خطبة الجمعة (469) 17 شوال 1432هـ – 16 سبتمبر 2011م

مواضيع الخطبة:

 

الخطبة الأولى: حديث في الإنصاف

الخطبة الثانية: لماذا يامسلمون؟! – الوطن العربي بين ربيع وخريف – وطن على طريق الإنحدار

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي أنزل القرآن هادياً ومبيّناً، لم يُهمل شيئاً مما يُصلح حياة الناس وآخرتهم وإن جَهل ذلك الجاهلون، وأرسل رسولاً مبلِّغاً ومعلّماً وبشيراً ونذيراً، وقائداً ومربّياً ومزكّياً، وأقام من بعده أئمَّةً هادين لا يعدلون عن الحقِّ، ولا يغيب عنهم شيء من علم الكتاب، ولا يفارقهم ولا يفارقونه؛ فأتمَّ بهم الدّين، وأكمل النِّعمة، ورضي للناس الإسلام ديناً.
الحمد لله على سابغ نِعَمِه، وجميل أفضاله، وجليل إنعامه حمداً ينال رضاه، ويورث الزّلفة لديه.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
أوصيكم عباد الله ونفسي الغافلةَ بتقواه فإنّه لا خيرَ لأحدٍ إلاَّ من عنده، ولا يُتَّقى شرٌّ إلاَّ به، وهو الغنيُّ عن عباده، وكلُّ شيء مفتقِرٌ إليه، ومصيرُه بيده، وخيرُه وشرُّه بتقديره، ولا مفرَّ منه إلاّ إليه.
ومن اتّقى الله لم يعتدِ على عبد من عباده، أو أَمَةٍ من إمائه، أو شيء من خلقه، ولم يظلم أحداً، ولم يأت قبيحاً، ونأى بجانبه عن السّوء والفحشاء والمنكر، ولم يُرَ إلاَّ جميلاً، ولم يُشاهَد منه إلاَّ الجميل.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين، وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم نزِّهنا عن القبيح، وزيّنا بالجميل، وكلُّ الإسلام الذي أُنزل حَسَنٌ جميل، وكلّ ما نافاه سيء قبيح، فادرأ عنّا بلطفك أن نتّخذ ديناً غير دينك، أو نسلُك طريقاً غير صراطك، أو نميلَ إلى منهج غير منهجك. أحينا ربّنا ما أحييتنا على الإسلام، ولا تُمِتنا إلاّ عليه، واجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك يا من لا ينتهي كرمُه، ولا يُحدُّ جُوده، يا أ رحم الرّاحمين.
أما بعد أيها الأعزاء من المؤمنين والمؤمنات فهذا حديث تحت عنوان:

حديث في الإنصاف:

والإنصاف أن تعدِل، وتأخذ بالوزنِ الحقّ في كلّ القضايا والأمور.
والنفس لا تصل إلى حدّ الإنصاف القائم على الاختيار في أمرٍ إلا بعلم، وأن تشِفّ، وتطهُر، وتتحرَّر، وتقوى، وترى الله، وتُخلص إليه.
والأحاديث في الإنصاف عن المعصومين عليهم السلام تتمتع بالوَفرة، وما أهدى أن يسير هذا الحديث وكل حديث آخر في كلّ خطواته في ضوء ما جاء من كتاب الله وهدى المعصومين عليهم السلام.
العدل والإنصاف:
عن الإمام علي عليه السلام:”إنَّ من العدل أن تُنصف في الحكم، وتجتنبَ الظلم”(1).
في كلّ حكم امتحان لمن يحكم لعقله، وحكمته، ونزاهته، وسموّ ذاته، ولا يكاد مورد من موارد الحكم حتى الحكم بين صبيين يتسابقان في الخطّ أن يخلو من تحدّيات للقدرة على الإنصاف، وإعماله، فيحتاج ذلك إلى التفوّق الذي يُحقّق للنفس أن تتجاوز التحدّيات، وتعلوَ على مختلف أنواع الضّغوط، ولا تحولَ بينها وبين الأخذ بالحقّ الحواجز.
وعنه عيه السلام:”في قوله تعالى {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ..} (2): العدل: الإنصاف. والإحسان التفضّل”(3).
ومن الإنصاف أن لا تبخس شيئاً ثمنه، ولا تنقص أحداً في الحكم وزنه، فتضعه دون منزلته، وتُسند إليه ما ينقص عن حجمه، ولا يليق بقدره.
وإذا رفعت الوضيع لم تُنصِف، كما إذا وضعت الرفيع، فالإنصاف ليس فيه حطٌّ، ولا تجاوز.
وأين النّاس والحكومات بالخصوص من هذا الميزان الدَّقيق الذي يحتاج إلى عقل، وحكمة، ودين، وسموِّ نفس، وخُلُق عظيم؟!
والإحسان لا يدخل فيه أن تسلُبَ حقّ شخصٍ لتزيد من حظِّ شخص آخر، وأنْ ترفع من شأن إنسان على حساب إنسان آخر.
الإحسان هو تفضّلٌ وأن تعرف حقّ الغير وتزيد عليه من عندك، أو تعرف منه إساءة لك، وتتجاوز عنها، وتعِفَّ عن مقابلتها مع القدرة ترفُّعاً، أو تزيد في التفضّل بأن تقابلها بالحسنة من دون أن تُنقِص من أحد شيئاً، أو تَخرُج على ما دون ذلك من حقِّ(4).
وعن الإمام الباقر عليه السلام:”لا عدل كالإنصاف”(5). والظاهر أن كلّ موارد العدل موارد للإنصاف، ولعلّ المعنيَّ بالإنصاف في كلمة الباقر عليه السلام والذي عَظَّم العدل في مورده هو الإنصاف في الحكم بين النّاس لصعوبة ما يعترضه من تحدّيات، وما يواجه التزامَ الحقِّ فيه من ضغوط ثقيلة مُرهِقة.
موقع الإنصاف:
إذا كان الإنصاف العدل فإنه لا يأتي شيء قبله إلاَّ الإحسان، ولكنَّ الإحسان بين الناس لا يتعدّى في دائرته تنازل النفس عن حقّها في حدود معيَّنة، ولا يصحّ فيه أن يهدم أصلَ العدل فمن حقّق رغبةً شيطانية لأحد مخالفاً حقّ الله عزّ وجلّ فقد أساء ولم يحسن، ومن ظلم شخصاً بريئاً بانتزاع قلبه لينقذ حياة شخص آخر بعنوان الإحسان وإن كانت له ميزة ظاهرة على الأول في العلم والتقوى والنفع والمكانة فقد ارتكب إثماً عظيماً، واقترف جريمة نكراء.
فالعدل والإنصاف أشمل قانون تصلح به حياة النّاس، وتستقيم في واقعهم الأمور.
ونقرأ لهذا ما عن الإمام علي عليه السلام:”الإنصاف أفضل الفضائل”(6)، “الإنصاف أفضل الشيم”(7).
نعم إنَّ العدل والإنصاف يتقدَّم على الصِّدق والأمانة والكرم والشَّجاعة، وعلى كلّ خُلُقٍ كريم، وقد تقدّم الكلام عن الإحسان.
لا قِيمة لصدق يُحقِّق ظلماً، وينفي عدلاً، فأن يصدق صادق بالإخبار عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، وأين اختبأ عن كفّار قريش في فراره من عدوانهم فإنما هو بصدقه هذا آثم.
وأن يكون امرؤٌ أميناً على خيانات الخونة(8)، ناقضاً للعدل لا يكون بذلك إلا خائناً مأثوماً.
والكرم يُقيم الظلم ويهدم العدل يخرج عن حُسنه للقبح، والشجاعة في وجه العدل إنّما هي جُرم يُعاقَب عليها.
الإنصاف والحكم:
ونهتدي هنا بما عن الإمام علي عليه السلام:
عنه عليه السلام من كتاب له إلى عمّاله:”فأنصفوا النّاس من أنفسكم، واصبروا لحوائجهم؛ فإنّكم خزّان الرعيَّة، ووكلاء الأمّة، وسفراء الأئمة”(9).
للمحكومين على الحكّام حقّ يسألهم الله عزَّ وجل عنه يوم القيامة لا يخرجون من عُهدته إلاَّ بالنَّصَفِ من أنفسهم حتّى يوفّوه، ولا يميلوا لهواها فتضطرب على يدهم الموازين.
هذا المال الواسع الذي بيدهم، الميزانية الضخمة التي تحت تصرُّفهم لمن؟ إنها مُلك الله، وقُوت الأُمّة، وقِوام حياتها، وليست مُلكاً للحكومات والرؤساء والملوك، ولا مختصّة بهم بأي حال من الأحوال. إنها تكويناً ملك الله، وفي الاعتبار الشرعي ملك الأمة.
هم خزّان الأمّة لهذا المال، ووكلاء الأمّة لا يتعدّون إذنها، ولا يتجاوزون إرادتها، ولا ينظرون إلا لمصلحتها(10).
كلمة الإمام عليه السلام تصفهم بأنّهم وكلاء الأمة وخزان مالها، ولا تصفهم بأنّهم ملاّكٌ أو أهل وكالة على هذا المال عن الإمام عليه السلام(11).
نعم هم سفراؤه الذين عليهم أن يكشفوا للنّاس عن منهجه، وتديُّنه وتقواه وإيمانه بأنَّ المال مال الله، وأنَّه لمنفعة الأمة بإرادته سبحانه.
وعلى إمام الأُمَّة الذي يُمثّل إرادتها الإيمانية وثقتها التّامة، وله عليها الطّاعة أن لا يكون إذنه في هذا المال وإن كان باسم مصلحة الأمة إلا بإذن المالك الحقّ ربِّ الأُمّة والإمام، وخالق الكون كلّه.
هذا وتأتي تتمّةٌ إن شاء للعنوان العام والعنوان الفرعي الذي انتهى إليه الحديث.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين. اللهم اغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اجعلنا من المهتدين بهدى الأنبياء والمرسلين، والثّابتين على الصّراط المستقيم، والممتثلين للأئمة الصّالحين، والدّاعين لمنهج الدين، المؤمنين بما حكمت، الرّاضين بما قَدَّرت، السّاعين لما يرضيك يا رؤوف يا رحيم، يا جواد يا كريم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ، وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}(12).

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي لا يُنال حمدُه، ولا يُبلَغ ثناؤه، ولا يُوفّى شكره، ولا يعرف حمدَه، ولا يُحيط بآلائه، ولا يدرك ثناؤه إلا هو.
هو الغائب بكنهه، الظاهرُ بآثار جماله وجلاله، يستحيل على العقول أن تُنكره، أو تحيط بمعرفته، وكيف تُحيط به وهي المحدودة بحدٍّ، والمقهورة لنهاية، والله لا يحدُّ كماله حدود، ولا تجوز على جماله وجلاله القيود والنهاية؟!.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
عباد الله علينا وكلُّنا مُتقلّبون في نِعَمِه، محاطون بقدره، مشمولون لرحمته، مُغاثون برفده، مقهورون لإرادته، لا مخرج لنا من مشيئته بتقواه.
وقد قال ربّنا الكريم عن تقوى عباده له سبحانه {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}(13).
{وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}(14).
{وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ}(15).
فهنيئاً لأُمةٍ اتَّقت ربّها العظيم ففتح عليهم بركات من السّماء والأرض في الدّنيا، وأطاب مآلهم يوم القيامة، وأكرمهم بجنّة الخُلد سعداء لا يُخالطُ حياتهم هناك شقاء، ولا يتعقّبها فناء.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولوالدين وأرحامنا وقراباتنا وأزواجنا وإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، ومن أحسن إلينا منهم، إنك أرحم الراحمين، ربنا تب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اجعلنا ممن آمن بك واتّقاك، ومن المسارعين في طاعتك، والسابقين في طلب رضاك، والفائزين بالسبق في قربك، والعظيم من كرامتك ياحنَّان، يامنّان، ياجزيل العطاء، ياغفّار يا رحيم.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأنوارك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس ياربّ العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصراً عزيزاً مبيناً ثابتاً مقيماً.
أما بعد أيها الأعزاء من المؤمنين والمؤمنات فإلى هذه العناوين:

أولا: لماذا يا مسلمون؟!:

انتهى اجتماع وزراء الخارجيّة العرب تحت مظلّة الجامعة العربيّة في القاهرة هذا الأسبوع في تناوله للوضع السّوري إلى إدانة العنف الرّسمي هناك، والمطالبة بإيقافه سريعاً، والاعتماد العمليّ المفعَّل للتعدُّدية السياسيَّة، واحترام حقّ الشعب كلِّ الشعب في المشاركة في الحكم، وتّمتُّع جميع أبنائه بالأمن والحريَّة والكرامة وحقوق المواطنة كاملة، والتخلّص من كلّ أسباب الفساد المستشري.
ونحن مع حقّ الشعوب في كلّ ذلك، ومع استقرار جميع أهل الأرض، وحريتهم، وأمنهم، وخيرهم ورفاههم وانتهاء كل ألوان الظلم والفساد.
نحن لا نستبشع الظلم في حقّنا، ونستسيغه في حقّ الغير، ولسنا ممن إذا أصابه ظلم استاء له، وإذا أصاب غيره استطابت له نفسه.
نحن ندرك أن الظلم في بقعة من الأرض يُؤسِّس للظلم في الأرض كلِّها. وأنَّ نظاماً سياسيّاً عادلاً في دولة من الدّول(16) يمثّل بشارة خير، وبادرة إصلاح، وتغيير سليم في كلّ الدول.
موقفنا دائماً مع الإصلاح في كلّ مكان، ومع التغيير الإيجابي في كلّ الدّول.
جميل أن تذهب الجامعة العربية إلى مطالبة سوريا بإنهاء العنف، وسحب القوَّات من الشوارع، وبالتعدّدية السياسية، والإصلاح الجذري، لكن لماذا هذا في سوريا دون البحرين مثلاً؟
أهذه حقوق إنسانيّة أو جغرافية؟!
لماذا يُشدَّد على هذه الحقوق في قِطْرٍ أو أكثر من قِطْر، وتُحرّمُ نفسها على يد المتشدّد من أجلها هناك في قطر آخر كالبحرين؟!
لماذا هناك مطالبة، وهنا عقاب؟!
دول الخليج دورها في القرار المتعلِّق بالوضع السّوري بارز وريادي، وعدد منها له تواجده العسكري في البحرين لوئد المطالبة بهذه الحقوق، ولِتفرُّغ جيش البحرين لمواجهتها على الأقل حسب الإعلان الصّريح.
كيف ينسجم هذا كلُّه بعضُه مع بعض؟! كيف يجوز هذا مُجتَمِعاً يا وزراء، يا محترمون، يا مسلمون، يا عقلاء، يا عرب؟
افرضونا غير عرب، افرضونا غير مسلمين لكن هل لا إنسانية لنا على الإطلاق؟!
ألستم تتحدّثون عن هذه الحقوق بما هي حقوق إنسانية؟!
وإذا كانت هذه حقوقاً فيما ترون – وهي حقوقٌ فعلاً – فلماذا لا يأخذها المطالِب بها الغير حقوقاً على نفسه قبل غيره؟!.

ثانياً: الوطن العربي بين خريف وربيع:
الوطن العربي بين خريف حارق لكلّ أخضر ويابس على مستوى العقول والقلوب والضمائر، وإرادة الخير والإبداع الكريم في الإنسان، وعلى مستوى السَّاحة الخارجية، وكلِّ مظاهر الحياة.
بين ذلك وبين ربيعٍ بدأت نسائمه تهبّ عَبِقة ببشائر الحياة.
طال الخريف العربي حتّى كاد أن يقضي على الحياة، إلاَّ أن الأرض العربية بدأت تستقبل الرَّبيع، وتعيش مظاهره في واقع الشّعوب وحركتها.
والخريف العربي، والجمود في الواقع العربي الرَّسمي لا زال يقاوم بشراسة ودهاء وإمكانات وخزائن هائلة حركة الوجود، وانبثاقة الحياة في الأرض العربية.
وما بيد الوجود الرسمي من خزائن وجيوش وإمكانات إنّما هي مُلك الأمة، وكلّ إمكاناته التي يُواجهها بها من صنع ثروتها وأيديها.
الحركة حركة شعوب لا حركة أنظمة من ذاتها، ولا حركة لأيِّ نظام عربي بمقدار خَطوة إيجابية صغيرة إلا بتحريك من الزلزال العربي على مستوى الشعوب.
دورُ الأنظمة دور مُقاوِم، مُجْهض، مبطل، محرِّف، متحايل، سارق لحركة التغيير ونتائجها. المستقبل لأيّ؟
لحالة الجمود أو الإصلاح والتغيير؟
لبقاء الخريف العربي الذي طال ليدمِّر كلّ شيء من خير هذه الأمة، ويحرقَ كل أوراقها، ويأتي على كل أخضر ويابس، ويهلك الحرث والنسل، أم لانتعاشة الربيع العربي، وازدهاره، وقوة الأمة وعزتها وريادتها؟
الجواب ليس خفيّاً على أحد حسب مؤشر الأحداث، وما جدّ في حياة العقول والنفوس ومستوى الإرادة عند إنسان أمتنا.
<>br ثالثاً: وطن على طريق الانحدار:
حسب مؤشر “كيو.اس” لتصنيف أفضل 300 جامعة في العام الدراسي 2011 – 2012 لم تأتِ جامعة عربية واحدة ضمن 199 جامعة هي الأُولى بالترتيب في القائمة المذكورة.
وأتت جامعتان عربيتان تحت رقم (200)، (201) بالتوالي لتخلو القائمة بعد ذلك من ذكر أيّ جامعةٍ عربية إلى أن تأتي آخر جامعة في القائمة جامعة عربية هي كذلك.
هذا شأن الوطن العربي الكبير الذي يزخر بالعقول كغيره من المجتمعات، وتتميّز بعض أقطاره بثروة هائلة تُغذّي اقتصاد دول كبرى.
أما عن البحرين ففي تصنيف آخر للجامعات العالمية حسب الأفضلية تُعِدُّه أكبر هيئة عامّة للبحوث في أسبانيا فقد جاءت جامعة البحرين بترتيب 4065.
التخلّف في الوطن العربي علميٌّ، وزراعيٌّ، وصناعيٌّ في كل الصناعة المدنية والحربيّة، وصحيٌّ، وطبّيٌّ، وفي جنبات أخرى من حياة المجتمعات.
وماذا عن المستقبل؟ كلّ الأوضاع مرهونةٌ في مستقبلها لمقياس التقديم والتأخير في السّياسة العربية.
المقياس الذي تعمل به الحكومات العربية غالباً هو مقياس الولاء للنظام لا الكفاءة. وينبغي أن نلتفت جيّداً إلى أنّ ولاء النظام يختلف عن ولاء الوطن لأن ولاء الوطن قاضٍ برعاية مصلحته، وأخطاءُ الأنظمة وظلمها وتجاوزاتها لا تلتقي مع مصلحة الوطن(17).
ولاء النظام يتطلَّب منك أن تقف مع أخطاء سياسته وظلمها واستخفافها بمصلحة الوطن، وأن تقف مع مخالفتها لدين الله، وإرادته، وكم للسّياسة الوضعية من هذه المخالفات والمعاندات؟!
ويتطلَّب منك أن تقف بحزمٍ في وجه أيّ دعوة إصلاحية لا يُعطي النظام بها إشارة ضوئية خضراء لحاجة في نفس يعقوب، أو ضرورة قاهرة، وأن تُعينَ على كل ظلم ترتكبه السّياسة وتُسرف فيه.
عن بحريننا المحسوبيّةُ، والولاء المفتوح على أخطاء السّياسة وارتباكاتها وحيفها وظلمها هما المقياس في الجامعة، والدائرة، والوزارة، والمقاولات، والتجارة، والمواقع الرَّسمية بكلّ مراتبها، وفي كلّ مرافق الحياة التي تُدير شؤونها السياسة.
وعليك أن تقف ضدَّ نفسك وكرامتك فضلاً عن طائفتك، وقريتك، ومدينتِك، وضدّ أيّ صوت ينادي بالحريَّة، والكرامة، والحقوق المشروعة، والإصلاح حتّى تُثبت الولاء المطلوب(18)، ومهما قدَّمت في هذا السبيل فلن تسجل درجة من الثقة والرضى يمكن أن توفّر لك حماية كافية من غضبة قاتلة، وطردٍ نهائيّ شنيع، أو تبوّئك الموقع الذي أنت أهله، لأنك من فئةٍ قد حُكم عليها مسبّقاً أنها عدو لدود حكماً غير قابل للتغيير والتبديل.
مقياس سلك بالوطن في طريق الانحدار في كل مساراته، وطريق التدهور.
وللغلوّ فيه فقد وضع المجتمع على حافّة هاوية الجحيم( 19).
اللهم صلّ على محمد وآله، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم خذ بيدنا لما تحبّ وترضى. اللهم إنا نعوذ بك من شر الأهواء وأهوالها، ومُضلاّت الفتن ونارها، ومما يعمل الظالمون في الأرض، وما ينشر الظلم من فساد.
اللهم ارحم شهيدنا الأخير، واجعل ملائكتك تزفّه إلى الجنّة، وارفع درجته عندك، وارحم كلّ شهدائنا الأبرار وشهداء الإسلام جميعاً، وأطلق سراح سجنائنا وأسرانا والأسرى المسلمين في كل مكان، واشف المرضى والمعلولين، وانصر الحقّ وأهله النصر المبين برحمتك يا أرحم الراحمين.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.
{إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً}(20).
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (21).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- 34/ الأعراف.
2- 78/ النساء.
3- 64/ العنكبوت.
4- التفسير المعين ص18 عن “كلمة الله” ص351. وقد جاءت في مصادر أخرى باختلاف يسير في (خلق ملكاً)، (لله تعالى ملكاً).
5- فيوم السفر قد لا يكون ببعيد.
6- والقائل في الحديث هو الملك عن الله، العلي العظيم.
7- الآن جرس الباب يُطرق يا ابن السعبين.
8- سورة العصر.
9- هتاف جموع المصلين بـ(هيهات منا الذلة.
10- هتاف جموع المصلين بـ(لن نركع إلا الله)..
11- 90/ النحل.

 

زر الذهاب إلى الأعلى