خطبة الجمعة (455) 7 رجب 1432هـ – 10 يونيو 2011م

مواضيع الخطبة:

 

الخطبة الأولى: العز مطلب كل نفس سويّة

الخطبة الثانية: عودة إلى رأي – الشيعة وأهل البيت (ع) – محاكمات لا تتوقف.

الخطبة الأولى

الحمد لله ربّ العالمين القريب من كلّ شيءٍ بعلمه وقدرته ورحمته، البعيدِ عن كلّ شيء بكنهه وحقيقته، الذي لا يفصله عن خلقه فاصل، ولا يحول بينه وبينهم حائل، ولا ينال ذاته ولا صفتَه وهمٌ ولا خاطر، ولا يُمثَّل بنظير، ولا يُشبَّه بشبيه، بَعُد عن كلّ محاولات الظّنون والأفكار والتصوّرات، وكل ما يذهب إليه الذّاهبون، ويصير إليه المتخيّلون والمتوهِّمون.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
عباد الله أوصيكم ونفسي المملوكة إليه، الغافلة عن حقِّه ووعده ووعيده بتقواه، وتبصير النَّفس بعظيم حقّه علينا، ولُطفه بنا، وقدرته علينا، وبما عجَّل من المثوبة، وأجّل من العقوبة، وجازى بالحسنة، وأغضى عن السّيئة، ودعا إلى طلب المغفرة، وَوَعَد بقبول التوبة، وبما درأ من مصيبة، ودَفَع من ضرر، ووقى من خطر، وأخرج من كربة، وشفى من سُقْم، وستر من عيب، وغطّى من فضيحة.
وحقُّ الله في طاعته لا يُقضى مهما اجتهد المجتهدون، وأخلص المخلصون، ولكن ما على العباد هو الاجتهاد، والله هو الغفور الرحيم، الجواد الكريم.
اللهم صل وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين.
اللهم إن نطعك فبتوفيقك وفضلك، وإن نعصك فبلؤمنا وتقصيرنا، فمُنَّ علينا بتوفيق الطّاعة ولزومها، والخروج من المعصية والدنوّ منها، ولا تجعل لنا أُنساً بشيء من معصيتك، ولا عوداً لها أبداً يا كريم يا رحيم.
أما بعد،
فالعزُّ مطلب كلّ نفس سويَّة، شعورها قويم. ورأيُ الدين الحقِّ وهو صائبٌ بلا ريب أنَّ العزّ في طاعة الله، والذُّلّ في معصيته.
عن رسول الله صلّى الله عليه وآله:”إن الله تعالى يقول كلَّ يوم: أنا ربّكم العزيز؛ فمن أراد عزّ الدارين فليطع العزيز”(1).
وعن الإمام علي عليه السلام:”من أراد الغنى بلا مال، والعزّ بلا عشيرة، والطاعة بلا سلطان فليخرج من ذُلّ معصية الله إلى عزّ طاعته؛ فإنّه واجدٌ ذلك كلّه”(2).
وعن الإمام الصادق عليه السلام:”من أراد عزّاً بلا عشيرة، وغنى بلا مال، وهيبة بلا سلطان فلينقل من ذلّ معصية الله إلى عزّ طاعته”(3).
هذا والمعروف أنَّ العِزَّ يحتاج إلى واقعٍ من الغنى والقوّة ينال بهما صاحبهما الخير، ويمتنع من الشّر، ويكُفّ عنه غيرُه أذاه.
فكيف كانت طاعة الله سبحانه من عبده طريق العز للعبد، ومعصيته سبباً لذُلّه؟.
إنَّ الغِنى والقوة إمَّا أن يكونا ذاتيين، ثبوتهما لصاحبهما من نفسه، ولا يمكن لأحد انتزاعهما منه، وإمّا أن يكونا من الغير، ومُعْطَيين له، وأمرهما بقاءاً وزوالاً بيد معطيهما لا بيده.
ولأنَّه لا غِنى ولا قوّة بالذّات لأحد من دون الله على الإطلاق والسببُ الذاتي للعِزّ لا ثبوت له لأحدٍ من خلقه ولا شيء من دونه سبحانه يملك حَولاً ولا قوّة من نفسه.
ولأنَّه لا غِنى ولا قوّة بالذّات لأحد من دون الله على الإطلاق والسببُ الذاتي للعِزّ لا ثبوت له لأحدٍ من خلقه، ولا شيء من دونه سبحانه يملك حَولاً ولا قوّة من نفسه، ولأنّ كلّ غنى، وكل قوّة لهما حدٌّ فهما دون ما لله عزّ وجلّ من حَول وغنى وقوة، إذ لا شيء من ذلك تحدّه الحدود.
والشعور بالعزّ لمن أطاع الله واطمأنّ إليه لا يكذب، ولا يفارق بمفارقة مال، أو سلطان، أو ذهاب عشيرة، لأن نفاد ما في اليد ليس نفاداً لملك الله، وذهابَ السلطان ليس فيه ذهاب لقدرة الله وسلطانه، وإدبار العشيرة أو غيابها لا يعني تخلّي الله القوي عن عبده؛ فما دام تأييدٌ ودعمٌ من الله فكل أسباب العزّ قائمة، ولا غياب لشيء منها، وما كان اتّكال المتعزّزين بالله بالغنى والقوة والسلطان في حال، وإنما كل تعززهم وثقتهم واعتمادهم عليه، واطمئنانهم به(4).
والمتعزز بالمعصية عزّه كاذب؛ فكيف يعزّ من أسخط أغنى غني، وأقوى قوي، وأقدر قادر، والذي لا غنى، ولا حول ولا قوة إلاّ به؟!(5).
وأين هذا العز الواهم من عز للمطيعين لله سبحانه. وعن رسول الله صلّى الله عليه وآله:”من أذل نفسه في طاعة الله فهو أعز ممن تعزّز بمعصية الله”(6).
فإنَّ سالك درب المعصية ذليل وإن وَهَمَ غير ذلك في ظِلّ معاندة مصدر القوّة والغنى والعزّ، ومالك الأمر كلِّه.
اللهم صل وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبدالله وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اجعل لجأنا إليك، وتعزّزنا بطاعتك، وتذلّلنا بين يديك، ولا تجعل لنا لجأ إلى أحد من خلقك، ولا طاعة خارج طاعتك، ولا تعويلاً إلاَّ عليك، ولا طمئناناً إلاّ بك، ولا أَمَلاً إلا فيك، ولا تعلُّقاً إلا برحمتك يا أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين، يا عليُّ يا مجيد يا عظيم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ، وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}(7).

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي لا عِزّ إلا في طاعته، ولا أَمْنَ إلاّ في التقرّب إليه، ولا سلامةَ إلاّ في رضاه، ولا مُنقِذَ من عدله إلا رحمتُه، ولا وسيلة إليه إلا الأخذُ بدينه، ولا مفرّ منه إلاّ إليه، ولا استمساك إلاّ بحوله وقوّته، ولا هُدى إلا من عنده، ولا خيرَ إلا من جِهته.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً كثيراً.
عباد الله علينا نحن عبيدَه، والخاضعين لقُدرته، والمغمورين بنعمته، الذين لا ربّ لنا غيره بتقواه، إذ لا مُغني عنها من تقوى غيره، ولا ينفع مع سخطه الرضا من كلّ من سواه، حيث لا يملك جميع من في السماوات والأرض نفعاً ولا ضرّاً إلا بإذنه، ولا يدفعون قَدَرَاً من أقداره، ولا يردّون عقوبةً من عقوبته، ولا يُعجّلون ما أجّل، ولا يُؤجّلون ما عجّل، وهو الذي يفعل ما يشاء، وهو على كل شيء قدير.
وتقوى العبد لربّه إنّما تكون بأخذه بما أمر، وانتهائه عمَّا نهى، وقصده رضاه، وتجنّبه سخطَه، وما ذلك إلاّ باتباع الدين، والإخلاص لوجهه الكريم.
نعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن مضلات الفتن، ونزغات الشّيطان، وسقطة الهوى، وزلّة القدم، ونستعينه على الطّاعة، ونعتصم به من المعصية، ونسأله التوفيق للإخلاص والاستقامة.
اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، ولوالدينا وأرحامنا وقرابتنا وجيراننا وأصحابنا وأزواجنا وكل مؤمن ومؤمنة ممن أحسن إلينا إنه هو الغفور الرحيم، التواب الكريم.
اللهم صل على محمد خاتم النبيين وتمام عدّة المرسلين الصادق الأمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة. وعلى الأئمة الهادين المعصومين حججك على عبادك، وأنوارك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن القائم المنتظر المهدي.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، وعجّل فرج ولي أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس يا رب العالمين.
عبدك وابن عبديك الموالي له، الممهد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين وفقهم لمراضيك، وسدد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصرا عزيزا مبينا ثابتا قائما دائما.
أما بعد أيها الأعزاء من المؤمنين والمؤمنات فإلى هذه الكلمات:br> عودة إلى رأي:
الشخصية شخصيتان: شخصية حقيقية، وشخصية اعتبارية. مثال الأولى أنا وأنت، ومثال الثانية المؤسسة الثقافية، والاجتماعية، والسياسيّة، والحزب والدولة.
وإذا نُظِر إلى الشعب فمرّة يُنظر إليه بلحاظ كلّ فرد فرد من أفراده، ومرة ينظر إليه في مجموعه وبما هو كيان اجتماعي موحَّد له شخصيته الجامعة الواحدة.
وهو باللحاظ الأول مجموعة من الشخصيات الفردية الحقيقية المستقلة المتعدّدة، وباللحاظ الثاني شخصية اعتبارية موحَّدة.
وشخصيات الأفراد كلّ واحد منها إنّما يُمثل نفسه، ولا يُمثله غيره إلا بإذنه.
نعم بالنسبة إلى القاصر أقامت له الشريعة والقانون وليّاً يرعاه ويُمثّله.
والشعب في شخصيته الاعتبارية لا يُمثّله شعبٌ غيره، ولا عضوٌ من أعضائه شخصاً كان أو مؤسسة إلاّ أن يُقيم هو نفسه، وبإرادته الحرّة من يُمثله.
وليس لأحد أن يفرض نفسه عليه، وينطِق باسمه، ويُعطي الرأي عنه في أي مسألة تهمّه خارج إرادته، ومن غير اختياره.
وفضول واضح، وتعدٍّ صارخ أن يعطي أحدٌ نفسه سواء كان شخصية حقيقية، أو اعتبارية حقَّ تمثيل الشّعب، وفرض رأيه عليه، وإن فعل ذلك لم يُعتبر تمثيله، وكان بطلان هذا التمثيل من أوضح الواضحات.
وتمتّعُ أي شعب بالاستقلالية في التعبير عن نفسه بمحض إرادته، وحاجةُ أيّ جهة تريد أن تُمثل الشعب وتنطق باسمه إلى إذنه وموافقته حقٌّ واضح لا غموض فيه يعترف به كلُّ العالم، ولا يُنكر عليه ذو عقل سليم، ولا جديدَ فيه على الإطلاق.
وهذا ما قالته خطبةُ الجمعة السابقة في هذا الجامع.
ولأنه من الحقّ الذي لا غِبار عليه ولا مراء فيه، ولا يصحّ لعاقلَين أن يختلفا عليه، ولا مُنطلق له غير الإنصاف، واحترام إرادة النّاس فإنّي أعود للتأكيد عليه، واحترامه والتمسُّك به، ولو كنتُ وجدتُ فيه خطأ لما تردّدت في الإعلان عن الخطأ فيه، والتراجع عنه، ولكنّي لا أجد فيه شيئاً من خطأ، أو منفذاً لنقد من أي شخص يلتزم الإنصاف، ولا يبيع عقله ودينه بثمن من أثمان الدنيا، وإنْ خَرَجَ على الحقّ الصراح، وخالف كل موازين العلم والعدل عَلَنَاً، وبشكل مكشوف فاضح.
ثم إنّه لا أدري كيف يُقال عمن أنكر على أي تمثيل للشعب، والنطق باسمه من غير تخويل منه أنه يريد فرض نفسه على الشعب، ومصادرة رأيه، ونصب شخصه وليّاً عليه؟! ولكن لا عجب من أيّ مغالطة، وقلب للحقائق من صحافة إنما أُنشئت أساساً من أجل ذلك(8)، وتجد ما يؤمّنها ومن يؤمنها ولو خالفت كل قيمة دينية وخلقية وكلّ عرف، وكلّ قانون، ونالت من كل مُواطن تستحسن السياسة النيل منه، وتستهدفه.
وأُريد التنبيه على شيء وهو أنّي شخصيّاً لست في وارد تمثيل الشّعب اليوم أو غداً في أي لون من المفاوضات في هذه الظروف أو غيرها ولو بتخويل من الشّعب نفسه فضلاً عن أن أفرض نفسي على أحد من النّاس، وأقول عنهم ما لا يقولون، وأقيم إرادتي مقام إرادتهم التي لا يقوى المتقولون على مسابقتي في الاعتراف بها، في الوقت الذي أحترم فيه إرادتي واختياري.
ولا أدري فلعلّه قد علم الكثير أنه سبق أن جمعني في جملة من الإخوة أصحاب السماحة العلماء اجتماع رسمي رفيع قبل ما قد يزيد على سنة أو يقل، وقد رفضت فيه مع الإخوة العلماء التفاوض باسم الشعب، وكان الرأي أن تتولّى الجمعيات السياسية هذا الأمر تمهيداً لعرض نتائجه على من له الحقّ في التعبير عن رأيه، ومن يقول عنه الميثاق، وتقول عنه السُّلطة بأنّه مصدر السّلطات، وهو الشعب كل الشعب لا عيسى وحده ولا غيرُه.

الشيعة وأهل البيت عليهم السلام:
لأهل البيت عليهم السلام مكانتهم الخاصة عند كلّ المسلمين المعتدلين، ويتميّز ارتباط الشيعة بأهل البيت عليهم السلام بفكرهم، وإمامتهم، ومناسبات فرحهم وحزنهم أيّما تميُّز.
وأينما كان وجود شيعي إمامي في وطن أو مهجر وجدتَ مظاهر الاحتفاء بذكريات أهل البيت عليهم السلام في ما يخصّهم من مناسبات الأفراح والأحزان.
وتجد ذلك الآن في كثير من بلاد العالم الإسلامي وغيره حيث يتواجد أتباع أهل البيت عليهم السلام كما تُعطي الفضائيات صورةً عن هذا الواقع المشهود(9).
وللبحرين تاريخ عريق مرتبط بأهل بيت النبوّة الطاهر، ومناسبات أفراحهم وأحزانهم، وبمجالس العزاء والمواكب الحسينية الشريفة.
ومن الواضح جدّاً أنَّ رفض الاحتفاء بهذه المناسبات هو رفضٌ للوجود الشيعيّ نفسه(10)(11)، وأن التصرُّف فيه(12) على خلاف ما يراه المذهب هو تصرف في المذهب نفسه، ولا يعني فرضُ وجهة نظر معينة على ممارسة الشعائر لمذهب معين إلا هيمنة جبرية على هذا المذهب، وهي هيمنة ينكرها العالم كله، وكل المؤسسات الدولية، ومنظمات حقوق الإنسان… هيمنة لا يمكن حسب طبيعتها الاستفزازية أن تسمح بأيِّ استقرار سياسي في أي بلد تُمارَس فيه.

محاكمات لاتتوقف:
محاكمات أبناء الشّعب تتوالى ولسنوات، وقد شملت سنّ ما دون البلوغ، والشبابَ، والمشيب، والنساء والرجال، وعلماء الدّين والأطباء والمعلّمين ومختلف المراتب الاجتماعية، وأصحب المهن والوظائف المتفاوتة، وكلّ ذلك والوضعُ -حسب الإعلام- عاديّ، وإن كثر المتآمرون والجناة من الطبقات العلمية والاجتماعية المتقدّمة في هذا الشعب، والوضع السّياسي لا يحتاج إلى إصلاح، وكل شيء فيه على ما يرام، وعلى الناس أن يصمتوا بل أن يؤيدوا السياسة القائمة بكل ما فيها لأن ليس فيها إلا ما هو حق وعدل وإنصاف وتقدُّم… عليهم أن يؤيّدوا السياسة الموجِعة لهم ولا يطالبوا بالإصلاح ليُبرهنوا على أنهم مواطنون صالحون.
وهذا اللون من الطّرح ما زال ولا يزال يقرُب بالوطن من هاوية الدمار المروّع، ما لم يكن تدارك سريع بالإصلاح الذي ينال رضى الشعب، ويوقف النزيف.
وإذا قيل بأن الإصلاح آتٍ اتجه نظر الناس إلى ما على الأرض من مقدّمات فلم يجدوا توافُقاً بين واقع المحاكمات واستمرار الفصل من الوظائف والجامعات، وكَبْت الحريات، ومواجهة المجالس الحسينية، والمواكب العزائية بالتنكيل، ومطاردة صلوات الجماعة والجمعة، والانتشار الأمنيّ في المناطق المختلِفة وبين أمل الإصلاح، فكلُّ ما على الأرض يقول لا إصلاح، ويَدْعَمُ ذلك إعلامٌ لا يبرح يثير مشاعر الكبار والصغار، ويستفزّها.
والمحاكمات منذ سنين وإلى الآن اعتمدت وسيلة واحدة في الإدانة هي وسيلة الاعتراف في الظلام، وآخرها محاكمة الأطباء التي لم تتغيّر فيها هذه الوسيلة عمّا كانت عليه والتي لا يكون لها إثبات إلا في حكم النفي الصريح في ميزان العدالة، فإذا لم يكن غيرُها فلا يصح عليها أي اعتماد.
وإذا نُزّهت هذه الاعترافات من الضغط والإكراه والظروف النفسية القاسية فعلى من يشهد لها بالنزاهة أن يقبل بلجان التحقيق المحايدة التي تطالب بها منظمات حقوقية خارجيّة ليس هناك ما يُغريها بالانحياز إلى الشعب أو الخوف منه.
وإنَّ البحرين لتخسر كثيراً بمحاكمة كل هذه الأعداد الغفيرة، من شبابها الكريم، والنساء الشريفات، والنخب الممتازة، والرموز الكبيرة، والرجال الصالحين… تخسر كثيراً من سمعتها، وكثيراً من استقرارها، وكثيراً من كفاءاتها، وكثيراً من تخصّصاتها وخبراتها، والأدوار الإنمائية، والثروة الإنسانية العالية فيها. وهي محاكمات تُعقِّد الأوضاع، وتزيد من حالة الاحتقان، وتُولِّد الغليان، وتُنذر بالشّرور.
وليس من مصلحة البحرين بكل اللحاظات أن تمضي قُدُماً في هذه المحاكمات، وتُرتّب عليها النتائج السيئة بمالها من مردودات خطيرة (13).
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل الدين، وأحل غضبك بالقوم الكافرين. اللهم ارحم شهداء الإسلام في كل مكان، وأطلق سراح الأسرى والسجناء، واشف المعلولين والمرضى من كل مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}(14).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- كنز العمال للمتقي الهندي، ج15 ص784.
2- ميزان الحكمة للريشهري، ج3، ص1958، ط .
3- الخصال للشيخ الصدوق ص169.
4- المتعزّزون بالله وإن كبُر ما في أيديهم من مال وقوة وسلطان إلا أنهم لا يجدون عزّاً في ذلك حتى إذا فارقهم خسروا شعورهم بالعزّة، إن شعورهم بالعزة في حال الفقر والغنى، في حال القوة والضعف هو من خلال اعتمادهم وثقتهم بالله تبارك وتعالى، ولذلك لا يتغير هذا الشعوب بذهاب أسبابه المنظورة.
5-كيف يأمن شخص وقد غضب الله عليه؟! كيف يشعر إنسان بالثّقة وبالعزّ وبالقوّة والملك الحقّ قد سخط عليه؟!.
6- كنز العمال للمتقي الهندي، ج15، ص781.
7- سورة الجحد.
8- هتاف جموع المصلين بـ(لبيك يا فقيه).
9- اليوم تُقام التعزية ويقام الموكب الحسيني في لندن، وفي باريس، وفي كثير من بلدان الغرب وبلدان الشرق.
10- هتاف جموع المصلين بـ(هيهات منا الذلة.
هتاف سماحة الشيخ والمصلين بـ(لبيك يا حسين).
11- فالوطن الذي يتواجد فيه الشيعة، ولا يُراد له أن يقام فيه الحسينية ولا الموكب هو وطن لا يُراد له أن يكون شيعيّ على الإطلاق.
12- التصرّف في هذا الاحتفاء.
13- هتاف جموع المصلين بـ(نطالب بالإفراج عن المساجين).
14- 90/ النحل.

 

زر الذهاب إلى الأعلى