المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (466) 25 شهر رمضان 1432هـ – 26 أغسطس 2011م

خطبة الجمعة (466) 25 شهر رمضان 1432هـ – 26 أغسطس 2011م

مواضيع الخطبة:

 

الخطبة الأولى: الإخلاص لله سبحانه

الخطبة الثانية: منبر الجمعة منبر رسول الله صلى الله عليه وآله – درس بعد درس

الخطبة الأولى

الحمد لله حمداً يليق بجلاله وجماله، ويُنال به رضاه، والزُّلفى لديه؛ حمداً فوق كل عدد وأمد، لا انقضاء له ولا انتهاء، ولا حدّ له ولا استقصاء، حمداً لا يكون إلا له، ولا يُشركه فيه سواه.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
أوصيكم عباد الله ونفسي الغافلة بتقواه؛ فإن التقوى باب هدىً وطريق نور {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}(1).
وما أعظم عطاء التقوى؛ إذ يخرج بها القلب من الظّلمة والشكّ والتردّد والحيرة، ويرى الحقّ حقّاً، والباطل باطلاً بلا غموض ولا مغالطة ولا انخداع.
ومن هذا العطاء ستر الذنوب والسيئات، ومحو آثارها القذرة من ذات مرتكبها، وغسل هذه الذات من كلّ ما عليها من دَرَن.
ويبقى فضل الله على من اتّقاه في عطاءاته الكريمة الجليلة فوق كلّ التصوّرات.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، ولوالدينا وأرحامنا وقرابتنا ومن أحسن إلينا من مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم افتح علينا بلطفك ورحمتك أبواب تقواك، وأغلق عنّا أبواب معصيتك وسخطك، وامنحنا من نور هدايتك ما لا نُخطئ به صراطك، وثبِّت أقدامنا في السّعي إليك، وأخلِص نيّاتنا في سبيلك، وأبلغنا رضاك، واجعلنا من أهل إنعامك وإكرامك، واجعلنا في درعك الحصينة التي تجعل فيها من تريد وصلّ على محمد وآل محمد يا رحمان، يا رحيم، يا كريم.
أما بعد فالحديث في موضوع:

الإخلاص لله سبحانه:

مرتقى للنفس بعيد، ومستوى شاهق، وحالة تحرّر جذري عميق، وانطلاقة موغلة في السّموّ، وقوة هائلة أن تتفلت الذّات الإنسانية التي تعيش في الأرض، وحاجات الأرض، وعلائقَ الأرض، وتحاصرها موازين الأرض وقيمها، ورؤية أهلها في فكرها وشعورها وعملها من كلّ جواذب الأرض ومؤثّراتها ومقاييسها حتى لا تنظر إلى شيء من ذلك، ولا يستلفتها، ولا يملك منها ذرّة اهتمام فيما تأتيه من خير، أو تجتنبه من شر، وما تنجزه من عمل صالح، وتمتنع عنه من سوء؛ فلا يكون لها شيء من التوجّه فيما تفعل وتترك، وتقول وتسكت إلاّ لوجه الله الكريم، ولا نظر لها فيه إلا أمره ونهيه، ورضاه وسخطه(2).
وأكبر مجاهدة يخوضها إنسان مع نفسه في درجات الطاعة هي الإخلاص لله عزّ وجلّ فيما يأتيه ويدعه من قول أو فعل في سرّ أو علن.
فالوصول بالنفس إلى ممارسة الطاعة الخارجيَّة، وحملها على ذلك دون أن تبلغ درجة الإخلاص في العمل، والتوحيد الصادق فيه بدرجات ودرجات(3).
كم هو الفرق بين أن أؤدي الصلاة أفعالاً وأقوالاً، وبين ألاّ يميل قلبي عن الله فيها، أو يطمع في غيره، ويخشى مَنْ دونه، ويقدِّر من سواه في لحاظ، في قول، في فعل من أفعال الصلاة؟!(4).
وماذا يصنع النفس نقيّة، طاهرة، زكيّة، قويّة، مطمئنة، راقية، سامقة، آمنة، هانئة، سعيدة غيرُ الانشداد إلى الله، رؤيته، الشعور برقابته، وقوّته، وعظمته، ولطفه، ورحمته، ودرئه وحمايته؟!
إن ما تكمل به النفس، وكمالها غاية التكليف بالعبادة إنما هو ذلك الانشداد والتعلّق والتوجّه الصادق، والإخلاص. ولا يُعرف وجه لبناء العبادة شيئاً من النفس من غير هذا التوجّه والتعلّق والإخلاص.
فأيّما عبادة قد استكملت كل مقوّمات وشروط صحّتها، وانتفت عنها الموانع، لكن التوجّه فيها كان لغير الله لا تُعطي النفس إلا تردّياً وانحطاطاً، وضعفاً، وخسّة(5).
وقال الرسول صلّى الله عليه وآله مخبراً عن جبرئيلَ عن الله عزّ وجلّ أنّه قال “الإخلاص سرّ من أسراري استودعته قلب من أحببت من عبادي”(6).
إنّه علامة حبّ من الله، وعلامة اصطفاء، وتقريب وتكريم، وهو سرّ ولطف منه سبحانه إنما يُطلب بعد توفيقه بالجهاد الطويل المستميت.
وعن الإمام علي عليه السلام “الإخلاص أشرف نهاية”(7) فهو الغاية البعيدة للعبادة، والطريقِ الطويل لمجاهدة النفس وترويضها.
وهو الذي يصنع النفس جديدة قوية، عالية تعيش سعادتها.
وكلّ الدين إنما هو من أجل هذه الغاية بما أنها تعني كمال الإنسان وسعادته. فتقول الكلمة عن الإمام علي عليه السلام نفسه “الإخلاص غاية الدين”(8).
وتبيّن الكلمة عن الرسول صلّى الله عليه وآله أن الإخلاص لله عز وجل يمثّل مضمار السباق إذ تقول “بالإخلاص تتفاضل مراتب المؤمنين”(9).
وعن صعوبة الإخلاص تأتي الكلمة عن أمير المؤمنين عليه السلام “تصفية العمل أشد من العمل، وتخليص النيَّة عن الفساد أشد على العاملين من طول الجهاد”(10).
وهل هناك مخلص بعمله؟ نقرأ قوله تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ}(11).
والآية الكريمة حسب رواية الثعلبي المفسّر السنّي المعروف، وكذلك ابن عباس نزلت في علي عليه السلام بمناسبة مبيته في فراش النبي صلّى الله عليه وآله عندما غادر إلى الغار فراراً من بطش قريش(12).
وعلي عليه السلام لا تبارزه شخصية أخرى في المسلمين بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله فيما ظفر به من شهادات العلم والإيمان والزكاة والإخلاص لله سبحانه، والسبق والتقدم في الخيرات والجهاد والإمامة من كتاب الله الكريم وسنّة المصطفى صلّى الله عليه وآله فيما جاء منهما على نحو العموم والخصوص.
اللهم صلّ وسلّم على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم انصرنا على أنفسنا، وارزقنا تقواك وهداك، واجعل لنا فرقاناً لا تشتبه علينا به الأمور، ولا تغمض القضايا، وتفضّل علينا بحسن النيّة وإخلاص العمل، وأن لا نشرك بك شيئاً، ولا نعدل بك أحداً يا رؤوف يا رحيم يا كريم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}(13).

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي لا وجود لشيء إلاَّ به، ولا حياة لنفس إلا من عنده، ولا قيام لمخلوق إلا بتدبيره، ولا يجد شيء من ملكه منتقلا، ولا من سلطانه متحوّلاً، ولا من حكمه مهرباً، ولا من أخذه فِراراً.
ولا خوف كالخوف من عقابه، ولا طمع كالطمع في عفوه، ولا رجاء كالرجاء في رحمته. وسعت رحمته من آمن به، ومن كفر، ومن أطاع، ومن عصى، وضاعف الثواب لأهل طاعته، وفتح باب التوبة لأهل معصيته. ولا تزيده طاعة المطيعين، ولا تنقصه معصية العاصين.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
عباد الله علينا بتقوى الله الذي أوجدنا بعد عدم، وأحيانا بعد موت، وقوّانا بعد ضعف، وعلّمنا بعد الجهل، وهدانا بعد الضلال، وشملنا برحمته، ورعانا برعايته، وما لنا شيء من خير إلا من عنده، ولا توفيق لأحد إلاّ به، وكلّ الخلق عيال على رزقه، والكل مفتقر إلى رفده.
وحق المنعم أن يُشكر، وشكر العبد لربّه الحقّ عائدُه على نفسه، وإن يكفر فخسران كفره إنما هو عليها {… وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ}(14).
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم أصدق إيماننا بك، وأحسن توكّلنا عليك، وأخلص طاعتنا وعبادتنا لك، وارزقنا دوام ذكرك وحمدك وشكرك، واجعلنا من المنقطعين إليك يا رحمان يا رحيم.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبدالله خاتم النبيين الصادق الأمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الأئمة الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأنوارك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس ياربّ العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصراً عزيزاً مبيناً.
أما بعد أيها الأعزاء من المؤمنين والمؤمنات فإلى عنوانين:

منبر الجمعة منبر رسول الله صلّى الله عليه وآله:

1. منبر الجمعة أصلاً إنَّما هو منبر رسول الله صلّى الله عليه وآله، ثمَّ أوصيائه، وليس لأحد أن يعتليَ هذا المنبر في غيبتهم فضلاً عن حضورهم إلاّ بإذن صاحب المنبر الأصل في الشريعة الكاشف عن إذن الله مالك الأمر كله(15).
ولهذا المنبر وظيفته الشرعيَّة التي تُتلقّى من القرآن وسنة الرسول صلّى الله عليه وآله، وسيرة المعصومين من بعده عليه وعليهم السلام قولاً وفعلاً وتقريراً، ولا مصدر آخر لهذه الوظيفة في الإسلام.
ومما لا يُمكن أن يعترض عليه مسلم يُحسن شيئاً من الإسلام أن وظيفة هذا المنبر في سيرة رسول الله صلّى الله عليه وآله تبليغُ الإسلام كما يريد الله عز وجل لا كما يهوى الناس، وبث روح التوحيد لله عزّ وجلّ في العقول والأرواح والنفوس، وإخلاص العبادة، والطاعة له بلا شريك، والتمكين للعدل في الناس، ومطاردةُ الظلم، والأمرُ بالمعروف، والنهي عن المنكر، واستنهاضُ الأمة للعمل بدين الله، وتطبيق منهجه في الأرض، والتوحُّد في سبيله، والتعاون على البرّ والتقوى، ومواجهة المنكرات والمظالم، والعمل على إحقاق الحقّ، وإبطال الباطل.
منبر الجمعة في الإسلام راصد ومراقب أسبوعي لحركة المجتمع بكل أبعادها لتدارك أخطاء هذه الحركة وما قد يعرض عليها من انحراف، أو قصور، أو تقصير، أو تذبذب، أو تردّد، وتصحيح كل المسارات، ورد الأمور إلى نصابها، لا يُستثنى من ذلك أمر اقتصاد أو اجتماع أو سياسة أو غير ذلك.
ومن كان يقوم بكل ذلك وبصورة بعيدة عن الخلل والخطأ نهائيا هو من لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، ثم من أقامه مقامه في الدّين، وسياسة المسلمين كعلي بن أبي طالب عليه السلام.
ولا يبلغ مبلغ رسول الله صلّى الله عليه وآله، ولا المعصوم عموماً أحد على الإطلاق. وهم القدوة والمنار، وبهم يُستضاء ويُهتدى.
نعم منبر الجمعة منبر رسول الله صلّى الله عليه وآله وهو لكل ذلك، وليس منبراً سلبيّاً لا يهمّه من أمر المسلمين شيء، ولا ما يعتري الدين من سوء، والأمة من خلل، وما يحدث فيها من مظالم، وما يتهدد وجودها من أخطار، وما يُراد بها من شرّ، وهو ليس لعون الظالم على المظلوم، وإقرار البغي، وأي لون من ألوان الفساد في الأرض، أو الإخلال بموازين القسط في النّاس.
ثمّ إنّه ليس للفوضى، وتأجيج الفتن، وإثارة النعرات، وتفتيت المجتمع، وافتعال الأزمات، وإحداث المشاكل، وبغي الكلمة، وسلاطة اللسان.
ولغته ليست لغة الشتم والسب والنيل من كرامة الناس بالباطل. لغته أحقّ لغة، وأكرم لغة، وأنزه لغة، وأعفّ لغة، وأزكى لغة، وأقوى لغة في الهداية والإرشاد والإصلاح(16).
2. أما عن هذا المنبر من منابر الجمعة فلتُراجَع خطبه المتقدّمة التي زادت على أربعمائة وخمسين خطبة(17) بدقة وأمانة وموضوعية ونزاهة للحكم له أو عليه بمقاييس الإسلام لا بغيرها، وعلى مدى محاولة اقترابه أو ابتعاده عن هدى دين الله، وهدى رسول الله صلّى الله عليه وآله وأنا أقبل النتيجة بكل ترحيب.
هذا المنبر ومنذ أن كان منبراً للجماعة ومنذ افتتاح هذا المسجد المبارك قد أخذ على نفسه أن يكون للدين لا لأي جهة أخرى، وللإصلاح لا الإفساد، والوحدة لا التفرّق، والحقّ لا الباطل، والهدى لا الضلال، وهذا العهد لا يمكن رفع اليد عنه إلا بالتخلّي عن قيم الدين وحكم الشريعة، ولا يفعل ذلك إلا خاسر.
ولا أظنّ أن شيئاً من خطب هذا المنبر يسجّل شهادة على خلاف ذلك.
وأعجب كيف يُقال بأن هذا المنبر للفتنة والتأزيم، وتفريق صفوف المسلمين وهو الذي ما فتئ يدعو بقوّة لوحدة المسلمين وتراحمهم، ونصرة المسلم أيّاً كان مذهبه، واحترام الآخر، ورعاية حقّ الإنسانية لأي إنسان، ومقابلة الكلمة الهابطة بالكلمة المترفّعة، وعدم هدر قطرة دم من غير حقّ، أو إتلاف ما هو بمقدار فلس واحد من ثروة الوطن، والحرص على حقوق كل أهل الطوائف، ومختلف أطياف هذا الوطن، وتركيز الشعارات على القضايا دون الأشخاص والذوات، وعدم الاستبدال عن الخطّ السلمي بأيّ خطٍّ آخر(18).
أليس كل هذا من خطاب هذا المنبر، ومنه ما هو قريب جداً وفي الجمعة السابقة؟!
أمور ثلاثة سيبقى هذا المنبر بعيداً عنها كلّ البعد، وكذلك كان:
أن يحقّق رغبات السياسة.
أن يكون شيطاناً أخرس.
أن يكون أداة فتنة وفوضى(19).
أمر واحد فحسب يلتزمه هذا المنبر وهو أن يكون للدين، وصالح المسلمين والوطن(20).
ثم إن مرجعيتي فيما يجوز وما لا يجوز في أمر الجمعة وفي كل أمر آخر هي مرجعية كل مسلم اليوم فيما يجب وذلك أن يكون المرجع هو الكتاب والسنة بصورة مباشرة أو عن طريق أهل الفتيا من العدول على ما هو التفصيل في بابه، ولا أعرف أن لي أو لأحد من المسلمين مرجعا غير ذلك من وزارة أو غيرها في تلقّي أمر الدين، وحكم الشريعة(21).
فافرضني جاهلاً بوظيفتي الشرعية -وأنا أجهل الكثير فعلا- لكن عليّ أن أرجع في تلقّي هذه الوظيفة إلى من ترتضيهم الشريعة مرجعاً لها فيه وهم الفقهاء العدول لا غير(22).

3. أقولها نصيحة جليّة لا غبار عليها، وأُعلنه حقّا ثابتا لا مراء فيه أن لا بد من إصلاح عامّ وسياسي بالخصوص يُرضي الشعب وهو أوّله(23)؛ إذ لا حل يغني عن هذا الحل، ولم يعد في الإمكان التنكّر له، ولا مهرب لأي نظام سياسي يبحث عن البقاء في الأرض اليوم بدونه، وكل محاولة للهروب منه يائسة، والتبكير واق، والتأخير مجازفة.
العقل والدّين والحكمة ومصلحة الوطن، وسلامة المجتمع، وبقاء الأخوّات مع الإصلاح، والمبادرة به، ولا يضاد الإصلاح إلا ما يتنافى مع كلّ ذلك، والتأخُّر به سوء تقدير، والطالب بتسويفه غير مصيب للرشد، فاقد للإخلاص للإنسان والوطن.
4. وأخيراً فأنا خجل أمام جميل هذا الشعب، ولهذا الشعب عليّ حقّ ثابت اليوم وقبل اليوم، أعترف من نفسي أنّي أقلّ من أن أبلغ وفاءه.
ثمّ ما أنا، وماذا أُساوي أمام أيّ شاب أو شابة، أو رجل أو امرأة ممن ضحّوا من أجل هذا الشعب من أبنائه وبناته، وماذا يساوي دوري من دور كل أولئك المصلحين الأعزّاء الأوفياء والمغيّبين في السجون؟(24)
غفرانك ربّي الكريم، وسماحاً أيها الشعب العزيز.

درس بعد درس:
درس بعد درس، وعظة بعد عظة، وعبرة بعد عبرة يقدّمها قضاء الله وقدره القاهر هذه الأيام؛ فأين المعتبرون؟!
يتساقط أهل القوّة الباطشة، والقبضة الحديدية على الشعوب، والسلطة المتفرِّدة واحداً تلو الآخر في مصائر سوداء مخزية، ومشاهد ذليلة من شأنها أن تكسر جبروت الطغاة، وأن تُلقّن أهل الأرض جميعاً دروساً من سلطان الله الذي لا يُقهر، وقَدَره الذي لا يردّ، وأخذه الذي لا يقاوم، وأن تذكّر ما عليه الشعوب من قوّة إذا جدّ جِدّها، ومن انتصار الله سبحانه لإرادة المظلومين ودحر الظالمين.
على مستوى الساحة العربية، قبلُ شهد العالمُ المصيرَ الأسود لسفّاح العراق، وفي هذه الأشهر القليلة فرّ بجلده طاغية تونس، وشوهد فرعونُ مصر في قفص الاتهام، واليوم يُطارد مغرور ليبيا، وأكثر من طاغية يشعر بالتهديد الجدّي، والأرض في نقمة تهتزّ من تحت قدميه، وقضية الرحيل الكئيب المخزي تلتفّ حول عنقه.
أوليس هذا بكاف للاستفادة من الدرس، واتخاذ العظة، وحسن الاعتبار؟!
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اغفر لوالدينا وأرحامنا وقرابتنا وأزواجنا وكل من يعزّ علينا، ومن أحسن إلينا من المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، اللهم اجعلنا ممن نظر واعتبر، وما استعلى ولا استكبر، وما طغى ولا أدبر، وممن آب إليك واستغفر، واستغاث بك فأغثته، واستنصرك فنصرته، واشتاق إليك فقرّبته، وعظّمك فأكرمته يا أجود الأجودين، ويا خير المحسنين، يا غني يا وهّاب.
اللهم ارحم شهداء الدين الحقّ كله، وفك الأسرى والمسجونين من المؤمنين والمؤمنات أجمعين، واشف المرضى والمعلولين، ورد الغرباء سالمين غانمين عزيزين مكرمين، والحمد لله رب العالمين.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (25).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- 29/ الأنفال.
2- هذا التحرّر الجذري الكلّي قفزة إنسانية عالية لا ينالها إلا المحظوظون، وأولئك هم المخلصون.
3- طاعة الخارج من طاعة القلب، وأين خضوع الجوارح من خضوع النفس.
4- بونٌ شاسع بين الصلاتين؛ صلاة جوارح وصلاة قلب يصدق مع الصلاة.
5- فلتكتمل لصلاتي كل مقومات وشروط صحتها، ولتنتفي منها الموانع التي تسبب لها الفساد، لكن حين يكون القلب فيها لغير الله، والعمل إنما هو لوجه آخر، إن هذه الصلاة تكون سبب انحطاط، سبب تردّي، سبب خسار.
6-
7- – ميزان الحكمة ج1 ص754 ط1.
8- المصدر السابق.
9- المصدر السابق.
10- بحار الأنوار ج74 ص288 ط3 المصححة.
11- 207/ البقرة.
12- الأمثل لمكارم الشيرازي ج1 ص498. تم التأكد من المصدر من الموقع الالكتروني الرسمي لسماحة الشيخ ناصر مكارم الشيرازي. (بتصرف).
13- سورة التوحيد.
14- 40/ النمل.
15- المنبر منبر رسول الله صلّى الله عليه وآله، ولا إذن لأحد أن يصعد منبر رسول الله وإن كان في غيبته وغيبة الأئمة من ولده صلى الله عليه وآله وسلم إلا بأن يعرف أن له إذناً في ذلك، وإلا فلا. وهذه المعرفة قد تكون معرفة واقعية وقد تكون معرفة ظاهرية، لابد أن تكون له حجة شرعية ليعتلي هذا المنبر، وإلا فلا.
16- هتاف جموع المصلين بـ(لبيك يا إسلام).
17- فلتراجع هذه الخطب، وقبلها خطب أخرى في الجماعة، وكلمات تُضاف إلى ذلك في المناسباتّ.
18- أليست كل هذه دعوات تطرح هنا، أليست كل هذه الكلمات يؤكدّ عليها هنا، لماذا الزيف، لماذا الافتراء، لماذا الكذب، لماذا المؤامرة؟ (هتاف جموع المصلين بـ هيهات منا الذلة).
19- هتاف جموع المصلين بـ(لن نركع إلا لله).
20- هتاف جموع المصلين بـ(معكم معكم يا علماء).
21- هتاف جموع المصلين بـ(لبيك يا إسلام).
22- هتاف جموع المصلين بـ(لا غير الفقهاء).
23- الإصلاح السياسي أول الإصلاح العام.
24- هتاف جموع المصلين بـ(هيهات منا الذلة).
25- 90/ النحل.