المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (482) 20 محرم 1433هـ ـ 16 ديسمبر 2011م

خطبة الجمعة (482) 20 محرم 1433هـ ـ 16 ديسمبر 2011م

مواضيع الخطبة:

الخطبة الأولى: عودة لموضوع الجنة

الخطبة الثانية: السياسة في الإسلام

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي رَحِم عبادَه بقبول التوبة، والجود بالمغفرة، وحذَّرهم من التمادي في المعصية، والبقاء على الذنب فسدَّ عنهم أبواب اليأس من رحمته، وأبوابَ التّساهل في الإقلاع عن معصيته نأياً بهم عن المصير إلى ناره، وحِرمان جنّته.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله التي تحمي من زيغ النفس، وغَلَبَة الهوى، والوقوع في شباك الشيطان، ومصائد الغاوين، وتُنقِذ من شرِّ مصير، وأسوأ عاقبة، وتنتهي بأهلها إلى خير منقلب، وأكرم خاتِمة، وأعظم السرور.
بتقوى الله يُنال رضاه، وما ظفرت نفس بمثل ما تظفر به من رضا الربّ الكريم.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم أعذنا من أن نُخدع عن دينك الحقِّ، أو نخرج من الدّنيا في غضبك، أو تحدث لنا مفارقة عن طاعتك، أو يصرفنا وعدٌ عن وعدك، أو يَشغلنا وعيدٌ عن وعيدك، أو نرضى بغير رضاك، وافعل بنا ربّنا فوق ما نُؤمِّل، وأكثر ما نرجو يا أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين يا حميد يا مجيد.
أما بعد أيها الأعزاء من المؤمنين والمؤمنات فهذه عودة للحديث عن موضوع الجنّة:

من وصف الجنّة:

يشدّك الجمال إليه حتّى تشهد جمالاً أكبر فتسقطَ قيمة ما قبله إذا كان الفارق كبيراً بينهما. وكذلك هو الغنى والقوة، والشجاعة وسائر الصفات، صفات خير كانت أو صفات شرّ. جمال ينسيك جمالاً، وقوة وشجاعة ينسيانك قوة وشجاعة، وسوء يشغل عن سوء، ومصيبة تُهوّن مصيبة.
وللجنّة جمال لا يُبقي للدنيا أيّ جمال، ونعيمُ الجنّة يسقط قيمة ما في الدنيا من نعيم.
تقول الكلمة عن علي عليه السلام:”فلو رميت ببصر قلبك نحو ما يوصف لك منها لعَزَفَتْ نفسك عن بدائع ما أُخرج إلى الدّنيا من شهواتها ولذاتها وزخارف مناظرها…”(1).
فلو ملك القلب صورةً يرى منها جمال الجنّة لما استقرّ من صاحبه مكانه، ولزهقت النفس شوقاً لذلك الجمال.
فمما جاء تتمّة للنصّ السابق:”فلو شغلت قلبك أيها المستمع بالوصول إلى ما يهجُم عليك من تلك المناظر المونقة لزهَقت نفسك شوقاً إليها، ولتحمَّلتَ من مجلسي هذا إلى مجاورة أهل القبور استعجالاً بها”(2).
ولتكن الدُّنيا أجمل ما تكون، وليكن خيرها أوفر خير، ولذتها أكبر لذّة، ونعمها أغزر النعم، ولكن ما دام الإنسان مهدّداً بالفناء، ولا يقين له ببقاء نعمه، وكان على موعد من الموت قد ينتظر به أو لا ينتظر فيداهمُه في أي لحظة فإنّ النعمةَ لا تتم، والدنيا لا تهنأ، والنفس لا تستقر، والمشاعر لا تهدأ.
والجنّة نعيم شامل دائم، وحياة لا تنقطع، وهناء مستمر، لا يتهدّد ساكنَها فقرٌ ولا مرض، ولا خوف، ولا فناء؛ فلا شيء ينقصُ سعادتها، ولا شيء يُزلزلها، ولا شيء يأتي عليها، ولا شيء يتهدّدها على الإطلاق.
وتتحدث الكلمة عن الإمام علي عليه السلام عن الجنَّة بهذا الحديث:”… لا يبيد نعيمها، ولا يضمحلُّ حبورها، ولا ينقطع سرورها، ولا يظعنَ مقيمها، ولا يَهرَم خالدها، ولا ييأس ساكنها، آمنٌ سكّانها من الموت فلا يخافون، صفا لهم العيش، ودامت لهم النِّعمة في أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذّة للشاربين…”(3).
خير الجنّة، ونعيمها، وسرورها لا تعرضه نهاية، ولا تقطُّع، ولا يمسّه فتور. فحياة الجنّة حياة لذّة دائمة، وسرور متصل، وهناء شامل، وأمن ثابت، ورضا متدفِّق، وسعادة قائمة بلا أمد.
ونفس المؤمن في الجنّة وهي عارفة بالله، شاعرة برضاه لا تعدل سعادتها بهذا الشعور سعادة، ففي تلك المعرفة، وذلك الشعور كلّ أمنها وعزّها وفخرها ورضاها عن ذاتها، وغناها بالمعنوية الكبيرة، ونيل الفوز العظيم.
تلك المعرفة اليقينية بالله، وذلك الشعور النابت الثابت الراسخ غير المهتزّ ولا المتبدّل لا يوفّران يقيناً بالغنى المادي والحياة الدائمين فحسب وإنما يُكسبان التمتع القائم بالشعور بالمعنوية والكرامة، والنظر إلى الذات بنظرة الرضا والاحترام(4).
اقرأ قوله تعالى:{وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}(5).
نعمة الخلود في جنّات تجري من تحتها الأنهار، والمساكن الطيّبة في جنات عدن نعمة ما أجلّها وأعظمها من نعمة، ورضوان الله أعظم وأجلّ، وهو النعمة التي لا تسمو إليها نعمة.
الملك العريض في الجنّة والذي تُقدِّم الكلمة عن الإمام الصادق عليه السلام عنه شيئاً من الوصف بهذا البيان:”إن أدنى أهل الجنّة منزلاً لو نزل به الثقلان – الجن والإنس – لوسعهم طعاما وشرابا، ولا ينقص مما عنده شيء”(6)؛ هذا الملك فيه سرور للنفس، ولها منه اطمئنان، ولكن شعور العبد برضا ربّه الحقِّ الذي لا ربّ سواه، ولا مالك غيره، ولا عظمة كعظمته، ولا جلال كجلاله، ولا جمال كجماله عنه هو السرّ الأكبر لسعادة العبد، وشعوره بجمال وجوده والحياة، وهو المؤمِّن الذي لا مؤمِّن يقوم مقامه(7).
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم أحينا في طاعتك، ولا تجعل لنا دنوّاً من معصيتك، ولا تمتنا إلا على دينك وملّتك، وصيّرنا إلى جنّتك ورضوانك ورحمتك يا حنّان، يا منّان، يا كريم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}(8).

الخطبة الثانية

الحمد لله مُنشئ الموجودات بعد عدمها، وهاديها إلى سبلها وغاياتها، والعالم بظاهرها وخافيها، والخبير بكلّ شأنٍ من شأنها، والمُحصي لكلّ ما يعرض عليها، ويلمّ بها، والحاكم لها في حركتها وسكونها. لا تستغني عنه في حال، ولا تستقلّ عن إرادته في بداية أو مآل.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وزادهم تحية وبركة وسلاما.
عباد الله فلنتّق الله؛ فإن التقوى حقّ الربّ، وحاجة العبد. لقد حقّ لله أن يُتّقى وهو الذي لا ملك إلا ملكه، ولا سلطان إلا سلطانه، ولا أمان إلاّ أمانه. وما من نعمة من غيره، وما من خير من سواه، ولا يدفع السوء إلا هو، ولا يردّ قضاءه راد، ولا يتخلف عن مشيئته متخلّف.
يجد عبد غنى عن ربّه الحقِّ، ولا إصلاحاً لنفسه وتكميلاً لها إلاّ بطاعته، ولا نجاة من غضبه إلاّ بالإذعان لحقّه وعبادته، ولا فوزاً إلاّ برضاه.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم إنّا نفرّ إليك من غضبك، ونستجير بك من عقوبتك، ونسألك واسع رحمتك، وفسيح جنّتك، وعظيم رضوانك يا رحمان، يا رحيم، يا كريم.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين الصادق الأمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأنوارك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم .
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس ياربّ العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، المعادي لأعدائه، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصراً عزيزاً مبيناً ظاهراً دائماً مقيماًً.
أما بعد أيها الأحبّة في الله فإلى هذا العنوان:

السياسة في الإسلام:

في الإسلام طرح سياسي واحد لا اثنان ولكن المسلمين اختلفوا حول هذا الطرح؛ فمدرسة الإمامة غير مدرسة الشورى فهماً لهذا الطرح.
تذهب مدرسة الإمامة وهي تربط بين سياسة الدنيا والدين بلا تفكيك بين الإمامة فيهما معاً على الإطلاق، ولكون إمامة الدين متوقّفة على فهمه الفهم الدقيقَ المأمون الكامل، وتطبيقه كذلك، ولحاجة السياسة الدنيوية ونجاحها إلى خطّ الدين إلى أن تعيينَ الإمام من الله لأنه وحده الذي يعلم بالمعصوم الثابت على العصمة في علمه وعمله.
وتستند مدرسة الإمامة مع ذلك إلى عدد من النصوص الواردة في الكتاب الكريم والسنة المطهّرة، ومواقف الرسول صلّى الله عليه وآله العملية.
وتذهب مدرسة الشورى إلى حقّ الأمة أو أهل الحلّ والعقد فيها في اختيار الإمام على ضوء مواصفات دينية مطلوبة.
ولا وقفة هنا للنظر في أيٍّ المدرستين(9).
وما تقدّم إنما هو على المستوى النظري. وعملاً وقع المسلمون في خطأ الحكم الوراثي الذي لا يلتقي مع أيّ من المدرستين اللتين مرّ ذكرهما.
جاءت الدولة الأموية التي كانت ترى أن على الأمة أن تعيش تحت سيطرة الحكم الأموي ما دام على الأرض إنسان، وهكذا كانت وجهة نظر العباسيين والعثمانيين من بعد.
وكل أسرة حكمت بلداً من بلاد المسلمين صار رأيها أن تحكم هذا البلد حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
وحتى لا يشتبه الأمر على أحد، ويَخلِط بين هذا الفهم الأجنبي قطعاً عن الإسلام وبين فهم مدرسة أهل البيت عليهم السلام، فلابد من الالتفات إلى أن مدرسة الإمامة بعيدة كلّ البعد عن الحكم الوراثي فإمامة الحسن أو الحسين عليهما السلام ليس لأنّ هذا أو ذاك ابن لعلي بن أبي طالب عليه السلام. وإنما لأنه منصوص عليه بالنص الديني وممن بشّر رسول الله صلّى الله عليه وآله بإمامته، وهكذا الحال في إمامة الأئمة الإثني عشر.
والإمامة في أهل البيت عليهم السلام إنما حُدِّدت في اثني عشر إماماً سُمّوا سلفاً وقبل ولادة الكثير منهم، ولا تمتدّ الإمامة في ذرية النبي وعلي عليهما السلام حتى النهاية.
ثمّ إنّه في غياب المعصوم عليه السلام لا تقصر مدرسة الإمامة إمامة المسلمين على ذرية رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم.
وعليه فإنّه إذا أراد المسلمون أن يحترموا فهمهم للإسلام في المسألة السياسية حتّى مع تخلّيهم عن مدرسة الإمامة فليس لهم أن ينسبوا الحكم الوراثي للإسلام، ويُشرّعوا له على هذا الأساس.
وإذا أعطوا الحكم لأي فرد من أي عائلة فلا بد أن ينظروا صلاحيته على أساس ما فهموه من مواصفات الحاكم في الإسلام حتى تتصحّح نسبة اختيارهم إليه، وأنّ اختيارهم ذاك إنما هو من اختيار الإسلام.
ثم ليس لمسلم وعلى أساس الإسلام أن ينكر على الأمّة مواجهتها للظلم، ومحاولتها ردع الظالم عن ظلمه.
وإنما على المسلم من منطلق إسلامه ألا يُقِرَّ أحداً على ظلم، ولا يسكت على مظلمة مظلوم كان من كان ما وجد إلى التغيير سبيلاً ومنفذاً(10).
إن الوقوف مع الظالم ضدّ المظلوم يفصل العالم الديني وأي متحدّث باسم الإسلام عن الإسلام نفسه في هذا الموقف الشائن المعادي لدين الله.
ورفع شعار الإسلام ممن يقفون موقف المناصرة للظلم من أكبر عمليات التزوير المضرّة بصفاء الدين ومكانته في الناس.
وعلى الأمة فضح هذه المواقف، والتبرّي من أصحابها إنقاذاً للدين من التزوير وسوء السمعة، وللأجيال من الاغترار بالزور كما حدث كثيراً في التاريخ، وابتليت به الأمم(11).
وإنّ الذين يناهضون حركات التحرّر والتغيير النافع والإصلاح، ويعادون المصلحين إنما ينطلقون في هذه المناهضة والعداوة من ارتباط مصالحهم المادية بالوضع الظالم المتخلّف، والفساد المستشري فيه،وإن تستَّروا بشعارات مختلفة منها الديني والمذهبي، والدفاع عن هذه الفئة أو تلك من فئات المجتمع التي كلها تعاني من آثار الوضع الظالم الذي يضطهد الجميع، ويسرق ويسلب، ويستخف بكرامة الجميع، ويستعبد الجميع، ويُمزّق النسيج الاجتماعي الذي يحفظ وحدة كل الفئات.
وينبغي للجماهير في كل مكان أن تعيَ المنطلقات الحقيقية، والدوافع الخلفية للمناهضين لحركات التغيير والإصلاح، وتعزلهم.
وإذا كان البعض يرى في الإصلاح إضراراً بامتيازاته المادية المرتبطة بالوضع الظالم، والصيغة السياسية الفاسدة، وتقليلاً من فُرَص تسلّقه للمواقع المغرية، والمكاسب الحرام التي لا يرى له فرصة ولا طريقاً إليها إلاّ بمساندته للظُّلم والفساد واستماتته في التبرير والدّفاع عما لا يرضاه الله سبحانه من ظلم العباد، وامتهان كرامة الإنسان، والاستئثار بالثروة المشتركة، فإنَّ الشعب الذي يرى في الإصلاح حياته وكرامته، وفي التخلِّي عن الإصلاح العبوديةَ والانتحار لأشدّ استماتة ودفاعاً عن حقّه في الحياة الكريمة والحرية، والعيش في سعة وأمان(12).
لا لن يكون المدافعون عن الظلم والفساد خوفاً على مصالحهم الشخصية وامتيازاتهم الظالمة القائمة على آلام المحرومين والمعذّبين أشدّ حماساً وتضحية من المكتوين بنار الوضع الظالم، والمتطلّعين للخروج من العذاب.
على الذين يتمنّون بقاء الأوضاع السياسية المنحرفة الظالمة في البلاد العربية ومنها البحرين على ما هي عليه من صورة سيّئة مزرية تتنافى وحقوق الإنسان وكرامتَه، والشأن العزيز للمسلم حرصاً على ما يستفيدونه من امتيازات محرّمة ترتبط بهذه الأوضاع أن ييأسوا من ذلك. وليس لهم يوم يأتي نصر الله للمؤمنين إلا أن تتقطّع قلوبهم حسرات.
إلى اليوم لا جديد هنا على الأرض… لا تغيير في الأوضاع… لا شيء من الانفراج… لا صدق للوعود… لا شيء دون الكلمات المَسُوقة للإعلام… لا أثر للجان التحقيق وكثرة الوفود.
ولكنّ الجديد آت، والإصلاح لابد منه، والمطالب لابد من تحقيقها. وإرادةُ الخير لابد أن تنتصر، والله لا يضيع عمل عامل، وهو مع المظلوم على الظالم، والصبر منتج، وإصرار الشعب أقوى من ظلم الحكومات، والروح العالية لا تنهزم، والباذل للكثير لا يقبل أن يرجع بيدٍ صفراء، أو بالشيء القليل، والوعي اليوم أكبر من كلّ التفاف، والإرادة أصلب من أن تتراجع.
غداً لابد من جديد، والقيد لابد أن ينكسر(13)، والفجر لابد أن ينبثق.
وما النصر إلا من عند الله(14).
مساران ما تعطّل الإصلاح في أيّ منهما بقيت الأزمة، وساءت الأمور من دون تراجع لإرادة التغيير عند الشعب وإن عظمت منه التضحيات وهما المسار السياسي، والمسار الحقوقي.
المسار الحقوقي ولما أصابه من تدهور خطير في الحقوق بدرجة فظيعة، ولا زال يعيش هذا التدهور، ويعاني من عدوانية الحكومة في أكثر من صعيد يستحقّ الاهتمام والتركيز الشديد وتفرض الضرورة المطالبة المكثّفة بإصلاحه(15).
مع أهمية المسار الحقوقي يبقى الفساد والخلل السياسي وغياب الدستور الموافق لإرادة الشعب الملبّي لطموحاته أساس المشكل، ومنبع الفساد كلّه.
فلا تنازل عن الإصلاح في أي من المسارين ولا تراجع.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم ارحم شهداءنا وشهداء الإسلام في كل مكان وزمان وارحم موتانا وموتى المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، وفك أسرانا وسجناءنا، واشف المرضى والمعلولين والجرحى من أهل طاعتك يا كريم يا رحمان يا رحيم.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (16).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- نهج البلاغة ج2 ص75 ط1.
2- المصدر السابق ص76.
3- مطالب السؤول في مناقب آل الرسول ص271.
4- والذات التي لا ترضى بذاتها، ولا تنظر إليها باحترام، وتعرف منها الإثم والجرم والسقوط ذاتٌ لا يمكن أن تهنأ، وإن توفّر لها من الخير المادي ما توفّر.
5 – 72/ التوبة.
6- بحار الأنوار ج8 ص 120 ط2 المصححة.
7- أنت في جنّات ليس لك من يضمن لك البقاء فيها وبقاءها لك قد تهنأ ولكن لا تهنأ الهناء الكامل.
8- سورة التوحيد.
9 – فالحديث ليس بصدد التحقيق العقيدي.
10- كلما وجد سبيل أو منفذ إلى إنكار المنكر، وإيقاف الظلم كان ذلك متعيّناً على المسلمين جميعاً.
11- وكم من أمّة ضلّت أجيال منها بسبب مواقف علماء الدين الموالين للسلطات الظالمة.
12- هتاف جموع المصلين بـ(سحقاً سحقاً للعملاء).
13- هتاف جموع المصلين بـ(هيهات منا الذلة).
14 – هتاف جموع المصلين بـ(النصر للإسلام).
15- الناس تغرقها السموم الغازية وهي في غرفها المغلقة، أكثر القرى البارحة كانت تحت وطأة السموم البطيئة التي تسبب الموت البطيء، الناس هنا في نظر الحكومة تحوّلوا إلى حشرات؟!
هتاف جموع المصلين بـ(هيهات منا الذلة)، (لن نركع إلا لله).
16- 90/ النحل.