحقّوا عنده الكرامة، وبوّأهم منزل السعادة.
ومن أين الكمال لمن اتّجه بحياته لغير الله؟! ومن أين السعادة لمن أخذ بغير منهجه؟! وكيف لا يشقى من حرم نفسه من هداه ورحمته؟!.
ربَّنا الطف بنا وبإخواننا المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، ألزمنا جانب التقوى، واهدنا بما هو أقوم وأزكى، ولا تزلّ لنا قدماً عن الصراط، وثبِّتنا عليه ما أحييتنا، واحشرنا مع الصالحين، واغفر لنا جميعاً وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبدالله الصادق الأمين خاتم النبيين والمرسلين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأنوارك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صلِّ وسلّم وزد وبارك على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس ياربّ العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصراً عزيزاً قائماً ثابتاً دائماً مبيناً.
أما بعد أيها الإخوة والأخوات من المؤمنين والمؤمنات فإلى بعض عناوين:

موقف واحد لا موقفان:

يتساءل بعض الصحف المحليَّة، وعدد من كتَّابها الشرفاء الذين سخّروا أقلامهم في خدمة السياسة الظالمة، ومناهضة قضايا الشعب، وسلبه حقّه وحريته، والتحريض عليه، والمطالبة بأشدّ ألوان التنكيل بأحراره وحرائره عن موقف هذا المنبر من أحداث سوريا المؤسفة.
طرحوا تساؤلهم، وتبرّعوا بالإجابة التي يريدونها، والتعليل المستهدف لهم. وكل ذلك من منطلق النفسية المريضة، ونية الفتنة السَّوداء، ومواجهة الحراك الشعبي المحلي وكلّ من يقف معه وهي الأمور التي تُشكّل الإطار لكل ما تنفث به أقلامهم المأجورة من سموم معكِّرة للجوّ الوطني على حدِّ ما تفعله الغازات السامة فيه من جهة أخرى.
هذا التساؤل لا يُحرج منبر هذا الجامع أبداً وموقفنا واحد لا يختلف من العدل والظلم باختلاف المكان والزمان والإنسان الظالم، والمظلوم.
ونحن مع حرية الشعوب وحقِّها في تقرير المصير، ورأينا أن لا مكان لحكومة لا يرضاها الشعب، وأنْ ليس لأي حكومة أن تفرض نفسها قهراً على شعبها.
نحن مع حق الشعب المصري والتونسي والليبي واليمني والسوري والبحريني والشعوب الخليجية وكل الشعوب في العالم في اختيار حكوماتها وتقرير مصيرها وتمتعها بحريتها وكرامتها. ولا نختار للشعوب الأخرى غير ما شدَّدنا عليه مراراً بالنسبة للحراك الشعبي في البحرين من الأخذ بالأسلوب السّلمي، والنأي بأي بلد من البلدان الإسلامية عن تدخُّلات الخارج، والتمكين للأجنبي من مصير المسلمين، والتحكُّم في ثرواتهم، ومقدُراتهم، ومقدَّراتهم.
وهذا الموقف العام هو الموقف الذي يتّخذه هذا المنبر من قضايا كلِّ الساحات العربية من غير ولوج في تفاصيل كلِّ ساحة ساحة.
وأنتم تجدون أنَّ كلاًّ من الساحات العربية قد شغلتها أحداثها الداخلية ومحنة شعبها عن الدخول في تفاصيل أحداث الساحة الأخرى وإن كانت لا تنفصل بهمّها عنها. وما أروع الأمانة، وصدق الكلمة عند الصحافة الشريفة المأجورة حين تقول عن هذا المتكلم “ولكنّه اعتبر أن الجيش السوري والشبيحة في مهمَّة مقدّسة هي تركيع الشعب السوري وإذلاله”(22) البلاد العد 1251/ الأحد 18 مارس 2012م.
أريد كلمة واحدة، حرفاً واحداً نطقتُ به عَلَناً أو سرّاً، أو وجدتموه مكتوباً فيه إشارة لهذا المعنى من قريب أو بعيد يا أحرار.. يا شرفاء.. يا أتقياء… يا ورعون.. يا صحافة موقّرة..!!(23)

الإنصاف أولاً:

لو كانت الأنظمة السياسيَّة التي تحكم الأمة كلّها صالحة، منسجمة مع مصلحة شعوبها، متّحدة في الرؤية معها، حريصة على حاضرها ومستقبلها، منبثقة من إرادتها، معترفة بحقّها وحرّيتها ومرجعيتها السياسية، عادلة في حكمها لكان في اتحادها نقلة كبيرة في اتجاه قوَّة الشعوب وعزّتها ومنعتها وخيرها وتقدّمها، وحماية للأمة كلّها أمام كلّ الأخطار والتحديات.
وكلّ اتحاد من هذا النوع، وفي ظل هذا الشرط؛ شرط المرجعية السياسية للشعوب فيه قوّةٌ وعزّ وتقدّم للكيانات المتّحدة ابتداءً من الشعوب حتى الحكومات.
أمّا الاتّحاد بين الأنظمة المنفصلة عن شعوبها، المختلفة معها، غير المعترفة بمرجعيتها، وحريتها وحقّها في الحكم والثروة وتقرير المصير فلا يمكن لهذه الشعوب أن تعدّه قوّة لها أو يصبُّ في صالحها.
إنّ قوّة الأنظمة قوّة للشعوب حيث تلتقي الرؤية عند الأولى مع الرؤية عند الثانية، ومصلحتها مع مصلحتها، وحيث تكون الأنظمة منبثقة من إرادة الشعوب، ومن منطلق مرجعيتها. وفيما عدا ذلك إنما تتقوّى الأنظمة من النوع الذي لا يحترم إرادة الشعوب، ويرى في قوّتها مع إصرارها على الحرية ما يستوجب المناهضة أوّل ما تتقوَّى ضد شعوبها، وإجهاضاً لمطلب الحرّية والحقوق السياسية العادلة.
وفي أيّ وَسَط يأتي الحديث عن الاتحاد في منطقتنا الخليجية لِيُبشِّر الشعوب بآثاره المباركة، ويثير رغبتها العارمة فيه؟! في وسط قمع جيوش المنطقة للحراك الشعبي الحقوقي والسياسي في هذا الوطن من أجل تصحيح الأوضاع، وإيجاد علاقات عادلة تضمن الأمن والاستقرار فيه، وتتيح له أن يسابق على طريق التقدّم والازدهار.
ثم إن العالم كلّه يدرك اليوم أنَّ الشعوب ليست قطعاناً من الأغنام تساق إلى مصير مجهول من غير إرادتها، ومن غير أن يُؤخذ لها رأي، أو يُعترف لها بكلمة فيما يخصّ مصيرها، والمسائل الكبرى كمسألة هذا النوع من الاتحاد المؤثرة بدرجة عالية وجذرية على واقعها في حاضره ومستقبله، وما تصبو إليه من حرية وكرامة ومرجعية سياسية هي من حقها.
إنه حتى يتمّ للوحدة موضوعها وأرضيتها من منظور صالح الشعوب، وما يُراد لهذه الوحدة من بناء لقوة الأمة، وتعزيز لوجودها، وإشادة لحياة العدل، وتمكين لأجواء الحرية والكرامة في حياتها لابد من سبق الإنصاف للشعوب، وإصلاح الوضع السياسي والحقوقي القائم، والاعتراف بموقعية كلّ شعب ومرجعيته.
الإنصاف، الإصلاح، الواقع السياسي الجديد الذي يعترف بسيادة الشعب أولاً، ثم يأتي الاتحاد في صالح المنطقة والأمة وتحتضنه الشعوب من كلّ قلبها.
الاتحاد الذي يقوم رَغماً على أنف الشعوب مُلغياً لإرادتها لا تفهم منه إلاّ أنه مضاد لها، مجهض لحركتها المطلبيّة والتحررية وضرورة انعتاقها.

مساجدنا:

أعني مساجد المسلمين جميعاً؛ فليس في الإسلام مساجد للشيعة تخصها، ومساجد للسنة تقتصر عليها. كل المساجد لله وحق المسلم في التعبُّد فيها بالعبادة التي يرضاها الله سبحانه يساوي حق أخيه في الإسلام العام.
والمعتدي على حرمة أي مسجد من مساجد المسلمين معتدٍ على الإسلام، وحرمةٍ من حرمات الله الثابتة، وفي ذلك إثم كبير، ومنكر لا يجوز السكوت عليه أيّاً كان المعتدي، وأيّاً كان المسجد المعتدى عليه.
وكلّ اعتداء على مسجد من مساجد المسلمين فيه انتهاك لحرمة الإسلام، وتقليل من شأنه، وفتح لباب الجرأة على المقدّسات لا يُسدّ بالترميم وإعادة البناء.
وأيُّ دولة تحمل درجة من احترام الإسلام ومقدّساته لا يمكن أن تسمح بهذه التعديات.
ويتحمّل الوضع السياسي الرسمي في البحرين وزراً كبيراً بفتح باب الجرأة على المساجد والحسينيات على مصراعيه بما جرى على يده من قبلُ من انتهاك سافر وتعديات موثّقة على بيوت الله وكتابه الكريم.
والحكومة لا زالت تمانع إعادة بناء عدد من المساجد التي هدَّمتها وتمنع حتى من إقامة الصلاة على أراضيها.
والشَّعب المسلم هنا وكأي شعب مسلم آخر مسؤول عن حماية مقدّسات الإسلام والحفاظ عليها(24).

البحرين إلى أين؟

الأوضاع بما فيها من سياسي وحقوقي سقيمة متوترة، والفاصلة بين الحكم والشعب واسعة، ولا زالت في مزيد من التباعد حتّى الاستجابة إلى مطالب الشعب العادلة. ولا دليل من ناحية عملية على استجابة جدّية لهذه المطالب. الحكم على عناده وتصلُّبه، والشعب على إصراره، وتمسكه بحقوقه، وكرامته وحريته.
والأول متكئ على البطش والإفراط في استعمال القوّة المادية والآلة القاتلة، والثاني متكئ على الصبر والقبول بالتضحية(25).
حتّى الملفّ الحقوقي وفي حدود ما اضطرت الحكومة للاعتراف به من انتهاكات وثّقتها لجنة تقصّي الحقائق المشكَّلة من جانبها لا يجد استجابة جدية من قِبلها بقدر ما يُعانيه من ضبابية الإنشائيات والعموميات البعيدة عن التفصيل، والتوثيق، والشواهد العملية الحيَّة، والتي لا زالت تُثبت عكس الدعاوى العريضة الفارغة، وما يتعرّض له من تسويف وترحيل ومواعيد متجدِّدة ومخادَعةٍ والتفاف.
وتبقى السجون ملأى بالشرفاء من هذا الوطن من علماء ورموز سياسية عزيزة ومجاهدين من شباب وكهول غيارى يعتزّ بهم الوطن، وتبقى حياة الخواجه المدافع عن حرِّيته وحرية هذا الشعب مهدَّدة، وتبقى مشكلة المفصولين عالقة لحد الآن، وأجواء المناطق السكنية تُغطّيها الغازات السامة، ولغة التحريض والاتهام على وتيرتها، ووتيرة الشهداء في تصاعد.
أما الملف السياسي فهو ملف مغيَّب تماماً من جانب السلطة وكأنها تأمل أن يهمل أو ينسى أو تجد ظروفاً تسمح لها بتعطيله وصرف النظر عنه.
وهذا ما يقول عنه الشعب هيهات هيهات(26).

البحرين إلى أين: إلى شاطئ أمان باستجابة الحكم لمطالب الشعب.
وبالإصرار على سلب الشعب حقّه وحريته، وقيمة كلمته، ومصادرة رأيه إنما يأخذ الحكمُ هذا الوطن العزيز من نفقٍ مظلمٍ إلى نفق أشدّ ظلمة، ومن فتنةٍ عمياء إلى فتنة أشدّ عمى، ومن سوءٍ إلى سوءٍ أكبر، وإنما يسلك به طريق المهالك.
إنها مسؤولية دينية كبرى، ومسؤولية وطنية وتاريخية وإنسانية تُطوِّق عُنُقَ النظام بأن يستجيب لإرادة الشعب ولا يظلمَ الوطن، ويُغرق السفين.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم أنت الحامي والناصر والمعزّ والكفيل فنسألك اللهم بعزّك الذي لا يُضام، وبركنك الذي لا يُرام، وبقدرتك التي لا تُغلب، ومنّك الجميل أن تنصر المؤمنين والمسلمين في كلّ مكان وتعزّهم وتكفيهم يا كافياً من كل سوء.
اللهم ارحم شهداءنا وموتانا والشهداء والموتى المؤمنين جميعاً واشف الجرحى والمعلولين والمرضى من أهل طاعتك، وفك قيد الأسرى والسجناء المظلومين من أهل دينك يا قوي يا عزيز يا رحمان يا رحيم.
اللهم ارحم شهداءنا وكل شهداء الإسلام، واشف الجرحى والمرضى، وأطلق سراح الأسرى والسجناء من المؤمنين والمؤمنات برحمتك يا أرحم الراحمين.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – هداية العلم في تنظيم غرر الحكم ص503.
2 – وماذا بعد أن يكون المقدِّر لك الحكيم، العليم، الخبير، اللطيف، الغني عن عذابك، الغني عن شقائك.
3 – ميزان الحكمة ج1 ص611 ط1. نقلا عن كتاب التمحيص.
4 – تحف العقول ص6 ط2.
5 – بحار الأنوار ج75 ص111 ط2 المصححة. وردت عبارة “فلن تظفر به” في بحار الأنوار وكذلك ميزان الحكمة نقلاً عن البحار، ويبدو أن الأصح هو كلمة (لم يظفر به) كما ذُكرت في الخطبة لتناسب سياق الكلمات المُشيرة إلى ما فات من أمر.
6 – ميزان الحكمة ج1 ص613 ط1.
7 – مكارم الأخلاق للشيخ الطبرسي ص443 ط6.
8 – بحار الأنوار ج74 ص172 ط3 المصححة.
9 – المصدر السابق ج63 ص149.
10 – كأنّه رأى أكواماً أكواماً بحيث فزع.
11 – المحاسن ج2 ص548 ط1.
12 – الدعوات للراوندي ص120 ط1.
13 – بحار الأنوار ج64 ص278 ط3 المصححة.
14 – 22/ الحج.
15 – بحار الأنوار ج68 ص242 3 المصححة.
16 – علل الشرائع ج1 ص93.
17 – والمعني به هو الإمام الكاظم عليه السلام، هكذا يقولون تقية، فلا يصرّحون بالاسم الصريح للإمام عليه السلام.
18- بحار الأنوار ج71 ص227 ط2 المصححة.
19- ومعنى ذلك أن الأخوّة الإيمانية بمنزلة النسب، وهي في جوانب أخرى أقوى، ولكن في تبادل الشعور في هذا البُعد هي بقوّتها.
20- الكافي ج2 ص166 ط4.
21- سورة العصر.
22- هكذا الكلمة التي تُنقل عن هذا المتكلّم.
23- هتاف جموع المصلين بـ(الله أكبر، النصر للإسلام).
24- هتاف جموع المصلين بـ(لبيك يا إسلام).
25- هتاف جموع المصلين بـ(هيهات منا الذلة)..
26- هتاف جموع المصلين بـ(هيهات منا الذلة).
27- 90/ النحل.