المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (472) 8 ذو القعدة 1432هـ – 7 أكتوبر 2011م

خطبة الجمعة (472) 8 ذو القعدة 1432هـ – 7 أكتوبر 2011م

مواضيع الخطبة:

الخطبة الأولى: الحلقة الأخيرة من حديث في الإنصاف

الخطبة الثانية: محنة الوطن العربي – الشأن المحلي

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي تعرَّف لعباده بافتقارِهم إليه، وفَيضِه عليهم وجودَهم وحياتَهم، وإسباغِه النِّعَم، وإبداعه الخَلْق، وإحكامه الصُّنْع، ومواصلته الرَّفْد، وإتقانه الكَون، وحفظه النظام.
وهو الذي جعل الأرواح تهتدي إليه، ورَزَقَ العقول معرفتَه، وأوجد القلوبَ لا تطمئنُّ إلاَّ إليه. وكل ذلك رحمة منه، وتفضّل وإحسان.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
أوصيكم عباد الله ونفسي المقصِّرة بتقوى الله التي لا غِنى لعبدٍ يريد لنفسه خيراً ونجاة وصلاحاً وفلاحاً وعاقبة حميدة عنها إذ لا خير عند غير الله، ولا صلاح إلا في الأخذ بهداه، وصوغ النفس حسب رضاه، ولا فوز، ولا نجاح إلاَّ وأمره بيده، ولا معطي له أحدٌ سواه.
ومن صدق في تقواه لله كان مع الصادقين لا يبارح خطَّهم، ولا يميل عنهم، ولا يستهويه غيرهم. ولا تقوى لمن خالفهم، أو تخلّف عنهم، أو خذلهم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ}(1).
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اجعلنا ممن صدقوا الإيمان، وكانوا مع الصَّادقين من الأنبياء والمرسلين، وأهل بيت نبيِّك الخاتم الصادق الأمين، ولم يُبدّلوا، ولم يُغيّروا، ولم يعدلوا عن سنّة، ولم يميلوا إلى بدعة، ولم يأنسوا إلى هوى، أو نفس أمّارة بالسّوء، أو مضلٍّ أو شيطان رجيم.
أما بعد أيها الإخوة المؤمنون والمؤمنات الأعزّاء فهذه الحلقة الأخيرة من حديث:

الإنصاف:

ونقرأ هنا ثلاث كلمات عن الإمام عليٍّ عليه السلام:
أولى الثلاث:”زَكاةُ القُدْرَةِ الإنْصافُ”(2):
قدرةُ المال، قدرةُ البدن، قدرةُ السُّلطان والجند وكلّ قدرة أخرى نِعَمٌ في النّاس من الله سبحانه، وكلّ هذه النِّعَم فيها زكاةٌ يكون في أدائها شكر المنعم عزّ وجلّ، وحفاظ عليها. وجامع هذه الزّكاة الإنصاف، وعدم الانسياق وراء غرور القوَّة بما يأخذ بصاحبها إلى الجور. والإنصاف في كلّ موردٍ من موارد القدرة له معناه وتطبيقه الخاص.
وأشدّ ما يثير غرور الناس، وينسيهم ذكر الله عزّ وجلّ، ويفتح باب الشيطان هو الرئاسة والسلطان، وتجمع السلطة الجند والمال، وتقتضي طاعة المطيعين، وتزلّف المتزلّفين، وخوف الخائفين، وطأطأة المتطأطأين، وكلّ ذلك يستخفّ النفس التي لا تعرف الله، ولا تذكره، ولا تخشاه، ويُغريها بالتعالي، والاستكبار، والظلم، والبغي في الأرض بغير حقّ، ومجانبة الإنصاف.
وحين يكون الإنصاف هو الزكاة المفروضة على ذوي السلطان، فلا زكاة أعظم منها، ولا ضريبة أثقل منها على سلطان نسي ذكر ربّه، ورأى من نفسه أنّه إله آخر يَسأل ولا يُسأل، ويُحاسب ولا يُحاسَب، ويحقّ له أن يُعاقِب ولا يجوز أن يُعاقَب.

الكلمة الأخرى له عليه السلام:”قَلَّما يُنْصِفُ اللِّسانُ في نَشْرِ قَبيح أوْ إحْسان”(3):

وفي الأغلب يكون وراء نشر القبيح بغضٌ للآخر، ووراء نشر الإحسان حبّ له. وقليل ما تتغلّب النفس على كرهها، ولا تنهزم أمام حبّها. وكلّ منهما فيه من قوة الاستيلاء إذا تمكّن في النفس، وتعاظم، وتجذّر ما يقهرها، ويُسقط الإرادة.
فإذا جاء نشر قبيح من عدوّ أخذ به بغضه إلى التجاوز، وإذا جاء نشر إحسان من صديق أخذ به حبّه إلى التزيُّد. ولا يكاد الحبّ والبغض يُبقيان ثناءً ولا ذمّاً عند الحدّ الذي يقتضيه واقع ما عليه جمال الفعل الذي أتاه الممدوح من قدر، أو واقع قبح الفعل الذي أتاه المذموم من حجم.
ثمّ إنّه ما أصعب ضبطَ مقدار ما عليه أفعال الناس من حسن وقبح بصورة عامة لتوزن بميزان العدل والحق الدقيق.

الكلمة الثالثة عن الإمام عليه السلام:”عامِلْ سائِرَ النّاسِ بِالإنْصافِ وَ عامِلِ الْمُؤْمِنِينَ بِالإيثارِ”(4):

لا تَنزُّل عن حدِّ الإنصاف في الإسلام في تعامل مع صديق أو عدو، وقريب أو بعيد.
وحتّى القاتل لا يُتجاوز في القصاص منه حدّ ما يستحقّه فعله في الشرع العادل؛ شرع الله الذي لا عدل كعدله.
وللمؤمن ميزة خاصّة في تعامل أخيه المؤمن معه، وهي أن يؤثره على نفسه. والإيثار، والزيادة في حقّ الغير، والتغاضي عن تجاوزه إحسان. وليس كثيرا على المؤمن أن يحسن لأخيه المؤمن للقيمة العالية في نفسه للإيمان. والإحسان بين المؤمنين خلق مطلوب منهم جميعاً، ولا يخصّ طرفاً دون آخر(5)، فإذا طالبت أخاك المؤمن بالإحسان فلتطالب نفسك به قبل ذلك، وتأخذ به.
والإنصاف كما يمتنع على الضعيف من القوي(6)، نراه في المنقول عن الإمام علي عليه السلام ممتنعاً على البعض لا لضعف، وإنما لشرف وتميّز يجعله فوق أن ينزل إلى مستوى ظالمه في ممارسته وكلماته وتصرفاته مما يتطلبه انتصافه منه، وإلا لظلم نفسه(7)، وخسر من عقله ودينه وشرفه وموقعه.
فعنه عليه السلام:”ثَلاثَةٌ لا يَنْتَصِفُونَ مِنْ ثَلاثَة أبَداً: اَلْعاقِلُ مِنَ الأحْمَقِ، وَالْبَـرُّ مِنَ الْفاجِرِ، وَالْكَريمُ مِنَ اللَّئِيمِ”(8)، وفي كلمة أخرى:”لا يَنْتَصِفُ الْبَرُّ مِنَ الفاجِرِ، لا يَنْـتَصِفُ عالِمٌ مِنْ جاهِل”(9).
الأحمق، والفاجر، واللئيم القميء، والجاهل لا يتوقفون عن فعل سيء، ولا قول شائن، ولا يتورعون عن نيل الآخر بغير حقّ، والمبالغة في سبٍّ وشتم وظلم، وهو ما لا يمكن أن يحدث مثله من عاقل، أو بر، أو كريم، أو عالم، حتى يتم لهؤلاء الانتصاف من أولئك بمثل ما كان منهم من ظلم وفحش وإساءة.
وأمّا عن الإنصاف من النفس: فإنه امتحان شديد للمرء في عقله ودينه وخلقه بصورة عامة إلاّ أنه أكبر شدّة حين ينال من العزّ الظاهري لها(10)، ويسبب له الحرج أمام الناس إذ يقتضي منها الاعتراف بالخطأ، والتخلّي عن الرأي، والإعلان عن القصور والتقصير، والاعتذار من الظلم، وخاصّة حين يكون هذا الاعتراف بالخطأ، والإعلان عن التقصير، والاعتذار من الظلم ممن يترفّع به الناس كثيراً عن هذه الأمور، ولا يَردُ فيه منهم سوء ظن، ويُصدمون لو عرفوا منه شيئاً من ذلك.
وتلتفت الكلمة عن الإمام علي عليه السلام لمشاعر الحرج عند هذه النفس في مثل هذه الموارد، ومدى الضغط الهائل عليها في مواجهة إرادة الإنصاف فيها، وكيد الشيطان بالنفس لمقاومة هذه الإرادة إذ تقول:”ألا إنّه من يُنصف الناس من نفسه لم يزده الله إلاّ عزّاً”(11).
والكلمة علاج ناجع لوسوسة النفس، وكيد الشيطان، وفيها وصد لباب التهيب والتردد في الانتصاف من النفس في أحرج المواقف.
ولنعرفَ ما للمنصف من نفسه من قَدْرٍ عند الله عزَّ وجل علينا أن نسمع ما عن رسول الله صلّى الله عليه وآله في وصيته لابن مسعود:”أنصف النّاس من نفسك، وانصح الأمة وارحمهم، فإذا كنت كذلك، وغضب الله على أهل بلدة أنت فيها، وأراد أن ينزل عليهم العذاب نظر إليك فرحمهم بك؛ يقول الله تعالى {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}(12)”(13).
اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم قوّنا على طاعتك حتى لا تقعد بنا النفس عنها، ولا يسبقنا السابقون إليها، وأعذنا من إغراء الشيطان وإغوائه، وتزيينه وتثبيطه حتّى لا نستجيب له فيما أراد بنا من سوء، وأن يوقعنا فيه من معصية، يتحرمنا من طاعة من طاعاتك التي بها نجاتنا وفوزنا عندك يا كريم يا رحيم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}(14).

الخطبة الثانية

الحمد لله صادق الوعد، موفي العهد، مجزل الثواب، شديد العقاب، لا يظلم أحداً، ولا يُهمل إحسان محسن، ولا يزيد في عقوبة مسيء، ولا تضيع عنده ذرة من عمل عامل في سرٍّ أو علن، ولا نية مما في الصدور، ولا تخفى عليه خافية في أرض ولا سماء.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً كثيراً.
عباد الله من غضب الله عليه فلا منقذ له من غضبه، ومن بطش به فلا راد لبطشه عنه، ومن أساء لم يجنِ إلا سوءاً، ومن أحسن لم يلقَ عند الله إلا الإحسان؛ ومن أراد الله خيره أغناه وكفاه ووقاه، وأبان له الطريق، وأوضح المنهج، وبلّغه النُّجْح، وأوصله إلى الغاية، وكتب له السعادة، فلنتّق الله، ولنحذر عذابه، ولنطمع في ثوابه، ولنخلص في توحيده، ونجدّ في طاعته، ولا نعدل رضا برضاه، ولا سخطاً بسخطه.
اللهم إنا نعوذ بك أن نخرج من الدنيا وقد حلَّ علينا سخطك، ووجبت علينا نقمتك، وكتبت علينا الطرد من رحمتك. اللهم إنا نعوذ بك أن نخرج منها مثقلين بذنوبنا لم تغفرها لنا، مدنّسين بخطايانا لم تحطّها عنّا، محكومين بعقوبتك لم تعف عن جرمنا.
اللهم اجعلنا من أهل طاعتك، وجنّبنا معصيتك، واشملنا بعفوك ومغفرتك، وإذا أخرجتنا من الدنيا فلا تخرجنا ربّنا بمنك وكرمك إلا إلى رضوانك وجنّتك وكرامتك يا حنّان يا منّان يا جواد يا أرحم الراحمين.
الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الأئمة الهادين المعصومين حججك على عبادك، وأنوارك في بلادك، الطاهرين الطيبين: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس يا ربّ العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصراً عزيزاً مبيناً ثابتا قائما.
أما بعد أيها الأحبّة في الله فإلى هذا العنوان:

محنة الوطن العربي:

امتُحِن الوطن العربي خاصّة، والوطن الإسلامي عامَّة لمدى زمني طويل بأنظمة حكم تسلّطية فرضت نفسها على خلاف إرادة الأمّة، ودينها، ولا يمكن لها في ظلّ وعي الأمة وصحوتها، وإدراكها لمقتضيات هُويتها ومصلحتها، واعتزازها بذاتها وحضارتها أن تنال ولاءها وثقتها ومناصرتها؛ فصارت تعمل دائما على تجهيلها واستغفالها، وقتل إرادتها، ومنع أسباب القوّة والنهوض عنها درءاً لما تراه خطراً عليها في صحوتها ووعيها وقوّتها، وإدراك مأساتها.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى لقد مكّنت هذه الأنظمة للأجنبيّ من رقبتها، وأباحت له الأرض العربيَّة والإسلامية وخيراتها، وأعانته على غزو ثقافتها، وأخلاقيتها، وقيمها، وإفساد دينها وتربيتها شعوراً منها أمامه بالضعف، وحاجتها إلى دعمه وتأييده في قبال حركة الشعوب المتوقعة.
وهذا ما جعل بقاء هذه الأنظمة مرهوناً بإرادة الأجنبي، وأتاح له أن يبتزها بأي درجة من الدرجات متى شاء، وكيف شاء، وجعل له تغلغلاً واضحاً في كل مفاصل هذه الدول الذليلة المستسلمة، وملّكه علاقات مهيمنة على مستوى التفكير والشعور والإرادة ونوع الطموح على كثير من أبنائها خارج جسم الحكومات لتكون البديل المناسب لخدمة نفوذه ومصالحه عند الضرورة.
وقد جعل هذا الواقع المعقَّد حركات الإصلاح والتغيير الصالخ في الأرض العربية والإسلامية تواجه خطر القمع الداخلي العنيف على يد الأنظمة الحاكمة، والدعم الأجنبي لها والذي كان قائماً في المثال الليبي إلى وقت كان القذافي يقمع فيه الشعب، ويُنزل حمم سخطه عليه، كما تواجه خطر البديل المتعاون مع الاستعمار الأجنبي من أبناء شعوبها ممن صُنعوا على عين المستعمر نفسه لمدة طويلة(15)، وأُعدّوا بصورة جاهزة لخدمته، وتنفيذ سياسته وأهدافه.
وخطر آخر على حركات الإصلاح والتغيير في البلاد العربية والإسلامية قد أوقعها فيه ذلك الواقع المرير الذي صنعته الأنظمة الفاسدة، والحكومات الجائرة، وهو شعور الكثير من هذه الحركات بالحاجة إلى مغازلة الأجنبي، واسترضائه، والدخول في مساومة معه لا إيماناً بقيمته، ولكن إذعاناً لهيمنته.
وقلَّ أن تتحرّر حركة تغيير أو إصلاح من هذا الهاجس، وتتمتع بروح الاستقلال الحقيقي، وتعتمد على قوتها الداخلية، ورصيدها الوطني، وجهدها وجهادها وتضحياتها وإن طال الطريق. وذلك وإن قلَّ إلاّ أنه قد تحقق على الأرض(16) وهو قائم وموجود فعلاً.
وإذا وجد كان معادَىً من جميع قوى الظلم والانحراف، والزيغ والضلال، وكان عليه أن يواصل جهوده المضنية، ويصبر على مرِّ عداوة الأعداء الكثيرين، وحربهم وأذاهم، وأن يملك دائماً انتباهه ويقظته لما يدور حوله، وما يحاك له من مؤامرات، وأن يبني قوة متينة متنامية تحميه.
ولا أمل في تحرّر الأمة وانعتاقها من ذُلِّ العبودية لقوى الطاغوتية في الداخل والخارج إلا في حركة إصلاح أو تغيير مستقلّة عن هيمنة القوى المعادية للأمة، تولد من رحم أمتها المجيدة، ووعيها الإسلامي، وخطّها الحضاري، وإرادتها الحرّة التي لا تخضع إلا الله، ولا تستكين إلا أمام إرادته، ولا تتطلع إلا إليه، ثم لا تعتمد مع بذل كل الجهد إلا على ربّها، وتتحمل المعاناة الصعبة، والتضحيات الجسيمة في سبيله، وتكون على نباهة ووعي بالغين لا يسمحان بأن تسرق صنائع الأجنبي وخلاياه المعدّة عطاء التضحيات الباهظة لجماهير الأمة ومكاسبها(17).

الشأن المحلي:

أما عن شأننا المحلّي فإن كلّ يوم يحتفل فيه العالم لتكريم المرأة أو المعلّم، أو الطبيب، أو الصحافي الحر هو يوم إهانة وتهميش وملاحقة ورعب، وازدراء ومحاكمة ظالمة لكل هؤلاء ولكل مطالب بالحق، ومنتصر له في هذا الوطن المظلوم الكئيب المعذَّب. فهل هذا هو التقدّم المدَّعى، والإصلاح الموعود، والرشد المطلوب، والسياسة الرشيدة يا أهل السياسة؟!
صار لا يصبح هذا الوطن ولا يمسي إلا على أخبار الاضطهاد وشنّ الهجمات على المناطق، وانتهاك الحرمات، والمحاكمات الصورية بلا حساب، والأحكام التبرعية والسجن والإعدام، ومجالس التأديب للشرفاء المخلصين، والفصل التعسفي، وألوان المظالم والتعديات. وكل ذلك لذنب واحد هو المطالبة بالحقوق، واسترداد الحرية والكرامة، والعيش بسلام.
وإن للمواطنين على هذا الطريق لصبراً لا ينفذ، وعزماً لا يتراجع، وإرادة لا تلين، وتصميماً لا يهن، وإيماناً لا يدخله خلل.
وطول الطريق، وشدّة المحنة، وازدياد الكلفة، وتضاعف التعب، والإمعان في الظلم صار لا يزيد الصبر عند هذا الشعب إلا صبراً( )، والعزيمة إلا عزيمة، والإرادة إلا مضاء، والتصميم إلا تصميماً(19).
ومن لم يبتغ في الأرض شرّاً ولا فساداً، ولم يخرج أشِراً ولا بطِراً، وإنما كل حركته للإصلاح، وطلباً للحرية والانعتاق من عبودية العباد، ورفضاً للظلم والبغي في الأرض كان الله معه، ومن كان الله معه كان النصر حليفه، وكان من الغالبين.
ثمّ إنه من أسوأ حالات السياسة أن تُمعن في الظلم والتضييق، وسدِّ كل منافذ الحل، وغلق فرص التدارك، وفي التجويع والترهيب والازدراء والتهميش والإقصاء والاستهداف بأحطّ أنواع السوء حتى تنطق هذه اللغة العدوانية من الحكومة التي تمارسها للشعب قائلة: هذا فراق بيني وبينك، وأنا عليك ما دمتُ فاحمِ نفسك إن استطعت(20).
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
نعوذ بالله من الشطيان همزه ونفثه ونفخه وكيده ومكره. نسألك اللهم خير الخير رضوانك والجنّة، ونعوذ بك من شرّ الشرّ سخطك والنار.
أنعمي أرواح شهدائنا في جوار الله، ونحن هنا باقون في السجن إلى حين.
اللهم انصر أولياءك، وأذلّ أعداءك، ومكّن لدينك، وأظهر كلمتك، وأبطل كيد القوم الظالمين.
اللهم ارحم شهداءنا وكل شهداء الإسلام، واشف جرحانا ومرضانا والمعلولين من المؤمنين والمؤمنات، وارحم كل مؤمن ومؤمنة. اللهم تولّنا برعايتك وكفايتك وكلاءتك يا أرحم الراحمين.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (21).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- 119/ التوبة.
2- هداية العلم في تنظيم غرر الحكم ص494.
3- المصدر السابق ص552.
4- هداية العلم في تنظيم غرر الحكم ص596.
5- في العادة أنا أحجّك بأنك مؤمن، فإذاً عليك أن تؤثر على نفسك، ولكن لا أحجّ نفسي بمثل هذا الوجه، والصحيح أن ينطلق كل منا من إيمانه لإيثار الآخر من المؤمنين على نفسه.
6- حيث لا يستطيع الضعيف أن ينتصف لنفسه من القوي.
7- لو تنزّل لمستوى الآخر يكون قد ظلم نفسه.
8- هداية العلم في تنظيم غرر الحكم ص596.
9- المصدر السابق ص595.
10- مرة يقتضي الإنصاف بذل مال، الخروج مما في الذمة من مال بصورة مستورة، هذا له وزن، ولكن ما يصعب أكثر من ذلك هي هذه الصورة من الإنصاف والتي تنال من العز الظاهري من النفس.
11- الكافي للشيخ الكليني ج2 ص144 ط4.
نحن نخاف الذل هنا من إنصاف النفس بالاعتراف بالخطأ، بالتنزل للرأي الآخر، بالاعتذار عن الخطأ، لكن الإمام عليه السلام المردود إذا كان هناك مرودود من الذل عند الناس فإن الله عز وجل بلطفه يبدّل هذا الذل إلى عز.
12- 117/ هود.
13- كتاب مكارم الأخلاق للشيخ الطبرسي ص457 ط6.
14- سورة الإخلاص.
15- بتسهيل الحكومات الظالمة.
16- أي وجود نموذج التغيير والإصلاح الحقيقي المستقل النابع من ضمير الأمة، والناظر لمصلحتها.
17- هتاف جماهير المصلين بـ(لن نركع إلا الله).
18- هتاف جماهير المصلين بـ(هيهات منا الذلة).
19- طويل، وسيبقى هذا النفس طويلاً إلى أن يصل هذا الشعب إلى الغاية. هتاف جماهير المصلين بـ(لن نركع إلا لله).
20- فهذه اللغة لا تُبقي ولا تذر.
21- 90/ النحل