المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (461) 20 شعبان 1432هـ – 22 يوليو 2011م

خطبة الجمعة (461) 20 شعبان 1432هـ – 22 يوليو 2011م

مواضيع الخطبة:

الخطبة الأولى: مدرسة الخلق العظيم

الخطبة الثانية: يوم الخلاص – من لي غيرك؟! – الحوار لماذا؟

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي لا يخترق قدرته قادر، ولا يبلُغ علمَه عالم، ولا يجوز عدلَه ظالم، ولا يهرُب من أخذه آثم، ولا يناله تصوُّر، ولا يقرب منه تخيُّل، ولا يحوم حوله توهُّم، ولا تُدركه الأبصار، ولا تحيط به البصائر. وهو بكلّ شيء بصير.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
أوصيكم عباد الله وإماءَه المقيمين في ظلِّ رحمته، ونفسي المستظِلّةَ بعفوه بتقواه والحذرِ من أخذه فإنَّ أخذَه شديد، وعذابَه أليم، ونقمَتَه لا تُردّ. وفي مرضاته فوق ما يؤمِّل المؤمّلون، ويرجو الرّاجون، ويتطلَّع المتطلّعون. ومن ترك الشرّ، وطلب الخير، واتّبع الحقَّ أرضاه، وما أسخطه إلاّ من تخلَّى عن الحقّ، وسَعَى في الشرّ، وجافى الخير، ومالَ عن الهدى للضلال.
ولنجاهد النّفسَ على التقوى مجاهدة، ولنحمِلْها على مقتضاها ما كان لنا إلى ذلك من سبيل، ولو عَقَلْنا ما شحّ أحدنا بنفس، ولا بشيء مما ملَّكَهُ الله في طريق طاعته، وطلب رضاه يقول سبحانه:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(1).
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، ولوالدينا وأرحامنا وأزواجنا وأساتذتنا وكلّ مؤمن ومؤمنة، وتب علينا إنك أنت التوّاب الرحيم.
اللهم إنّا نعوذ بك من أن نكون من أهل غضبك، ومَحَلاًّ لنقماتك، أو متعرِّضين لخذلانك، ومستحقِّين لإهمالك، ومردودين عن بابك، ومطرودين من ساحة رحمتك.
اللهم اعف عنّا، واقبلنا، واجعلنا من أرضى المرضيين عندك يا كريم، يا رحيم.
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون والمؤمنات الأعزاء فإلى هذا العنوان:

مدرسة الخُلُق العظيم:
مرتبة الخُلُق العظيم مرتبة خصَّ الله بها خاتم أنبيائه في كتابه الكريم {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}(2).
وهي مرتبة تتحدّث بأبلغ لسان عن ذات إنسانية تجاوزت كلَّ المستويات الكماليّة التي يطال حدودَها نظرُ التقييم البشري.
وهذا الخُلُق لا يكون إلاَّ من قلبٍ ذاب في عشق الله، وروح شغلها حبّه سبحانه، وتعلّقُها بأسمائه الحسنى عن كلّ حبّ، وحسن، وجمال، وخلصت إليه، وتملّكها دون غيره.
وما كان يحصل كلُّ هذا لقلب لا يعرف الله، لا يراه، لا تبهرُه عظمته، لا يُصعق لجماله الذي تملأ عليه رؤية أنوار منه أقطاره.
وللخُلُق العظيم مدرستان:
مدرسة نظرية منبعها ومصدرها كتاب الله، وهداياته وأنواره، سوره، آياته، دروسه، عِبره، عِظاته، بصائره، إثاراته، إيحاءاته، إيماءاته، إشاراته.
ومدرسة عمليّة جسَّدت الخُلُق القرآنيّ أكمل تجسيد، بما فُطِرت عليه، وانبنت في ضوئه، واستوت في رعايته، وأخذت بهداه.
هذه المدرسة هي مدرسة الرّسول وأهل بيته عليه وعليهم السّلام، وحياتهم الطّاهرة في الناس، ومواقفُهم الشّاخصةُ المتمشّية مع القرآن في مختلف الأحوال، والظّروف المتقلّبة، والشاهدة على صدق الإسلام ونموذجيّته، وعدم خياليّته.
وهي مدرسة تشِفّ عنها أدعيتهم ومناجاتهم مع الله سبحانه البعيدة كُلّ البعد عن الأجواء الإعلاميّة والدّعائية، والتصنُّع من أجل تزكية النفس عند الناس، إذ لم يكن الوصول إلى هذه المناجاة في قلب الليل، وبعيداً عن الأماكن المكشوفة متيسّراً إلا لبعض الخواصّ، وفي بعض الأحوال(3).
مدرسة تعكس نفسيّات عالية محلِّقة في حسّها الإنساني، وذوقها الخُلُقي، شديدةً في نفورها من القُبح واللُؤم والظلم والحقد، متحرّرة من ضيق الأُفُق، منغلقة عن الشرّ، منفتحة على الخير، طالبةً له لكلِّ إنسان، منشدّة إلى الإحسان تفعله، لا ترضى أن تعيش في ذاتها إلا الصّفاء والنّقاء، ولا تحتمل شيئاً من خِسّة، ولا شوباً من سوء خُلُق، ولا دُنوّاً من سقطة، ولا اقتراباً من عيب أو رذيلة.
ولنقف على ما عليه نفسيّة واحد من هذه النّماذج هو زين العابدين عليه السّلام في بعض دعائه ومناجاته:
يقول عليه السلام:”أَللَّهُمَّ إنِّي أَعْتَـذِرُ إلَيْـكَ مِنْ مَـظْلُوم ظُلِمَ بِحَضْرَتِي فَلَمْ أَنْصُرْهُ، وَمِنْ مَعْرُوف أُسْدِيَ إلَيَّ فَلَمْ أَشْكُرْهُ، وَمِنْ مُسِيء أعْتَذَرَ إلَيَّ فَلَمْ أَعْذِرْهُ، وَمِنْ ذِيْ فَاقَة سَأَلَنِي فَلَمْ اُوثِرْهُ…”(4).
نقرأ في هذا الاعتذار إلى الله عزّ وجلّ نَفْساً تأخذ على نفسها نصرة المظلوم ولو كان عدوّاً، وقبول الاعتذار من المسيء ولو كانت إساءته مؤلمة فظيعة.
الدعاء لا يَعدُّ قبول عذر المسيء خُلُقاً مستحسناً فحسب؛ بل يراه واجباً ثابتاً، يستغفر صاحبه من ذنبه لو قصَّر فيه، ويغتسل بالتوبة من إثم التخلُّف عنه. وفي دعاءٍ آخر له عليه السلام “وَنَعُـوذُ بِـكَ أَنْ نَنْطَوِيَ عَلَى غِشِّ أَحَد”(5).
فمن الشر الذي يفرّ منه الإمام عليه السلام، ويخاف على قلب الإنسان منه أن ينطوي على غشٍّ لأحد أيّاً كان، ولا يرضى لنفسه الشريفة إلاَّ النصح لأي صديق ولأي عدوّ، وهو النصح الذي يرتضيه الله سبحانه، وليس كلَّ ما تميل إليه نفس الغير وتشتهيه وإن كان عين الخسارة.
ويعتذر الإمام عليه السلام من ذي فاقة سأله فلم يؤثره بقوله “وَمِنْ ذِيْ فَاقَة سَأَلَنِي فَلَمْ اُوثِرْهُ”.
ومعنى ذلك أن ما بيد الإمام عليه السلام إنما يفي بقضاء حاجته أو حاجة السائل، والاعتذار منه إلى ربّه الكريم من عدم تقديم السائل عليه في هذا الفرض.
فكم تجد من صاحب حسٍّ خُلُقي مرهف، وشعور كريم بهذه الدرجة في الناس؟! بل أين الذين يرتفع أُفُقهم الرّوحيُّ هذا الارتفاع، ويستطيعون التحرّر الخُلُقي من ضغط الضّرورة الملحّة إلى هذا الحدّ، وفي غير أجواءٍ مثيرة مستنهِضة من الخارج لجانب الروح؟!
ويسأل الإمام عليه السلام ربَّه الكريم أن يُرضّي عنه أيّ عبدٍ من عبيد الله، أو أيّ أَمَةٍ من إمائه مؤمنَين كانا أو فاسقَين، مسلمَين أو كافرَين تحامل عليهما ولو تحاملاً نفسيّاً بميل أو هوى أو أَنَفَة أو حميّة أو رياء، أو عصبية غائبَين كانا أو شاهدَين، وحيّين كانا أو ميتين وأن يغفر له ذنبَه هذا الذي يستكثره، ويقضّ عليه مضجعه، ويُفسد عليه جوَّه كلَّه، ويُنغّص حياته، ويسلبه الشّعور بأيّ لون من السّعادة والاستقرار.
الإمام عليه السلام لا يضج في هذا المقطع من ألمٍ روحيٍّ كان وراءه إسالة دم حرام، أو تعدٍّ على مال الغير، أو عِرضه، أو إيصال سوء إلى أحد، وسعيٌ في الأرض بظلم أو فساد.
كلّ الشكوى(6) من تحامل نفسي، ومَوجدة نفسيّة عارضة للنفس بشأن الغير. لكنْ حقَّ لنفس تقيس كل شيء بمقياس الرضى الإلهي أن ترى في هذه المَوجِدة كبيرة موبقة ما دامت لا تنال رضى الله، ولا تنطلق من النظر إليه.
وليقس أحدنا نفسه إلى هذه النفسيَّة، وروحه إلى هذه الرّوح، وأُفُقه الإيمانيّ إلى هذا الأفق في موقفه من كلّ القضايا، ومن كل النّاس بمن فيهم أعداؤه وأعداء الله(7)، وهل يملك نفسه، ولا يتعدّى مُقتضى الإيمان، والخُلُق العظيم مهما كان الحال، وأيّاً كان الطّرف الآخر؟ ما أكبره من تحدٍّ، وما أعظمه من امتحان، وما أبعدها من قِمم لو طلبها كبار كثيرون لارتدّوا عنها خاسئين.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التوّاب الرحيم.
اللهم ارزقنا الاهتداء بدينك، والاقتداء بالهادين من أنبيائك ورسلك والأئمة الذين اصطفيتهم من عبادك، وانصرنا على النفس الأمّارة بالسوء، ولا تُسلمنا للهوى، ولا تجعلنا محَلاً لعبث الشّيطان الرجيم يا أرحم من كلّ رحيم، ويا أكرم من كلّ كريم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}(8).

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي لا شيء إلا من خلقه، وقائمٌ بقدرته، ومحتاج إلى تدبيره وربوبيّته، فقير إلى كرمه ورحمته، ومحكوم لِقَدره، ومنتهٍ في كلِّ أمره إليه.
هو الله الملك الحقّ المبين، الرحمان الرّحيم.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً كثيراً.
علينا عباد الله بتقوى الله، والتمسُّك بدينه الذي أنزله سدّاً لحاجة العباد، وأمناً لهم من الفساد، وأخذاً بهم إلى الطريق السويّ، وإيصالاً لهم إلى الغاية القصوى، والسعادة التي يأملون.
وإنَّ يوم حساب وجزاء موافينا، وليس له من زاد غير التقوى، ولا منجي من شرّه إلا طاعةُ الله العلي العظيم، ولا مُنقذ من بأسه إلا رضاه، والفائزون من أهله إنّما هم المتَّقون. يقول سبحانه في كتابه الكريم {وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}(9).
اللهم أعذنا وإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، ومما نحذر من أمر الدّنيا والآخرة، وما لا نحذر يا أرحم الرّاحمين.
اللهم اغفر لنا ولوالدينا وأرحامنا وقراباتنا وأصحابنا، ولكل مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة إنك أرحم الرّاحمين.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبدالله الصادق الأمين خاتم النبيين والمرسلين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين حججك على عبادك، وأنوارك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صل على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس ياربّ العالمين، واجعلنا من أنصاره وأعوانه في غيبته وحضوره.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك يا عزيز يا حكيم.
أما بعد فهذه بعض عناوين:

يوم الخلاص:

تشتدّ أزمة العالم يوماً بعد يوم، وتزيد الأوضاع في الأرض سوءاً، ويضيق الناس بحياتهم ذرعاً، ويضيق بهم الخناق بما عمَّ وتعمَّق من ظلم، وما تعملق من سوءٍ في ظلّ الهروب عن الدّين، والإدبار عن الله، ونسيان القِيَم.
وهناك يوم إنقاذ للأرض من ويلاتها، وللإنسان من مأساته، ويوم خلاص.
هذا الإنقاذ لا يمكن أن يكون على يد أنظمة قائمة أو مستجِدّة، وحكوماتٍ شاخصة أو بديلة، وشعوب خامدة أو مزمجرة إذا كان الكل من المتخلّين عن الدين، الهاربين عن الله، المكبّين على الأرض.
هذا الإنقاذ هيّأ الله سبحانه له رجلاً لا يتّخذ من دونه إلاهاً في شيء، ولا يستبدل عن دينه في كبيرة ولا صغيرة، ولا يتخلَّف عمّا أمره، ولا يُقدِم على ما نهى، ولا يأتي حركة إلاّ بإذنه، ولا يعدل به عمَّا كُلِّف به ديناً إعصارٌ ولا زلزال.
ويُعِدّ له جيلاً لا رأي لهم إلا الإسلام، ولا إيمان عندهم إلاَّ بقيادته المعصومة، وأكبر همِّهم إعزاز الدين، وإظهار كلمة الله في الأرض، وأن تكون في حياة النّاس هي العليا على المكشوف كما هي في الباطن.
الأرض غارقة في الظلام، مملوءة ظلماً وجوراً، ولا تخرجها من ظلامها، وظلماتها ديموقراطية ولا شيوعية، ولا رأسمالية، ولا اشتراكية، ولا علمانية، ولا قومية، ولا عصبيات وطنية، ولا حكومات استكبارية، ولا حكومات تابعة ذيلية، ولا شعوب تختار نفسها على خلاف ما اختار الله لها، وتُعطي لرأيها حقّ السيادة والتشريع في قبال سيادته وتشريعه.
ما يُنقذ الأرض، ما يخلِّصها، ما يخرج الناس من الظلمات إلى النور، ما يُنهي مأساة الظّلم والتمزق والاقتتال في حياة النّاس هو ما يأخذهم في اتجاه الله عزّ وجل، وعلى طريقه، ويخرجهم إلى عبادته من عبادة الطاغوت، ويُخرس صوت الشيطان في حياة المجتمعات، وهو الإسلام عقيدةً، وشريعة، وأخلاقاً وقِيَماً، ومنهجاً وقيادة تُجسِّد الإسلام عِلماً وعملاً لا تضيع منه شيئاً، ولا يفوتها منه شيء، ولا تُخالفه في شيء، ولا تخذله في أمر، وهي قيادة الإمام القائم عجّل الله فرجه الشريف، وجعلنا من أنصاره وأعوانه في غيبته وظهوره.

من لي غيرك؟!(10)ّ:

عنوان اختاره المجلس الإسلامي العلمائي لموسم التوبة لهذا العام.
والجواب على مستوى البداهة العقلية والوجدانية، وعلى مستوى النظر الغوّاص العميق، وما يعطيه واقع كلّ الكائنات أن لا أحد لي غيرُك على الإطلاق أسأله النّظر في أمري، وكشف ضُرّي، وكفايتي وحمايتي، وما فيه خيري وسعادتي إذ لا شيء من دونك يملك وجودَه، وحياتَه، وأيَّ شيء من أمره، وكلُّ شيءٍ مفتقر إليك، وفي قبضتك، ومحكومٌ لقهرك، وأسيرُ إرادتك.
فبمن ألوذ، وبمن أعوذ منك إلا بك؟! وكيف لا أتوب إليك وليس لي من منقذٍ سواك؟! وكيف لا أؤوب إلى طاعتك، وهلاكي في معصيتك؟! وكيف أنساك وليس لي ذاكرٌ غيرك؟! وكيف أأمْنُ من سخطك وكُلِّي مملوك لك، مقهور لقدرتك؟! وكيف أيأس من رحمتك، ورحمتك تغمرني وأنا في معصيتك؟! وكيف أؤمّل سواك وكل شيء خلْق لك، وعيال عليك، ولا عيش لأحد إلا بنعمتك؟! وكيف أطمئنّ إلى من عداك، وكلُّ من عداك شريكي في الفقر إليك؟! وكيف أصِرّ على الذنب ونفسي بيدك، وأمر رحيلي لقدرك؟!
هذا كلّه وقد أضِل، وقد أنسى، وقد يُغرّر بي، وقد أعمى، وقد أتيه، وقد أتمادى في غيي، فارحمني وأنقذني، وتب عليّ واقبلني، ولا تكلني إلى نفسي ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين يا كريم يا رحيم.

الحوار لماذا؟ّ:

الحوار الذي أقامته الحكومة لماذا؟
إن كان للإصلاح، فهو على خلاف ذلك حيث الاتّجاه فيه إلى إبقاء ما كان على ما كان، إذا لم يمكن التقهقر به إلى سالف الزمان.
ولم يأتِ تصميمه إلا ليُرسِّخ هذا الاتجاه ويؤكّده، ويجعل كلمته هي العُليا، ورأيه هو القاطع.
أهمُّ مسألة تتسبّب في صداع دائم لهذا الوطن، وينبعث منها الفساد والتصدّعات هي المسألة السياسية، وقد اختير المحاورون ليقولوا بأن كل شيء في المسألة السياسية على ما يرام، ولا يكون أحسن مما كان.
وإذا كان الوضع السّياسيّ بهذا القدر من التقدُّم والسبق والامتياز فما موقع الإصلاح؟(11) وكيف يكون الإصلاح هدفاً للحوار؟.
في ظل سيادة هذا الفهم، والتخطيط من أجل أن يكون هو الحاكم لجوّ الحوار، يكون الهدف الصحيح للحوار هو التأكيد على ما كان، وإبقاؤه، وتثبيته، وترسيخه، لأن أيّ تغيير بعد فرض أن وضعنا السياسي هو الأفضل والأنسب والأولى سيكون من التراجع والخسارة والإفساد لا الإصلاح(12).
وإن كان الحوار لإقناع الخارج، فالخارج الذي يمكن طلب إقناعه إما داعم أو محايد.
والداعم للحكومة أساساً ومُسبّقاً لا يحتاج إلى إقناع(13)، والمحايد لا يُمكن أن يغرّر بمثل هذا الحوار، أو يُخدع به.
وإن كان الحوار لإقناع الموالاة في الدّاخل فالموالاة لا تحتاج إلى إقناع كذلك، ومنها من يرى أن تشدُّد الحكومة في موقفها من الشعب تساهلاً(14)، وهو يطالب بمزيد من عنف الدولة وإرهابها، والتنكيل بالشعب.
وإن كان لإقناع المعارضة، فكيف يُرجى له إقناعها وهو يواجه كلَّ مطالبها المهمّة بالرّفض والإدانة، وقد خُطِّط من أجل إفشالها؟!
هناك مطالب إصلاحية واضحة أعلنتها المعارضة هي من أقلِّ المطالب الإصلاحية في حركة الشّعوب العربية هذه الأيام، ودون مستوى الزّمان، والشّعب يكبرُها ولا تكبرُه، وقد طال صبره عنها، وصارت الضرورة حاكمة بها، فالحلّ فيها لا في غيرها.
اللهم صل وسلم وزد وبارك على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اغفر لنا الذنوب التي جمعناها على أنفسنا، ولا تفضحنا على رؤوس الأشهاد. اللهم اكفنا المهمّ من أمر الدنيا والآخرة يا كافياً من كل شيء، ولا يكفي منه شيء يا أرحم الراحمين.
اللهم ارحم شهداءنا، وشهداء الإسلام في كل زمان ومكان، وفكّ الأسرى والمسجونين، واشف المرضى والجرحى والمعلولين، ورُدّ الغرباء من المؤمنين والمؤمنات يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (15).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- 16/ التغابن.
2- 4/ القلم.
3- ولقد كانوا يتحفّظون فيما قد يُفهم على ما لهم من أدعية ومناجاة تنطبع بطابعهم الخاص حتى لا تُسرق.
4- الصحيفة السجادية، من دعائه عليه السلام في الاعتذار.
5- الصحيفة السجادية، من دعائه عليه السلام في الاستعاذة.
6- عنده عليه السلام هنا.
7- عدوّ الله له عليك حقّ، ولو أن لا تظلمه، وقد أخذ الله عز وجل على نفسه وهو الخلق الذاتي له أن لا يظلم أحداً.
8- سورة العصر.
9- 281/ البقرة.
10- والمخاطَب الله عزّ وجلّ.
11- كما يقول المتحاورون: أنت أمام وضع سياسي نموذجي أعلى، فالحوار كيف يكون هدفه الإصلاح؟ أيعقل هذا؟! لا يتمشّى أن يكون هدف الحوار الإصلاح مع فرض أن الوضع السياسي القائم هو أفضل وضع، أو أكثر الأوضاع تقدّما في هذا العالم، والدعوى هكذا. أنه يجب أن يكون على ما كان.
12- أقول للمتحاورين: لا تتحاوروا، لأنه بعد فرضكم أن الوضع السياسي القائم هو الأفضل أو الأولى يكون حواركم سبباً للتخلّي عن هذا الوضع السياسي الأفضل، وفي ذلك فساد لا صلاح.
13- الأنظمة الداعمة للوضعية السياسية القائمة في البحرين بكلّ ما فيها لا تحتاج إلى إقناع، هي على قناعة تامّة بأن هذا هو الوضع الأفضل، وهي داعمة لهذا الوضع على الإطلاق، فما الحاجة إلى إقناعها؟
14- هذا التشدُّد يراه تساهلاً، هو ليس مقتنعا من درجة تشددك، يريد درجة تشدد أكبر، فأنت تريد أن تقنعه بأنك غير ظالم، وبأنك غير مؤذ للآخرين؟
15- 90/ النحل.