المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (492) 1 ربيع الثاني 1433هـ ـ 24 فبراير 2012م

خطبة الجمعة (492) 1 ربيع الثاني 1433هـ ـ 24 فبراير 2012م

مواضيع الخطبة:

 

الخطبة الأولى: التربية بالصعاب

الخطبة الثانية: لا صحيح ولا إصلاح – تناسب طردي – أمريكان يحرقون القرآن

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي جعل الأولى والآخرة، وخلق الموت والحياة، وكَتَبَ البعثَ بعد الموت، وقدَّر كلّ شيء تقديراً، حكيماً، وجعل الدّنيا ممهّدة، والتي بعدها مقيمة، والأولى امتحاناً، والثانية جزاء، وأعدَّ للصالحين أجراً عظيماً، وللطّاغين عذاباً أليماً، وبشَّر وأنذر، ورغّب في الثواب، وحذّر من العقاب رحمةً بالعباد، وهدى لمن اهتدى، وحجّة على من عصى، ولله الحجة البالغة.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
أوصيكم عباد الله ونفسي الظّالمة لنفسها بتقوى الله، وفِعْل الخيرات راغبين، وتجنّب المعصية حَذِرين؛ فما من فعلِ خيرٍ بنيّة مخلَصة لله إلاّ وكان فيه بناءٌ لنفسٍ كريمة، وإنسانيةٍ عظيمة، وأصْلَحَ من ذات الإنسان، وعالج من ضعفه، ورفع من قَدْره، وأكسبه عند الله قُرْباً، وأعظَمَ له به ربُّه أجراً.
وما من عمل سوء، ومعصية يأتيها العبد إلاّ نالت من نفسه، وثَلَمَت من إنسانيته، وأفسدت من داخله، وأضعفت من قوّته، وضيّعت من هداه، وحطّت من قدره، وأورثته من الله عزّ وجلّ بُعداً، واستحقّ بها منه عقوبة.
{فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}(1).
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين. اللهم اغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، ولوالدينا وأرحامنا وقراباتنا وأزواجنا ومن أحسن إلينا من مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
أعذنا ربّنا من مقارفة السيئات، والدنوّ من المعاصي، والميل إلى السّوء، والاشتغال بتوافه الأمور، وأن يستزلّنا الشيطان الرّجيم عن الحقّ، والصِّدق، والاستقامة على الصراط القويم لا نطلب إلا رضوانك يا كريم يا رحيم.
أما بعد أيها الأعزّاء من المؤمنين والمؤمنات فلنرجع إلى موضوع:

التربية بالصعاب:

في الدّنيا تضادٌّ وتزاحم بين موجوداتها، وفيها نواقص منشؤها محدودية طبائع مخلوقاتها في قابليتها لاستقبال الوجود.
وكلّ من الأمرين يسبّب للإنسان مشاكل وصعوبات وآلاماً جمّة.
وهناك تعاملان مع هذا الواقع: تعامل يجعل المشاكل والآلام طريق نموّ، ورُقيّ، وتكامل للإنسان. وتعاملٌ آخر يُعطيها(2) الاستحواذ على حياته، ويمتصّها، ويتحوّل بها إلى مدّة يقضيها في الشّقاء، ويسودها اليأس والتشاؤم والسُّخط، وينقطع بها عن هدفها الأخروي، ويجعلها معبراً لشقاء مقيم لا يُقاس به شقاء.
والإنسان، والعقيدة التي يبني عليها حياته، والمنهجُ الحياتي الذي ينطلق عن هذه العقيدة، ونوع التربية التي تشارك في صوغ الإنسان، وما تتجه إليه إرادته واختياره لمنهج الحياة هو الذي يُحدّد نوع التعامل مع المشكلات والأزمات والآلام.
الإيمان الواعي، والعقيدةُ الدينية الصحيحة، والمنهج الحياتي الإسلامي، والتربية المتلقّاة من الإسلام، والإرادة الموجَّهة من هذه التربية تنتج تعاملاً واعياً، وإيجابيّاً، وصنَّاعاً مع صعوبات الحياة وآلامها يزيدُ من قوّة الإنسان، ويرفع من مستواه، ويستثير طاقاته ومواهبَه، ويُنشِّط إبداعه، ويقطع به مسافات إلى الأمام، ودرجات من التكامل الصاعد في اطّراد.
أمَّا العقيدة المادية، والمنهج الحياتي القائم عليها، والمشاعر التي تُولِّدها، والتربية المترشِّحة عنها، والإرادة التي تُفرزها فإنما تنتج – ما لم تستول الغفلة على إنسانها، وتقطع نظره عن المستقبل والمصير، وما ينتظره من عدمٍ نهائي بعد هذه الحياة، ولحظة موتٍ تُنهي منه كل شيء، وتسلبه كلّ شيء، وتحيله إلى لا شيء أبداً حسبما تُمليه عليه عقيدته المادية(3) – تعاملاً سلبياً انهزامياً مع الشدائد والانتكاسات التي تواجه الإنسانَ بها الحياة ليغرق في بحرٍ من اليأس، والتشاؤم، والنظرة السوداء البائسة التي تدفع به إلى أمراض النفس الخطيرة والانتحار.
أمَّا الذين حجبتهم الدُّنيا من أبناء التوجُّه المادي عن النظر إلى المصير، وغرقوا في شهواتها، وجعلتهم على حدّ ما عليه الحيوان(4) من فَقْد الرؤية للمستقبل، والتفكير في الآتي، وانحباس النظر عن الأُفق البعيد فهؤلاء بهائم تنطلق بقوّة لا يمتلكها أقوى موجود من الحيوانات، وبشهوة عارمة للإفساد في الأرض، والاستيلاء على أرزاق الناس، وسلب حرّيتهم وأمنهم وكرامتهم(5).
ولننعطف بالحديث نحو بعض النصوص بشأن العواقب والآلام التي تلازم هذه الحياة.
{قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}(6) نفهم أنّ كلّ شيء بحسب ذاته وطبيعته في نفسه له خاصيّته، وتميّزه من حيث ما يطيقه من سعة وجود، واستقبال فيض، وموقع في الخلق. فالأشياء المتباينةُ المتمايزة في ذواتها مختلفة بحسب هذا التباين في القدرة على ما تتسع له من استقبال عطاء الوجود.
والله عزّ وجل بفيضه وجوده مُشبعٌ كلّ شيء ما يطيقه ذلك الشيء من الوجود، ولا ينقصه شيئاً، ولا يبخسه وزناً، ولا يحرمه من عطاء.
ومراتبُ الأشياء، ودرجاتها الوجودية، وحظوظها المختلفة من نعمة الوجود مردُّها إلى ما هي عليه من سعة أو ضيق في إناء ذاتها للاستفادة من عطاء الوجود. فإذا كان نقص فهو نقص ذاتيٌّ في المُعطَى لا ينفك عن ذاته، وليس نقصاً في الرّفد والعطاء.
وكلُّ الممكنات محدودة وإن تفاوتت محدوديتها، ولا يمكن لها الخروجُ من المحدودية للاطلاق، وإلاّ لما كانت ممكنة.
{الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ… }(7) أحسنه سبحانه بأن واءم بين أجزاء كل شيء خَلَقَه، وجعل التكامل في وظائف تلك الأجزاء، وأودع في ما خلق كلّ ما يبلغ به إلى غايته المطلوبة، ويصل به إلى كماله. فلا شُحّ، ولا نقص في العطاء، ولا خلل في الصُّنع.
{أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا…}(8) الماء ينزل من السماء وفيراً على أودية متفاوتة سعة وضيقاً بحسب ما عليه طبيعتُها، مختلفة في قدرتها على استقبال الماء، واستيعابه فيأخذ كلٌّ منها بقدره، فتتفاوت حظوظها من الماء ولكن بتفاوتها في نفسها سعة استيعاب، ويأتي هذا التفاوت بين الأشياء في حظِّها من الوجود ومراتبها فيه لتفاوتها في استعداد ذواتها لتلقّي الفيض، واستيعابها لنعمة الوجود.
لطبيعة الجماد طاقة استيعاب، واستفادة من عطاء الوجود، وللنبات طاقته، وللحيوان طاقته، ولطبيعة الإنسان طاقته. وكل ذلك على تفاوت.
والنبات وهو نباتٌ، وبطبيعته النباتية لا يمكن أن يكون من طبيعة الحيوان(9)، ويستفيد من نعمة الوجود الغامرة ما يستفيده الحيوان نفسه حسب مرتبته وطبيعته.
والحيوان بما هو حيوان لا يكون إنساناً، والإنسان بما هو إنسان لا يكون غنمة، ويقف عند حدّ الغنمة في الاستفادة من نعمة الفيض الإلهي للوجود(10).
وما تتسع له طبيعة الجمل من استعداد للتلقّي من هذا الفيض غيرُ ما تتسع له النملة حسب طبيعتها.
المشمشة مثلاً قبل تحقّقها في الواقع الخارجي هي مشمشة(11).
اللهم صلّ عل محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اهدنا بهداك، وألهمنا ذكرك وشكرك، وهب لنا عفوك ورحمتك، واجعلنا من صالحي عبادك، الذين أكرمتهم بمعرفتك وطاعتك، وبوأتهم المقام الكريم في جنتك يا حنان، يا منّان، يا متفضّل، يا محسن، يا حميد، يا مجيد.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}(12).

الخطبة الثانية

الحمد لله الخالق القادر القاهر الجبَّار العزيز الحكيم الفعّال لما يريد. لا إله إلا هو، ولا ربّ سواه، ولا معبود بالحقّ غيره، وليس لِمَن دونه أمر ولا نهي إلا من أمره ونهيه، ومن بعد إذنه ورضاه.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
عباد الله علينا بتقوى الله فما أفلح مفلح من غير تقواه، وما نال السعادة من خرج عن طاعته إلى معصيته، وهل الفلاح إلا من عنده؟! وهل السعادة إلا من فضله؟! ومَنْ غير الله تبارك وتعالى يملك شيئاً لِيُعطي، أو حولاً ليمنع ويكفي؟!.
لا إرادةَ لعبد بدون إذن الله، ولا ملك ليدٍ لما آتاها تتصرّف فيه على خلاف إرادته، وتستقِلُّ به عن ملكه، ولا حول ولا قوة لمخلوق إلا به، فكيف ينفع عبدٌ عبداً، وكيف يدفع عنه ضرّاً، ويمنع أذى، أو يؤخّر شيئاً من بلاء؟!.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اجعل توكلنا عليك، وثقتنا ولواذنا بك، وتوجّهنا إليك ونصرتنا لدينك، وأُنسنا بطاعتك، ووحشتنا في معصيتك، وبرِّئنا من أعدائك، وأهل معصيتك، والطف بنا يا كريم يا رحيم.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبدالله الصادق الأمين خاتم النبيين والمرسلين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأنوارك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس ياربّ العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصراً عزيزاً مبيناً ثابتاً قائماً دائماً يا أرحم الراحمين.
أما بعد أيها الإخوة والأخوات في الله فإلى بعض حديث:

لا صحيح ولا إصلاح:

ما دام هناك فساد سياسيّ يفتح في حياة المجتمع ألواناً من الفساد العام فهناك مشكلة حادَّة تُهدِّد كيان المجتمع كلّه، ولا تُتيح للمجتمع أن يهدأ، ويأخذ مساره الصّحيح في الحياة، والإنتاج، وبناء المستقبل…. مشكلةٌ تثير الصِّراع، ولا تسمح له بأن يتوقّف، وتفرض طَلَبَ الحل، وتعديل الأوضاع، وتصحيح الواقع تجنُّباً لأن يخسر المجتمع كيانه كلّه، أو يكون تحت طائلة الكوارث المستمرة.
ثار الصِّراع فعلا وبصورة مشكوفة ولمدة طالت بين شعب عانى الويلات من فساد السياسة، والفساد العام الذي يتدفق منها ومن أجل خلاصه، وبين السياسة الغاشمة التي تتمسك بحالة الفساد، ولا تريد تصحيح الوضع، وترفض الاعتراف بحق الشعب، وكونه مصدر السلطات فيما تعارف عليه وضع أهل الأرض في الزمن الحاضر في حين لا تنسب نفسها للدولة الدينية وترى في هذه النسبة نوعاً من المسبَّة.
إذا تظاهر الشعب واعتصمت جماهيره بعشرات الآلاف، وبمئات الألوف ردَّت الحكومة على ذلك بأن هذه هي الفوضى، وكيف يكون حوار، وكيف يكون إصلاح في ظل أوضاع من هذا النوع، ومع أناس مخرِّبين ومتآمرين ومفسدين ومضرّين بالأمن والمصالح العامة والاقتصاد، ولا يريدون إلا التصعيد؟
وإذا خفَّت المظاهرات والاعتصامات قالت الحكومة بأن الأحوال هادئة، والشعب راض بالوضع القائم، وقد اقتنعت الجماهير بخطأ المعارضة، ولا داعي للحوار، ولا موضوع للإصلاح، وكل شيء على ما يرام، وديموقراطيتنا متقدّمة.
وليس إلاّ أن يبقى المفصول مفصولاً، والسجين سجيناً، والملاحق ملاحقاً، وتستمر حملات التأديب والمداهمة، والتشهير والتسقيط حتى يتأكد من ركوع الكل وتسليمه بالواقع المُر وأن يتحقّق الإذلال(13).
فالشّعب تظاهر أو لم يتظاهر، اعتصم أو لم يعتصم مخطئ(14) مدان ولا صحيح عنده ولا إصلاح من جانب الحكم في الواقع السياسي، ولا إصلاح على الإطلاق. نعم يمكن أن يؤخذ بأمور قشرية لا تسمن ولا تغني من جوع بالنسبة للشعب، ولا تُخفّف من معاناته، ولا تُمثّل شيئاً من حل لمشكلته، على أن ترفع لافتة إصلاح زائف في فضاء الإعلام.

تناسب طردي:

كلما ظَلَمَ حكم شعباً استشعر بغضاء مظلومه، وفَقَدَ ثقته فيه، واشتدَّ حذره منه، وفتح الأعين على كلّ حركاته وسكناته، واستبدّت به الهواجس من كلّ تصرُّفاته، ورأى فيه عدوّه الذي لابد أن يُضعفه، ويقهر إرادته.
ذلك على عكس حكم عادل مع شعبه، ساهر في خدمته، مخلص له، جادّ في رقيّه، عامل على راحته وسعادته.
هذا السّلوك يبني ثقة بالشعب، واطمئناناً له، واعتماداً على تعاونه، ودعمه للحكم وحرصه على قوّته واستمراره.
يأتي في حياة الناس وعلى مستوى الأفراد أن يُسيء إليك من تُحسن إليه، وإذا أتى هذا فإنّما يأتي من إنسان فقد إنسانيته.
ولكن المحسن يبقى مستمراً في إحسانه لما يفرضه الإحسان من اطمئنان عند العقلاء بمن أحسنت إليه، وعدم توقُّع الإساءة منه لانتفاء السبب المعقول إلا مِنْ خبث نفس خاص يعاني منه من يقابل الإحسان بالإساءة، حتى ليتفاجأ المحسن وكلّ الآخرين حين تأتي الإساءة من شخص لآخر أحسن إليه، ويكون هذا الأمرُ مثلاً في السوء، والانحدار عن الخلق الكريم.
أمّا على مستوى الشعوب والحكومات فيندر ذلك ندرة تكاد تُلحقه بالمستحيل، فلا يمكن عادة أن يفقد شعب في غالبيته ضميره وخلقه ورؤيته ويتعامل مع صدق الحكم وإخلاصه وتفانيه في صالح الشعب، وعفّة يده التعامل مع الإساءة، ويعاقبه على إحسانه وتعاونه.
إنّه لا يفقد حكم ثقته بشعبه إلاَّ من ظلم شديد مارسه في حقّ هذا الشعب.
والخطأ كلّ الخطأ أنه بدل التراجع عن هذا الظُّلم، والأخذ بالعدل، وتصحيح الوضع لبناء الثقة من جديد، وترميم الأوضاع النفسية، وتدارك الخطأ يُعمَد إلى مزيد من الظلم والعَسْفِ، والإمعان في إيقاد الفتنة، وأذى الشعب وتهميشه، والإصرار على الاستبداد والإذلال، وتبعية الأغنام لرُعاتها مما يعلم من الشعوب كلّها اليوم الوقوف في وجهه بأيّ ثمن كان ومهما كلّفها ذلك(15).
لا حكم اليوم يريد لنفسه البقاء، وأن ينال ثقة شعبه أو سكوته عليه على الأقل يسعه أن يتعامل التعامل الجافي القاسي مع الشعب، ويدوس كرامته، ويتجاهل حقّه في تقرير مصيره، ويدير ظهره لمصالحه، ويتنكّر لحريته. صار من الضروري لاستقرار أي حكم، والتعايش معه من غير توترات حادّة مستمرة أن يعدل، أن يحترم حقوق الشعب، أن يعترف له بحقّه في تقرير المصير، بحرّيته، بإنسانيته، بكرامته.

أمريكان يحرقون القرآن:

أقدمت القوّة الأمريكية في أفغانستان على حرق نُسَخٍ من المصحف الشريف تعبيراً عن الاستخفاف به، والحقد عليه، ومعاداته، ومحاربته. وحرقُ نُسَخ المصحف المبارك إجراء رمزيّ لإرادة القضاء النهائي على فكر القرآن الكريم في الأرض، ومشاعره، وحضارته، وأمّته، وقيادته لحركة الحياة، ولأي كيان يتأسّس على أساسه، ويقوم في ضوئه، وينال مباركته(16).
إنها الحرب العدائية للإسلام، ولكل أثر من آثاره، ولكل مقدّس من مقدّساته، ولكل نور من هداه.
وأثار العدوان حميّة المسلمين في أفغانستان وغيرتهم الإيمانية لما يعرفونه من قيمة القرآن وقدسيته التي تُفدَّى بالنفوس، وسقطت أنفس من أجل ذلك في سبيل الله على يد المعتدين.
هذا عدوان حضاري لأمتنا وحضارتنا ومقدساتنا يواكبه عدوان إسرائيلي مماثل ممنهج لا يكفّ عن مهاجمة المسجد الأقصى وسلبه وتخريبه، ومحاربة الصلاة والمصلّين فيه(17).
وأين الحكومات في أغلب البلاد الإسلامية؟ إنها في غياب من أجل تشتيت الأمة، إنهاكها، إذلال شعوبها وقهرها والتآمر على ثوراتها والدخول في تحالفات رئيسة طويلة المدى على حساب وحدتها وهويتها.
ولقد عشنا محليّاً تجربة من التعامل السيء الساقط المستخف المستهين بحرمة القرآن الكريم حيث تختلط أوراق المصاحف الشريفة مع حطام المساجد المهدَّمة مبعثرة هناك وهناك(18).
ولقد شاهدنا هنا وفي هذا المسجد صبيحة ليل اقتُحم فيه عنوة المصحفَ ملقى على الأرض في صورة مهينة، إلى جنب ما تمّ اغتصابه من أجهزة البث في المسجد أُعيد بعضها، وبعضها لم تنته مصادرته.
إنه يمكنك تفسير ما جرى ويجري من إهانة لكتاب الله عزّ وجلّ على يد قوات غير إسلامية وترى في الإسلام عدوّاً لها، ولكن قد يصعب عليك أن تُفسِّر الاستخفاف والتعدي على المساجد وما فيها من مصاحف وكتب الدُّعاء من قوات بلد مسلم تخضع لتوجيه مسؤولين مسلمين في بلد الإسلام والإيمان.
إنها القدوة الحسنة التي تُقدّمها بلادنا المسلمة لبلدان العالم الآخر في التعامل اللائق مع المسجد وكتاب الله.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم ما عرّفتنا من دينك فأعنّا على تأدية حقّه، وما قصرنا عنه فبلّغناه يا قوي يا عزيز، يا رحمان يا رحيم، يا جواد يا كريم.
اللهم ارحم شهداءنا وجميع شهداء الإسلام، واشف جرحانا ومرضانا وجميع الجرحى والمرضى من المؤمنين والمؤمنات، ورُدّ غرباءنا جميعاً إلى أوطانهم سالمين يا عليّ، يا عظيم، يا رحمان، يا رحيم.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (19).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – 7، 8/ الزلزلة.
2 – يعطي المشاكل.
3 – العقيدة المادية تُعطي هذا التصوّر، وأن الموت يعني نهاية كل شيء في وجود هذا الإنسان. ما لم يغفل الكافر عن هذا التصور فإنه يقع في اليأس ويستولي عليه القنوط أو تتحول جياته إلى عربدة رخيصة وظلم وإفساد.
4 – ذئب أو حشرة أو غير ذلك من هذا الجنس. 5 – الكفر يُنتج صنفين من الناس، صنفين من النفسية: كافر يلتفت إلى أن الموت نهاية كل شيء حسب عقيدته، فهذا يائس، مريض نفسيا، معرّض لأخطر الأمراض النفسية والانتحار.
كافر آخر لا يؤمن بالله عز وجل، ويؤمن بأن هذه الحياة هي فرصة التمتمع وهو في غفلة من اليوم الآخر، يعيش ذلك فكريا دون أن يعيش فكرة النهاية نفسيا. هو حسب عقيدته بأنه لا آخرة، ولكنّه في سبات وعدم التفات إلى هذه النظرة، هذا ينطلق بكل قوة وراء شهواته ليدمّر الحياة. 6 – 50/ طه.
7 – 6/ السجدة.
8 – 17/ الرعد.
9 – – ولا يمكن أن يأخذ وزن طبيعة الحيوان وسعته. 10 – الإنسان لا يكون محدوداً محدودية الغنم في استفادته من فيض الوجود، والغنمة لا تكون في سعة كسعة الإنسان في استفادتها من فيض الوجود. هذا له طبيعته، وذاك له طبيعته، هذا له ذاته المحدودة بحدٍّ، الغنمة قبل أن توجد هي غنمة… 11 – أي شيء، أي طبيعة قبل تحققها في الواقع الخارجي هي تلك الطبيعة، الإنسان قبل أن يتحقق في الخارج هو إنسان، والجمل قبل أن يتحقق في الخارج هو جمل، هذه طبيعة، وتلك طبيعة، ما الذي يحصل بإيجاد الله عز وجل هذه الطبيعة؟ الذي يحصل هو أن يفيض الله عز وجل على الجمل بطبيعته الوجود فيكون جملا خارجيا، وأن يفيض على الإنسان بطبيعته الإنسانية الوجود فيأتي كما كان على طبيعته إنساناً، وبسعة الإنسان في تلقّي الفيض الوجود.
فلا بد أن يكون الإنسان في مرتبة وجودية غير المرتبة الوجودية التي يحتلها الجمل مثلاً.
12 – سورة التوحيد.
13 – هتاف جموع المصلين بـ(هيهات منا الذلة).
14 – في نظر الحكومة.
15- هتاف جموع المصلين بـ(لن نركع إلا لله).
16- حرق الحرف رمز لحرق المعنى، لحرق الحكم والهيمنة القرآنية في الأرض.
17- هتاف جموع المصلين بـ(الموت لإسرائيل، الموت لأمريكا).
18- هتاف جموع المصلين بـ(لبيك يا إسلام).
19- 90/ النحل.