كلمة آية الله قاسم عن التربية الروحية ذو القعدة 1430هـ

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين والطاهرين واللعنة على أعدائهم إلى قيام يوم الدين.

 

التربية الروحية

 

  • الإنسان والإسلام والتربية:

 

لا إنسان يتوفر على إنسانية غزيرة وقوية وفاعلة، على طهر إنساني، ونمو ذكي إنساني، وتقدم وفاعلية إنسانية، ووصول إلى الغاية الإنسانية بلا تربية. هذا الإنسان القوي، هذا الإنسان الفاعل، هذا الإنسان المستقيم لا يمكن أن تتوفر عليه الدنيا إذا لم يكن مرتبطا بتربية معينة. الإنسان كيان ذو أبعاد وجودية إيجابية، وليس هو ذا بعد واحد، الإنسان فكر، والإنسان مادة، والإنسان روح، الإنسان نفس وإرادة، ضع يدك على أي بعد من هذه الأبعاد، تجد الواقع يشهد بأنه -أي البعد- قابل للنمو، وقابل للتراجع.

 

عندما نقول الإنسان فكر، هل ولد مفكرا؟ قادرا على الإبداع والاختراع، يملك الفكر الفعلي ويدخل في عملية التفكير الفعلي للإنتاج العلمي الهائل؟ لا. الإنسان يولد ولا يملك هذا المستوى من الوجود الفكري، الإنسان يولد وعنده استعداد أن يفكر، وليس أنه قادر على التفكير الفعلي. الوليد لا يحل لك مشكلة رياضية، هذا في بعده الفكري، في بعده الجسمي يولد طفلا رضيعا ضعيفا واهنا، يعتمد تقريبا في كل حاجاته على مساعدة الغير، لكنه يحمل استعداد أن يكون الرجل القوي الشديد المنتج الذي يتحمل أعباء الحياة بكفاءة، وهو ماذا يحمل؟ يولد حاملا لاستعداد مستوى الرجل، مستوى المرأة من ناحية بدنية، ويولد مستعدا -يملك قابلية- التفكير، وليس التفكير الفعلي، ولا يأتينا رجلا فعليا، ولا تأتينا امرأة فعلية.

 

من ناحية البعد الروحي هو متوفر على قابلية أن يكون له شعور دفاق، وشوق كبير، وعشق هائل للكمال والارتباط بالله سبحانه وتعالى، فيه استعداد أن يكون الإنسان المؤثر ليس المستأثر، في استعداد أن يكون الإنسان المضحي من أجل الغير بدل أن يطلب من الغير أن يضحي من أجله، فيه الإنسان الذي يأخذ على نفسه بشدة أن يعدل حتى في قضية بين أجنبي وولده، فيه استعداد أن يضحي بكل الدنيا من أجل الهدف الكبير، من أجل رضا الله سبحانه وتعالى. لا يولد الطفل وهو متوفر بالفعل على هذا المستوى ، إنما هو بذرة تحمل استعداد أن تكون شجرة، شجرة من ناحية بدنية منتجة، من ناحية فكرية منتجة، من ناحية روحية منتجة، من ناحية نفسية قادة على تحمل الأعباء، صابرة غير مهتزة صامدة، هذا هو الإنسان.

 

ماذا يعطيه مستوى أن يكون رجلا؟ ومستوى أن يكون مفكرا كبيرا؟ ومستوى أن يكون عارفا عملاقا؟ منشدا إلى الله سبحانه وتعالى، منهج تربية، صناعة، كما تسقي البذرة تضع البذرة في بيئة معينة، لا تضعها في صخرة تضعها في تربة، هذه التربة لها عناصر، فيها غذاء للبذرة، تصلح الأرض، تسقي، تسمد، حتى تتحول البذرة إلى نبته وتأخذ طريقها إلى أن تكون الشجرة المثمرة. الإنسان لا يختلف عن هذا. بذرة مهملة لا تنمو، بذرة في بيئة فاسدة تنتهي، بذرة في بيئة مناسبة وتحت المراعاة تنمو.

 

فطفلك وطفلي، وأنا وأنت مثلنا مثل تلك البذرة، ما بقينا بلا عناية نبقى عند مستوانا حتى ننتهي، إذا أخذت البذرة من ظرفها المعين إلى الأرض -أرض سبخة، حارقة- هذه البذرة بسرعة تنتهي، تضع هذه البذرة في الأرض المناسبة في البيئة المناسبة، تعطيها الرعاية الكافية، ماذا تحصل؟ تحصل على التفاح والرمان والرطب. طفلك، طفلي، أنا، أنت، نفس الكلام يجري علينا، فنحن نأتي الحياة باستعدادات هائلة، يمكن أن تموت هذه الاستعدادات، تنتهي وتتحول إلى صفر في ظل حالة الإهمال، أو في ظل حالة مفسدة كالتربية المفسدة، يمكن أن تصوغ هذا الطفل جبانا، ومرة مجرما، ومرة تصوغه شجاعا، ومرة تصوغه مستقيما.

 

إذا كانت هناك كفاءات وقابليات ومواهب على مستوى الاستعداد فإن بإمكان التربية أن تأخذ بهذه الاستعدادات إلى طريق النمو والصعود، ويمكن أن تقتلها فيما عندها. أعطي تقريبا للفكرة: هناك ثلاث ساعات في حياة الإنسان، ساعة أكل وشرب ورياضة وممارسات بدنية مختلفة، موجودة أم غير موجودة في حياتنا؟ ساعة أكل وشرب ولبس ورياضة، هذه الساعة هل جاءت من فراغ؟ أو جاءت كمرآة لبعد من أبعاد الذات الإنسانية كالكاشف، وهو بعد مادي، حين يكون الكلام عن البعد المادي نتكلم عن الجسد فقط، نتكلم عن الذات الإنسانية المعنوية وأن فيها بعدا مرتبطا بالمادة، ولو دفع مادي، وله نتاج مادي، وله كفاءة مادية، وله متطلبات مادية، واضح جدا أن الحجر لا يطلب أكلا وشرب، النبات والذي عنده حياة هو بنفسه ليس عنده إرادة السعي للأكل والشرب، تحتاج حياته للأكل والشرب، لكن لا نعرف له شوقا ولهفا للأكل والشرب، الإنسان عنده شوق، عنده لهف للأكل والشرب، عنده دافع للأكل والشرب، نحن نتحدث عن هذا الدافع ولا نتحدث عن اللحم والدم والذين هما ناتج المادة، نتحدث عن هذا الدافع. فأنت لا تستطيع أن تعيش بلا بهد مادي في وجودك، في ذاتك، ولا تستطيع من إنسان له دوافع مادية، هذا الإنسان الذي نعرفه لابد أن تكون له دوافع مادية، ولذلك لابد أن يكون هذا النشاط المادي، والرغبة في المادة، والتلذذ بالمادة، كل ذلك ناتج نفس تحمل بفطرتها توجها ماديا. فهذه الساعة التي يعيشها كل إنسان تعبر عن بعد وخط من خطوط ذاته.

 

عندنا ساعة تفكير، كل البشر تقريبا إلا ما شذ، يمكن حتى من مبتلى بالجنون يفكر بطريقة معوجة، فساعة التفكير لا تفارق الإنسان، هل هذه جاءت من فراغ؟ الخشبة تفكر؟ لماذا أنا أفكر والخشبة لا تفكر والمبنى لا يفكر؟ هذا التفكير يتكلم عن قوة في الذات الإنسانية، عن بعد بعد، عن خط، عن لون وجود في الذات الإنسانية وهو قوة الإدراك وبناء المعرفة، في الذات الإنسانية قوة إدراك واستعداد في هذه القوة بأن تبني معرفة جديدة على أرضية معرفة سابقة.

 

هناك ساعة ثالثة، ساعة العبادة، ليست في المجتمع المسلم أو النصراني أو اليهودي والمتدين، إنما في كل المجتمعات البشرية البدائية منها وغير البدائية كما يتحدث التاريخ الإنساني، لكن عبادة قد تعبر عن نفسها بغناء معين، غناء روحي مثلا. مرة سجود لصنم، ومرة سجود لشمس، لكن هناك ساعة عبادة موجودة في البشرية. كما أن الأرض تشهد في حياة الإنسان دائما ساعة أكل وساعة تفكير فهي تشهد دائما ساعة عبادة، العبادة ماذا تعني؟ تعلق بمثل أعلى، شوق إلى مثل أعلى، محاولة اقتراب إلى مثل أعلى، يمكن أن المال يتحول في نفسي إلى مثل أعلى، الجاه في نفسي يمكن أن يتحول إلى مثل أعلى، فاندفع في سبيله، قد أضحي بالمال، قد أضحي بالنفس من أجل الجاه عند يتحول الجاه إلى معبودي ومثلي الأعلى.

 

ساعة العبادة وهي الساعة الثالثة هذه تعبر عن قوة غير البعد المادي، وغير البعد الفكري، هذا بعد يحلل، يدرك، يأخذ صورة في الخارج عن كريق الحواس، يفهم هذه الصورة، يركب الثور، يحلل، يستفيد من مفاهيم، من قضايا معينة، باكتساب معرفة جديدة، مسألة إدراك، تلقي، فهم، تصرف لبناء معرفة، هذه قوة الفكر. أما أن أعشق الجمال المعنوي، أعشق أن أكون علي بن أبي طالب عليه السلام في عدله، في صدقه، في جهاده، في قدرته على العطاء، إيثاره، هذا ليس فكرا، هذه قوة أخرى تعمل في داخلي، وهي البعد الروحي، الخط الروحي في الذات الإنسانية. في الذات الإنسانية خط روحي كما فيها خط فكري وخط مادي. معناه خط متعلق بالمادة، وخط متعلق بالفكر، ينتج فكر، وخط متعلق بالمعنويات الكبرى، الجمال المعنوي، في الأصل بأسماء الله الحسنى، أمامه جمال باهر غير محدود ويجد نفسه منشدا إليه، والذين ينشط فيهم البعد الروحي يضحون بكل المادة، ويضحون بالحياة، ولا يستلذون بالعملية الفكرية الرياضية والفلسفية، كما يستلذون بمناجاة الله وذكره وحبه، وهذا البعد هو أرقى بعد، وأصعب بعد، وقليلون هم.

 

أنظر كم هم الذين يأكلون ويشربون؟ وكم هم الذين يستطيعون إقامة بناءات عالية جدا؟ أنظر الحضارة المادية إلى أين وصلت بالإنسان؟ وكم شارك في بناء الحضارة المادية؟ العامل والبناء وغيرهم. نأتي للمفكرين الكبار كم هم في الأرض؟ قلة، لكنك تجد الروحانيين الصادقين أقل وأقل، يمكن أن تجد عدد الفقهاء والعلماء كثير، لكن كم هي نسبة الفقهاء الأتقياء الحق في هذا المجموع؟ لابد أن تكون أقل. هذا أشرف بعد، وأصعب بعد، والصبر على هذه البعد، والاستفادة من هذا البعد تحتاج إلى جهد كبير.

 

أقول:

ثلاث ساعات تحكي ثلاث خطوط في النفس، ساعة العبادة تعبر عن روح عشاقة لجمال الخالقية، وجمال العلم، وجمال الكرم والرحمة والعفو، وهي ساعة إنشداد إلى المثل الأعلى “وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ ” 60/ النحل. أحاول أن أعطي توضيحا آخر: يضربني أحدهم ضربة على البدن، فتحدث لي الضربة وجعا بدنيا، وأحس بهذا الوجع البدني، هذا رد فعل عند الإنسان وهو الإحساس بالضربة الموجعة وما تحدثه من ألم. فعل ثاني: هذا لم يضربني، هذا ربت على كتف فلان، ولكن قال له كلمة قذف قبيحة، عندنا شيء يتوجع هنا أم لا؟ هل هو البدن؟ أم يتوجع شيء آخر؟ ما هو؟ النفس، بعد آخر، فأنا لست بدنا فقط.

 

طفلا بدأ يميز أعطه حلوى، وأكرمه لكن من ذلك أنظره نظرة شجزرا، أين يتأذى فيه؟ يتأذى بعد ثاني في داخله، هو سعيد من ناحية البعد المادي، فرح بالحلوى، لكن هذه الفرحة تنتهي في ظل كلمة مؤذية له، تحقيرية، أن تحقره بكلمة بعد عطاياك، ويكون قد وصل لسن يفهم فيه أن الكلمة محقرة، يحدث فيه ألم نفسي وليس بدني. فنحن لسنا مادة فقط، الحضارة الآن والإعلام كله يحاول أن يريك نفسك بدنا فقط، ينسيك عقلك وروحك. ذاك في الجانب المؤلم.

 

في الجانب المفرح، تعطي الشخص عطية مال ليست على مستوى الجائزة، وإنما تقضي حاجته، تعطيه أكلة ملذة يفرح، ما الذي يفرح فيه؟ البدن لا يفرح، لكن يفرح البعد المرتبط بالبدن، الدافع المادي، البعد المادي، الشهوة المادية، النفس التي ترغب في المادة. لكن في المقابل تأتي تزكية من الإمام علي عليه السلام يزكيك الإمام علي عليه السلام، تفرح أم لا تفرح؟ ما الذي يفرح هنا؟ البعد المادي يفرح؟ أو تفرح النفس، أو البعد الذاتي الذي يبحث عن البعد المعنوي؟ أنت تفرح لأن أمير المؤمنين عليه السلام طمأنك أنك على مستوى من جمال المعنى، فما الذي يلتذ في داخلك؟ تلتذ روح ثانية إذا صح التعبير روح ثانية ليست الروح الحيوانية، هناك تلتذ الروح الحيوانية، هنا تلتذ الروح المعنوية، هذا الذي يكرمه، فإذا جاء التكريم من الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله أو من علي عليه السلام، شهادة له بصدق موقف مع الله سبحانه وتعالى، يشهد لشخص أنه وقف موقفا صادقا مع الله عز وجل، وأطاع الله طاعة صادقة في هذا الموقف، هذا ينتعش أو لا؟ ينتعش لا منطلق الروح الحيوانية، ولكن من منطلق الروح الجمالية.

 

هناك حفل غنائي مطرب، ينتعش له هذا الإنسان أم لا؟ إنسان عادي، حفل غنائي مطرب عاشه، يستفزه، ينعشه، يشعر بالسرور، ما هو الشيء الذي يشعر بالسرور في هذه الحالة؟ الروح المرتبطة بهذا الجو، وهي الروح الحيوانية، جو يستفز الشهوات المادية في النفس، دوافع معينة، هنا تحصل فرحة، يحصل انتعاش، يحصل اهتزاز منعش.

 

في مقابل ذلك عبادة حقيقة، إنسان وفِقَ لعبادة حقيقة، يأنس أم لا؟ يسر أو لا يسر؟ إنسان مؤمن سيسر، تلك الروح التي دخلها السرور بالطرب هي هذه الروح التي دخلها السور بالعبادة؟ هذه روح ثانية، بعد ثاني، هذه عشاقة للجمال المعنوي، هذه الروح الباحثة عن الارتباط بالمثلى الأعلى تبارك وتعالى.

 

شخص وفق إلى أن يربي يتيما حتى صار الرجل الفذ، ينتعش ويفرح، فرحه هنا حيواني أم إنساني معنوي؟ فرح إنساني معنوي، فرح راجع للروح الجمالية وانفعالها بمثل هذا النشاط. ينقذ حياة شخص ولو بلقمة، ويشعر بأنه أنقذ حياة هذا الشخص، ينتعش، انتعاشه راجع للروح الثانية العليا.

 

نأتي للإسلام لنرى مكان التربية الروحية عنده، التربية الروحية كما تقدم أرقى تربية، وأصعب تربية، وأبقى تربية أثرا، نرى أن تربية البدن أكثرها تركها الإسلام لهذا الإنسان وتفكيره وإبداعه، تربية البدن تركها للأم وتركها للأب، أعطى قواعد عامة وإرشادات، إضاءات. قدم الإسلام، ربط الإنسان بمنهج، خدم الحضارة المادية بمنهجه ولكن التفكير في تطوير المادة -العالم المادي- يقوم به الإنسان، ويضع منهاج التربية العلمية، منهاج المدارس ليست موضوعه، منهاج تعب من أجل عملها ولكنها نتاج فكري بشري، منهاج الجامعات والمدارس الثانوية والابتدائية وغيرهم.

 

تطوير المأكل والمشرب والملبس وغيرهم، متروك لجهد الإنسان وإبداعه ومشاريعه، الله عز وجل يعلم أنه قد أودع في هذا الإنسان ما يكفي في تطوير الناحية المادية، ولابتكار المناهج والمشاريع التي تطوره. أما من ناحية البعد الفكري فتدخل العلي الحكيم في هذا الجانب أكثر، موضوعة أسس تفكير صحيح لهذا التفكير، ثم أطلق للإنسان أن يعتمد بعد توفيق الله عز وجل على القوة الذهنية عنده، وعلى المنهج العلمي الذي وضعه الإسلام للتفكير الصحيح، والأسس والشروط التي يجب مراعاتها في عملية التفكير المنتج إنتاجا صحيحا على الطريق الموضوعي والموصول.

 

نأتي للجانب الروحي، تربية الروح وضع الإسلام أسسها وشروطها، ودخل بصورة موسعة جدا في تفاصيل منهجها وجزئياتها، لم يتركها للإنسان، لم يترك له أن يخترع صلاته، أو يخطط لصومه، أو يمنهج حجه أبدا، كل العبادات غطيت بمناهج تفصيلة توقفيه، معناه أنه ليس لك أيها الإنسان أن تتصرف فيها، صلاة الصبح ليس لك أن تضع منهجها أنت، السماء هي التي وضعت صلاة الصبح بصورة مباشر، أما منهج التعليم في المدرسة الابتدائية، في المدرسة الثانوية فمتروك لك أن تعضه، أما صلاة الصبح إمكاناتك تقصر أن تضع منهج لصلاة الصبح، أذكارها، كيفية الركوع، كيفية السجود، أي ذكر يختار هنا؟ أي ذكر يختار هناك؟ هذا لم يعطى الإنسان ولا النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أعطي، هل رأيت أهمية الجانب الروحي في الإسلام؟ وهذا يشير إلى الصعوبة في هذا الجانب وأنه يحتاج إلى رعاية خاصة ومكثفة ومن رب الكون تبارك وتعالى. الحج واحدة من العبادات، هل ترك للإنسان أن يرسم حجه بيده؟ أن يقترح؟ أن يطور؟ لو ترك الحج لنا لقدمنا مليون صورة، بسم التطوير. هذا يشير إلى أهمية الجانب الروحي بأهمية بالغة جدا.

 

نتائج التربية الروحية

 

بدن نخضعه لتربية بدنية ناجحة، ولرعاية صحية من أول أمره، ويأخذ بالوقاية وقت الوقاية، وبالعلاج المبكر، ويدخل في عملية ترويض، البدن يحتاج إلى علم، ليس أي رياضة تنفعك، قد تضرك الرياضة التي تختارها، للرياضة منهجها.

 

المنهج الرياضي وكيفية التدريبات التي تنبي هذا العضو، وتعطي الرشاقة، هذا المنهج يحتاج إلى علم، يحتاج إلى فكر، ولكن ترك للإنسان أن يضع المنهج الرياضي السليم الذي ينفع البدن ولا يضره، المنهج الغذائي أيضا ترك له ليعالجه نفسه، أما المنهج الروحي فلا. نأتي إلى البدن، بدن وضع على التربية الرياضية الصحيحة، وأخذ على التغذية الصحيحة، ما يحتاج إليه البدن من فيتامين وبروتين ومن سكريات ودهنيات بالشكل المتوازن، هذا بدن يساوي بدنا أهمل بالكامل، بدن يهمل بالكامل ينتهي بلا أدنى إشكال، بدن لا يعرف علم البدن، بدن يحاول أن يعيش بلا معرفة ما يصلح البدن وما يفسده، لا يفرق بين السم وبين الدواء، وبين متى يصح له أن يتناول النشويات بدرجة أكبر، ومتى لا يصح له أن يتناول منه شيء، يسمع عن الفيتامينات مفيدة، فيكرس همه في الفيتامينات حتى يقتل نفسه. فالتربية السلمية في البدن ستعطي بدنا في العادة سليما.

 

التربية الفكرية أيضا، مشروع للطفل الوليد، الطفل يحمل مشروع فيلسوف جدا، لكن أهمل بلا تعليم، حتى القراءة والكتابة لم يتعلمها، هذا يصبح فيسلسوفا كبيرا؟ لا يصبح. آخر فيه مخترع كبير، لكنه لم يوضع على التربية العلمية، لن ينتج. إذا وضع على الطريق العلمي لكن بمنهج فاسد، مغالط، أفكار سقيمة، ينحرف فكريا، يتلوث فكريا، لا يستطيع الإنتاج العلمي الصحيح من ناحية علمية.

 

مراحل التربية لدينا وقاية، وتغذية، وترويض، وعلاج، أربع مراحل تنطبق على الجانب البدني ، والجانب الفكري، وعلى لجانب الروحي. الجانب البدني واضح حيث تلقي بهذا الإنسان في بيئة فاسدة، مجرثمة جدا، يبقى ؟ إما أن يهلك، وإما أن تتضعضع بنيته، أذن يحتاج إلى وقاية، الآن المصيبة في العالم التلوث البيئي، التلوث البيئي صار فزع لكبار العالم، كبار الساسة، وكبار الفكري، وكبار المختصين، فاسد بيئة، فعندنا وقاية، مع الوقاية نحتاج تغذية، وإلا البدن لا يستطيع المشي، لا يستقيم أمره، إذا أصيب بالمرض ولم يعالج، استفحل المرض وقتله. فهذا البدن يتروض رياضة قائمة على علم، وعلى فهم، غير بدن على الأرائك، من أريكة إلى أريكة، ومن فراش إلى فراش، هذا بدن غير ذاك البدن.

 

الناحية الفكرية، الفكر يحتاج إلى تغذية أو لا يحتاج إلى تربية؟ يغذى بالمواد العلمية وإلا وقف، يغذى بخوض التجارب، تجارب التفكير، أن يمتحن، أن يدخل في محاولة وصول إلى معرفة جديدة بعد المحاولة، إذا لا تأخذه للمدرسة لا يستقيم، بلا مدرسة، بلا تعليم، بلا تعلم، بلا استذكار، بلا تفكير، الفكر يبقى غير نامي،هذه التغذية. يحتاج إلى وقاية، الآن فكر الشباب لما تسممه القنوات الفضائية الظلامية، قنوات تسممه بأفكار بعيدة عن المنطق الصحيح، أفكار شيوعية، علمانية وغيرهم. لو غالطت هذا الفكر، لو تعمد شخص أن يتعامل مع منهج آخر بمواد علمية غير صحيحة، يخلق له بيئة مرعبة، مغالطة، يتغالط هذا الفكر، تكلم له عن أفكار المشعوذين والسحرة والكهنة، لا يتكون له تفكير علمي موضوعي منتج، فلابد من وقاية لهذا الفكر، هذا الفكر القادر على التعملق والإنتاج، حين تضعه في بيئة ملوثة تقتله.

 

ورياضيته أن تدخله في امتحانه متحديه، إما تبقى تعطيه المواد العادية التي يسهل هضمها لا ينمو، لابد أن تعطيه ما يدفعه إلى التفكير، إلى المحاولة، أن يستخرج هذا الإنسان أقصى ما عنده من قوة للوصول إلى النتيجة، هذه رياضة فكرية، وهذه الألغاز وما يشبهها من باب الرياضة.

 

العلاج، إذا حصل انحراف فكري لابد أن يعالج، الروح كذلك، الروح لها مادتها الغذائية الخاصة، وهي العبادة، هذه المادة التي تغذي الروح ذكر الله وعبادة والله وطاعة الله عز وجل هي المادة المغذية للروح، وقاية. أبنك تضعه في أوساط مضلة ومنحرفة وكافرة بالله، تأخذه لحساب أن يجيد الانجليزية إلى مدرسة أجنبية تفسد عليه روحه وتضله، هذا لابد أن تتلوث روحه، تغذية، وقاية، رياضة تتمثل في مثل هذا الأمر، أجد نفسي أن التي تسمح به نفسي من التبرع في هذه الأيام هو خمسة دنانير، عندي القدرة على أن أتبرع بأكثر لكن نفسي لا تسمح لي ألا أدفع إلا خمسة دنانير، احتاج إلى مقاومة، أحتاج إلى مواجهة للنفس ليسهل عليها إن تتبرع بعشرة دنانير، بخمسة عشر دينارا. أجدني لا أستطيع أصلي ركعتين بالإضافة إلى صلاة الفريضة لابد من ترويض النفس، وأصلي ركعتين غصبا عليها حتى تقوى، فستطيع أن تتحمل الركعتين ثم الأربع وغيرهم. فلابد من رياضة، ولابد من علاج، والعلاج بمثل سماع الموعظة، وتذكر الله عز وجل، هناك المنهج العلاجي في الإسلام.

 

فهذه مراحل التربية الأربع كما تصدق في مورد البدن، تصدق في مورد الفكر، وتصدق في مورد الروح. روح بلا تغذية لا تكون، بلا تربية لا تكون، بلا وقاية لا تكون، بلا عالج حين تنكب في صحتها لا تكون.

 

للتربية الصحيحة البدنية نتائجها الصحيحة الواضحة، أنا لا استطيع أن أحمل رطلا، وذاك يرفع مائة كيلو، التربية الفكرية الناجحة لها نتائجها، التربية الروحية الناجحة لها نتائجها.

 

نتائج التربية الروحية روح طاهرة مستعلية على القبائح، لا تحب القبائح، ذاك البعيد عنده روحه الوضيعة يسهل عليها أن تمارس القبائح، أما آخر فالقضية ليس أن يزاحم نفسه، يجاهد نفسه على أن لا يرتكب القبيحة، تنزه. القبيحة الحلوة الحلوة اللذيذة ماديا، هذه محل اشمئزاز، محل نفره عنده، يتأذى أكبر الأذى من حديثها وليس من مقار فتها، تحصل على هذه الروح.

 

فالناس يعانون من حالة كيف أتعفف عن الزنا؟ وأنا في وسط مغري، كيف أتعفف عن المال الحرام؟  ليس لدي نفس، بعضهم يقول لا أقدر إلا أن أشرب الخمر، أريد أن أمسك نفسي عن الحرام، عن الفحشاء ولكن لا أقدر.  لكن ذلك الثاني صاحب التربية الروحية ماذا يقول؟ ذاك يتأذى من ذكر الفحشاء، الروح رفت، وشفت، وتنزهت، وطهرت، حتى وصلت إلى حد التأذي من ذكر القبيحة، هذه نتيجة.

 

روح طاهرة مستعلية على القبائح، متجاوزة للنقائص، مترفعة على الصغائر حتى بعض الأشياء الحلال ولكنها دونيات، إلا أن يأكل هذه الأكلة، أو يشرب هذه الشربة، لا يعاني ضغطا على نفسه من شيء يضر بروحه، يؤثر على نقاء روحه. أنت ترى الإنسان النظيف جدا، لمسه بسيطة من قلم رصاص لمسته، يكبر عليه الأمر، ما هذا؟ سيراه الناس، هو يتأذى. ولكن آخر بقعة هنا، وبقعة هناك، ليس لديه مشكلة.

 

على المستوى الروحي تلوث بعد تلوث بعد تلوث عنده الأمر سهل، آخر الشيء الذي لا يراه الآخرون هو يحس بأنه تلوث، خرجت منه كلمة ليس حراما ولكن يراها ليست بمستواه، ضاعت منه لحظة لم يملئها بخير يتأذى أذكر كثيرا، هذه روح. و روح بعيدة عن الإشفاف وخوض المعارك الصغيرة، أنا مستعد أن أعطي شهر، شهرين من حياتي في معركة على قضية بسيطة. يمكن أخوان على دينار واحد يشتد بينهما النزاع ويسل الدم.

 

صراع الإمام علي بن أبي طالب على الخلافة، الخلافة هذه والتي أسمها كبير وهي عنده كشسع نعل أو أقل منه، هو أصر عليها لكن من ماذا؟ من منطلق ديني، من منطلق روحي من أجل الإصلاح، أما إذا كانت على دنيا، الخلافة معناها أن يملك كل شيء، لا تستحق تفلة منه صلوات الله وسلامه عليه.

 

معركة من أجل دولة، نفس وضيعة لغياب الشفافية الروحية، تعيش الصراع وتبذل الدم في معركة صغيرة، أنا أو أنت أينا رئيس المأتم؟ وتقوم عداوات كبيرة جدا، وتتهدم الأواصر النسبية والرحمية لخلاف بين أثنين لأيهما يتنازعان على رئاسة مأتم فيقسمان العائلة إلى قسمين، أنصار لهذا وأنصار لذاك. والإمام علي عليه السلام يقول: “خلافتكم لا تساوي شيء”، لا تنزل لها نفسيتي، هذه نتيجة التربية الروحية الناجحة. وكثير من معارك الصغار الكبيرة عند تلك النفوس صغيرة.

 

ناتج ثاني روح مأنوسة، منتعشة، لا تدخلها الوحشة، ولا تحس بوحشة الفراد وتخلي الأنصار والأصدقاء، مأنوسة، متنورة، مأهولة بالثقة بالله سبحانه وتعالى، لا تحوشها مشكلات الحياة، ولا تستمد معنوياتها من الصلة بغير ربها. ماذا ترون لو أن الدنيا كل الدنيا أعجبت بعلي عليه السلام، وعرف إعجابها ذلك، ووقفت كلها تستعد أن تكون طوع بنانه، وصفقت له، في لحظة شعر أن لحظة من لحظات حياته غفل فيها عن الله عز وجل، أيأنس علي عليه السلام؟ أم يستوحش في تلك اللحظة؟ يستوحش. ليس هناك شيء يؤنسه ولا شيء يضغط عليه غير الله عز وجل، فرار الناس عنه وتخليهم عن نصرته، وكفرهم به، لا يوحشه صلوات الله وسلامه عليه، وإذا تألم فإنما يتألم لهم، تلك هي الأرواح المبنية، المربية تربية صالحة.

 

روح واثقة ومطمئنة ومؤمله وراضية، مشكلتنا الرضا، أنا إذا عندي عشرة ملايين ولكن لست راضي، أنا لدي عشرة مليارات ولست راضي، أنا سعيد؟ أصحاب تلك الأرواح راضون، كثر ما في أيديهم أو قل، أجتمع الناس لهم أو عليهم، هذه نتيجة، أتريد القوة والسعادة أبني روحك.

 

انفتاح على خير الآخر وأن كان عدوهم، عليَّ أن أعادي الكافر لكفره ولكن مع تمني أن يكون مؤمنا وأن يدخل الجنة، هذا لا يجب عليه، لكن على المسلم أن يصعد بروحه إلى هذا الحد. العدو الذي ظلمني، الذي قتل ولدي، لو كنت مؤمنا حقا لتمنيت له صدق الإيمان والمغفرة ودخول الجنة. أصحاب تلك الأرواح يعيشون هذه الحالة وهي سهلة عليهم، ولا يعانون شيئا أبدا.

 

يقين بقيمة الهدف والخط والمصير، والناتج أيضا أخلاق قويمة، وتنتج هذه الروح مثلا جذابا في الناس، البارحة كان تأبين سماحة الشيخ علي بن عبدالله الستري رحمه الله، والرجل تعرفونه ليس صاحب مال وشهرة عريضة حتى في البحرين، وليس لديه أنصار تصفق له، لكن حين توفي أ,جع قلوب المؤمنين الذين يعرفونه، وشعروا بالفقد، ما الذي استقطبهم فيه؟ صدق كلمة، صفاء قلب، حسن نية، هذا المعاني حين تمور بها ذات إنسانية، تجذب. فلاح تظهر على محياه سيماء الصلاح والتقوى يشدك إليه، وتنجذب روحيا في اتجاه، وصاحب علم جم كبير، له مئات المؤلفات ولكن لا يظهر على وجه شيء من انعكاسات الارتباط بالله عز وجل، لا تشعر في اتجاهه بانجذاب.

 

أقول الإيمان جميل وجذاب وتتهافت عليه القلوب التي لم تخسر فطرتها، ولذلك إذا ظهر مثل طيب في قرية، أو حتى في بيت، أو في قطر، يحصل منه الاستقطاب من غير مال، لا يعطي

زر الذهاب إلى الأعلى