المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (477) 14 ذو الحجة 1432هـ – 11 نوفمبر 2011م

خطبة الجمعة (477) 14 ذو الحجة 1432هـ – 11 نوفمبر 2011م

مواضيع الخطبة:

الخطبة الأولى: عبادة الله سبحانه وتعالى

الخطبة الثانية: أمة تعود لماضيها – لماذا هذه التحرشات الأمنية المتكررة؟! – عين ترى وعين لاترى

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي منَّ على عباده بمعرفته، وهداهم إلى طاعته، ودلَّهم على طُرُق عبادته ليبلغوا رشدهم، وتكمُل ذواتُهم، وتطمئنّ قلوبهم، وترضى نفوسهم، وتطيب حياتهم، وتسعد مصائرهم.
الحمد لله الذي لا معرفةَ لشيء بنفسه إلا بتعريفه، ولا هدى له إلى خير إلا بهدايته، ولا بلوغ إلى غايته إلا بتبليغه، ولا وقاية له من شرٍّ إلا بوقايته. منه المبدأ، وإليه المصير، وهو على كلّ شيء قدير.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
أُوصيكم عباد الله ونفسي الخاطئة بتقوى الله فلا غنىً عن تقواه لمن أراد سلامته وسعادته، ولا سلامة لأحد أراد الله هلاكه، ولا مهلك لمن أراد الله له السلامة. ولا يملك أحد غيرُ الله لأحد سعادة، وقد جعل الله رضاه في تقواه. والسلامةُ من سوء المصير، والفوز بسعادة الأبد إنما هما في الأخذ بالتقوى.
وكيف تتم التقوى لمن لايعرف ما أحلّ الله، وما أوجب، وما حرّم، وهجر علم الدّين، وسار على غير هدى في حياته؟!
فليجدّ طالب التقوى في تعلّم ما يلزمه من مسائل دينه، وما تستوجبه حاجته من الإلمام بأحكام فعله وتركه.
اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم ارزقنا تقواك، وفقِّهنا في دينك، وبلّغنا رضاك، فإنّه أبعد غايات الطّالبين، وأسمى مقاصد القاصدين، وأعظم ربح السّاعين، وهو أكبر فوز الفائزين.
.
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون والمؤمنات:

فإنّما يعبد الإنسانُ الله سبحانه وتعالى بقلبه، أما الجوارح فدورها الاستجابة لعبادة القلب فيما تظهره من خضوعه وذُلِّه بين يدي ربّه العليّ العظيم.
القلب هو المتقرّب إلى الله بحبّه له، وخوفه منه، ورجائه فيه، وشوقه إليه. وهو الذي يطهر وينقى، ويزكو بعبادة ربّه، ويزهر بنور من عطاء الله يجعله أقربَ إليه، وأكثر تأهُّلاً لتلقّي فيوضات رحمته، وتباعداً من سخطه وعقوبته.
صدق العبادة بمقدار المعرفة لعظمة الربّ، وإدراك العقل لجليل حقّه، وتعاليه، وغناه عن خشوع الخاشعين، وعبادة العابدين، ويقينه بحاجة كلّ عابد لعبادة الله، وكل متذلّل للتذلُّل بين يديه، وبمقدار ما يعيشه القلب من شعور الذُّل للعبد، والعزِّ للربّ، وفقر العابد وغنى المعبود، ومقهورية المخلوق وقاهرية الخالق.
ومن غاب عقله، أو سبت قلبه عن ذلك الوعي والشعور فما عبادته بعبادة.
وكلّما عظم الصدق في العبادة عظمت درجة قرب العبد من ربّه بفضل فيضه سبحانه على العبد. وهو قرب معرفة أصحَّ بالله، ويقين أثبت، واطمئنانٍ للرحمة الإلهية الواسعة بدرجة أكبر، وتزيُّنٍ للذّات بصفات كمالية أقوى وأوضح(1).
والعبادة التي تُعطي القرب إلى الله سبحانه إذا كانت عن معرفة وصدق وإخلاص قد تكون صلاة، وصياماً وحجّاً وزكاة، وقد تكون جهاداً، وإصلاحاً، وإعماراً للحياة، وعدلاً، وإنصافاً بين النّاس، وإذعاناً للحقّ في أي مورد من موارده، ونصرة للمستضعفين، وتواضعاً للخلق من أجل الخالق، وحسنَ خلق، وأمانة في معاملة، وأيّ حركة وسكون فيهما رضى الله، وصلاحُ عباده.
والنّاس مبتعد عن الله، ومتقرِّب إليه. وكلّ منهما له طريق. الثاني طريقه التواضع، والأوّل طريقه الاستكبار. والابتعاد عنه سبحانه ابتعاد عن النّور والهدى والرحمة، وانفصال عن مصدر الفيض والعطاء، وسير في اتجاه الهلاك.
عن الإمام الصادق عليه السلام:”فيما أوحى الله عزّ وجلَّ إلى داوود (عليه السلام): يا داوود كما أن أقرب النّاس من الله المتواضعون كذلك أبعدُ النّاس من الله المتكبّرون”(2).
ولأنّ السجود إذا صدق كان أجلى صورةً للتواضع من صور الهيئة التي يكون عليها العبد جاء عن رسول الله صلّى الله عليه وآله:”أقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد”(3).
ولأن السير في اتجاه شيء يقرب بصاحبه إليه، ويبعد به عن مخالفه في الاتجاه، ولمّا كان المستكبرون على الله من الناس يتجهون إلى سفل، وكان لله الجلال والجمال، كان الاتصال بهم(4) انفصالاً عن الله، والقرب إليهم بُعداً عنه سبحانه. ولمّا كان الإنسان منقطع الكمال كان التجمُّد عنده(5) توقّفاً في رحلة الشوق إلى الله والتوجه إليه.
عن الإمام عليّ عليه السلام:”الوُصْلَةُ بِاللّهِ فِي الاِنْقِطاعِ عَنِ النّاسِ”(6)، “لَنْ تَتَّصِلَ بِالخالِقِ حَتّى تَنْقَطِعَ عَنِ الخَلْقِ”(7).
رجاءُ العبد وأمله في العبيد، وخوفُه منهم، وانشغاله برضاهم وغضبهم يُنسيه ربّه، ويقطعه عنه، ويَحرِمه رؤيته(8).
والوصول إلى الله.. إلى معرفته، إلى رضاه، إلى إكرامه، إلى الأُنس به مع عفوه ورحمته ولطفه بعبده يحتاج إلى جهاد(9) وصبر، وتحمُّل ومواجهة لضعف النفس، وضغط الهوى، وسخف الشهوات، ووسوسة الشيطان، والميلِ الذي قد يعتري النفس للضِّعة؛ ذلك لأن الله تبارك وتعالى عظيمٌ لا يجوز أن يكون عظيم مثله، جليل لا يلحق جلالٌ جلاله، جميل لا يبلغ جمالٌ جمالَه، كامل لا حدّ لكماله. ولأن العبد لا يمكن أن يدرك حكمة كلِّ ما عن الربّ، أو يصل إلى سرّ قضائه وقدره وجميع ما يجريه من أمر في خلقه تكويناً وتشريعاً.
ومن جدَّ في إرادة الوصول إلى الله عزّ وجلّ، والقرب إليه كان الله عونه وأخذ بيده، وفتح له السبل، وأزال العوائق، وأقبل عليه بأشدّ مما كان إقبال العبد عليه.
عن رسول الله صلّى الله عليه وآله:”يقول الله… من اقترب إليّ شبراً اقتربت إليه ذراعاً، ومن اقترب إليّ ذِراعاً اقتربت إليه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة”(10).
والله أعلى وأجلّ من هذا النوع من الاقتراب، ولكنّه التمثيل التجسيدي الذي يُقرِّب الصورة المعنوية في ثوب حسّي مألوف.
وتقول الكلمة عن علي عليه السلام لنا بأن نتقرَّب إلى الله بأن نسأله سؤال إقرار بفقرنا وغناه، وحاجتنا وكرمه، وأن نتقرّب إلى النّاس بترك سؤالهم، فكلّما تعفّف المرء عمّا في أيدي النّاس، وتنزّه عن مسألتهم كلّما أمنوا منه على دنياهم، واطمأنت منهم إليه النفس. عنه عليه السلام:”التَّقَرُّبُ إلَى اللّهِ تَعالى بِمَسْئَلَتِهِ، وَإلَى النّاسِ بِتَرْكِها”(11).
والطالبون التقرّبَ من الله سبحانه قد يكون تقرّبهم إليه بفعل الخير والقيام بالأعمال الصالحة، وقد يكون تقرُّبهم إليه بمعرفة عظمته وجليل حقّه، وفقرهم وغناه، ونقصهم وكماله، وظلمهم وعدله(12)، وجهلهم وعلمه، وأسمائه الحسنى التي لا منتهى لحسنها، ولا محدودية لكمالها، وبمعرفة أن العبادة حاجة العبد لا الرّب(13)، وأنه لا مخرج للعبد من حقِّ ربّه، ولا وفاء منه لواجب شكره.
وكلا العبادتين مطلوب، ولابد للمسلم من البر والعمل الصالح ولا يصدق إيمان بدون ذلك، ولكنَّ لبَّ العبادة في انقياد العقل، وتسليم القلب للربّ، وعمق الشعور بذلّ العبودية وعزِّ الربوبية. فعن رسول الله صلّى الله عليه وآله:”يا عليُّ إذا تقرَّب العباد إلى خالقهم بالبِرِّ فتقرّب إليه بالعقل تسبِقْهُم”(14).
اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اجعلنا من أعرف عارفيك، وأصدق طائعيك، وأبلغ عابديك، وأقرب من قرّبت، وأرضى من رضيت عنه يا كريم يا رحيم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}(15).

الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً لا يبلغه إلا علمه، ولا يستحقّه إلا هو حمداً يليق بجلاله وجماله، ويقرِّب إليه، ويَنَال رضاه، ويَجزي عليه بكمال الدِّين، وتمام اليقين، والحفظ من سوسة الصدور والشياطين.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
عباد الله علينا بتقوى الله، وأن يكون نظر قلوبنا إلى الله، وتعلّقها به، وتوجّهها إليه، وإرادتنا آخذة بإرادته، وهمّها رضاه، وأن تخضع كلّ جارحة من جوارحنا لطاعته، ولا تخرج في شيء عن أحكام شرعه، فإننا من صنعه، وبه، ومرجعُ كلّ أمرنا إليه، ومنتهانا الوقوف للحساب بين يديه، والسعادة في ما أعدَّه من جنّة نعيم لأوليائه، أو الشقاء في نار أعدّها لمعانديه وأعدائه.
اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، ولوالدينا وأرحامنا وقراباتنا وجيراننا ومن علّمنا علماً نافعاً في ديننا أو دنيانا، وكلّ من أحسن إلينا من مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة، وتب علينا جميعاً إنك أنت التواب الرحيم.
ربّنا لا تُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة وقنا عذاب النار. ربّنا هيئ لنا من أمرنا رشدا، ولا تجعل لنا طاعة على خلاف طاعتك، ولا توقعنا أبداً في شيء من معصيتك خذلاناً منك لنا لمخالفتك، واعصمنا من الأخذ بشيء من مكروهك يا رؤوف يا رحيم يا كريم.
اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على الصادق الأمين خاتم النبيين والمرسلين محمد بن عبد الله وآله الطاهرين، اللهم صلّ وسلّم عليه وآله، وزد وبارك عليهم جميعاً برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم صلّ وسلم على نبينا الكريم وعلى وصيّه الأمين علي بن أبي طالب، وعلى ابنته الطاهرة فاطمة الزهراء، وعلى الأئمة الهادين المعصومين: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس ياربّ العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصراً عزيزاً مبيناً ثابتاً دائماً قائماً.
أما بعد أيها الأعزاء من المؤمنين والمؤمنات فإلى هذه الكلمات:

أمة تعود إلى ماضيها:

أمّةُ الإسلام اليوم تعود لماضيها لتحيى لا لتموت، لتتحرَّك للأمام لا لتجمُدَ، ولا تتراجع إلى الخلف، لتتجدَّد لا لتتقادم.
أمّة الإسلام تعود لماضيها عودة حياة لا موت، حركةٍ لا جمود، تقدّمٍ لا تراجع، تجدُّدٍ لا تقادم؛ ذلك لأنها عودة لقيادة الإسلام، قيادة القرآن، قيادة الرسول صل الله عليه وآله. وهي قيادة لإنماء الحياة، ولإثرائها، لتدفُّقها، لتقدمها، للارتقاء بها، لتخليص حركة الإنسان في إنسانيته الكريمة، وفي إنجازاته المثمرة، وإبداعاته واكتشافاته وإضافاته النافعة من كل معوِّقاتها، والدّفع بها إلى الأمام على الخط القويم.
وإنَّ عودة الأمّة إلى هذه القيادة فيها صحوتها، وحياة عقلها وإرادتها، وفيها حيويتها ونشاطها، وعزَّتها وثقتها بنفسها، وقوّة عزيمتها، وحريتها واستقلالها، وإباؤها ورشدها وهداها.
وشعبنا وهو من أشدّ شعوب هذه الأمة ارتباطاً بالإسلام، وانشداداً إلى رؤيته، واعتزازاً به يعود اليوم بقوّةٍ إلى إسلامه، وعزّة الإسلام، وقِيَم الإسلام، وأحكام شريعته، وهدى القرآن العظيم، وقيادة الرسول الكريم صل الله عليه وآله(16).
وبهذه العودة المباركة صار(17) لا يستثقل في سبيل حريته وكرامته، واسترداد حقوقه المسلوبة، وردّ اعتباره إليه من البذل والتضحية ما ثَقُل، ولا يئِنُّ من التعب الذي تئنّ منه النفوس القوية، ولا يستبطئ النّصر وإن أبطأ، ولا ييأس من الظّفر وإن تأخّر، ولا يشكو من قِلّة الناصر وإن عزّ، ولا يفكّر في التراجع وإن طال المدى، ولا يتنازل عن شيء من مطالبه وإن قست الظروف، ولا يُغيّر من قناعته أن تتنكّر لحقّه كلّ الدنيا(18).
هذا هو شعب البحرين كما برهنت الأحداث، والضغط والتحدّي، والصّبر والتحمُّل والإصرار والصّمود.
إنَّ شعباً بهذا المستوى من الوعي والإيمان والعزيمة والمضاء لا يُقهر، ولابُد أن ينتصر له الله فينتصر. العودةُ للإسلام لا تُوجد معها هزيمة، ولا يوجد معها كلل، ولا بطر، ولا فساد ولا إفساد. هي القوة، وهي الاستقامة، وهي الرشد، وهي الصلاح والإصلاح.
ما بقيتم على خطّ الإسلام لن تَضْعُفُوا، ولن تُستَضْعفوا(19)، ولن تَضلّوا ولن يُضلّ بكم، ولن تتراجعوا أو تُقهروا، ولن تَذُلّوا ولن تَبطَروا أو تستكبروا، ولابد لكم من النصر، وتستحيلُ عليكم الهزيمة.
حاوَلوا معكم ما استطاعوا أن تذُلوا فلم تذلوا، أن تخافوا فلم تخافوا، أن تيأسوا فلم تيأسوا، أن تضعفوا فلم تضعفوا، أن يتراجع بكم السجن والتعذيب، واقتحام المنازل والمناطق بشراسة وقسوة ووحشية، والإمعان في القتل والإهانة عن مطالبكم فلم تتراجعوا(20)، أن تُستغفلوا عن حقكم فلم تُستغفلوا، أن يعدلوا بكم عن أساليبكم السِّلمية والحضارية والشّرعية فلم يُفلحوا. فكونوا اليوم أكثر وعياً ونباهةً وإصراراً وصموداً، وصبراً وتحمّلاً، وتمسّكاً بمطالبكم العادلة، وإيماناً بالأسلوب السلمي، والمقاومة الحضارية، ومراعاة الحكم الشرعي، كونوا كذلك على كلّ خطّ التحرك. وهذا هو طريق نصركم الحتمي إن شاء الله، وتحقيق ما تطمحون إليه من عدل وإنصاف واعتراف بموقعكم السّياسي الأصل(21).

لماذا هذه التحرشات الأمنية المتكررة؟

يتكرّر التحرُّش بأمن سماحة الشيخ علي سلمان ومنزله وسَيارته؛ فلماذا هذا التحرش المتكرر وخاصةً في هذه المرة؟
هل هو لإظهار القوَّة والقدرة المطلقة؟ قوّة البطش معلومة، ولكن الذين اختاروا أن يُدافعوا عن حقوق الشعب يعلمون بهذه القوة(22)، ورأوا مدى البطش وإسرافه رأي العين، وصمّموا على مواصلة الطريق انتصاراً للحق واسترخاصاً للنفس في سبيله، وسماحة الشيخ من أبرز من اختار هذا الطريق وأصرَّ عليه وهو ليس غافلاً عن كُلفته ومخاطره.
وكسر إرادة الناس في هذا البلد، وفي هذا الشعب لابد أن يُصاب مريده باليأس.
وأما القدرة المطلقة فليست إلا لله وحده لا يُشركه فيها سواه.
هل هو لاختبار حضور الشعب؟ ظنّي أنَّ ذلك لم يعد مَحلاً للاختبار عند أحد، فقد برهن هذا الحضور على نفسه بما فيه الكفاية، وفي كل المواقف الصعبة الحرجة. وهل يظنُّ أحدٌ أن وزن الشيخ في نفوس أبناء الشّعب محتاجٌ للاختبار؟ الظانّ بذلك غارق ـ فيما أراه ـ في سُبات(23).
هل هو لاستفزاز الشعب وإغرائه بالعنف لشدة التحديات؟
الشعب اختار أمرين مجتمعَين؛ السّلميةَ وأكبر استعدادٍ للبذل والتضحية؛ واختياره عن وعي ورؤية وتصميم.
للقبول بتخفيض سقف المطالب، وتسويةٍ غير مجزية؟
صار هذا مستحيلا، ومثل هذه التصرفات تزيد من استحكام هذه الاستحالة، وتُحتّم التمسُّك بحلٍّ جذريّ يقطع طريق العودة لهذا الظلم والانتهاك والاستخفاف.

عين ترى، وعين لا ترى:

وضع جامعة الدول العربية بالنسبة لظلم الأنظمة العربية ومأساة شعوبها وضعُ مَنْ له عينٌ ترى وعينٌ لا ترى، أذنٌ تسمع وأذنٌ لا تسمع، العين التي ترى، والأذن التي تسمع متوجهةٌ لأنظمةٍ وشعوبٍ بعينها، والعين التي لا ترى، والأذن التي لا تسمع متوجهةٌ لأنظمةٍ وشعوبٍ أخرى.
بل الأمر أكبر من ذلك فإنَّ عين الجامعة العربية ترى ظُلم بعض أنظمتها عدلاً، وخطأها صواباً، وتنكيلها بشعوبها حقاً، ومعارضة ظلمها جوراً، ومطالبة شعوبها بحقوقها ذنباً، وحرصها على حريتها وكرامتها إثماً، والمقابلةَ لصوتٍ شعبيٍ يطالب بالحقوق والحرية والكرامة بكل أنواع القمع والتنكيل والسحق حقٌّ طبيعي لهذه الأنظمة، تُباركه الجامعة العربية وتقف معه وتسانده بكل قوة.
وترى الجامعة العربية أن تترفّع عن مقابلة من يُمثّل المعارضة لظلم هذه الأنظمة المختارة، أو تسمع لهُ وجهة نظر ينقل فيها معاناة شعبه، وما تصب عليه حكومته من ألوان العذاب والمهانة صبّاً(24).
ما لشعب البحرين ومطالبه المشروعة من الجامعة العربية هي هذه العين التي ترى حقّ هذا الشّعب باطلاً، ومطالبته بحريته وكرامته تعدّياً، وتطلّعه لتقرير مصيره غروراً، وترى في سلميّته حرباً.
وليس لها عين ترى من ظلم الحكومة لهذا الشعب شيئاً؛ لا من ظُلْمِ قَتْل الأبرياء تحت التعذيب، ولا الاغتيالات للآمنين العاديين، ولا انتهاك حرمة النساء والمساجد والقرآن الكريم، ولا سجن المئات بسبب التفوُّه بكلمة ناقدة، أو مشاركةٍ في مسيرة سلمية، ولا حرمان الألوف من أبناء هذا الشّعب القليل العدد ومن يعيلونه من سبب الرزق الشريف، ولا سلب طعم الأمن ليلاً ونهاراً للكبار والصغار من أبناء هذا الوطن، وتحويل مناطق كثيرةٍ من مناطقه إلى ساحة حربٍ من طرف واحد(25). هذا إلى جانب التمييز، والتهميش، والاضطهاد الديني والثقافي وإنسانية الإنسان(26).
كلُّ ذلك لا تراه عين الجامعة العربية، وأُذنها صمَّاء عن كل صراخ وتوجع وأنين طفل أو ثكلى أو معذّب من أبناء هذا الشعب.
نحن نعرف أنَّ النصر إنما هو من عند الله، وأنّه لا يُستجدى إلا منه، ولا يملكه غيره، وليس بيد غيره منه شيء، ولا يجد من سواه سبيلاً إلى منعه وتأجيله(27)، وعلينا أن لا نتوكّل إلا عليه مع الأخذ بما أمر به من بذل المظلوم لما يجد من جهد في سبيل النصر والخلاص من الظلم. ولكنَّ هذا لا يتنافى مع إنكار ما عليه موقف الجامعة العربية من هذا الشعب المظلوم، وتذكيرها بأنها تتحمّل مسئولية ثقيلة بين يدي الله عز وجل لهذا الموقف غير العادل وغير الأخلاقي، والبعيد كلّ البعد عن الحق والدين.
…وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم. (27)
والله خير الناصرين.
اللهم صل وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم ارفعنا فيمن رفعت، ولا تخفضنا فيمن خفضت، وأعزّنا فيمن أعززت، ولا تذلّنا فيمن أذللت، وانصرنا فيمن نصرت، ولا تخذلنا فيمن خذلت يا عزيز يا جبار يا قهار يا رحمان يا رحيم.
اللهم ارحم شهداءنا وشهداء الإسلام في كل مكان، وارحم موتى كل المؤمنين، وفك قيد أسرانا وسجنائنا، واشف جرحانا ومرضانا وجميع مرضى المؤمنين والمؤمنات أجمعين برحمتك يا أرحم الراحمين.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (28).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- مسترفدة من نور الله، مأخوذة من فيضه.
2 – الكافي ج2 ص124 ط4.
3 – كنز العمال ج7 ص292.
4 – أي بالمستكبرين.
5 – عند أي إنسان دون مواصلة السير إلى الله.
6 – هداية العلم في تنظيم غرر الحكم ص637.
7 – المصدر السابق.
8 – الوصول إلى الله يحتاج إلى جهاد.
9 – كنز العمال ج1 ص225.
10 – هداية العلم في تنظيم غرر الحكم ص498.
أنت تتقرب إلى الناس بترك مسألتهم، وتتقرب إلى الله بأن تسأله؛ لأنك في سؤالك له يجب أن تعيش هذا الشعور أنك الفقير وهو الغني، أني أنا اللئيم وهو الكريم.
11 – هذا تقرُّب، أن أعرف فقري وغنى الله، أن أعيش هذا الشعور عميقا جدّاً، وبكل كياني المعنوي، أن أعيش شعور أني العبد الفقير المنقطع، العدم، وأن الله هو الوجود الكامل.
12 – وأنا أُصلّي عليّ أن أشعر أنني لا أؤدي شيئاً لله عزّ وجلّ، أني لا أقدم لله عز وجل خدمة، أنا الفقير في صلاتي، والله الغني كل الغنى عن هذه الصلاة.
13 – مشكاة الأنوار للطبرسي ص439.
ليس أن التقرب بالبر ليس تقرّبا، وليس فعل البر ليس بعبادة، هو عبادة، وفيه تقرب إلى الله عز وجل، ولكن من أراد أن يسبق العباد في عبادتهم فليضمّ إلى عبادته عن طريق البر العبادة بالعقل، على نحو مما سبق ذكره.
14 – سورة التوحيد.
15 – ألستم تعودون إلى كل هذا؟
هتاف سماحة الشيخ وجموع المصلين بـ(لبيك يا إسلام).
16 – شعبكم أنتم.
17 – هتاف جموع المصلين بـ(لن نركع إلا لله).
18 – أي لن يصل بكم أحدٌ إلى حد الضعف والتسليم إلى عملية الاستضعاف.
19 – هتاف جموع المصلين بـ(هيهات منا الذلة).
20 – إنَّ لكم موقعاً سياسياً هو الأصل، وهو أنَّ إرادة الشعب قبل إرادة الحكومة.
21 – وبهذا البطش.
22 – هتاف جموع المصلين: معكم معكم يا علماء.
23 – أبوا أن يُقابلوا وفد المعارضة، أن يسمعوا منه كلمة.
24 – كلُّ ذلك عين الجامعة العربية لا تراه.
25 – الذي تمارسه هذه الحكومة، كل ذلك والجامعة العربية لا ترى.
26 – فنحن لا نستجدي النصر من المخلوقين وإنما نسأله ونستجديه من الخالق.
27- 10/ الأنفال.
28- 90/ النحل.