المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (471) 1 ذو القعدة 1432هـ – 30 سبتمبر 2011م

خطبة الجمعة (471) 1 ذو القعدة 1432هـ – 30 سبتمبر 2011م

مواضيع الخطبة:

 

الخطبة الأولى: عودة لموضوع: الإنصاف – تتمة

الخطبة الثانية: بلغ السيل الزبى

الخطبة الأولى

الحمد لله رضى بحكم الله الذي لا يحكم إلاّ بعدل، ولا يقضي إلاّ بحقّ، ولا يفعل إلاّ الحكمة. لا يتَّهمه عقلٌ بصير، ولا قلبٌ سليم، ولا يُجيزان عليه إلاّ ما يليق بجلاله، وجلاله غير محدود، وجماله الذي لا يتناهى له، ولا تدرك كنهه العقول. وهو الذي أمر عباده بالعدل، ولم يُرخِّص في خلافه، ولم يأذن بظلم أبداً.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
أُوصيكم عباد الله الرّاغبين في رحمته ونفسي المفتقرةَ إليه بتقواه، والتوسّل بطاعته لنيل رضاه. وما اتَّقى من عصى، ومن عرف اللهَ اتَّقاه، ولم يعصِه.
ومعصيةُ الله تُعرِّض لسخطه، ومن سخط عليه ربُّه الحقّ فلا كافي له، ولا دافع له من دونه. فلنرحم أنفسنا بالعود إلى الله كُلَّما زلّت القدم، ولنجاهدها على طاعته مجاهدة العدوّ اللدود.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم أصلح ما فَسَدَ منا، واستفرغ أيامنا في ما خلقتنا له من طاعتك تكميلاً لأنفسنا، وإعداداً لها للفوز برضوانك، والخلود في جنّتك، ونيل الكرامة لديك، ولا تجعل عمرنا ضياعاً، وحياتنا خساراً، وقنا سوء المصير.
أما بعد أيها المؤمنون والمؤمنات الأعزّاء فهذه عودة لموضوع :

الإنصاف:

والحديث تحت عدد من العناوين الفرعية:
إنصاف النفس والإنصاف منها:
على المرء وهو يحرص على إنصاف النَّاس، وتوفيتهم حقّهم، أن يُنصف نفسه، ويُوفِّيها حقّها بأن يُكرمها ولا يهينها، ويسموَ بها ويُجلّها عمَّا يشينها، ويهبط بمستواها؛ فيطلب لها العُلا لأنها أهلٌ لذلك(1)، وينأى بها عن الدّنايا التي أراد الله سبحانه لها التنزّه عنها وكرّهها لعباده.
وهذا معنى إنصاف النفس الذي تتحدَّث عنه الكلمة عن أمير المؤمنين علي عليه السلام حيث تقول:”غايَةُ الإنْصافِ أنْ يُنْصِفَ الْمَرْءُ نَفْسَهُ”(2).
وهذا المعنى من إنصاف النفس هو قِمّة الإنصاف، وضمانته، وأقصى ما يُستهدف منه، ويقصد به إليه؛ حيث يتجاوز بها عن الميل إلى الظلم، والجور في الحكم، والأخذ بغير الحقّ، وبخس أيّ شيء وزنه، وأيّ أحد مقامه.
وكلّ ما أُريد للإنسان من فعل الخير، وهجران الشرِّ، وإنصاف النّاس، وإقامة القِسط إنَّما هو لنزاهة نفسه وسموّها أولاً وقبل كلّ شيء، ومن أجل أن تُحلِّق بعيداً في الكمال(3).
وما أشدّ التلاقي بين إنصاف النفس بالمعنى المتقدّم والإنصاف منها بإلزامها بالإذعان لحقِّ الغير، وحملها على الوفاء به وهو ما تشير إليه الكلمة عن الإمام علي عليه السلام:”إنَّ أفضلَ الإيمانِ إنْصافُ الرَّجُلِ مِنْ نَفْسهِ”(4)، مع كلمته السابقة.
وحتى يكون الإنصاف من النفس خلقاً جليلاً، ويأخذ قيمة عالية لابد أن يأتي اختياراً، لا تحت ضغط، ولا بتأثير حكم حاكم، وإلاّ كان الضرورة التي يفرضها الخارج، وليس الخلق الكريم النابع من الذات. وسموّ النفس وقوّتها إنما هو في الثاني وليس في الأول.
ونقرأ هنا لعليٍّ عليه السلام كذلك:”أنْصَفُ النّاسِ مَنْ أنْصَفَ مِنْ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ حاكِم عَلَيْهِ”(5).
ويدخل في الإنصاف من النفس، وعدم مجاراتها فيما يشتهي لها الهوى، وتدعو إليه غريزة الاستكبار أن يقبل الحقَّ إذا بان له، ويغيّر الرأي والموقف إذا ظهر له خطؤه، ويُذعن لما كان يُقاوِم ويُقارع من حجة إذا انكشف له صوابها. فهو بهذا يكون قد أنصف نفسه بالترفُّع بها عن العصبيَّة العمياء القاتلة، وأنصف منها الحقَّ باتباعه.

المؤمن والإنصاف:

الإنصاف في النفس المؤمنة واجبٌ لابد منه، وخُلُق لا تَخَلِّي عنه على الإطلاق، فسواء أنصفه الآخرون أو غمطوا حقّه فهو لا يتخلّى عن واجبه في إنصافهم حتّى من نفسه في ما يكون لهم من حق، ولا يحمله ظلم الآخرين على نسيان واجبه، والتخلُّف عن أداء ما يثبت لهم من حق، ولا يميل به ظُلْمُ أحدٍ له عن إقامة القسط فيما بين ظالمه وغيره.
ذلك لأنه عبد الشرع، وذو خلق نبيل كريم، ولا مَعدِل له من شيء عن مرجعية الدِّين، وكلُّ نظره إلى ما يقرّبه إلى الله، ويجنّبه سخطه.
وتقول الكلمة عن علي عليه السلام بهذا الشأن:”اَلمُؤْمِنُ يُنْصِفُ مَنْ لا يُنْصِفُهُ”(6).
وعنه عليه السلام:”أعْدَلُ النّاسِ مَنْ أنْصَفَ مَنْ ظَلَمَهُ”(7).
والعدالة لا تكون إلاّ مع الإيمان، والإيمان الحقّ يستلزم الاتصاف بالعدالة. ولابد أن يكون الإيمان عالياً حتى تكون عدالة النفس عالية.
ومن كان في أعلى درجات الإيمان كان في أعلى درجات العدالة، وسَهُل عليه أن ينصف من ظلمه بعد أن ملك نفسه، وغاب الهوى عنها أمام سلطان عقله، وخوف ربّه.
ومن النّاس من لا يُقدّر الحق، ولا يُقيم للإنصاف وزناً ولا قيمة، وأمره قائم على الجور، فإن كان الحق له انتصف لنفسه من النّاس لا تقديراً للإنصاف وإيماناً به، ولكن من منطلق الأنا، وحبّ الذات، والبُعد عن التسامح. وإن كان الحقّ عليه تنكّر له، ولم يعرف من الإنصاف شيئاً، ولم يمرّ له على ذاكرة.
وهذا ما تراه الكلمة عن الإمام عليه السلام أنّه أجور سيرة إذ تقول:”أجْوَرُ السِّيرَةِ أنْ تَنْتَصِفَ مِنَ النّاسِ وَ لاتُعامِلَهُمْ بِهِ”(8).
وما أكثر هذا فينا نحن النّاس، وأكثر ما يكون في الحكومات الظالمة.
وللإمام الصادق عليه السلام في الإنصاف كلمة تُلفت النظر:”ليس من الإنصاف مطالبة الإخوان بالإنصاف”(9).
والواضح أن ليس في مطالبة الإخوان بالإنصاف تجاوز للحقّ، ولا ميل عن العدل، فطلب الإنصاف غير خارج عن الإنصاف، وهو على خلاف ما يظهر من الكلمة.
لكن كلمته عليه السلام كأنها تريد أن تُحمّل الأخ من رعاية أخيه ما يجعله يُقدِّر ضعف أكثر النفوس عن بلوغ الدّقة في الإنصاف، والاستقامة على الأخذ به فيما هو عليها في كل أمر كبير وصغير بصورة دائمة(10). وكأن من طالبها بذلك لم يُراعِ حالها وطاقتها، وما هي عليه من تعرُّض للسّهو والنسيان والضعف، ولم يراع مدى واجبه الخُلُقي العظيم في مراعاة ذلك، والتسامح مع الأخوان.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم مُنَّ علينا بيقين أهل اليقين، ونور المهتدين، وضياء الصالحين، وخلق النبيين والمرسلين، وعمل الأولياء المخلصين، وعاقبة الراضين المرضيين يا جواد يا كريم، يا رحمان، يا رحيم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ}(11).

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي نوّع في الناس المواهبَ والطاقات، وفاوت بينهم في القوى والأرزاق، وفي الشّمائل والصِّفات تسخيراً منه سبحانه بعضَهم لبعض، وليتعارفوا ويتعاونوا، وتتكامل وظائفهم، وتُوفّى بهم حاجات الحياة، وتتمّ مقوّمات مجتمعاتهم. سبحانه ما أقدره، وأحكمه، وأرأفه، وأجلّه، وأعلاه!!.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
علينا عباد الله بتقوى الله التي أوجبها على عباده حقّاً له، وتزكية لهم، وإعلاء لقدرهم، وتكميلاً لنفوسهم، وإبلاغاً لهم للغاية التي يسعدون بها.
فشكر المنعم واجب عقلاً، وغاية الكمال والسعادة المترتبة عليه مطلب الفطرة.
فليس من العقل، ولا من ضمير، ولا حكمة، ولا من مصلحة العبد أن يتخلّى متخلٍّ عن جادّة التقوى، وما يمضي من العمر على غير هذه الجادّة كان من الانحدار والخسارة(12).
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
أعذنا ربّنا من كل مكروهك من قصد خبيث، ونية سوء، وقول باطل، وفعل قبيح، ومصير وخيم.
نسألك اللهم الاستقامة على طريق محبوبك، والأخذ بما فيه رضاك، وأن تنيلنا قربك، وتجعلنا من أهل معرفتك وكرامتك فإنك الحنّان المنّان ذو الفضل العظيم.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى الصادق الأمين خاتم النبيين والمرسلين محمد بن عبدالله، وصلّ وسلّم وزد وبارك على أمير المؤمنين وإمام المتقين علي بن أبي طالب، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأنوارك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس ياربّ العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصراً عزيزاً مبيناً قائما ثابتا دائما.
أما بعد أيها الأعزاء من المؤمنين والمؤمنات فإلى هذا الحديث:

بلغ السيل الزبى :

والزبى جمع زُبية، وهي الرّبوة لا يبلغها الماء.
والسيل هنا سيل الشر، سيل البغي، سيل العدوان، والفظاظة والانحدار الخُلُقي، وضياع القِيم، والاستخفاف بالمقدسات والحرمات، وتجاوز الشرع، والعرف، والذّوق الإنساني، والدساتير والقوانين، وكلِّ ما هو اخلاقي، وحياءٌ حميد.
والروابي التي لا ينبغي أن يطالها عدوان، ولا يمسُّ شرفها وحريتها وكرامتها في أي مجتمع مسلم، ومن حكومة مسلمة: قرآن مجيد هو فوق كل كتاب، مسجد لعبادة الله عز وجلَّ، وحسينية تحمل رسالة الحسين عليه السلام، وحرائر مؤمنات صالحات(13).
وليس شيء من هذه المقدّسات والحرمات، ومن الدّماء والأموال في هذا الوطن إلا وتعدَّت عليه السّياسة، وناله بغيٌ عظيم منها، وجرأة على الله ورسوله والدِّين الكريم.
الصورة المعروضة عمَّا ارتكبته حماقة السياسة وجاهليتها وطيشها، وغرورها في حقِّ الحرائر الكريمات، من بنات هذا الوطن في (مركز العاصمة التجاري) جارحة جرحاً لا يُنسى، مقرحة قُرحاً لا يُداوى، صارخة بأن وراءها جاهلية سوداء، وسقوطاً خلقياً ذريعاً، وسخرية ممعِنة بهذا الشعب، وهُزؤاً به، وحقدا على بناته وأبنائه(14).
حرائر مؤمنات في بلد الإيمان على مشهد من المتفرِّجين مرميات رُكاماً بعضهن على بعضن في الأرض مكبّلات الأيدي إلى الخلف صارخات مستغيثات بلا مغيث.
دون هذا المنظر بشاعة وقسوة منظر الإماء في يدٍ غير رحيمة، ومنظر الأغنام ساعة ذبحها. ففي أي بلدٍ مسلمٍ يكون هذا؟!
وفي ظل أي ضمير إنساني يكون هذا؟!
وعلى يد من كل هذا؟!
الجواب تنطق به الصورة، ويعلمه كل الشعب.
وإذا كان هذا هو حال المكشوف، وما تشهده الأعين من غلظة وفظاظة وعنف ضدّ النساء، وسحقٍ لكرامة المواطن في الأسواق، فما حال ما يجري من كل ذلك في السّجون؟ كان الله في عون هذا الشّعب، وفرّج الله عنه.
نعم، إن كانوا يريدون إذلالانا فهيهات منا الذلة.
إذا كانت هذه السياسية الإرهابية الممعنة في القسوة والإذلال من أجل أن تتراجع المطالب الشعبية خطوة للوراء فإنّ المطالب في نفسها غير قابلة للتراجع، ومثل هذه الأساليب إنما يزيد من الإيمان بالتمسُّك بها، ويجعلها ضرورة ملحة لا تقبل التأجيل(15).
لم يعد الإصلاح الحقيقي المضمون أمنية من أماني الشعب، وإنما قد تأكّد له أنه ضرورة من ضرورات وجوده(16).
لقد بذل الناس الكثير، وأعطوا أثماناً غالية من أجل الإصلاح الذي يُمثِّل حلاً واضحاً كافياً، فلم يعطوا كلّ ذلك من أجل الحوارات المستغفِلة، ولقتل الوقت، ولا من أجل تحسين وضع لقمة العيش – على أهميته – وإطلاق سراح السجناء – على ضرورته – فحسب(17)؛ وإلا لما عرّض الناس أنفسهم للسجن ابتداءً، ولشحّوا بها على ضيق معاناتهم من أول الأمر. ولم يعطوا كل ما أعطوا من أجل إصلاح شكلي سطحي يبقي عمق المشكلة والمأساة على ما هو عليه، تأسيساً لجولات أخرى من المتاعب والخسائر والآلام(18).
أعطَوا ويُعطون من أجل أن يروا أنفسهم في وطنهم أحراراً، يشاركون بغير منٍّ في رسم مستقبل بلدهم، ومسار سياسته، ويتمتعون بخيراته في قِسمة عادلة لا ضيزى، ويقتسمون المواقع الإيجابية فيه على حدٍّ سواء لا تمييز بينهم إلاَّ على أساس الأمانة والكفاءة. وكلُّ ذلك يحتاج إلى دستور صالح رشيد جديد.
وإذا كان العنف والانتهاك الصارخ لحرمة الحرائر بالصورة الفظّة المخزية لزرع روح الرُّعب في نفوس الرجال والنساء فقد كفاكم ما جربتم من القسوة البالغة ضد أبناء الشعب(19) مما لم يثلم في عزيمتهم، وإنما كان دائماً يزيدهم إصراراً على المضي إلى الأمام.
وإذا كان هذا الاستفزاز من أجل أن يخرج الشعب عن سلميّته لتجدوا مبرِّراًً لتصفياتٍ داميةٍ واسعةٍ لأبنائه وبناته؛ فإنَّ الشّعب باقٍ على التمسُّك بخطه السلمي إيماناً منه بوجاهة هذا الخط، وحرصاً منه على مكتسبات الوطن، وإبقاءً منه على ما يُعيد لأبناء هذا الوطن اللُّحمة القوية المتينة بينهم، ولا يسمح بزيادة الشّروخ، وبعثرة المجتمع المسلم، وتمزقه إلى شراذم(20).
والأسلوب السلمي هو الأقرب لأخلاقيّة هذا الشعب وطبيعة تحرُّكه الذي لا يستهدف خراباً ولا فساداً، وإنّما كلّ هدفه الإصلاح(21).
الجريمة في حقّ الحرائر ثبت عارها، وعارها باقٍ لا يقبل أن يُمحى، فلا تضيفوا لها جريمة أخرى، ولا لعارها عاراً آخر بإبقاء حرة واحدة منهن، أو ممن قبلهن وراء القضبان، ولا تُحاكموهن وهنّ البريئات المجنيّ عليهن، وأنتم المعتدون(22). واتقوا الله في الدماء والأعراض والأموال والحرمات.
ألستم بكل هذه التعدّيات، وبتحويل البلد إلى بلد محاكمات يومية، وأحكام انتقامية، وسجون مظلمة، وساحة رعب عامّ، لا تُظهرون إلا أنّكم لا تريدون لهذا البلد إلا شرّ مصير وأسوأ عاقبة؟
أما ما عرضته الصورة المسرّبة من فضيحة أخلاقية ووصمة عار، لعملية انتهاك موغلة في الاستخفاف بكرامة المرأة، وحرمة الإسلام، فقد سجَّل إحراجاً لكلّ من له شيءٌ من الحياء ممن جنَّد نفسه لنُصرة البطش ضد هذا الشعب.
ثمّ إنه من متابعة سلسلة الأحكام الانتقامية المتلاحقة التي لا توقُّف لها، صارت طائفة من الشعب تفهم أنها محكومٌ عليها كلها بالإجرام، والسجن والسجن المؤبد، والإعدام.
هذه هي القاعدة وإن كان لكل قاعدة استثناء، لكن الاستثناء هنا في نظر الحكم ليس للبراءة، وإنما من باب إما منّاً وإما فداءاً(23).
وهذا الاستهداف الذي لا مثيل له لابد أن يقضّ مضجع العالم إذا كان للعالم حياةٌ من ضمير.
ما أكثر التهم الجاهزة التي يُساق الناس بها إلى المحاكمات(24)،والمحاكمات المتشدِّدة والمتمسكة بالعدالة حيث لا يفلت من تجريمها وإداناتها وعقوباتها الثقيلة إلا الشاذ النادر الذي لا يُذكر.
ومن بين التهم التي تلاحق طائفةً واسعةً من المواطنين رجالاً ونساء ومن كل الأعمار والمستويات هي تهمة التحريض على كراهة النظام(25).
ومن اشتكى من سوء الأوضاع والتمييز والتهميش، وفقدان الأمن، والكثير من الأوضاع والمفاسد السائدة فهو محرض على كراهة النظام(26) ومن أبدى رأيا مخالفا لإعلام السلطة فهو محرض على كراهة النظام، هذا فضلا عن المشاركة في اعتصام أو مسيرة، إذن كلّنا محرضون على كراهة النظام بهذا المعنى.
ولك أن تقول: إنَّ السياسة في بلدنا جادّة في الإصلاح، وأنها تخطو خطوات واسعة على طريقه، وتسلك أقرب الطرق إليه، وإلى تهدئة الشّارع، وكسب رضاه؛ وذلك من خلال أحكام الإعدام والمؤبّد ومُدد السجن الطويلة لجماعات جماعات من المواطنين في صورة متسارعة تشهد تكثيفاً كبيراً لهذه الأحكام، وتزفّ الشعب زُرافات زُرافات من الشرفاء الأحرار نساءً ورجالاً إلى غياهب السجون إن لم يكن إلى أعواد المشانق، هذا هو طريق الإصلاح في لغة سياستنا.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، اغفر لنا ربنا ولوالدينا وقراباتنا وجيراننا وأرحامنا وأزواجنا ومن أحسن إلينا من مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
يا من لا هادي لمن لم تهده، اهدنا هدى لا نضّل معه أبداً، يا من لا جار لمن لم تجره، أجرنا من كلّ شر، يا من لا ناصر لمن لم تنصره انصر دينك وأولياءك نصرا قريبا عزيزا على أعدائك من الكافرين والمنافقين والظالمين نصراً لا يزول، ولا تعقبه هزيمة يا مالك الأمر كلّه، يا قوي يا عزيز، يا رؤوف يا رحيم.
اللهم ارحم شهداءنا وشهداء الإسلام في كل مكان، وأطلق سراح السجناء، واشف المرضى والجرحى والمعلولين، وارحم كل موتى المؤمنين والمؤمنات أجمعين.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- نفسك أهلٌ للعلا. نفسي بما خلقها الله عليه من طبيعة، ومن مواهب وطاقات، وأنوار أهلٌ لأن تعلو، وعلي أن لا أهبط بها. ما حقّ النفس علي؟ حق النفس علي أن لا أهبط بها، وإنما أعمل على رفعتها.
2- هداية العلم في تنظيم غرر الحكم ص596.
3- ما كُلِّفت لرفعة النّاس قبل رفعتك، ولا لبناء الناس قبل بناء ذاتك، كل ما كُلّفنا به، وكلما فرض علينا من حقوق لله ولخلقه إنما هو لصناعتنا، لبنائنا البناء السليم.
4- هداية العلم في تنظيم غرر الحكم ص 58.
هناك إنصاف الرجل نفسه، وهنا إنصاف الرجل من نفسه.
5- هداية العلم في تنظيم غرر الحكم ص596.
6- هداية العلم في تنظيم غرر الحكم ص67.
7- هداية العلم في تنظيم غرر الحكم ص380.
8- هداية العلم في تنظيم غرر الحكم ص393.
9- الأمالي للشيخ الطوسي ص 280 ط1.
10- هذا شبه مستحيل في حق أكثر النفوس.
11- سورة الكوثر.
12- أي لحظة من اللحظات خارج خطّ التقوى إلى انحدار.
13- ودماء زكية.
14- هتاف جماهير المصلين بـ(هيهات منا الذلة).
15- هتاف جماهير المصلين بـ(هيهات منا الذلة).
16- والضرورة لا يمكن التخلّي عنها بحال.
17- حتى إطلاق السجناء الذي هو مطلب ملحّ لم يكن التحرّك من أجله، وإلاّ لما كان التحرّك أساساً.
18- كل ستة أشهر، كل سنة تكون مطالبة وتحرك ومسيرات، وجولة جديدة من المتاعب والآلام لمطلب بسيط؟! هذا ليس عقلاً.
19- طوال سنين.
20- هتاف جماهير المصلين بـ(معكم معكم يا علماء).
21- هتاف جماهير المصلين بـ(سلمية سلمية).
22- هتاف جماهير المصلين بـ(أخرجوا النساء).
23- هتاف جماهير المصلين بـ(هيهات منا الذلة).
24- راجعوا قوائم المقدمين إلى المحاكمة، وانظروا عدد المبرأين في كل مرة من هذه القوائم. عدالة صارمة جداً، عدالة صحيحة صادقة، لا تُخطئ التشخيص في أن هذا الشعب مجرم بكل أبنائه إلا من شذ.
25- وما أسهلها من تهمة!
26- ألا أشتكي من سوء معاملة، ألا أشتكي من تهميش، ألا أشتكي من تمييز؟ إذن أنا محرض على كراهة النظام! ومن هو الذي لا يشتكي حتى يستثنى مستثنى، ويخرج من دائرة الاتهام خارج؟!
27- 90/ النحل.