المُقاوم
الرئيسية » الكلمات والمشاركات » كلمة آية الله قاسم في دعاء الندبة المركزي 15 شعبان 1430هـ

كلمة آية الله قاسم في دعاء الندبة المركزي 15 شعبان 1430هـ

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين والطاهرين واللعن على أعدائهم إلى قيام يوم الدين.

 

عن الإمام الباقر عليه لسلام:”يخرج أحدكم فراسخ فيطلب لنفسه دليلا، وأنت بطرق السماء أجهل منك بطرق الأرض، فطلب لنفسك دليلا”

 

والقضية معاشة في واقع الإنسان، وأنه كلما جهل شيئا أحتاج إلى المعلم والدليل والهادي، ومن ذلك كما في الحديث أن يطلب قطع بعض فراسخ في أرض يجهل طرقها ودروبها، فيرى نفسه مضطرا إلى الدليل، وتعرف السياحة اليوم هذه الحاجة، وأن هناك أدلاء سياحيين، وفي كل مرافق الحياة يحتاج الجاهل إلى العالم، ويحتاج من لا يدري إلى من يدري، والإمام عليه السلام يقارن بين الحاجة إلى الدليل، يأخذ بالآخر على الطريق الصحيح من طرق الأرض، ويبين الحاجة للتعرف على طرق السماء، طرق رضوان الله تبارك وتعالىن وهي طرق معنوية وليست طرقا مادية، طرق الحلال والحرام، ما يرضى عز وجل وما لا يرضيه، مسألة الأحكام الشرعية ،مسألة موضوعها الإنسان المعقد، الإنسان ذو الأبعاد المختلفة والقوى المتعارضة، والموازنات الخاصة، وذو الهدف المعين، والذي تمتد علاقاته مع بارئه سبحانه وتعالى، ومع الآخرين من الناس، ومع كل شيء في الطبيعة، مع الماضي والحاضر والمستقبل الذي يمكن أن يطل عليه فهم الإنسان، والذي لا يمكن أن يطل عليه فهم الإنسان، قد يدخل في تحديد الحكم من الأبعاد والحيثيات ما لا يعد ولا يحصى، فعلم كل ذلك عند الله سبحانه وتعالى.

 

أحدنا لا يعرف أن يتعامل مع إنسان يتقدمه في العلم مسافات، لا يعرف أن يتعامل مع السياسي الكبير الذي يقود أمه، ولا يعرف أن يعرف أن يتعامل مع الفقيه الكبير الذي أمضى نحتاج من عمره الخمسين والستين سنة وهو يتعامل مع الفقه ومع المشكلات المعقدة والعلوم التي تتصل به، ويأتي هذا في التعامل مع مهندس في فنه، وفي كل أصحاب الاختصاص.

 

نحن لا نعرف أنفسنا، المرء منا لا يعرف نفسه، فكيف يعرف كل الآخرين؟ ويشرَّع لهم؟ المشرع الحق هو العالم بكل ذرة في هذا الكون، وبكل ما يعج به وجود الإنسان، من أسرار ومعاني، ومقتضيات، وحاجات، وضرورات. نحن بطرق السماء أجهل منا وبيقين من طرق الأرض، وما دمنا نحتاج إلى الدليل في الأرض، فكيف لا نحتاج إلى الدليل بالنسبة إلى طرق السماء؟ الدليل لابد أن يكون خبيرا، والدليل لابد أن يكون صبورا، والدليل لابد أن يكون أمينا، والدليل لابد أن يكون مشفقا، والدليل لابد أن يكون حكيما، من هو ذلك الدليل على طرق السماء؟

 

لا يصلح دليلا على طرق السماء، إلا من كان له علم صادف عن الله عز وجل، لا يقوم على حدس، على ظن، على استقراب، إنما هو العلم اليقين، ولابد أن يكون ذلك هو المعصوم علما وعملا. الحياة محتاجة إلى الدليل، والدليل الخبير، والدليل العلمي، وإذا كانت القضية قضية إسلام، فالدليل لابد أن يكون الخبير بالإسلام.

 

دليل السياحة لابد أن يكون ملما بمسألة السياحة، وبمعالم البلد، وما يتحمله السائح وما لا يتحمله، إلى آخر ما يتصل بهذا الاختصاص. دليل السماء لا يحمل تقديرا للسماء؟ دليل عل  السماء لا يعرف كيف يتوضأ؟ دليل على السماء أن درس هندسة؟ أن درس جغرافيا؟ فجاء يتحدث بلسان طويل عن الفقه؟ دليل على السماء مشرَّبة نفسه بالثقافات الغربية الأجنبية ويقف قزِما في نفسه أمامها؟ يزيد دليل على السماء؟ مروان دليل على السماء؟ خلفاء معربدون على السماء؟ ممن جاءوا متأخرين عن صدر الإسلام يكونوا أدلاء على السماء؟

أهل الأرض إما أن يكون هدفهم الأرض؟ وإنشدادهم إلى الأرض؟ وامتدادهم الأرض؟ وعندئذ يمكن أن يكون لهم دليل لا يعرف إلا الأرض، أما أن يكون أهل الأرض مشرئبة أعناقهم إلى السماء ، وتطلعهم إلى السماء، وثقتهم في السماء، وحاجة لا تقضى إلا من السماء، ولا يرون هداية لهم إلا من السماء، فهنا تسقط فعالية وصلاحية أدلاء الأرض، على أن أدلاء السماء هم الأكثر خبرة بالأرض، بحاجات الأرض، بمقتضيات الأرض، بحجم الضرورة الأرضية، بدخالة الأرض في صناعة الإنسان كما هم أعلم بطرق السماء، أعلم بطرق الإصلاح والإعمار بالنسبة للأرض.

 

أن الرسول صلى الله عليه وآله هو أخبر خبير بطرق توفير السعادة في الأرض، وبحل مشكلات الأرض، هو الأخبر، هو الأعلم، هو الأمن على كل شيء مما يدخل في سعادة الإنسان، ويأخذ به في المسار الصحيح، سواء ذلك على مستوى حاجات الأرض أو الإنسان المتصلة بالسماء. الاقتصاد المتقدم، الاجتماع المتقدم، كل ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وآله، وبأكمل صورة.

 

سأل الإمام الحسين عليه السلام:” ما معرفة الله”؟، قال: “معرفة كل أهل زمان إمامهم الذي يجب عليهم طاعته”، من أخطأ فحسب أن مروان هو إمام الإسلام لم يعرف الله، لم يعرف من حكمة الله شيئا، ومعناه سلب الحكمة عن الله، سلب العلم عن الله، سلب العدل عن الله، سلب الرأفة والرحمة عن الله، بخس الله عز وجل في كل صفات جلاله وكماله، من عرف أن الإمام علي عليه السلام هو الإمام فقد أنصف الله، علي عليه السلام وقبله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشفان بأكبر طاقة ممكنة، لإنسان عن حكمة الله، عن علم الله، عن عدل الله، عن رحمة الله، فمن عرف أن الإمام هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم، هو علي عليه السلام، هو أحد الأئمة الهداة المعصومين عليهم السلام فقد عرف الله. ومن أخطأ معرفة الإمام وقلد الفاسق الإمامة واعترف بالإمامة للجاهل، ولم لا تحمل نفسه تقديرا لله فقد جهل الله تبارك وتعالى، وقد بخس الله عز وجل حقه.

 

ومن هنا نحن نتمسك ونُصر كل الإصرار على أن الإمامة للمعصوم عليه السلام، وفي ذلك معرفة لله، وإنصاف لحق الله، وتقدير لله عز جل. ماذا لو كانت الأمة كلها محكومة لرجل واحد، وأرسل لإقليم من أقاليم الأمة الذي لم يلتقي بذلك الإمامة أو الخليفة، ولم يتعرف على أبعاد شخصيته وواقع شخصيته، ذلك الحاكم المجهول لذلك الأقليم، أرسل واليا، فرأى الناس ذلك الوالي جافيا، غليظا، ظالما، فاحشا، ما الصورة التي ستأخذ عن الحاكم؟ عن إمام الأمة؟ لا شك الصور ساقطة، فكيف بالله عز وجل، كيف يليق بالله عز وجل أن يعتمد إماما جاهلا؟ أن يعتمد إماما ظالما؟ أن يعتمد إماما فاحشا؟ حاشا لله عز وجل. هذا الرسول صورة عن المرسل.

 

هذا الوعي وعي أن الإمامة مرتبطة بالتوحيد، وأن شخصية الإمام المنسوب للإسلام تعطي الصورة عن الإسلام، وتعطي الصورة عن رب الإسلام تبارك وتعالى، هذا الوعي يجعلنا نتوقف جدا جدا في أصغر مستو من مستويات القيادة، وأن نحسب لهذه المسألة ألف حساب وألف حساب وألف حساب، وأن يتهب القائد الصغير فضلا عن القائد الكبير، وأن تحترس الأمة، وتحتاط الأمة في اختيار كل قياداتها.

 

كم ندرس مسألة اختيار رئيس مؤسسة؟ جمعية من الجمعيات، ندخل في غربلة للشخصيات، وفي تمحيص، ونتذكر تاريخه، ونبحث عن علاقاته، ونتتبعه أن كنا على علاقة سابقة به مواقفه هل برهن على حكمة، أو كانت تخونه الحكمة كثيرا؟ هل نعثر في شخصيته على المواصفات المطلوبة بدرجة عالية أو لا؟ لا نختار إلا بعد درس، وبعد تمحيص، فكيف بمالك الأشتر حيث يراد واليا على مصر؟ وكيف بأي وإلا يختاره أمير المؤمنين عليه السلام وهو تحت أمرته؟ كم سيدرس أمير المؤمنين عليه شخصية من يريد إرساله واليا على منطقه من المناطق، وهو يستطيع أن يفصله في اليوم الثاني، إلا أن تعيينه يأخذ جهدا من أمير المؤمنين عليه السلام.

 

أنقل لكم حادثه، الظاهر في وقت كانت المرجعية في النجف قد شهدها المرحوم آية الله زين الدين، كانت تفكر المرجعية في إرسال مندوب لها، مبلَّغ، وكيل، إلى اليمن لوجود  ربما بعض الشيعة، فصار المرجعية تدرس شخصية لإرسالها إلى هذه الوظيفة، اليمن لها تركيبتها الخاصة، ولها واقعها الخاص، تلحظ في الوكيل حيثيات قد لا تلحظ فيه لو أريد للعراق أو للبحرين أو غيرهما، بحث السيد المرجع وأرسل أيضا الطلب إلى الشيخ زين الدين، وزين الدين في وقتها شاب، وطلب أن يذكر له المواصفات لهذا الوكيل، فوضع الشيخ زين الدين المواصفات التي في ذهنه بين يدي الفقيه المرجع، فما كادوا يعثرون على شخصية لوكالة في أمر محدود، ولكن بلحاظ خصوصية البيئة، وما يمكن أن يعكسه هذه الوكيل عن المذهب، وعن مؤسسة الحوزة، وعن المرجعية العليا، كان لابد من توقف، وكان هناك عسر شديد في العثور على الشخصية المناسبة.

 

قيادة المنزل قيادة رسالية وإسلامية كم تحتاج، وإذا بالأمور الخطيرة، والمهام العليا يصطرع عليها اصطراعا، ويركض ورائها ركضا، وتقدم جماهيريا لكل من عنَّ له أن يكون في المقدمة، ما أكثر الأحزاب في البلاد الإسلامية والعربية على المستوى السني على المستوى الشيعي، وما أكثر القيادات في البلاد الإسلامية والعربية، بينما تأتينا أحاديث أهل البيت عليهم السلام لتطلب للقيادة شخصا لا يجهل طرق السماء وهو المعصوم عليه السلام، وإذا خسرنا المعصوم وغيبناه بسوء موقفنا، فمن يأتي بعده؟ إنصافا من يأتي بعده؟ يؤخر الخميني -أعلى الله مقامه- ويقدم بني صدر؟! بثقافته الغربية وتوجهاته الغربية؟ ليقود المسلمين إلى السماء، ليأخذ به في اتجاه الله عز وجل، ليمثل الإسلام؟ أكبر تمهيد، وأكبر إعداد، ومن أبرز المقدمات لنصرة الإمام في غيبة أن نحافظ على الوعي الإسلامي في كل بعد، وفي البعد السياسي بالخصوص، إذا انحرف وعينا السياسي عن الإسلام، وتنازلنا عن شرط العلم بالفقه، وتنازلنا عن بعد التقوى والعدالة، أو تنازلنا عن الخبرة، وعن ملاحظة حياة المرء ودراستها وخلفيتها، هل كان حزبيا؟ من نوع آخر؟ هل كان منضما إلى حزب غير إسلامي؟ كيف كانت طفولته؟ كيف كان شبابه؟ ما هي التجارب التي مر بها مما يمتحن إيمانه ونزاهته؟ وغيرها، إذا تنازلنا عن كل ذلك، سنقبل أن نكون ضد الإمام مع قيادات مناهضة للإمام عليه السلام، ولن نعتبر للإمام عليه السلام ميزة، وسنتعب الإمام عليه السلام كثيرا إذا انحرف منا الوعي السياسي عن الإسلام، وسنوقف الإمام عليه السلام لو أخذنا بقيادته في كل منعطف منعطف، وفي كل موقف موقف، وفي كل قضية قضية، لنتهمه، لنشكك فيه، لنحاسبه، لنوقفه أمام محكمة الديمقراطية.

 

الإسلام شدد الشرط، وغلظ الشرط في القيادة، وألزم الأمة إلا أن لا تكون إمعة في أقل من أمر القيادة، فضلا عن هذا الأمر المهم جدا، على الأمة أن تمحص الأشخاص، أن تدرسهم دراسة كافية، أن تتريث جدا، أن تحتاط جدا في اختيار قادتها. أما من بعد ذلك وقد أحرزت علما، وقد أحرزت في الإمام الخميني علما، وأحرزت فيه عدالة عالية، وخبرة كافيه، وإخلاصا ووفاء، وشجاعة، فليس لها أن تتعامل معه كمقود، والشارع هو القائد، يقول الإمام الخميني كلمة الحرب فتوضع كل إمكانات الأمة للحرب ومن غير نقاش، أما لو كان الشارع سيحاسب الإمام الخميني، سيطالب الإمام الخميني بالتعرف على فلسفة الحرب، وعلى الخميني أن يقنع كل واحد واحد من أبناء الأمة بقيمة هذه الحرب، ويجلس مع كل واحد واحد أبناء الأمة ليتدارس معه هذه الحرب، هو المتهم، هو الجاهل، هو الخائن، وغيرها، هذا لا يعني أن الإمام الخميني قراره منفرد، عليه أن يستعين برأي أهل الخبرة، وأن يسمع لكل كلمة من كل خبير قادر على أن يقدم رأيا. هذا الأمر ليس في المعصوم فقط، كما على أبن عباس أن يشير على علي عليه السلام، وأن يطيعه لو خالف أمير المؤمنين عليه السلام مشورته، عبدالله بن عباس يشير على الإمام عليه السلام في أمر السلم والحرب، في أمور السياسية مطلوب أن يشير، لكن إذا خالف رأي علي عليه السلام مشورة أبن عباس، فإن على بن عباس أن يطيع علي عليه السلام، هل هذا خاص بالمعصوم؟ مالك الأشتر لو حكم مصر، ولو خبراء يحيطون به، وقدموا له مشورة  وعليهم أن يقدموا له مشورة، وهذا من النصح، وعليه أن يسمع المشورة ويتفهمها، ويدرسها، لكن إذا وصل به رأيه وهو القائد هناك إلى مخالفة المشورة، كان على المشيرين أن يطيعوا، وإلا كان المشير هو الحاكم، والحاكم هو المشير على أكبر تقدير.

 

رئيس قافلة حج، أنت أدرس رئيس القافلة -المقاول-، أدرسه لكي لا تحصل لك مشكلة مع مقاول غير مدروس، لكن سيأخذ الجوازات إلى المكان الفلاني لكن تقول له قف، قف ليس الرأي هكذا، ولا تتحرك أبدا، وتفرض سلطتك عليه، وفي كل أمر أمر، أنت قائد القافلة.

 

مسألة الإمامة مسألة مصيرية بالنسبة للإنسان والإسلام، وأقل مواقع القيادة قد تشدد فيه الإسلام. من أصغر المناصب القيادة إمامة الجماعة، وقد وقف الفقه الشيعي الموقف المتشدد في شروط إمام الجماعة، ولم يترك إمامة الجماعة لكل واحد.

 

ورأيت فيما رأيت في قم من بعض الفقهاء الكبار، أنه إذا تغيب لا يختار لإمامة الجماعة إلا شيخا من شيوخ السن إذا توفر؛ احتراما لموقع إمامة الجماعة، واحتياطا لهذا الموقع عن التسربات، وعن الاختراقات، وحق له أن يفعل ذلك. ورأيت من السيد الإمام -أعلى الله مقامه- أنه عملا يدعوا أن تملئ مواقع إمامة الجماعة بطلبة العلم، وأن وجد الآخر، وذلك احتياطا لسلامة هذا الموقع، وقطعا للطريق على الاختراقات، هذا منصب إمامة الجماعة فكيف بالمواقع الأكبر التي يدخ لفي مسئوليتها الدم والعرض والمال ومصير الإسلام.

 

أن من أكبر تحضير جدي ليوم الظهور، وخلق جماهير يسهل عليها أ، تلتف براية الإمام عجل الله فرجه أن نحافظ على المفاهيم الإسلامية وأصالتها ونقاوتها، في كل مساحة الحياة، وفي المرفق السياسي بالخصوص. نحن نطالب بالديمقراطية التي يؤمن بالآخر ويغلق الباب على الإسلام، ويدعي أنه يرضى بالديمقراطية، نحن نرضى بالديمقراطية لحل مشكلات حياتية قائمة، لكن يجب أن يحافظ على الفهم الإسلامي السياسي في عقول أبناء الأمة وفي تعاملهم وواقعهم؛ لأن أي فهم غريب على الإسلام في البعد السياسي، سيفصل أمة الإسلام عن الإمامة، سيكونون غرباء على الإمام، والإمام غريبا عليهم، هو في اتجاه ونحن في اتجاه، هو على فهم ونحن على فهم، نحن نرى أمر القيادة أمرا سهلا، وأنه يصح لنا أن نسند هذا الموقع إلى كل من هب ودب، بينما الإمام عليه السلام يرى أنه هو الأعرف بطرق السماء والذي لا يخطئ خارطة طرق السماء، ويرى غيره جاهل، وإذا ادعى الإمامة فإنه يحارب، والإمام خروجه أصلا على أن القيادة في الأرض غير صحيحة، منحرفة عن مسار، أو على الأقل فإن قيادة الفقيه العادل المتضلع في العلم، من المستوى الرفيع في العدالة، تعتبر قيادة القصة بالنسبة للمعصوم صلوات الله وسلامه عليه، وعجل الله فرج قائم آل محمد، لهذا يخرج، لو كان الإسلام مفهوما الفهم التام والواقعي، وكانت توجد قيادة في الأرض بحجم الإسلام كاملا، لما كانت حاجة لظهور الإمام عجل الله فرجه.

 

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “والذي بعثني بالحق بشيرا ونذيرا، أن الثابتين على القول به” أي الإمام القائم -عجل الله فرجه- ، بهذا الوزن من القيادة، وبما لتلك القيادة من الشروط والمواصفات، وبشرعية خصوص تلك القيادة، وأن القيادة في الإسلام له لا غيره، وفي مواصفاته لا في مواصفات غيره، الثابتين على القول به بهذا المعنى،وأن كل القيادات الأخرى، من الخطوط الأخرى، ومن الثقافات الأخرى، والتوجهات الأخرى، باطلة فاسدة ساقطة، الثابتون على هذا القول. قسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالله العظيم “والذي بعثني بالحق بشيرا ونذيرا، أن الثابتين على القول به في زمان غيبته” زمان تخريب ثقافي، غزو ثقافي، خلط أوراق، رجه ثقافية، زلزال ثقافي، هذا الزمن الذي لا يكاد تثبت قدم فيه على الطريق، المعركة الثقافية اليوم أشد بالملايين المرات ومرات من المعركة الثقافية، ويطاح بدول، ويطاح بأطروحات، ويطاح بدين، من خلال الحرب الثقافية، “والذي بعثني بالحق بشيرا ونذيرا، أن الثابتين على القول به” جهاد، هذا الجهاد ثبات، “أن الثابتين على القول به في زمان غيبته، لأعز من الكبريت الأحمر” معدن نادر جدا، أعز: أشح، لا يمكن الحصول عليه، لا يمكن الوصل له، فهم قلائل، أصحاب الفكر النقي الأصيل، الذين يمثلون محاور الوجود الإسلامي في الأمة قلة، الذي يحتفظون برؤية إسلامية، بقناعتهم الإسلامية في مسألة القيادة، وأن الإمام عجل الله فرجه ضرورة، وأن لا بديل مكانه عند الاضطرار إلا من هو أقرب إليه من فقيه خبير عادل، كفقهائنا الكبار، هذا الوعي يشح في الأمة، ويصعب الثبات عليه للزلزال الثقافي العنيف.

 

ويكفي أن أقرأ أحاديث: “أن لصاحب هذا الأمر غيبة المتمسك فيها بدينه، كخارط لشوك القتاد بيده” شوك القتاد حاد لا تحتمله اليد، المتمسك فيها بدينه على مستوى الوعي، وعلى مستوى الموقف، على مستوى البعد الفردي، وعلى مستوى المسألة الاجتماعية، هذا المتمسك بدينه في أجواء منحرفة عاصفة بطل، والأبطال دائما قليلون، هذا الذي لا تؤثر الزوابع، والأعاصير، والبراكين الفكرية، والكتابات التي تملأ الصحافة، وانحراف من ينحرف، والمال، وكل شيء، هذا الذي لا ينال شيئا من وعيه الإسلامي، من صلابة موقفه، يقف الناس كلهم في شاطئ، ويقف هو في شاطئ آخر لا يبالي، هذا كل الناس في ضفة، وهو يقف في الضفة الأخرى، كل الناس في اليابسة وهو يدخل البحر، كل الناس في البحر وهو يصير في اليابسة، بهداية من الله ويقين، وهداية على الطريق هؤلاء قلة جدا.

 

هذا حديث يتحدث عن الصعوبة، صعبة التزام الوعي الإسلامي في ومن الغيبة، وهو زمن الامتحان الكبير والغربلة، والذي فيه يكون الشيعة أيتاما لآل محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، واليتم ما لم يحصل على المربي العطوف، الشفيق، الخبير، الحكيم، يضيع.  وكثيرا هم الضائعون في هذا الزمن، والتائهون عن الطريق. هذا جانب الصعوبة.

 

جانب الثواب، وعظمة الموقف، وجلال هذا الموقف الصامد في الوعي، وحلال هذا الموقف الصامد في المقام العملي، ماذا عن “المنتظر للثاني عشر كالشاهر سيفه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يذب عنه”؟، وتنتظره بوعي من وعيه، وبرؤية من رؤيته، وبشعور من شعوره، وبفهم من فهمه، وبفقه من فقه، وبهدف من هدفه، فحيث أكون شيئا وهو شيء آخر في الفهم، في خط الفهم، في سنخ الفهم، وليس في درجة الفهم، حيث يكون شيئا وأكون شيئا في سنخ الفهم، وطبيعة الرؤية،ومحتوى الذات، والنظرة السياسية، وشروط ومواصفات القيادة، لا أكون منتظر له، أنا على خط آخر تماما، إذا كان تكويني العقلي، وتكويني النفسي، وموقفي العملي، كله على مضادة مع ما عليه موقف الإمام عليه السلام، فكيف أكون منتظرا له.

 

ماذا ننتظر من الإمام؟ من كان جائعا وينتظر من الإمام أن تتيسر اللقمة، فليطب اللقمة من أمريكا، فإنه يمكن أن يحصل عليها، من كان طموحه المتعلق بظهور الإمام عليه السلام وعجل الله فرجه أن يتوفر على المنزل اللائق، فهذا الهدف ليس سامقا وليس مستحيلا اليوم، فتستطيع أن تعطي يد العمالة إلى أي جهة تملك مالا، أو تستجدي من أحد فتصل إلى هذا المأرب.

الإمام عجل الله فرجه يصلح الدنيا، ويوفر المسكن، والمأكل، والمركب، ويتقدم بكل هذا بمستويات كبيرة، ويحل كل مشكلات هذه الحياة، ولكن هدفه الكبير ليس هذا، هدفه الكبير أنت وأنا، أنا وأنت، أن تصلح عمارتنا، أن ترقى ذواتنا، أن نكون أكبر من الدنيا وما فيه، أن تكون لنا هموم عملاقة ونظرة بعيدة، ونعيش السمو الروحي، ونتمتع بالإرادة القوية، وأن لا تعرف حياتنا حالة الانهزام، وأن نعد الأعداد الذي يؤهلنا لجنَّة الله تبارك وتعالى، الإمام يعالج مشكلة اللقمة والخرقة؛ خرقة الظهر، ولقمة البطن، والمسكن. وهذه حاجات يتوفر عليها الحيوان، فهل عظم الحيوان بالتوفر عليها؟ هناك حشرات تستطعم، وتجد ما تستطعمه، وتجد ما يرويها، وما يؤويها، براحة لا يعرفها تعب الإنسان، الإنسان يحصل على هذه الحاجات بالكثير من التعب، بعض الحشرات مؤهلة لها البيئة الطبيعية، التي تحتضن كل حاجاتها وتوفرها لها، لكنها هل هي عظيمة وسامقة؟ وهل إذا سكن الكلب الحقيقي وليس على نحو التشبيه أو المجاز، وهل إذا سكن الكلب القصر عظم؟ وهل أن القرد الذي وصل إلى أجواء السماء عن طريق القمر الصناعي عظم؟ أيهما أعظم ذلك القرد الذي يسكن القصر، قرد حقيقي يركب الطائرة، يؤخذ للفضاء الخارجي، أيهما أكبر وكذلك الكلب الذي أوصى له صاحبه بميزانية ضخمة، وهذا يحدث في الغرب، أو الفقير المقدود في الكوخ المظلم ذو الروح النيرة؟ وبفكر كبير، وبصفاء قلب، وبشفافية ذات، وبأمل كبير، لا ينقطع بانقطاع الحياة، وبرضا طافح، أيهما العظيم؟ وبروح مخلصة للإنسان، وروح مؤثرة ومضحية، أيهما الكبير؟

 

أيظهر الإمام القائم عجل الله فرجه وسهل مخرجه ليشبع البطون فقط؟ مهمته الكبرى أ، يشبع البطون؟ لا. صحيح أن هذا ينقضي وبشكل أكثر من مجزي، وأكثر من كافي، وفي راحة، وكرامة لا تحتاج لأن تبيع شرفك وكرامتك، ولا تحتاج المرأة أن تبيع عرضها، ولا تحتاج أنت أن تضحي بوطنك، وأن تضحي بأهلك من أجل لقمة عيش، وأن تخون الكل من أجل وظيفة صغيرة، لن تحتاج لهذا كله، وستكون الأمور المادية ميسرة جدا، لكن الهدف أبعد شأوٍ من هذا بكثير وكثير وكثير، الهدف الله. الهدف أن يكون لك القلب الذي يسكنه -بالتعبير المجازي- الله، معناه ذكر الله، رؤية العظمة، العظمة بالله، الثقة بالله ، الاستغناء بالله، الاهتداء إلى الله، الانشداد إلى الله، الشوق والعشق لله.

 

ننتظر الإمام عجل الله فرجه بوعيه الرسالي، والإسلامي، وننتظره بالإعداد الشامل، كلما أمكن لك شيء من الإعداد بان تكون القوي على الطريقة الإسلامية، كان في ذلك إعداد ليوم القائم عجل الله فرجه، الإعداد مسئولية الجماعة، الدولة إذا وجدت الدولة تؤمن بخط الإمام عليه السلام، والإعداد على مستوى الدولة كبير، ويمكن للدولة أن تعد لظهور الإمام بالسلاح النووي، وبالرجالات المدربين،وبتجييش الملايين هذا يمكن للدولة، أنا فرد وليس عندي هذه الإمكانات، عليَّ على الأقل أن أصنع نفسي الشخصية الإسلامية التي تلتقي مع فكر الإمام، ومع هم الإمام، ومع رسالية الإمام، ومع الحق الذي يصر عليه الإمام عجل الله فرجه وسهل مخرجه.

 

أذن إذا واجهت يوم الإمام القائم عليه السلام بنفسيه مادية، سأكون صديق الإمام أو عدوه؟ سأكون عدوه بلا إشكال، وسيثقل عليَّ تطبيق الحق من الإمام عجل الله فرجه وسهل مخرجه. تمهيد، إعداد من الدولة  التي تؤمن بخط الإمام عليه السلام وعجل فرجه، إلى الحزب، إلى المؤسسة، على الأسر، إلى الفرد، ما منا أحد إلا وهو يتحمل مسئولية الإعداد ليوم ظهور القائم عجل الله فرجه وسهل مخرجه، ومن هذا الإعداد امتلاك وعي إسلامي، رؤية إسلامية، مشاعر إسلامية، محاولة التفلَّت من أسر المادة، انتزاع الخوف والهلع من النفس، الترفع بالنفس عن الدنايا، نحن ننهار كثيرا أخلاقيا في واقعنا، نعاني من انهيار أخلاقي يباعدنا عن الإمام، ويبعد يوم الإمام عنا، ونعاني من انهيار في الفهم السياسي، وهذا يبعدنا عن الإمام عجل الله فرجه، ويبعد يومه عنا، وننهار أمام سحر المادة طغيانها، ويوم الإمام يوم الرسالية، ويوم التضحية والإيثار، ويوم حمل الأرواح على الأكف، ويوم الطاعة، للقيادة  المعصومة، التي لا غبار عليها ولا يمكن التشكيك فيه، وكل ذلك يحتاج ممن يتمنى ظهور الإمام عجل الله فرجه ن يعد نفسه الإعداد الذي يلتقي به مع الإمام في أبعاد شخصيته ولو جزئيا.

 

نعم هذه مسئوليتنا. قضية البحث عن مسألة الإمام القائم عجل الله فرجه ما يدخل منها في الحاجة العملية الفعلية، وما له دور يجب أن يكون قائما بالفعل هو قضية الإعداد، كلما صغت نفسك صوغا إسلاميا، كلما كنت ممن وصفهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم “المنتظر للثاني عشر كشاهر سيفه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يذب عنه” أنت تذب عن الإمام بما؟ أنا الآن الإمام ليس موجود، بما أذب عنه؟ ما هذا الذب؟ يعني الدفاع، الحماية، الوقاية، قي فكر الإمام عن التغييب، أنصر الإمام بإبقاء فكره في الأمة، بإشاعة فكره في الأمة، بالمحافظة على نظافة النفوس، على نظافة القلوب، أصنع ما استطعت من نفسك، من ولدك، من بنتك، شخصية إسلامية، بذلك تكون ذابا عن الإمام، بماذا؟ ولدي إما أن يكون على خط الإمام ونصيرا لهن وإما أن يكون محاربا له؟ حيث أهمله هو محارب للإمام من اليوم، كل الذين يعملون على إفساد الأمة، وعلى إشاعة الشر، وكل الذي يؤثرون سلبا على الإسلام، والوعي الإسلامي، هم محاربون للإمام عجل الله فرجه، في قبالهم من يذب عن الإمام عليه السلام وهم الذين يبنون أنفسهم بناء إسلاميا،  يبنون أولادهم بناء إسلاميا، يبنون بناتهم بناء إسلاميا،

 

والحمد لله رب العالمين.