المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (470) 24 شوال 1432هـ – 23 سبتمبر 2011م

خطبة الجمعة (470) 24 شوال 1432هـ – 23 سبتمبر 2011م

مواضيع الخطبة:

الخطبة الأولى: حديث في الإنصاف – تتمة

الخطبة الثانية: من يبيع الأوطان؟! – هذه هي ديمقراطيتنا

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي يظهر عدلُه في كلِّ شيءٍ من خلقِه، ولا قيام لشيء في الكون إلا بما له من عدلٍ فيه، وإحكامٍ لصنعه. وقد جعل التكامل من صُلْب نظام الذّرة، والخليّة، والمجرَّة، ونظام الكون كُلِّه؛ فكلّ الأشياء خاضِعة للترابط، محكومة للتناسق، مُتلاقية على ما يُبقي الكون على النِّظام الذي أراد له خالقه، وإلى الأجل الذي قَدَّره له. فتعالى الله الملك الحقُّ المبين.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
أوصيكم عباد الله ونفسي الأمَّارة بالسّوء بتقوى الله الذي لا إنقاذ للنفس من خسارها إلا بتقواه، ولا طريق لها لأن تسمو وتكمُل إلاَّ بطاعته، ولا يدْرأ عنها الشعور بالتفاهة إلاَّ طلبُ قربه، ولا تأْمَنُ من عقابه إلا برضاه.
علينا أن نذكر أنَّ النفس الإنسانية التي كرَّمها الله سبحانه لا تنحفظ لها كرامتها إلاَّ بتقواه، والتزام طاعته، فما انفصالها عن التقوى والطاعة لله إلاَّ انفصالٌ عن الهدى الذي لا هدى دونه، والنور الذي لا بديل عنه، والكمال الذي لا كمال إلاّ به، والعِزّ الذي لا مصدر لِعزٍّ سواه.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم لا تخرجنا من طاعتك، ولا تُدخلنا في طاعة أعدائك فنخسر أنفسنا، ولا يكون لنا مُنقِذٌ من سخطك، ولا دافعٌ لنقمتك، ولا ملجأٌ من عقابك.
أكرمنا ربّنا بما أكرمت به أولياءك من الأخذ بطاعتك، وملازمة تقواك، وإخلاص توحيدك. افعل بنا ربّنا ما أنت أهله، ولا تفعل بنا ما نحن أهله، يا أهل الخير كلّه، والتفضّل والإحسان، يا جواد يا كريم.
أما بعد أيها الأحبّة في الله فقد كان موضوع الجمعة السابقة(1) تحت عنوان:

“الإنصاف” وهذه تتمّته:

الإنصاف والحكم:
هذا هو العنوان الفرعي الذي دخل فيه حديث الأسبوع السابق في خاتمته، ويعود إليه الحديث الآن تتمّة له.
عن أمير المؤمنين عليه السلام من كتابه للأشتر:”وشُحَّ بنفسك عما لا يحلُّ لك، فإن الشحَّ بالنفس الإنصافُ منها فيما أحبَّتْ وكرهت”(2).
نفس الحاكم تحب وتكره، شأنُه شأن المحكوم.
والنفس غير المعصومة يأتي عليها أن تكره حقّاً، وتُحبّ باطلاً، وأن ينطلق حبّها من هوى، وكرهُها من جهالة، وتندفع مع العواطف الاندفاعة المجنونة التي تُعطي من غير حقّ ولا حساب، وتمنع من غير حقّ ولا حساب، وتقتل بريئاً، وتُبرّئ قاتلاً مجرماً.
والنفس المأسورة لهواها لا تَعِفّ عن شيءٍ يُحقّق لها المشتهى، ولا تنظر في ما اشتهت أنه من حلال أو حرام، ومن طيّب أو خبيث.
ومن هنا يأتي أمر علي عليه السلام لمالك الأشتر وقد ولاَّهُ الشأن السياسي العامَّ في مصر -الأمر الذي لا يستقيم إلا بالعدل والإنصاف- أن يرى لنفسه وزناً لا يُهدَر بطلب الحرام، ويربأ بها عما فيه انحطاطها من أيّ ظلم، وأيّ باطل.
ولا تُؤمَنُ نفس من الظلم في الحكم بين النّاس حتى تُنصفهم من نفسها، فلا تأخذ بشيء مما تُحبّ، ولا تدعَ شيئاً مما تكره، مما في الأخذ به، أو إهماله ظلمٌ للعباد.
وتطبيق العدالة على النفس هو المنطلق الصادق لتطبيقها في الحكم بين الآخرين.
فكيف يعدل من لم يغلب حُبَّه وكرهَه إذا كان محبوبُه لا يُحقّقه إلا الانتصار للظالم، وكان مكروهُه في الانتصار للمظلوم؟!
وتثبيتاً لهذا الوعي، وتركيزاً له تقول الفقرةُ الآتية من كتابه عليه السلام:”أنصف الله، وأنصف النّاس من نفسك، ومن خاصّة أهلك، ومن لك فيه هوى من رعيتك؛ فإنك إلاّ تفعلْ تظلم”(3).
والكلمة لها بُعدان: الأول أنَّ من لم يعرف حقّ الله تبارك وتعالى، ويُقاض نفسه به، ولا يعطها فرصة لأن تخرج عليه، وهانت عليه مخالفة خالقه ورازقه ومالكه ومدبّره هان عليه أن يدخل في ظلم الآخرين ويستسلم لنزعة الظلم، ويُسرفَ فيه في انقياد غبيّ لها.
أمّا من أنصف الله عزّ وجلّ من نفسه، وألزمها بأداء حقّه، وشُكر نعمه فقد أعدّها لقبول إنصاف النّاس منها، وإخضاعها للعدل فيما بينه وبين العباد.
وَلِكَون المنطلق لإنصاف الإنسان غيرَه من النّاس من نفسه هو إنصافُه لربّه سبحانه منها كان لابد في الحاكم بما يتاح له من قدرة كبيرة، وفرص واسعة للعدل والظلم في شعب كامل، أو أمة واسعة أن يكون مؤمناً صادق الإيمان، تقيّاً شديد التقوى، عارفاً بحقّ الله حقّ المعرفة، راجياً للآخرة، طامعاً فيها، زاهداً في الدُّنيا مُستعليّاً عليها ليعطيَ الله عز وجل الحقّ من نفسه، وليعطي الآخرين حقّهم منها، ولِيُقيم القسط في النّاس، ويعدل فيما بينهم.
البعد الثاني للكلمة الهادية أنَّ الحاكم الذي لا ينصف الله عز وجل والنّاسَ من نفسه بالدرجة الأولى، وبالخاصّة من أهله من أبٍ، وولدٍ، وزوجٍ، وأخٍ، وابن عمّ وابن خال، ولا من البطانة المقرَّبة منه، المحبَّبة إليه، ومن يراه من أهل الولاء له فلن يأتي منه أن يعدل بين الناس(4).
وفقرةٌ أخرى من هذا الكتاب للأشتر:”وتفقّد أمور من لا يَصل إليك منهم(5) ممن تقتحمه العيون(6)، وتحتقره الرجال، ففرّغ لأولئك ثقتَك من أهل الخَشية والتواضع، فليرفعْ إليك أمورهم، ثم اعمل فيهم بالإعذار إلى الله يوم تلقاه(7)، فإن هؤلاء من بين الرعيَّة أحوجُ إلى الإنصاف من غيرهم، وكلٌّ فأعذر إلى الله في تأدية حقّه إليه”(8).
عَدْلُ الحاكم الحقّ في كل من يحكم، ولكل من يحكم، فلا ظلم لفقير لِعَين غني، ولا ظلمٌ لغني لحساب فقير، ولا لقريب لخاطر بعيد، ولا لبعيد لرضى قريب.
ولكن هناك طبقة خاصّة من المجتمع كثيراً ما تتعرض للاضطهاد، وتبتز حقّها، وتعيش الضَّيم، ويُحال بينها وبين وصول صوتها للحاكم في أغلب الظروف. ليس لها موقع مالي، ولا اجتماعي، ولا علمي يجعل لها وجاهة، ويفتح الطريق أمامها إلى أبواب السلاطين ومسامعهم.
وبذلك تكون هذه الطبقة الفاقدة للصوت العالي، والعلاقات المؤثرة، والمستضعفة المستهدفة لأصحاب الأطماع هي الأحوجُ للإنصاف، وإيصال الحقّ لها، وحمايتها، واسترداد ما سلب منها.
ولأنها لا تصل للحكومات، وتُحجب شكواها، كان على الحكومات أن تصل إليها للتعرف على أوضاعها ذلك لتُنصَفَ من ذوي الجاه والنفوذ، والمقرّبين للحكم، وليس للتجسّس على ما تبثّه من تدمُّرٍ لظلم الحكومات مقدّمة لمؤاخذتها والتنكيل بها.
وأنت خبير بأنَّ كلمات علي عليه السلام في العدل، وفي كل الفضائل تأتي منتزعة من سيرته المعصومة البيضاء، التي تشفّ عن روحه المؤمنة، العارفة معرفة علت بها، المنصرفةِ لله، العاشقة له.
اللهم صل وسلم وزد وبارك على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، ولوالدينا وأرحامنا وقراباتنا وأزواجنا ومن أحسن إلينا من مؤمن ومؤمنة ومسلم ومسلمة، وتب علينا جميعا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم إنّ فينا نفساً توسوس لنا، ولنا هوى يُلهينا، وشيطاناً يُغوينا، ونعيش دنيا تُنسينا؛ فأنقذنا من أذى ذلك كلّه، واكفنا شرّه، واهدنا طريقك القويم، وصراطك المستقيم، وثبّت لنا قدماً في الإيمان، وارزقنا الإنصاف من أنفسنا يا كريم يا رحيم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}(9).

الخطبة الثانية

الحمد لله الخالق غير المخلوق، الرّازق غير المرزوق، المالك غير المملوك، الغالب الذي لا يُغلب، القاهر الذي لا يُقهر، المُغيِّر الذي لا يُغيَّر، الفعّال لما يشاء، ولا فِعْلَ لأحد إلاَّ بإذنه.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
عباد الله ألا فلنتق الله؛ فالنّاس بين متّق لربّه، مهتد بهداه، مستقيم على طاعته، وبين مستسلم لهوى نفسه والشيطان. والمهتدي بهدى الله لا يَضِلّ، ولا تغيم في نظره الغاية، ولا ينقطع به الطريق، ولا يزيغ عن القصد.
والآخذ بهوى النفس، وما يُمليه عليه الشيطان في أشدّ خسار، وضلال مبين، فالنفس أمّارة بالسوء، والشيطان عدوّ كائد لدود.
وما انفصلت نفس عن تقوى الله إلاَّ كانت أسيرة الهوى، وألعوبة الشيطان الرَّجيم.
ومن تطلَّع لنفسه أن تخرج من هوانها إلى الكرامة، فإنّه لا كرامة لأحد من عباد الله إلا بتقواه، وطاعته.
{… إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(10).
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، ولوالدينا وأرحامنا وقراباتنا وجيراننا وأزواجنا، وكلّ من أحسن إلينا من المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم إنا نرغب إليك في الأخذ بمعروف دينك، ونعوذ بك من كل منكر نهت عنه شريعتك، ونستعينك في طلب التقرُّب إليك، وقصد مرضاتك، والجِدّ والاجتهاد في سبيلك، والاستقامة على طريق أوليائك، وأهل الطاعة المُخلَصة لك ياالله يا حنّان يا منّان يا كريم.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين و المرسلين الصادق الأمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصِّدّيقة الطاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأنوارك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس ياربّ العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصراً عزيزاً مبيناً ثابتاً دائماً مقيماً.
أما بعد فإلى هذه الكلمات:

من يبيع الأوطان؟ :

ينطلق المسلم المؤمن بدينه حقَّ الإيمان في حبّ وطنه، وكلِّ ما يقع عليه حبّه من رؤية وشعور دينيّ لا يعدل به عن حبّ الخير، وبُغض الشرّ لمن خلق الله من نفس.
ولا يبغض المؤمن في أحدٍ إلاّ شرّه، ولا ينكر منه إلا إضراره، ولا يُخرجه من حبّه إلا سوءه، وبمقدار سوئه.
وحبّ المؤمن لوطنه يدفع به إلى الأخذ به دائماً في اتّجاه خيره، ورقيّه، وصلاحه، والعمل على رفاهه، وسلامة أوضاعه. وذلك لا يتم إلاَّ بالأخذ بإرادة الله سبحانه في إقامة القِسط، والرّضى بالعدل، والتمسُّك بالحق، وخضوع كلِّ طاعة لطاعته، وكلّ رضىً لرضاه، وكلّ تشريع لتشريعه. فلا بد من الدعوة لكل ذلك بالتي هي أحسن(11).
والمؤمن لا يبيع وطنه على المخلوقين، كما لا يبيع نفسه إلا لله، ولا يجد ثمناً أبداً عند أحدٍ لبيع الأوطان، وأيُّ ثمن ذاك الذي يبيع به المؤمن نفسه وولده وأهله وإخوانه ومواطنيه في ظلِّ شعوره الدّينيّ النافِذ الذي يحترم الإنسان ويخاف الله؟!
وإذا كان خارج وطنه نماذج إنسانية طيّبة، ففي وطنه نماذج طيّبة كذلك، وإذا كان من أبناء أمّته الواسعة مؤمنون أتقياء، ففي وطنه منهم الكثير، وإذا كان لأمته كلِّها عليه حقّ، فإنّ حق أبناء أمّته، وإخوته في الإسلام والإيمان من أهل وطنه أكبر.
وراحة الأوطان وسعادتها في إصلاحها، وسلامة أوضاعها، وليس في وضعها في مزادٍ علنيٍّ أو سريٍّ لبيعها على أيٍّ كان.
المؤمن لا يمكن أن يبيع وطنه، وإنما يبيع الأوطان والمقدّسات أهل الدنيا، ومن لا يرون أنَّ لهم وزناً إلا في المال والجاه، ولا يُشبع أحدهم أن تكون له الدُّنيا خالصة بلا مُزاحم.
لا يبيع الأوطان إلا من لا دين له ولا شرف، ولا احترام عنده للإنسان.
وكثيراً ما يُسوِّق الإعلامُ العَربيّ الرّسميّ اليوم في حقّ الحركات التصحيحية والمطلبية والتغييرية وصمةَ التآمر وبيع الوطن للخارج، تهرُّباً من الاستجابة لضرورة الإصلاح والتغيير، وللتشويش على سمعة وصدق المعارضة، واستغفال من يُمكن استغفاله، واصطياد من يمكن اصطياده.
وهذا مضحك. فماذا أبقت الأنظمة العربية من مادّةٍ أو معنىً مما تغنى به الأوطان لم تُساوِم عليه الأجنبي القريب والبعيد من أجل الإبقاء على تسلُّطها الظالم، واستنزافها لما يبقى من ثروات الأوطان(12)، ومن أجل استعباد إنسانها؟(13).
يقول المثل العربي (رمتني بدائها وانسلت).

هذه هي ديموقراطيتنا:

اسمها ديموقراطية، أما واقعها فمنه الآتي:
1. انتخابات تُرسم دوائرها بإرادة سلطوية بلا رأي للشعب فيها.
2. مجلس نيابي محكوم لأغلبية مُخطّط لها حكوميّاً وعلى مستوى القانون، ومحكوم كذلك لمجلس الشّورى المعيَّن.
3. مراكز انتخابية عامّة مشبوهة، لا مقتضي لها إلا حاجةٌ في صدر الحكومة.
4. لا حقَّ لأحد أن يُبديَ رأياً في الانتخابات بالمقاطعة، أو يعطي وجهة نظر موضوعية في نتائجها مما يُمكن أن تخالف ما يُدّعى لها رسمياً، أو تعارض الأهداف التي أُريد لها حكومياً أن تُحقِّقها.
5. ترصُّد من يصل من المعارضة إلى المجلس النيابي بالمواجهة الحادّة، والتسقيط، والتخوين ،والمحاربة، وإفشال أي دور ايجابي له يمكن أن يخدم الوطن خاصّةً في البُعد السياسي، والوقوف في وجه أي محاولة إصلاح يتقدَّم بها.
6. وأَجَدُّ ما في ديمقراطيتنا العريقة، وما يحقّ لها أن تُباهي به كل ديموقراطيات العالم أن تتجه الحكومة لفرض عقوبات مركّزة وثقيلة على من يقاطع العملية الانتخابية، وليس على من يبدي فيها رأيا سلبياً فحسب.
هذا والانتخاب حقّ سياسي لا واجب كما هو واضح. والحقّ قاعدته العقلية والقانونية الاختيار، وأنَّ لصاحبه تشريعاً أن يُعمِلَه أو لا يُعمِلَه، وذلك على خلاف الواجب الذي لا خيار تشريعاً في التخلُّف عن أدائه.
أوجدوا انتخابات حقيقية ونزيهة، ودوائر انتخابية عادلة تُساوي بين المواطن وأخيه الآخر في الصّوت الانتخابي، وأعطوا المجلس النيابيّ صلاحيات تشريعية ورقابية كاملة، وحرِّروه من تدخُّل مجلس الشورى في صلاحياته، وتعطيل عمله، وأقصروا المهمّة التشريعية عليه، وعندئذٍ سيتدفّق المواطنون تدفُّقاً هائلاً على صناديق الاقتراع، وستُحقِّق المشاركة فيها نسبة قياسية تفوق كل التصوُّرات. ومن غير ذلك كل المحاولات على حمل الناس على ما لا يريدون يائسة فاشلة. هذا الشعب شعب أحرارٍ لا إماء وعبيد. ولا يمكن أن يُساق بالعصا إلى ما هو على خلاف قناعاته ومصالحه سوق الإماء والعبيد(14).
إنه شعبٌ حر يرفض العبودية أبدا، وأن يعطي يد الذلة لأحدٍ من الخلق، ولا يركع إلا لله وحده(15). وفي هذا خير الوطن، وخير الأمة، وفيه فخركم أيتها الحكومة لو شجّعتم على مثل هذه الروح، وعملتم على التقدّم بها لا على إسكاتها وإخمادها وقتلها.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولوالدينا وأرحامنا وقارباتنا وجيراننا وأصحابنا وإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
{… رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}(16).
اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، وجميع شهداء الإسلام، وفك قيد الأسرى والمسجونين، واشف الجرحى والمرضى والمعلولين من المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وانصرنا نصرا عزيزا مبينا يا قوي يا عزيز، يا رؤوف يا رحيم.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (17).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- في هذه الخطبة (أي الخطبة الأولى).
2- نهج البلاغة ج3 ص83 ط1.
3- المصدر السابق ص85.
4- من لم يستطع أن يعدل الناس من نفسه وأهله وبطانته فهو غير قادر على أن يعدل بين المتخاصمين الآخرين.
5- هناك من لا يستطيع أن يصل إلى الحاكم وأفراد الحكومات.
6- بمعنى أنها تفترسه العيون لأنها لا تهابه.
7- هناك ربٌّ لهؤلاء، هناك محاسب، هناك مؤاخذ.
8- المصدر السابق ص101.
9- سورة التوحيد.
10- 13/ الحجرات .
11- وهذا دأب المؤمنين.
12- بعد أن تُعطي ماتعطي منها للأجنبي.
13- هتاف جموع المصلين بـ(لن نركع إلا الله).
14- هتاف جموع المصلين بـ(هيهات منا الذلة).
15- هتاف جموع المصلين بـ(لن نركع إلا الله).
16- 10/ الحشر.
17- 90/ النحل.