المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (476) 7 ذو الحجة 1432هـ – 4 نوفمبر 2011م

خطبة الجمعة (476) 7 ذو الحجة 1432هـ – 4 نوفمبر 2011م

مواضيع الخطبة:

الخطبة الأولى: الإسلام دين الطهارة

الخطبة الثانية: لاتحرقوا البحرين

الخطبة الأولى

الحمد لله الأوّل بلا بداية، والآخر بلا نهاية، المتنزّه عن أن يكون مولوداً، أو تكون له صاحبةٌ أو ولد، بديعِ ما في السّماوات والأرض، لا مخلوقَ إلاّ من صُنعه، ولا إبداع إلا منه، ذاتيِّ الوجد، ولا ذاتيَّ وجودٍ غيرُه، والكامل المطلق، ولا كاملَ مثله.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
أوصيكم عباد الله ونفسي الأمَّارة بالسوء بتقوى الله فإنها وقاية من تردِّي المتردّين، وسقوط السّاقطين، وهلاك الهالكين، وحصنٌ من النّار، وغضب الجبّار.
تصنع القلوب الواعية، والنفوس الزكيَّة، والهمم العالية، والأخلاق الكريمة، والصّفات الحميدة، وتأتي على منابت السّوء في النّفس، وتعالج أسباب الضّعف، وتُصلح أوضاع الحياة، وتُكسب رضوان الله والجنّة.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اجعل نفوسَنا راغبة في ما رَغِبت فيه نفوس أوليائك، وهِمَمنا منصرفة إلى ما انصرفت إليه همم أصفيائك، وانأ بنا عن مسالِك أعدائك، ومصائر أهل معصيتك يا رؤوف يا رحيم يا كريم.
.
أما بعد فالحديث أيها الأخوة المؤمنون والمؤمنات تحت عنوان:

الإسلام دين الطّهارة:

لا تستوي في العين السليمة والذوق السليم قذارة وطهارة، ولا تُقبِل نفس على القذارة، وتُقدِّمها على الطّهارة إلاّ أن تكون قد فقدت ذوقها السليم. والنّظافة لا تستتبع إلا نفعا، والقذارة لا تُعقب إلا ضرراً.
وأين إنسان يأنس بالقذارة من إنسان يتنزّه عنها، ولا تراه إلاّ نظيفاً، وفي حسن منظر وطهارة؟!
وهناك نجاستان: بدنيَّة وروحيّة، وطهارتان مكانهما.
ونجاسة البدن وقذارته حسّية يمكن أن تُرى بالعين، وتُلمس باليد، وتُشمّ بالأنف، وضررها عليه في الأكثر.
ونجاسة الروح معنويّة لا تراها إلا البصيرة، وإنما ينفر منها الضمير، وهي مفسدةٌ لجوِّ الروح، ومن بعد ذلك يسري فسادها إلى كلّ أجواء الحياة، وتتضرّر بها كلّ أوضاعها. فالرّوح الخبيثة لا تنتج إلا قولاً سيّئاً، وعملاً طالحاً، ولا تُعقب في البرّ والبحر إلاَّ الفساد {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ…} (1).
والقذارة المادّية إذا طغت وتجاوز إيذاؤها حدّ التحمّل قتلت، وأنهت حياة بدن الإنسان، وقليلها قد لا يؤثّر.
أما القذارة المعنويّة فقليلها مفسد، وكثيرها مهلك لجانب الروح، مذهب لإنسانية الإنسان، محدث لتصفيات جسدية هائلة في النّاس، وحروب واسعة طاحنة تحصد الملايين، ومسبّب لألوان من المآسي والعذابات في الأرض.
وكما يتفاوت النّاس نظافة وقذارة في الأبدان، تجدهم يتفاوتون فيها من حيث القلوب؛ فمن الناس من لا يأبه لما هو عليه من قذارة روح أو بدن، ومنهم من يكون شديد النفور من كلّ قذارة.
إنّ من اعتاد نظافة البدن يضايقه القليل من القذارة، ولا تستريح نفسه إلا بالتخلّص منها، على خلاف من اعتاد تقذُّرَ بدنه، إذ تكون له ألفة بالقذارة، وقد يصل به الأمر إلى الأنس بها، وعدم الاكتراث أصلاً بالطهارة إن لم يكن له استيحاش منها.
هذا التفاوت في حساسية النفس من قذارة البدن، وفي استيائه منها، واستراحته لها قائمٌ عندها بالنسبة لقذارة الروح، ورجس القلب.
فالرّوح الطاهرة، والقلب الذي تغلب عليه النّظافة يُصيبُ النفسَ الأذى لو مسَّتهما شائبة من قذارة، وعارض من رجس ذنب وإن كان غير مقيم.
أمّا الروح المترجّسة بالذنوب المتراكمة، والقلب الذي أفسدته المعاصي فلا إحساس لهما بقبح الذّنب، وسوء المعصية، ولا استيحاش من نفس غمرتها القبائح من أسوأ كبيرة يمكن أن يقع فيها إنسان.
مع تراكم الذنوب، وتكدّس المعاصي لا شيء من ضمير، أو شعور طاهر، أو صوت حقّ، أو نفس لوّامة، إلا ويقع تحت سلطان من الظّلمة التي تعمّ النفس، ويُصاب بالتخدير، وتفقد البصيرة رؤيتها، ويخبو ضياء الفطرة. فلنحذر من تراكم الذنوب، فإنّه لكثيراً ما يمنع من العودة إلى الرّشد، والأوبة إلى الهدى، والرجوع إلى الصواب. والذنب يدعو إلى الذنب، والخطيئة تفتح باب الخطيئة.
ومن أراد أن يعرف أن الذنوب قبائحُ ورجسٌ وقذارة تتأذّى لها نفس الإنسان في فطرتها الأولى الصّافية، وأنّ العمل الصالح من الطاهر الذي تأنس إليه الروح، فلينظر إلى موقف النفس من أول خطيئة ترتكبها. أترتكبها بأنس وإحساس بالسّموّ وارتياح ضمير(2)، وشعور بالكرامة، ونشوة روح، أم بمشاعر مباينة لهذه المشاعر، وإحساس يختلف عن هذا الإحساس؟
وأيّ إحساس نفسي تُخلِّفه الخطيئة الأولى؟ أتخلّف إحساساً بالفخر الإنساني، بلذّة روحية، بطهارة نفس، بنظافة ونزاهة وزكاة ذات، بقيمة إنسانية عالية؟ أو يأتي دور المراجعة، دور التأنيب، والمحاسبة، والشعور بالإثم، والدونية والهبوط في المستوى الروحي، وترجّس الذّات؟(3)
نعم، مع توالي الذنوب، وتزايد المعاصي يخِفُّ الشعور بالإثم، والعيب، والعار حتى ينتهي ويتوارى بمرض النفس وسقوطها(4)، وربما تحوّل التخفّي بالذّنب إلى المجاهرة، والسِرّ بالمعصية إلى الإعلان.
ومن أراد أن يعرف القيمة العالية للفضائل والعمل الصالح، والخلق النبيل، واحتضان الفطرة الإنسانية له، ورضى الضمير به، وموافقته للوجدان الطاهر فليلاحظ بأن أحداً من النّاس لا يستحي من العدل، والصدق، والأمانة، والوفاء بالعهد، ورحمة المسكين، واليتيم، ولا يعتذر أن صدر منه ذلك، ولا يعيب إنسانٌ إنساناً بأنّه عدل ووفى، ويحاولُ الأفراد والجماعات والدول أن يزكّوا أنفسهم بالانتساب إلى هذه الأفعال والصفات، ويهاجم النّاس بعضهم بعضاً بأنهم لا عدل لهم، ولا صدق، ولا وفاء، ولا أمانة.
وتقع الطهارة موقع الاهتمام البالغ في دين الله الحقّ، وقد أولى الإسلام عناية فائقة بالنظافة الحسّية، ونظافة البدن، وعنايةً أكبر بالنظافة المعنوية وطهارة ونقاء الرُّوح، وربط بين طهارة كلّ من الروح والبدن في منهجه العبادي المتكامل.
وقد نال موضوع الطهارة في جانبه المادّي والمعنويّ اهتماماً واضحاً وتركيزاً جليّاً من كتاب الله، وسنّة رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم.
تقول الآية السادسة من سورة المائدة في معرض تشريع الوضوء وغسل الجنابة والتيمّم {… مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }(5)، وتقول الآية الحادية عشرة من سورة الأنفال {… وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ..}(6).
وعن رسول الله صلّى الله عليه وآله:”لا تقبل صلاة بغير طهور”(7).
وعنه صلّى الله عليه وآله:”بئس العبدُ القاذورة”(8).
وعن الإمام علي عليه السلام:”تنظّفوا بالماء من النتن الريح الذي يتأذّى به( ). تعهّدوا أنفسكم فإن الله عزّ وجلّ يُبغض من عباده القاذورةَ الذي يتأنف به من جلس إليه”(10).
أذى الجليس بالريح النتنة من البدن أو الثياب فيه تجاوز لحقِّه، ومهانةٌ للنفس، ولا يليق بالمسلم أن يصدر منه ذلك، وما يتجاوز به حقّ الغير، أو يُسبّب للنفس المهانة.
وقد تعدّدت الأحاديث المعصومية في الحثّ على نظافة البدن والثياب والمكان، وفي التنفير من القذارة.
ولأن للمسجد حرمته الخاصّة، وهو المكان الذي يُتفرّغ فيه للعبادة، ويطلب فيه الخلوّ من المضايقات لها، وهي محل اجتماع المسلمين؛ جاء التشديد على رعاية حقّه في تجنيبه الرائحة الكريهة مما قد يُشغل عن التوجّه في العبادة. عنه صلّى الله عليه وآله:”من أكل هذه البقلة(11) فلا يقرب مسجدنا”(12).
وإذا كانت النظافة الماديّة العامة، والطهارة الشرعيّة الظاهرية(13) قد نالت الكثير من اهتمام الإسلام، حتّى عدّ الأخيرة عبادة من العبادات، وارتبطت بها صحة عباداته الكبرى كالصلاة والصوم والحج، فإن اهتمامه بطهارة الباطن، ونظافة القلب والنفس، ونقاء الروح أبلغ وأبلغ، ذلك لأن باطن الإنسان هو مركز نظر الإسلام، وهو الأهم حسب رؤيته في وجود هذا الكائن المتميّز بما له من روح.
والذات الإنسانية الطاهرة هي ذات نقت من كل شائبة من شوائب الشِّرك، ومن كلّ ما يحطّ من قدر الإنسان، وعيوب المعنى التي تصرِفه عن ربّه، وتُقلِّل من توجّهه إليه، وتُعيق حركته في طلب التقرّب إليه.
وما المعصوم إلا من تمّت له الطهارة بهذا المعنى فتنزّه عن كل قبيح ومعصية، وخلت ذاته من كل رجس، ومما يغضب الله.
وهي المنزلة التي أرادها تبارك من مريد لأهل البيت عليهم السلام {… إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً }(14).
واصطفاء الله عز وجل عبداً لنبوة أو إمامة لا ينفك عن عصمة هذا العبد وطهارة ذاته.
ومريم التي اصطفاها على نساء العالمين طهَّرها واصطفاها {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ}(15).
وإذا كانت الطهارة المعنوية على درجات فإنّ على المؤمن أن يجاهد على طريقها ما استطاع باذلاً كلّ جهد ليبلغ منها ما بلغ، وإن لم يكن على حدِّ العصمة ما يبلغه، لأنّ كل خير الإنسان، وحقّ سعادته فيما يكون له من هذه الطهارة.
ومن كرامة القلب الطاهر على الله سبحانه أنه يكون محل نظره ورضاه فعن الإمام علي عليه السلام:”قُلُوبُ العِبادِ الطّاهِرَةُ مَواضِعُ نَظِرِ اللّهِ سُبْحانَهُ فَمَنْ طَهَّرَ قَلْبَهُ نَظَرَ إلَيْهِ”(16).
ومن نظّف جسمه وثوبه وكل ظاهره مُهملاً باطنه للقذارات والأرجاس فكأنه لم يتوقّ ضرراً وإن حرص ما حرص على النظافة الظاهرية، ولم يحقق نفعاً لِعظَم ما أقدم عليه من هلاك، وضيّعه من سعادة بما فرّط فيه من طهر قلبه، ونقاء روحه.
عن المسيح عليه السلام:”لا يُغني عن الجسد أن يكون ظاهره صحيحاً، وباطنه فاسداً، كذلك لا تُغني أجسادكم التي قد أعجبتكم، وقد فسدت قلوبكم، وما يُغني عنكم أن تُنقّوا جلودكم وقلوبُكم دنسة”(17).
اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التوّاب الرحيم.
اللهم ارزقنا قلوباً نقيّة، وأرواحاً زكيّة، ونفوساً رضيّة، وباعد بيننا وبين ما تظلّمُ به القلوب، وتتكدّر الأرواح، وتترجّس النفوس، وتخبث الضمائر.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}(18).

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي تهتدي إليه القلوب بإلهام من عنده، وتخضع له العقول بهدى من فضله، من دون أن يصل إلى كنهه عقل، أو يُلمّ بحقيقته قلب. ليس له عديل ولا نظير ولا شبيه. ولا مضادّ يضادّه، ولا وزير يعاضده، وكلّ شيء تحت أمره ومقهور لإرادته.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
عباد الله اطلبوا إصلاح دنياكم وأخراكم بتقوى الله، واحفظوا أنفسكم من النّار بطاعته، واتخذوا من يُضِلّ عن طريقه عدوّاً، ومن هدى إليه وليّاً، ولا تشغلنّكم الدّنيا عن ذكره، ولا تَصرفنّكم عن سبيله؛ فالغافل عن ذكر الله سافل، والسالك غير سبيله خاسر. ولن تُبقي الدنيا على أحد من أهلها، ولا تصحبُ من رحل عنها، وكلٌّ راجع إلى الله، وملاقٍ حسابه عنده.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، ولوالدينا، وأرحامنا، وقراباتنا، وجيراننا، وأزواجنا، ومن أحسن إلينا من مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اجعلنا من أذكر ذاكريك، وأحمد حامديك، وأشكر شاكريك، وأصدق طائعيك، وأخلص عابديك، ولا تجعل لنا ميلاً عن صراطك، ولا مفارقة عن دينك يا رؤوف يا رحيم.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على خاتم النبيين والمرسلين محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ أئمة الحقّ من أهل بيت نبيّك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس ياربّ العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصراً عزيزاً مبيناً ثابتاً قائماً دائماً.
أما بعد أيها الأعزاء من المؤمنين والمؤمنات أجمعين فإلى حديث تحت عنوان:

لا تحرقوا البحرين:

من له شيءٌ من عقل، شيءٌ من دين، شيءٌ من ضمير، شيءٌ من إنسانية، شيءٌ من غيرة، شيءٌ من حياء لا يُحرق وطنه، أهل وطنه، ثروة وطنه، أخوّة مواطنيه، دينهم، أخلاقهم، إنسانيتهم، أمنهم، حاضرهم، مستقبلهم. وكل ذلك تحرقه الفتنة الطائفية التي يضيع فيها العقل، ويغيب الدين والضمير، وتعطّل الكوابح، ويقفز على الحواجز.
فلا ريب أن من يسعى لإشعال الفتنة الطائفية، فإنما يريد إشعال حريق شامل يجد منه مخرجاً للتحكم في الأوضاع غير مبالٍ في نفوس الناس ومالهم من عرضٍ ومال.
إنها جريمة السياسة القذرة في حقِّ الوطن والمواطنين أن يعمد أحد إلى إحداث فتنة طائفية. إنها عملية استهتار، وسحقٍ للدين، والقيم، والإنسانية، وكل حرمة من الحرمات.
هناك من يريد احتراق الوطن، من يريد لكم يا أبناء الشعب سنة وشيعة أن تقتتلوا، أن تسفكوا دماءكم، أن تدخلوا في حربٍ مفتوحةٍ لا حدود لها، ولا تستثني مالاً، ولا عرضاً ولا دماً، ولا ترعى حرمةً من الحرمات، ولا تحترم أخوّة، ولا تاريخاً، ولا ديناً ولا خلقا.
أمَّا أنتم، فلا تُحرقوا البحرين، ولا تقتتلوا، ولا تدخلوا حرباً جاهليةً لا يرضاها الله ورسوله ولا المؤمنون. ولا تلقوا بأنفسكم إلى تهلكة دنيا وآخرة.
كونوا عقلاء أذكياء كآبائكم وأجدادكم الذين أفشلوا مثل هذه المحاولات من قبل، وأثبتوا وعياً سياسياً متقدّماً، وأخوّةً دينيةً ووطنيةً قوية، واجتمعت كلمتهم على مطالب سياسيةٍ موحّدة.
أيها الواعون، أيها الشرفاء، يا أبناء هذا الشعب الكريم، أمامكم مصر، ليبيا، اليمن، سوريا. انظروا كم حصدت السياسة الدنيوية المقاوِمةُ لمطالب الشعوب، وحركات الإصلاح، وكم حصد إصرار السلطات على كل مكاسبها الظالمة من أرواح أبناء هذه الشعوب.
لم يُحصَد الليبيون على يد القذافي السنّي لأنهم شيعة، ولم يُحصَد المصريون على يد حسني مبارك السنّي لأنهم شيعة، ولم يُحصَد أهل صنعاء وعدن على يد صالح السنّي لأنهم شيعة، حُصد كل أولئك وهم سنة من الحاكم السنّي لذنبٍ واحدٍ مشترك؛ هو المطالبة بالحقوق والإصلاح والحرية والكرامة، ولم تشفع لهم أخوةٌ دينيةٌ ولا مذهبيةٌ ولا وطنيةٌ يشترك الحاكم معهم فيها.
إن السياسة الدنيوية لا تعرف وزناً لدين ولا مذهب، ولا قيم ولا أعراف. كلُّ القيمة عندها للكرسي والسلطة والدنيا.
ألف شيعي معارض لا يساوي سنيّاً موالياً عند حاكم شيعي معبوده الدنيا، وألف سنّي معارض لا يساوي شيعيّاً موالياً عند حاكم سني مقدّسه الدنيا. يمكن لهذا أو ذاك أن يفاوت أحياناً بين مواليين أو معارضين(19)، ولكنه لا يمكن إلاَّ أن يقدّم الموالي على المعارض من أي دينٍ أو مذهبٍ أو قوميةٍ كان هذا، وكان ذاك.
ولا تفتقر السياسة الدنيوية الحيلة والمكر الذي يوقع أبناء الشعب الواحد في الاقتتال حفاظاً على السلطة، بل على كل ما تغتصبه من الشعوب وتصادره من ثروة وحرية وكرامة الأوطان ظلما. والمداخل لهذا المكر متوفرة دائماً، والفرص ميسورة.
هناك التعدد الديني، التعدد المذهبي، التعدد القومي، التعدد اللوني، التعدد القبلي، التعدد المناطقي، التعدد الطبقي، التعدد اللغوي(20). أي شعب يخلو من هذه التعددات ومن غيرها حتى لا تجد السياسة الظالمة مدخلاً تلِجهُ للفرقة، وتفتيت الشعب الذي تحكمه، واحتراب أبنائه؟!
في مصر استُخدِمت ورقةُ التعدد الديني، وفي ليبيا استُخدمت ورقة التعدد القبلي، والمناطقي وكذلك في اليمن(21).
أما ورقة الاتهام بالتآمر والعمالة للأجنبي والخيانة فهي ورقة مشتركة استخدمها المصري، والليبي، واليماني، وهي مستعملة في سوريا وفي كل مكان.
والسياسة التي لا تقدِّس إلا الدنيا لا تستثني أي أسلوبٍ دنيء إجرامي في سبيل الحفاظ على مصالحها. ومن أبشع هذه الأساليب دناءةً وإجراما تمزيق الشعب الواحد، وزرع روح الكراهة بين أبنائه، وإثارة الأحقاد والريبة والبغضاء بين صفوفه، والانتهاءُ به إلى حربٍ داخليةٍ طاحنة لا تلتفت إلى دينٍ ولا قيم، ولا مصلحة وطن.
وأيُّ شعبٍ يكون ممتحناً امتحاناً قاسياً في دينه وعقله وبصيرته وخبرته أمام مثل هذه المحاولات. وأنتم اليوم ممتحنون أمام فتنةٍ يراد لكم أن تلجوا بابها الخطير، وتدخلوا نفقها المظلم الذي لا ينتهي إلا بنهايةٍ مأساوية. وعلى هذا الشعب الكريم بسنته وشيعته أن يُبرهن على تفوّقٍ في الذكاء والدين والنباهة والبصيرة وهو يتعرّض لهذا الاختبار، وأن يُسجِّلَ الفشل على كل محاولة تستهدف تفتيته، وإثارة الفتنة بين صفوفه، وتستثير أسباب الحرب الجاهلية المشؤومة قولاً وعملاً بين المواطنين وتؤجّج الروح الطائفية.
إذا كان كل هذا من أجل التراجع عن المطالب الشعبية فإن هذه التجارب قد باءت بالفشل في الأقطار الأخرى، وقد سجلت فشلها بوضوحٍ في هذا الوطن. ونرجو أن لا تقوم للفتنة الطائفية قائمة.
إنه لا علاج إلا بالاستجابة لإرادة الشعب، وتحقيق مطالبه العادلة. والتراجع عن ذلك أصبح من المستحيل، وهو ضارٌ بالوطن بصورةٍ فظيعةٍ مرعبة.
لا تراجع، ولا حلول سطحيةً تعود بعدها الحرائر والأحرار ثانيةً للسجون، وتُصبَغ الشوارع من دم أبناء الشعب، وتُفتّت اللحمة الوطنية، ويُحرَم الناس من لقمة العيش، وتجيّش الجيوش، ويسلب النوم من جفون الآمنين(22).
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم إنا نستعينك، ونستغيثك، ونستنصرك، ونتوكّل عليك.
اللهم ارحم شهداءنا وموتانا، وأطلق سراح أحرارنا وحرائرنا، واشف جرحانا ومرضانا، وأخرجنا والمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات من كل ضيق وكرب يا قوي يا عزيز، يا رؤوف يا رحيم.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (23).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- 41/ الروم.
وكل كسب سيء وراءه روح خبيثة، وكل كسب طيّب وراءه روح طاهرة.
2 – أنا لمّا أرتكب الخطيئة في المرّة الأولى ما هو شعوري؟ هل أشعر بالفخر، هل أشعر بالسمو، هل أشعر برقيّ الروح، هل أشعر بصفاء القلب، أم أشعر بخلاف ذلك؟ هنا تعرف أن الذنب من القبيح أو الجميل.
3 – عقب ارتكاب الخطيئة أيّ الإحساسين يغمر النفس؟ الإحساس بالهبوط الروحي أم الإحساس بالرقي الروحي؟ صحيح أن هناك إحساسا بلذّة، بنشوة مادية، لكن إذا انطفأت شعلة هذا الإحساس، ماذا يقوم في النفس من إحساس؟ إحساس بالعزّة والكرامة والطهر؟ أم إحساس بالدونية وهبوط المستوى الإنساني والخزي؟
4 – أي بسبب مرض النفس وسقوطها.
5 – 6/ المائدة. 6 – 11/ الأنفال. 7 – كنز العمال ج9 ص278. 8 – الكافي ج6 ص439 ط3. 9 – وكأنّه من تفسير النتن بأنه الريح الذي يُتأذّى به. 10 – الخصال للشيخ الصدوق ص620.
11 – والحديث يعني الثوم. 12 – بحار الأنوار ج63 ص 247 ط3 المصححة. 13 – كالوضوء والغسل. 14 – 33/ الأحزاب.
15 – 42/ آل عمران. 16 – هداية العلم في تنظيم غرر الحكم، ص505. 17 – تحف العقول ص393 ط2.
18- سورة العصر.
19 – لسنية هذا وشيعية ذاك، لنصرانية هذا وإسلام ذاك.
20 – كل هذه التعددات وكثير منها يتواجد في الوطن الواحد والشعب الواحد. 21 – والورقة الرابحة في البحرين هي ورقة الطائفية التي تجيد السلطة لعبة استخدامها.
22 – هتاف جموع المصلين ب: (هيهات منا الذلة)، و (لن نركع إلا لله).
23- 90/ النحل.