المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (493) 8 ربيع الثاني 1433هـ ـ 2 مارس 2012م

خطبة الجمعة (493) 8 ربيع الثاني 1433هـ ـ 2 مارس 2012م

مواضيع الخطبة:

 

الخطبة الأولى: التربية بالصعاب

الخطبة الثانية: حراكنا الشعبي – شعب منتصر – هل يريد الحكم الإصلاح؟ – مسيرة الجمعة في التاسع من مارس

الخطبة الأولى

بارك الله للمؤمنين جميعاً بمولد الإمام الحادي عشر من أئمة الهدى من آل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، وثبّتنا على ولايتهم.

الحمد لله الذي لا يختلف في علمه ماض أو مستقبل عن حاضر، ولا في قدرته ممكن عن ممكن، ولا في عدله قويٌّ عن ضعيف، ولا في غناه وكرمه عطاء كثير عن قليل. كلُّ شيء معلومٌ له، وكلّ ممكن واقع تحت قدرته، وكلّ ضعيف وقويّ ومطيع وعاص، وجبّار محكومٌ لعدله، وكلّ عطاء مهما تعاظم سهلٌ عليه، ولا يثلم من ملكه. له الأسماء الحسنى بلا حدٍّ ولا منتهى، وهو العليُّ العظيم.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
أوصيكم عباد الله ونفسي الأمَّارة بالسّوء بتقوى الله، وإحسان العمل، وطلب المغفرة من الجليل جلَّ وعلا؛ فلا اعتماد على العمل الصَّالح وحده في النّجاة من النّار والفوز بالجنة، فالكلُّ محتاج إلى مغفرة الله ورحمته، وإنْ كان لابدّ من العمل الصالح الذي يؤهِّل للاستفادة من رحمة الله الواسعة، وعفوه الجميلً.
فالشِّرك مثلاً ينغلق بالنفس عن استقبال هواطل الرَّحمة الإلهية، ولطائف عفو الله {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ…}(1)، وعن الرسول صلّى الله عليه وآله:”أيّها النّاس: إنّه ليس بين الله وبين أحد نسب ولا أمر يؤتيه به خيراً، أو يصرفُ عنه شرّاً إلاّ العمل. ألا لا يدعين مدّع، ولا يتمنين متمنٍّ. والذي بعثني بالحقِّ لا ينجّي إلا عمل مع رحمة، ولو عصيت لهويت. اللهم قد بلّغت”(2).
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اجعل عملنا صالحاً، وإيماننا كاملاً، وقلوبنا سليمة، ونيتنا قويمة، وارحمنا برحمتك، وارزقنا مغفرتك، وأشمِلنا بعفوك، وأدخلنا جنتك، وهب لنا رضوانك يا حنّان يا منّان، يا رؤوف يا رحمان، يا رحيم.
أما بعد أيها الأعزاء من المؤمنين والمؤمنات فإلى حلقة من الموضوع السابق:

التربية بالصعاب:

حياتنا الدنيا خليط من حلوٍ ومرٍّ، من يسر وعسر، من لذّة وألم، من طرق مفتوحة، وأخرى مغلقة، من ظروف سانحة، وظروف صعبة، وأجواء مريحة وأجواء مزعجة(3). من بين ما في الحياة مرض وفقر وكوارث طبيعية وشدائد وحروب. فيها ما يغريك، وفيها ما يؤذيك؛ وكلّ ذلك بوزن وتقدير، يجعل من الحياة معادلة تشدّك إليها، وتمتحن إرادتك فيها. وما قُدّر للحياة إلا أن تكون كذلك لأنها ليست للبقاء في حين أنها لم تخلق جزافاً ولا عبثاً(4). إنها المرحلة الوحيدة من بين المراحل الوجودية المتعددة في رحلة الإنسان التي يواجه فيها مسؤولية صنع المصير، واختيار نوع المستقبل الذي يُقدِم عليه بعد هذه الحياة.
إنّها المرحلة الوحيدة التي تُمثِّل دورة إعداد تربوي يتحمل مسؤوليته الإنسان تهيؤاً لمستقبل وجوده غير المنقطع، وهي مرحلة مصيرية لا تتكرّر. ومن هنا تكتسب هذه المرحلة أهميتها البالغة على محدوديتها(5).
فعمر التكليف في هذه الحياة الذي يبدأ بسن البلوغ، وقد ينتهي قبل يوم الوفاة بزمن طويل لسقوط الأهلية للخطاب التكليفي، هو الذي يحدّد نوع المستقبل الذي سيحتضن وجود الإنسان ليعيش السعادة أو الشقاء اللذين لم يجد لهما مثيلاً من قبل(6).
وإذا كانت النتيجة سعادة فهي أبدية، وإذا كانت شقاء، فهو أبدي، وإذا لم يكن أبديّاً فمن عمره أن يكون ملايين، وبلايين سنين مما يعد النّاس في هذه الحياة(7).
والإنسان باختياره في حياته الدنيا القصيرة المتمثلة بسن التكليف بالخصوص، وبشكره أو كفره، وبأخذه بطريق الهدى أو الضلال يكتب مصيره بيده، ويبني نوع مستقبله، ويحدِّد من الجنة أو النّار موقعه.
وللإنسان في حياته هذه امتحانان: امتحان في التعامل مع السَّعة والنعم، وآخر في التعامل مع الضّيق والشدائد والمِحن.
والتعامل الرَّشيد مع نعم الله الغامرة أن تُشكر وتُوظّف في طريق كمال الذات وبنائها البناء الذي يرضاه الله، أمّا مع الشّدائد والصعاب فأنْ تُتخذ عظة وعبرة، ومدرسة يُتعلّم منها القيمة الحقيقية للحياة الدنيا، وكونُها لا تُلبّي الطموح الكبير للإنسان، ولا يصحّ أن يتفرّغ إليها، ويهبها وجوده كلَّه.
وأن تُواجَه بصبر كبير وإرادة عالية، ومواجهة إيجابيّة تجعل منها طريق نمو وقوّة واكتمال.
والتعامل الآخر الخاسر مع النعم بأن يُكفر بها وتُساء الاستفادة منها فتكون للهدم لا للبناء، والإفساد لا للإصلاح، والإضرار بالنفس بِبُعدها عن رضى الله جلّ وعلا ورحمته، ومع الشّدائد والمصائب بالسخط وعدم الصبر عليها(8)، والهزيمة أمامها مما يبعث اليأس والقنوط، والتفكير في وضع نهاية مخزية للحياة.
وحتى لا نخسر أنفسنا، ونفقد الوزن أمام الشدائد والصعاب علينا أن نتعلم حقيقة أن المصائب والشدائد من أجل أن نكسب الوعي والرُّشد والرؤية الموضوعية للحياة، ونعرف أنفسنا… من أجل أن تكون المحنة باعث قوّة، ومنطلق بناء، من أجل تخريج شخصية، شعب، أمّة أشدّ صلابة، أكثر مقاومة، أوضح رؤية، أوزنَ عقلاً، أثرى خبرة، أقدر إنتاجاً، أرقى مستوى، أكبر استعداداً لمواجهة التحديات.
تعلمون أن الأجواء المخمليّة لا تنتج إلا شخصيات هشّة رخوة عالة على الغير، ولا تبني الحياة، وتنهار أمام أيّ هزة من هزّاتها.
وأنّ الذين يصنعون التاريخ القوي إنما هم رجال صنعتهم الأحداث، وخرَّجتهم صعاب التجارب.
إن الذين لا يخوضون غمار البحار، ولا يقدمون على مصارعة الأمواج، ولا يغوصون إلى الأعماق حيث المخاطر الكبيرة لا تخرج على أيديهم الآلئ الأخّاذة الغالية.
والذين يهربون من المخاطر لا يشيدون ناطحات السّحاب.
والذين يفرّون من الزّحف لا نصيب لهم إلاّ الهزيمة.
والشّعوب الكسولة المتراخية لا تكون إلا في مؤخّرة الأمم.
والشعب الذي لا يرضى بالتضحيات عليه أن يقبل بحياة الذلّ والهوان.
وأضرّ ما يضرّ بمستقبل إنسان أن يُدلَّل في طفولته وأن يُعزل بالكامل عن تحديات الحياة، وسيكون كسيحاً إذا لم يقبل له أهله أن يحبو وأن يقوم ويسقط، ويمشي ويتعثَّر.
وكثيراً ما أسقطت النّعم أقداراً، ودكّت عقولاً، وأضعفت إرادات، وأسقطت شخصيات، وأزهقت أنفساً، وضعضعت دولاً، وأذهبت بشأن أمم وحضارات.
وما أكثر المضائق الخانقة التي انفتح بها باب فرج واسع لأفراد، وجماعات، وشعوب، وأمم، وكانت مداخل غنى وقوَّة وعزّ ونصر ومجد عريض!!
ودور الإنسان ونوع اختياره هو الذي يصنع الهزيمة نصراً، والنصر هزيمة، والضعف قوّة والقوة ضعفا، والفشل نجاحاً، والنجاح فشلاً، والمصيبة فرجاً من أوسع أنواع الفرج، والفرج مصيبة من أشدِّ ألوان المصائب.
ولنسمع لكتاب الله يعطينا البصيرة الكافية في التعامل مع المصائب والكوارث والأحداث:

{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}(9).
فما هو إلا الصَّبر وعدم الانهزام والانهيار أمام الحادث، والصبر يتضمن العمل الإيجابي المقاوم المقدور للإنسان، ومواجهة المشاكل بما يتاح من أدوات، والتحرك على طريق تطوير القدرة، وسدِّ الخلل، وتدارك الأخطاء، والأخذ بتغيير الذّات والواقع ببذل أقصى الجهد(10).
وبهذا ينفتح باب الفَرَج(11) والخير والبشريات، وبذا تكن المصائب عامل تجديد ورقيٍّ وكمال.
ويقول الكتاب الكريم:{… فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً، فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ، وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}(12).
كأنَّ اليسر يساير العسر، ويبدأ مع بدايته وإن لم تكن ولادته إلاّ في عقبه. كأنّه يحمله ويستبطنه. وإنه كلّما مرّت لحظة من عُمُر الليل قرُب الفجر، وبشَّر النّهار بضيائه(13).
ولأنَّ الخير في السعي والحركة، والجهاد والمقاومة فلا استسلام للفراغ(14)، وإنما هو التّعب والنّصب، وعلى الطّريق الصّحيح(15)، وللوجهة الكريمة، وأعلى وجهة… إلى المثل الأعلى(16) {… فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ، وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}.
وكم من خير في شرّ مما نراه شرّاً، وكم من شرّ في خير ما نراه خيرا، أو ما هو خيرٌ فعلاً حين نُسيء التعامل معه، ونضعه في غير مرضاة الله؟!
{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}(17).
وفي الفرق بين حياة الدّعة والأمن والاسترخاء والنعمة الباذخة وحياة الخشونة والشدائد والظروف الصعبة والأثر التربوي لكلٍّ منهما تأتي هذه الكلمة عن أمير المؤمنين عليه السلام:
“أَلاَ وَإِنَّ الشَّجَرَةَ الْبَرِّيَّةَ أَصْلَبُ عُوداً، وَالْرَّوَائِعَ الْخَضِرَةَ(18) أَرَقُّ جُلُوداً، وَالنَّابِتَاتِ العِذْيَةَ(19) أَقْوَى وَقُوداً(20)، وَأَبْطَأُ خُمُوداً”(21).
إنك لا تجد الشخصية القويَّة الصُّلبة المتحملة المقاومة الصنّاعة إلاّ ممن امتحنتهم الأحداث، وصقلتهم التجارب، وذاقوا مرّ المصائب وصبروا عليه، وثابروا وجاهدوا وكافحوا، وخاضوا الصراع الجاد مع التحدّيات.
ولذلك يأتي حَمَلَة الرسالة الإلهية وأوصياؤهم في مقدِّمة أهل البلاء، وتكون بلاءاتهم شديدة بقدر ما حُمّلوا من مسؤولية، وبلّغوا به من مَهمّات لا ينهض بثقلها إلا أعاظم العظماء من الرجال.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم ارحمنا برحمتك، ورضّنا بقضائك وقدرك، وصبّرنا على بلائك، وارزقنا شكر نعمك، واجعل لنا من كل عسرٍ يسراً، ومن كلّ ضيق فرجاً، واختم لنا بخير ختام يا رحمان يا رحيم يا كريم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}(23).

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي لا يجد الوافدون مثله جوداً وكرماً، ولا المستغفرون من يشبهه عفواً ورحمة، ولا يهرب منه هارب، ولا مفرَّ لمطلوب له من عدله، ولا ملجأ لمذنب من أخذه، إلا أن يؤوب إليه، ويطلب عفوه، ويتعلّق بكرمه.
له ما في السّماوات والأرض، ولا أرضَ غيرُ أرضه، ولا سماء إلاّ سماؤه، ولا ملك إلاّ ملكه، وكلُّ شيء خاضع له، وفي قبضته، وتحت تصرُّفه، ولا حركة ولا سكون إلاّ بإذنه.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله صلَّى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً كثيراً.
أُوصيكم عباد الله ونفسي الغافلة بتقوى الله، وكلُّنا راحلون إليه، واقفون على أعمالنا بين يديه، صائرون إلى عدله، جارٍ فينه حكمه، نافذ فينا قضاؤه، منتهون برحمته إلى جنّته، أو بإثمنا إلى ناره. والتقوى سبيل رشادٍ، ومفتاح خير، ومرقاة كمال، وطريق الجنّة، ومنجاة من النّار.
ومن لم يتّق الله، وما توعّد به أهل معصيته من عذاب السعير فقد ظلم نفسه بما اختار من سوء العذاب، والشّقاء المقيم.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين.
اللهم إنا نعوذ بك من ولاية الشيطان الرجيم، والرّكون إلى النفس الأمّارة بالسوء، والاستجابة لوسوستهما، والوقوع في غرورهما، والتهاون في الدِّين، والميل عمَّا أمرتَ به إلى ما نهيت عنه، والأخذ بشيء مما فيه غضبك، والتثاقل عن شيء مما فيه رضاك يا رؤوف، يا كريم، يا رحمان، يا رحيم.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيب قلوبنا عبدك المصطفى محمد بن عبدالله خاتم النبيين والمرسلين الصادق الأمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأنوارك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صلِّ وسلّم وزد وبارك على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس ياربّ العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصراً عزيزاً مبيناً ثابتاً دائماً مقيماً.
أما بعد أيها الأحبّة في الله فإلى هذه العناوين:

حراكنا الشعبي:

الحراك الشّعبيّ العارم بمضمونه السياسي الواعي الذي تعيشه البحرين لم يكن وليد حالة انفعالية، أو لحظة ارتجال، ولم يأتِ بصورة ردِّ فعل متأثر إيجاباً بالربيع العربي، وإن كان هناك تعاطٍ متبادل بين ساحات هذا الربيع الذي غطّى مساحة واسعة من المنطقة العربية.
وما كان عن حالة انفعال، وبدايتُه انفعالية يمكن أن يُنهيه الانفعال، وما كان عن رد فعل يمكن أن يتوقف عند أي لحظة من لحظات الزمن.
حراكنا الشعبي ليس حادثاً اليوم، ولم ينتظر يومَ وُلِد فيه الرّبيع العربي. إنه سابق على هذا اليوم بزمن طويل، ومنذ بدأ لم يتوقف.
وخلفيته شعورٌ عميقٌ بكرامة الإنسان بناه الإسلام، وغذّاه، ولا يزال يُغذّيه، ورفضٌ قاطع من هذا الدّين الذي يتمسّك به شعبنا لكلّ أنواع الظلم، والقهر، والعسف، والإذلال بغير حقّ مما يمارسه إنسان في حقّ أخيه الإنسان.
خلفيته تحريم واضح من شريعة الله عزّ وجلّ لطاعة مخلوقٍ في معصية الخالق، وأن تُذلّ جبهة من عبدٍ لغير الله.
خلفيته ظلمٌ طال، واستشرى، وتجذَّرَ، وتعاملٌ مهين من الحكم مع هذا الشّعب، ويأسٌ من الإصلاح والتغيير من دون هبَّة عامَّة وتضحيات.
وهذه الخلفية ليست الخلفيّة المهتزَّة التي تتأثر سلباً وتسقط بالضربات والمفاجآت ليسقط ويتوقف كلُّ ما ينطلق منها.
إنها خلفية تضمن الاستمرار للحراك مهما كانت التقلبات.
إنَّ وعيك بأنَّ قيمتك في عزّك، وكرامتك، وحرّيتك يمنع عليك أن تقبل البقاء الذي يأخذ منك العزّ والحرية والكرامة، فضلاً عن أن تجد لها عوضاً آخر مما في أيدي الناس.
والإسلام لا يرى الحياة في الذلّ حياة، ولا الموت في عزٍّ بموت(23). وليس أكبر من ذلٍّ أن يُحرم امرؤ، أو شعب من النظر في أمر نفسه، واختيار خطِّ حياته، وأن تقومَ إرادة غيره مكان إرادته في تقرير مصيره، وتحديد وجهة نظره مع بلوغه ورشده وحكمته.

شعب منتصر:

نقول: شعبنا منتصر.
نسأل:
أمنتصر والسجون ملأى من رجاله وشبابه؟!
شهداؤه في تلاحق غير منقطع؟!
كفاءاته تُذلّ وتساوم على لقمة العيش؟!
أحياؤه السكنية تُرش بالغازات الخانقة والسّامة كما تُرش بالمبيدات مستنقعات الحشرات؟!
رجالاته وشرفاؤه يتطاول عليهم بلا حقِّ ولا أدبٍ كما يُتطاول من غير ذي خلقٍ على من لا قدر له ولا اعتبار؟!
شبابه الغيارى ينتظرهم التعذيب والموت على كل طريق، وفي كلّ لحظة، وفي أي وقت لصرخة في وجه الظلم يطلقها الضمير؟!
بلى شعبنا منتصر رغم كلّ ذلك(24).
شعبٌ وعى ذاته، أدرك قيمته، آمن بحقّه وحريّته، انتفضت إرادته، عزّت نفسه، تنبَّهت غَيرته، انتصر على الخوف هو شعب منتصر.
شعبٌ قام لا ليقعد، وركب طريق النصر، ويرفض نهائياً أن يغادره، وتخسر كل الضربات التي تريد أن تنال منه للتراجع عن هدفه وقد عرف الكلفة على هذا الطريق هو شعب منتصر.
شعبٌ وعى ألاعيب السياسة الظالمة وعياً يحميه من السّقوط في شَبَكِها، ويدخل اليأس على مخادعيه من أن ينالوا من وعيه وعزمه وتصميمه وإصراره على تحقيق أهدافه هو شعب منتصر.
شعب أدرك قيمة وحدته، واستعصى على أساليب الفرقة أن تنال من تلاحم صفوف معارضته هو شعب منتصر.
أمَّا الأهداف لحراك الشّعب وثورته فلا بد من تحققها نتيجةً للنصر الذي تحقّق له.
وهي أهداف من أجل استمرار هذا النصر وتركّزه وحمايته(25).
حراك الشعب وثورته من أجل الإنسان الحرّ القوي المنتصر على نفسه، وهو اليوم موجود على هذه الأرض بكثافة ودرجات عالية.
وتحقيق الأهداف الأخيرة واستثمارها استثماراً صحيحاً وتوظيفها من أجل بناء الإنسان سيوسِّع من وجود الإنسان المطلوب، وسيزيد من رقيّه وتقدّمه.

هل يريد الحكم الإصلاح؟

قد تبقى الأقوال في حدّ نفسها قابلة للحمل على الجدِّ والهزل ولزمنٍ ما حتى تأتي الأفعال فتكشفَ عن جدِّها أو هزلها بلا تردّد.
والقول بالإصلاح متكرِّر على لسان الحكم بما لا مَزيد عليه، والدعوى بالرَّغبة فيه مكثّفة.
أمّا ما على الأرض فشيءٌ آخر من قتل وتعذيب لا زال يتصاعد، ومحكومين ظلماً لا زالوا يرزحون في السجن، ومحاكمات سياسية لا زالت مستمرة، ومداهمات ليلية وغير ليلية وإغارة على مناطق سكنية لا تتوقف، وإهمال كامل للمطالب السياسية، ومفصولين من وظائفهم وأعمالهم يُتلاعب بقضيتهم بنحوٍ من حرق الأعصاب والإذلال، وتوصيات إصلاحية لا تعني الكثير أوصت بها لجنة تقصّي الحقائق يؤخذ بها من تسويف إلى تسويف، ومن تزييف إلى تزييف، ومن تسطيح إلى تسطيح.
في ظلِّ هذا الواقع العملي السيء تفتقد دعوى الرغبة في الإصلاح كلَّ قيمتها، ولا يكون لها محمل على الجد.

مسيرة الجمعة في التاسع من مارس:

توجد مسيرة سياسية في يوم الجمعة التاسع من مارس الحالي تصل إلى ساحة الحريّة.
يُطلب لهذه المسيرة من الناحية العملية ألاّ تكون مسيرة جمعيات سياسية فحسب، وإنما مسيرة شعب عامَّة وأوسع ما يمكن أن تكون عليه شاملة لكل الأطياف وجماهير الشعب الطموحة للإصلاح والتغيير(26).
ذلك لا للمبارزة والاستفزاز، وإنما للتأكيد على أن المطالب السياسية ليست خاصّة بشرذمة قليلة كما قد يُروِّج له الإعلام. وأنتم قد أكّدتم زيف هذه الدعوى بما لا يدَعُ شكّاً في كثير من المرات، ولزمن طويل، وخاصّة في العام المنصرم، وهذا العام، ولكنَّ المطلوب هذه المرة أن لا يتخلّف عن المشاركة في الحضور أي قادر من رجل أو امرأة(27)، من شيخ أو شاب، ومن كل الأعمار ردّاً عمليّاً منكم أكبر إفحاماً لتلك الدعاوى الزائفة التي تقوم على التضليل وتزوير الحقائق.
أتمنّى من جماهير الشعب من كل الأعمار، من كل قادر على الحركة رجلاً كان أو امرأة من كل الأطياف، من كل فصائل المعارضة، والحراك الشّعبي كلّه، ومن كل المناطق أن تكون لهم مشاركتهم في المسيرة المذكورة وفي الوقت المبكّر لإقناع من يقنعه الحق والواقع بأنكم مع المطالب السياسية والحقوقية العادلة، وأنكم لستم الشرذمة القليلة المعزولة التي لا يُعبأ لكم.
أتمنى من أصحاب السّماحة العلماء، وإخوتي طلاب العلوم الدينية الأعزاء أن يكون لهم حضورهم القويّ البارز، وألاّ يتخلّف منهم متخلّف، وسيكون على هذا المتكلِّم أن يتشرّف بالحضور مع إخوانه وأبنائه من أبناء الشّعب وبناته الشرفاء طلباً للأجر من الله سبحانه.
وإني لأطمع من الأخوة المنظّمين والمشرفين على المسيرة والمشاركين فيها من جماهيرنا الغيورة العمل على أن تكون الأرقى والأكثر انضباطاً ودقّة على مستوى القول والفعل(28) من بين المسيرات المنضبطة لتؤدّي رسالتها المقصودة في التركيز على أن المطالب السياسية والحقوقية العادلة مطالب شعب لا شرذمة قليلة غير معتبرة، وهي رسالة من الضرورة أن تصل العالم كلّه، ويفهمها.
اللهم صل وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، ولوالدينا وأرحامنا وقراباتنا وجيراننا ومن علّمنا علماً نافعاً في ديننا أو دنيانا، وكل من أحسن إلينا من مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة، يا أرحم الراحمين.
اللهم المم شعثنا، ووحد كلمتنا، واجمع قلوبنا على التقوى، واهدنا سواء السبيل، واكتب لنا النصر والعز ولجميع المؤمنين والمسلمين يا قوي يا عزيز يا رحمان يا رحيم.
اللهم ارحم الشهداء والموتى، وفك قيد السجناء والأسرى، واشف المجروحين والمعلولين والمرضى من كل المؤمنين والمسلمين يا واسع الرحمة، يا حنّان، يامنّان، يا كريم.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (29).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – 48/ النساء. وكذلك وردت نفس مقطع الآية في سورة النساء آية: 116.
ومشيئة الله ليست جزافية، وربما ;كانت هناك شروط أخرى. ولا يجبر اللهَ أحدٌ على أن يغفر لأحد.
2 – شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج10 ص184.
3 – هي هكذا الحياة. ومن أراد حياة أخرى فليبحث له عن عالم آخر.
4 – وهي للابتلاء والامتحان.
5 – قد تكون سبعين، قد تكون عشر سنوات، وقد تكون أقلّ من سنة، والحساب إنما يبدأ بسن البلوغ.
6 – لا سعادة الآخرة بالتي رأينا مثلها، ولا شقاء الآخرة بالذي رأينا مثله.
7 – قد يكون كذلك.
8 – وهذا تعامل غير رشيد مع الشدائد والمصائب.
9 – 155/ البقرة.
10 – إنه ليس صبر القاعدين، ولكنّه صبر القائمين.
11 – بصبر القائمين، برباطة الجأش، بإعمال التفكير، بالتحرّك.
12 – 5-8/ الشرح.
13 – ما أن تنتهي لحظة من لحظات الظلام إلا ونكون قد اقتربنا من النور.
14 – {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ}.
15 – طريق الله {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}.
16 – إلى الله العزيز الحكيم.
17 – 61/ الحج.
الشر ظلمة، عمى، لكن هذ الشر يولج الله عز وجل فيه الخير.
18- الروائع الخضرة: الأشجار والأعشاب الغضّة الناعمة التي تنبت في اأرض النديّة.
19- النابتات العذية: التي لا يسقيا إلا ماء المطر. وقد يشح.
20- الوقود: اشتعال النار.
المعاني الثلاث مأخوذة من شرح الدكتور صبحي لكلمات نهج البلاغة.
21- نهج البلاغة ص680.
22- سورة العصر.
23- هتاف جموع المصلين بـ(هيهات منا الذلة).
24- هتاف جموع المصلين بـ(الله أكبر، النصر للإسلام، لن نركع إلا لله). 25- النصر الأكبر قد حصل هو نصر ثورة النفوس على ضعفها، على بُعدها عن الله عز وجل، على ذلّها.
26- هتاف جموع المصلين بـ(معكم معكم يا علماء).
27- وأن تبتعد كلّ البعد عن أي مظهر من المظاهر التي قد تسجّل علينا في الإعلام العالمي أي مؤاخذة. وأن نكون أرشد وأوعى من أن نُصرف لأمور أخرى عن هدفنا الرئيس وبالخصوص هدف هذه المسيرة وهو التركيز على هذه النقطة أننا لسنا شرذمة قليلة، وأن هذه المطالب ليست مطالب شريحة صغيرة وإنما هي مطالب شعب. هذا الذي أريده. نريد أن نوصل هذه الرسالة بالخصوص ولا شيء آخر.
هتاف جموع المصلين بـ(الله أكبر، النصر للإسلام، لن نركع إلا لله).
28- 90/ النحل.