المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (480) 6 محرم 1433هـ ـ 2 ديسمبر 2011م

خطبة الجمعة (480) 6 محرم 1433هـ ـ 2 ديسمبر 2011م

مواضيع الخطبة:

 

الخطبة الأولى: ابحث عن الغاية

الخطبة الثانية: يوم الحسين عليه السلام يوم الإسلام – تغيير الحكومة

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي لا يغيب عن علمه غائب، ولا يخرج من إحصائه خارج، ولا يهرب من حكمه هارب، ولا يردّ نقمته قادر، ولا يصبر على ناره صابر، ولا يؤمّل مثل جنّته مؤمّل، ولا يرجو كثوابه راج. عقابه شديد، وعطاؤه فوق كلِّ عطاء، وكرمه لا يبلغه كرم، ولا يصل إليه تصوّر.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
أوصيكم عباد الله ونفسي الأمّارة بالسّوء بتقوى الله؛ وليس لطالب النجاة والنجاح غيرُ تقواه من سبيل؛ إذ لا وليّ لعبد غير ربّه، ولا ربّ لمخلوق من دون الله، وكل شيء منقطع في وجوده، وحياته، ونفعه إليه، ولا حول ولا قوّة إلاّ به. فطالب الخير من عند غير الله عدم يطلب من عدم، واللاجئ إلى من سواه لاجئ إلى قوّةٍ موهومة، وحمى خيال.
والتقوى خشية من الله نابعة من معرفة لقدرته، وانجذابٌ له من عشقٍ لجلاله وجماله، واندكاك من قلبٍ رأى القليلَ من نور عظمته، واستجابةُ خضوع وذُلٍّ من جوارح ليس من ورائها إلا ابتغاءُ رضوانه.
اللهم صلّ وسلّم على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
أعذنا ربّنا من أن نفقد بصيرتنا، ونضلّ الطريق، ونخسر تقوانا، فنصير إلى سخطك، ونتعذّب بنار هجرانك، وأليم عقوبتك يا رؤوف يا رحيم يا كريم.
أما بعد أيها الإخوة المؤمنون والمؤمنات فإلى هذا الحديث:
ابحث عن الغاية:

إنّما استكمال الإنسان لذاته، وأوضاع حياته بالتعرُّف على الغايات النبيلة، والمقاصد النافعة، والاهتداء إلى طُرقها، وسلوك السبل إليها.
ولا يُطلب الرقيّ إلا عن طريق الأخذ بالحقائق، وقد ضلّ من كان سعيه بلا غاية، أو كانت غايته ساقطة، أو ضيَّع الطريق إلى الهدف الكريم، أو بنى أمره على الخيال والوهم دون الواقع والحقيقة.
وإذا كانت حياتنا مليئة بالغايات، فإنها نفسَها لابد أن تكون لها غاية. وقيمة كلّ تلك الغايات إنما تأخذ وزنها من مدى التلاقي، أو التنافي بينها وبين هذه الغاية، ومن قيمة هذه الغاية.
إذا كانت الحياة نفسُها بلا غاية؛ فكلُّ الغايات في إطارها، الذاهبةُ بذهابها هابطة القيمة وإن كانت ذات وزن في نفسها. فالمنقطع الهالك المنتهي ضئيل القيمة بلا جدال.
فالنجاح العلمي والصناعي والزراعي والسياسي، وكل المكتسبات، والمنجزات والانتصارات الضخمة المنتهية بانتهاء الحياة، الفاقدة للامتداد النافع بعدها ضئيلة القيمة.
وما قيمة هذه النجاحات كلِّها وحياةُ صاحبها مفرّغة من الغاية، أو أن غايتها حفرة يُقبر فيها جسداً يتحوّل إلى ذرّات مع السنين دون شيء من روح أو عقل أو شعور.
وما وزن كلِّ تلك النجاحات إذا كانت الغاية التي تُنهي إليها ناراً محرقة، وعذاباً مقيماً، وشقاء دائماً(1).
فأين الهدى من بعد ذلك، وأين الضلال؟(2). من هو الضال، ومن هو المهتدي؟
الهدى أن يعرف العبدُ نفسه عبداً، وإنساناً كريماً، وموجوداً ذا غاية بعيدة كريمة، ويعرف ربّه ربّاً لا تناهي لعظمته، ولا حدَّ لكماله، وأنّ غايته رضى ربّه، وربح آخرته، والفوز الأبدي بالجنّة التي أعدّها الله لأوليائه، فهي الغاية التي تضعه على طريق كماله، وتستحثُّ خطاه للسموِّ بوجوده، والارتفاع بقيمة ذاته، وتُعطي لدنياه قيمة عالية، ولكلّ نجاحاته فيها النجاح الحقيقي الممتدّ، وتعوِّضه عن كلّ إخفاقاته التي لم تكن من عمده، والمحن التي جرت عليه، وعانى منها ما عانى، وذاق من مرِّها ما ذاق.
والضلال أن يجهل العبد ربّه وينساه، ويتنكّر لحقّه، ويتجرّأ على معصيته، ويستكبر ويطغى، ويبطش ظالماً، ويعتدي آثماً، ويحبس نظره على لذّات البدن، وشهوات الدنيا في عمى عن الآخرة، وما فيها من نعيم دائم، وعذاب مقيم، ولا يكون له هم من علمه، وكل سعيه في الحياة ومنجزاته ومكتسباته إلاّ همَّ الحيوان من الظهور بمظهر القوّة العضلية، والبروز الماديّ، وشهوة البطن والفرج، والانغماس في الغرور.
فالكفر ضلال رافقه انتصار أو هزيمة، حياة باذخة أو ضيقِ معاش، ظهور اجتماعي أو ضمور؛ ذلك لأنه ينقطع بصاحبه عن غاية الحياة، وينأى به عن خطّ هدفها، وينتهي به إلى الشقاء.
والهدى لا يتمّ إلا لمن عرف ربّه، وجاهد فيه طالباً رضاه، وسعى للآخرة سعيها تحقيقاً لغاية الحياة.
{اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}(3).
{… وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ}(4).
{… وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً}(5).
ومن القيادات من هو مضلّ، ومنها من هو هاد.
عن الإمام علي عليه السلام:”انظروا أهل بيت نبيّكم فالزموا سمتهم…. لا تسبقوهم فتضلوا، ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا”(6).
الزموا سمتهم: الزموا طريقهم، واقصدوا قصدهم.
رأي أهل البيت المعصومين عليهم السلام في الدين والحكم هو الرّأي، وليس لأحد كلمة مع كلمتهم، وما خالف رأيهم ضلالة، والتخلّف عن الأخذ بما رأوا وأمروا، والإقدام على ما نهوا عنه طريق هلاك.
والأعمى لا يهدي، والضال لا يصيب؛ فكيف يُتّخذُ هادياً؟
فعن الإمام علي عليه السلام:”مَنِ اسْتَرشَدَ غَوِيّاً ضَلَّ”(7)، “مَنْ يَطْلُبِ الْهِدايَةَ مِنْ غَيْرِ أهْلِها يَضِلُّ”(8).
وهذا ما يقوله يوم القيامة من تُقلّب وجوههم في النار(9) {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا}(10).
وهؤلاء هم كبراء اجتماعٍ زائفون، وزعماء سياسة كاذبون، وعظماء مالٍ تافهون، وأهل ضلالة تائهون.
وأئمة الضلال شرّ الناس كما في كلمة النهج:”وإن شرّ الناس عند الله إمام جائر ضلّ، وضُلّ به، فأمات سنة مأخوذة، وأحيى بدعة متروكة”(11).
ومع كل امرء عدوّان يضلاّنه إن استرخى لهما هما الشيطان والنفس الأمّارة بالسوء.
تقول الحكمة الثالثة والعشرون بعد المائتين في النهج في خطاب لقتلى الخوارج يوم النهروان:”بؤساً لكم، لقد ضرّكم من غرّكم (فقيل له من غرهم يا أمير المؤمنين؟ فقال): الشيطان المضلّ، والنفس الأمّارة بالسوء، غرّتهم بالأماني، وفسحت لهم بالمعاصي، ووعدتهم الإظهار فاقتحمت بهم النار”(12).
هذان عدوّان لصيقان بالمرء لا يفارقانه، والغفلة عن كيدهما مسقطة، والاستلانة لهما مُهلكة؛ فاليقظة اليقظة، والمقاومة المقاومة.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، ولوالدينا وأرحامنا وجيراننا وأزواجنا ومن أحسن إلينا من مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة، وتب علينا ربّنا إنك أنت التواب الرحيم.
يا من لا عصمة إلا به اعصمنا من متابعة أئمة الكفر والضلال والغواية، ومن كيد الشيطان المضلّ، والنفس الأمّارة بالسوء، وأنقذنا من الهلكات، واحمنا بحماك يا قوي يا عزيز، يا رحمان يا رحيم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}(13).

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي لا يُضيع عمل عامل، ولا يُهمل حقَّ مظلوم، ولا يفوته ظالم، ولا يرضى بظلمٍ تشريعاً، ولا يجري ظلمٌ على خلاف إذنه تكويناً.
وقد أمر بالعدل، ونهى عن الظلم، وأقدر عليهما النّاسَ ابتلاءا، وأعزّ العدل وأهله، وجزى عليه خير الجزاء، وأذلّ الظلم وأهله، وعاقب عليه العقاب الشديد.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
أوصيكم عباد الله ونفسي نحن الموقوفين بين يدي عدله يوم القيام بتقواه، وألاّ يظلم بعضنا بعضاً، ولا ينالَ من نفسٍ أو عرضٍ أو مال لإنسان أيّاً كان، ولا من أي شيء مما حرّم الله على عباده، ودعاهم إلى تجنُّبه، وألاّ نقرُبَ من خلق الظالمين، أو نُعين على ظلم، أو نسكت على ظلم ما استطعنا له دفعاً أو رفعاً، أو نقرّ على معصية لله في أرضه، أو نقضٍ لشيء من دينه؛ فإنّ كلّ ذلك موجب لموقف الخزي بين يديه سبحانه، وعظيم الحسرة، وأليم العذاب.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اجعلنا من الآمرين بالمعروف، الناهين عن المنكر، المنتصرين لدينك، المهتدين بهدى أوليائك، القالين لأعدائك، الذائدين عن المستضعفين من عبادك، وارزقنا العزّ والنصر يا قويّ، يا عزيز، يا علي، يا عظيم يا رحيم.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأنوارك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس ياربّ العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، المعادي لأعدائه، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصراً عزيزاً مبيناً ثابتاً قائماً دائماً.
أما بعد أيها الأعزاء من المؤمنين والمؤمنات فإلى بعض كلمات:

يوم الحسين (عليه السلام) يوم الإسلام:

كلُّ أيام الحسين عليه السلام أيامٌ للإسلام. إمامُ عاش حياته لقضية التوحيد، واستُشهِد من أجلها، وبقيَ في القلوب لتحيى القلوبُ بها، وظلّ يملأ ساحات الحياة لتنشدَّ ساحات الحياة إليها.
يومه الشهير يومُ كربلاء ما كان إلاَّ لله، وما وُجِد إلاّ للإسلام، وهو من أيّامه الكبرى، وكلمته كلمته، ورايته رايته، ونصرُه نصره، وهزيمته هزيمته(14).
ومن كان مع الحسين عليه السلام في أيّ يومٍ فهو مع الإسلام، ومن كان عليه في أيّ يومٍ كان على الإسلام؛ ذلك لأنَّ الحسين عليه السلام لا يفترق عن الإسلام، والإسلامَ لا يفترق عن الحسين عليه السلام.
يوم كربلاء لشهادة لا إله إلا الله(15)، ولتملأ هذه الشهادة بهُداها كل ساحات الحياة، ولتقود حركة الإنسان، وتقضيَ على الطاغوتية في الأرض، وتُذِلَّ المستكبرين. ولتستبدل عن الجهل علماً، وعن الظلم عدلاً، وعن الهوى حُكماً للدين والعقل والحكمة.
ولتمنع أن يستعبد إنسانٌ إنساناً، وأن يدخل إنسانٌ في عبادة إنسان، ويرضى بألوهية الطاغوت.
يوم كربلاء لشهادة أنَّ محمد رسول الله صلّى الله عليه وآله، وأن لا بديل للنّاس عن نهج الحياة الذي جاء به عن ربِّه، وعن دينه الذي ارتضاه له وللناس أجمعين، ولا قيادةَ لهم إلاَّ من خطِّ قيادته، ولا يأتمنُ أمرَهم إلا من اقتداه، واهتدى بهداه، واستنَّ بسنته، وأتقن فقه شريعته، ولم يكن له توجهٌ إلا لله(16).
يوم كربلاء يوم الحسين عليه السلام لتنتهيَ قيادات السوء من وجود الأمة، وفي كلّ العالم، ويختفيَ جميع الأقزام من موقع القيادة، ولا يُهانَ الإنسان وتُسحق كرامته، ويُستلبَ وعيُه، ويُضلَّلَ عن هدفه.
حتى لا تتحوَّل الحياةُ الكريمة المسئولة للإنسان إلى مأساة وملهاة(17)، بعيداً عن بناء الذّات، والسّير على طريق الغاية الرّفيعة التي ارتضاها الله سبحانه لعباده، وأهّلهم لبلوغها، ومَنَحَ لهم نور هداها، وفتح واعيتهم عليها، ودلّهم على طريق السلوك إليها.
يوم كربلاء يوم الحسين عليه السلام لحرمان الطّامعين من أهل الهوى والقامات الإنسانية القصيرة، والمستويات المعنوية الحقيرة من التحكُّم في مصير هذه الأمّة، وأيِّ أمّة، والعبث بثروات الأرض وكنوزها، وبعثرتها كما يشاء الهوى، ويشاء الظلم، ويشاء السَّفَه، وتُحبُّ الشهوات. وحتى لا يُظلم الإنسان، ويُذلَّ وتُسلبَ إرادتُه، ويُخوّف، ويقلق وتُقيّد يداه بما أنتجته من أسباب قوّة سيطر عليها الظالم، ومال تصبّب من أجله عرقه(18)، وأعطى قوّتَه وشبابه، وَسَرَقَتْه أيدي الظالمين.
يوم كربلاء يوم الحسين عليه السلام من أجل ألا يكسر طغيانُ الظلم، وشدةُ البطش الذي تمارسه القِوى الحاكمة الظالمة إرادةَ الشعوب والأمم، وتنهار نفسيّتها فتقعَ في الذُّلّ الدائم، والهوان المقيم، وتُصاغ كما يشاء لها هوى الظالمين(19).
يوم كربلاء يوم الحسين عليه السلام من أجل ألا يبقى الفهم الزُّور، والتطبيق المكذوب لعنوان أولي الأمر في قوله تعالى:{… أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ …}(20) على يزيد وأمثاله حاكماً لعقليّة الأمّة، ومُهيمِناً عليها، فيكون مؤثِّراً على إرادتها في مقاومة ظلم الظالم، وانحراف المنحرف، واستكبار المستكبر من حُكّام أمَّةٍ أراد لها الله عزَّ وجلَّ أن تكون الأمة الوسط التي لا تميل عن خطِّ الحقّ والعدل والهدى، ولا تُفرِّط في شيء من ذلك، وأن تكون الأمّةَ الشاهدة على سائر الأُمم، والمنار لكل العالم.
فابقوا ذاكرين دائماً للحسين عليه السلام، ويوم كربلاء، لتكونوا ذاكرين لله سبحانه باستمرار، منشدّين إلى إيمان الحسين عليه السلام وتقواه، ووعيه، وجهاده وثوريته، ودروس كربلاء المربّية وأهدافها العظيمة، وهي أهداف الإسلام التي تحكم بها الضرورة(21).

تنبيه لابد منه:

العمود الفقري لإحياء عاشوراء المنبر الرسالي الناجح وحضوره، والموكب العزائي الواعي الملتزم.
وهما عمدة الإحياء، وعليهما التعويل في الأكثر.
وهناك أساليب إحياء مكمِّلة. ولا قيمةَ لأيّ مظهر من مظاهر الإحياء لا يُراعي أحكام الشريعة الإسلامية المقدّسة.

تغيير الحكومة:

هناك مطالبات قويَّة بتغيير الحكومة، والمصير إلى حكومة من رأي الشّعب، وهناك من يقول بأنَّ تغيير الحكومة خطٌ أحمر.
ويواجه الرّأي الثاني هذا السؤال:
خطّ أحمر هنا من فرض كتاب الله… من سنة رسول الله صل الله عليه وآله… من سيرة الصحابة… من سيرة المتشرّعة… من حُكم العقل… من سيرة العقلاء… من مواضعات العالم اليوم… من رأي الميثاق… من ثوابت أي دستور… أيّ مرجعية.. أي مستند؟!
وإذا كان لا شيء من ذلك لم يبق إلا الهوى، والاحتكام إليه، والهروب من كل ما ينبغي الاحتكام إليه من متديّنٍ يحترم الحقّ، أو إنسان يرضى بحكم العقل، ويرضى بسيرة العقلاء.
والمصلحة الوطنية لا يمكن أن تكون على خلاف مقتضى الدين والعقل، وسيرة العقلاء، وكل المواثيق الصحيحة، والدساتير القابلة للتعقّل.
وغريبٌ هذا اللسان العملي لدولنا الخليجية الذي يقول: لتسقط كل الأنظمة غير المتوافقة مع شعوبها إلا نحن فيجب ألا نُطالَب بالإصلاح، ومطالبتنا بالإصلاح خيانة، وردُّنا عليها لا يكون إلا بالقمع والقسوة(22).
لماذا هذا الاستثناء؟ هل له وجه؟
يقول النُّحاة بأن الاستثناء متصلٌ يكون فيه المستثنى من نوع المستثنى منه، ومنفصلٌ المستثنى فيه من غير نوع المستثنى منه.
فهل دولنا تعيش حالة توافقٍ تامٍ مع مصلحة الشعوب وكرامتها وحرّيتها، ومقررات دينها، وتنال كامل رضاها، ولا ينقصها شيء من العدل واحترام حقوق الشعوب، وكرامة الإنسان، ليكون استثناؤها من المطالبة بالإصلاح والاستجابة لها مقبولاً ومعقولاً، وحقيقاً بالرضى والاحترام.
دعوى هذا التوافق لا يعتقدها، ولا يُصدّقها حتى مدّعيها(23).
وإذا كان الاستثناء من حقِّ المطالبة بالإصلاح لدولنا، ولزوم استجابتها لهذه المطالبة مع الإقرار منها بموجباته فهو ظلم على ظلم، وخطأ على خطأ، ومزيدٌ من الإصرار على الباطل.

ثم يا حكومة(24):

لا لأحكام الإعدام..
لا لبقاء أي معتقل من معتقل الحراك السّياسي في السجن.
لا لاستمرار المحاكمات… لا للتوقيفات..
لا للاستمرار في الاستخفاف بحرمة المساجد. وتحويل مسجدٍ إلى حديقةٍ عامّة جريمة في حق الإسلام، والشعب المؤمن؛ نشترك كلّنا في إثمها ولا تقبل السكوت عليها.
لا لبقاء أيّ مسجدٍ من المساجد التي هُدِمت من غير إعمار سريع عاجل.
لا لأي لجنةٍ حكومية تحت أيّ اسمٍ برّاق، ولا يعني قيامها إلا المراوغةَ والالتفاف، وتطويل أمد الأزمة وتعقيدها.
والتقرير فيما أعلنه من انتهاكات حدثت في ظلّ الحكومة للمواطنين بدرجة مكثّفة، وبصور فظيعة، أسقطها في منطق الحقِّ، والعدل، والمصلحة الوطنية، ولم يبقَ إلا مواجهة هذا المنطق بمنطق القوّة الباطشة الغاشمة لحمايتها.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على محمد وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم قِ أوطان المسلمين من شرّ الفتن، واجعلها أوطان إيمان وعدل وأمان ومحبّة واطمئنان، واحمها من كيد المستكبرين والمنافقين والظالمين يارب العالمين، يا رحمان يا رحيم.
اللهم ارحم شهداءنا وشهداء الإسلام جميعاً، وكل الموتى المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، واشف الجرحى والمعلولين والمرضى، وفك أسرى المأسورين والسجناء من أهل طاعتك برحمتك يا أرحم الراحمين.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (25).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- انتصرتُ هنا، وعشتُ بعد النصر سنوات، ثم انتقلت إلى حفرة ضيّقة، ونارا موقّدة مخلّدا فيها، ما قيمةهذا النجاح، ما قيمة هذا النصر؟!.
2- إذا كان هذا هو الواقع فأين يكون الهدى وأين يكون الضلال؟.
3- 6، 7/ الفاتحة.
4 – 108/ البقرة.
5 – 36/ الأحزاب. 6 – نهج البلاغة ج1 ص189 ط1.
7 – هداية العلم في تنظيم غرر الحكم ص255.
8 – المصدر السابق ص658.
9 – هناك من تُقلَّب وجوههم في النّار يوم القيامة، هؤلاء لهم قول.
10 – 67/ الأحزاب.
11 – نهج البلاغة ج2 ص69 ط1.
12 – – المصدر السابق ج4 ص77.
13 – سورة التوحيد.
14 – نعم، نصر الحسين عليه السلام نصر الإسلام، وهزيمة الحسين عليه السلام هزيمة الإسلام.
15 – وحده لا شريك له.
16 – هتاف جموع المصلين بـ(لبيك يا حسين)..
17 – ومن دون قيادة الحسين، وقيادة من سنخ قيادة الإمام الحسين عليه السلام تتحوّل الحياة إلى مأساة وملهاة، أُناس في مأساة وأناس في ملهاة.
18 – الناس الأبرياء إنما يسجنون، وإنما يقتلون بإمكاناتٍ من كسبهم.
19 – هتاف جموع المصلين بـ(هيهات منا الذلة).
20 – 59/ النساء.
21 – هتاف جموع المصلين بـ(أبد والله ما ننسى حسيناه).
22 – هتاف جموع المصلين بـ(هيهات منا الذلة).
23 – الحكومة – أي حكومة خليجية – التي تقول أنها متوافقة تماماً مع مصلحة الشعب، ومع كرامة الإنسان، ومع حق المواطن هي لا تصدق ما تدعيه.
24- أقصد حكومة البحرين.
25 – 90/ النحل.