خطبة الجمعة (367) 5 جمادي الأولى 1430هـ – 1 مايو 2009م

مواضيع الخطبة:

*موضوع الإخلاص تتمة *رسالة هل تُقرأ؟ *مقتاتون على المنكر *بين الواقع والطموح *من عطاء الإسلام

الرسل والرساليون لا يعيشون في حركتهم التغييرية من غير أهداف مستقبلية كبيرة تتحقق على يدهم أو على يد غيرهم، ولا يفرّطون في التحضير لإنجازها ما أمكن، ولا يذوبون في الواقع، ويستسلمون له، وينهزمون أمامه.

الخطبة الأولى

الحمد لله الحقيق بالعبادة دون غيره لأن لا وجود ولا حياة ولا نعمة إلا من عنده، ولا يملك مَنْ دونه مثوبة ولا عقوبة إلا بإذنه، والكمال كلّه له. وأكبر الظلم أن يجحد أو يشرك به، وأوضح العدل التسليم والإخلاص له، ولا عدل لمن عصاه، وخرج عن طاعته.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً كثيراً.
أوصيكم عباد الله ونفسي المقصِّرة بتقوى الله أخذاً بالوفاء بحقّه، وشكرِ نعمه، وتوقِّي نِقمه، والتعرّضِ لمزيد إحسانه،وعظيم امتنانه.
وفي تقوى الله تهذّب وتأدّب، وصدق واستقامة، وهدى ورضى، وسموّ وعلوّ، وحسن عاقبة وسعادة. فليرغب الراغبون في تقوى الله العظيم.
وفي مفارقة التقوى خسّة وانحدار،وظلمة ووحشة، وانحراف وخسار، وسوء عاقبة وشقاء مقيم.
اللهم صل وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولوالدينا وأرحامنا والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا ربنا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اجعلنا من أهل الرشاد والسداد، وسعداء العباد، وأهل الصّدق والاستقامة، والدوام على الطاعة، وممن اصطفيتهم لحمل أمانة الدّين في الدّنيا، ومجالسة النبيين والمرسلين في الآخرة يا أكرم الأكرمين، ويا أرحم الراحمين.
أما بعد فهذه بقية حديث في موضوع الإخلاص لله سبحانه:
حقيقة الإخلاص:
تقول الكلمة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:”إنّ لكل حقّ حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإخلاص حتّى لا يحبّ أن يُحمد على شيء من عمل الله”(1).
وفي هذا السياق قال الحواريون لعيسى عليه السلام:”يا روح الله من المخلص لله؟ قال: الذي يعمل لله لا يحب أن يحمده أحد على شيء من عمل الله عزّ وجلّ(2)”.
وعن الصادق عليه السلام:”العمل الخالص الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله عز وجل”(3).
هذا مقياس يستعمله المرء بينه وبين نفسه، يعرف نفسه من خلاله أهو صادق الإيمان؟ خالص الإيمان؟ الكبير عنده بالأصل هو الله وحده ولا كبير مثله أبدا؟
هذا الإنسان قد يعمل العمل المرضي بعنوانه الأولي، التخفيف عن اليتيم، عن البائس، والتعاون على الخير، ونصرة المظلوم، فهذه أعمال محبوبة لله في ذاتها، لكن هذه الأعمال المحبوبة لله عز وجل قد يعملها أحدنا لله، وقد يعملها لغيره، وقد يشرك بالله فيها أحدا. إذا عمل هذا العمل الطيب بعنوانه الأولي وبما هو تخفيف عن يتيم، عن بائس، رحمة لفقير، وما إلى ذلك، ينظر في نفسه هل لها شيء من الميل أن تُمدح على هذا العمل من الناس؟ أن يطلع عليه الغير فيثني عليه لعمله؟ فإذا وجد أن ليس في النفس مشتهى بأن يطلع الغير على هذا الأمر، وأن يتلقى من الغير كلمة ثناء له فإنه عمل خالص لله، أما إذا تمنّت النفس أن يطلع الواحد والإثنان، وأن تتلقى كلمة المدح والإطراء من هذا وذاك، انكشف أن عندها إكباراً لغير الله، واهتماماً به، وأملاً فيه، وتقديراً له، وفي عَرْض ما عندها لله، فهي إذاً على قدر من الشرك قد تتخفّى به، ولكن مثل هذه المواقف تفضحه.
أعاننا الله على النفس، وأخذ بنا إلى رضاه وهو الرّحيم الكريم.
للإخلاص آثار:
نقرأ من آثار الإخلاص من كلمات وردت عن المعصومين عليهم السلام.
“ما أخلص عبد لله عز وجل أربعين صباحاً إلا جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه”(4).
الحكمة رؤية صائبة، وسداد رأي، وصواب موقف، وحسن اختيار، وكلمة حق يشع بها القلب، وانكشاف حقيقة تغنى بها النفس.
هذا التنوّر الداخلي، وهذا الزاد الطيّب للقلب، وهذا النظر السديد، والخيار الصائب كلّه من عطاء الإخلاص لله سبحانه وتعالى، حتّى أن القلب ليفيض بالحكمة لتتدفق على اللسان بصورة غير متكلّفة.
كلّ هذا الطّهر، واليقظة، ومعاينة القلب للحقيقة، وتجاوز السياجات والجدُر والمسافات التي تمنع القلب من استلهام الغيب والحق والحكمة عطاء من عطاء الإخلاص لله تبارك وتعالى.
في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وآله:”قال الله عز وجل (لا أطلع على قلب عبد فأعلم منه حبّ الإخلاص لطاعتي لوجهي، وابتغاء مرضاتي إلا تولّيت تقويمه وسياسته)”(5).
هذا قلب ضاق به الذرع من الظلمة، ومن درجة وأخرى من الشرك، وآلمه أن يُزاحم توجهه لله عزّ وجلّ النظر إلى هذا وذاك، وأن يشوب إكباره لله عزّ وجلّ إكبار لغيره، فأحبّ صدقاً وحقّاً أن يكون المخلص لله. الله مطّلع على عبدِه، وعلى أدق دقيقة في قلبه، وقد علم الله عز وجل من هذا القلب هذا التوجّه، وهذا الشوق، وَمَنْ طلب رحمة الله عارفاً صادقاً كانت أسرع إليه من طلبه.
هذا قلبٌ شكى، وطلب من الله عز وجل العناية والرعاية والهدى فلابد أن يرعاه، ويصححه، ويرفع من مستواه، وينوّر داخله ليكون القلبَ المنشدّ إلى الله عزّ وجلّ، والذي لا نظر له إلا إليه. “(…إلا تولّيت تقويمه وسياسته)” أي تربيته وتدبيره، والأخذ به على طريق النّور والاستقامة.
وعن زين العابدين عليه السلام:”فأما حقّ الله الأكبر عليك فأن تعبده لا تشرك به شيئا(6)، فإذا فعلت ذلك بإخلاص جعل لك على نفسه أن يكفيك أمر الدنيا والآخرة”().
هذه نتيجة أخرى من نتائج الإخلاص هي أن يكفيك الله أمر الدنيا والآخرة، صرفت عن الدنيا همّك، عوّلت على الله سبحانه وتعالى، وقدمته على كل شيء فلابد أن يكفيك الله أمر الدنيا والآخرة.
ولنلتفت هنا إلى شيء وهو أنّي قد أترك أهل الدنيا لله بهدف أن يقضي لي الحاجة الفلانية، فهل بلغت الإخلاص بهذا؟ الإخلاص أن أقصد وجه الله لا حاجتي، أن أرى نفسي عبدا مملوكا قنّا خالصا لله عز وجل، وأن أرى أن عليّ أن أعبده، أن أشكره، وأنه أهل للعبادة ولو لم أتلقّ منه جديدا، وأنّه أهل العبادة وإن ضرب عنقي وأنا راكع لعظمته. المؤمن الحقّ يعيش هذا الخاطر وهو في ركوعه صادقا وهو الخاطر القائل آمنت بك ولو ضربت عنقي. فهو يقول بأن له يقيناً بعدل الله ورحمته لا يتزلزل ولو ضرب الله عنقه وهو في حال العبادة والخضوع له.
“عند تحقق الإخلاص تستنير البصائر”().
تريد عقلا منفتحا، لا تمسه الضلالة، ولا يغيم، ولا يقع في الشبهة، وتكون رؤيتُه من رؤية الأنبياء والمرسلين والأولياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؟ عليك أن تخلص لله. “أخلص تنل”(7) ماذا تتمنى؟ خير الدنيا؟ خير الآخرة؟ من أي نوع من الخير؟ إذا أخلصت – والإخلاص غير المتاجرة كما سبق – ضمنت ما رغبت من ذلك الخير وأكثر.
“قال المسيح عليه السلام يا عبيد السوء(8) نقّوا القمح وطيّبوه، وأدقّوا طحنه تجدوا طعمه، ويهنئكم أكله”(9).
كيف تعتني بالقمح الذي تأكله؟ عليك أن تعتني بالداخل الذي أنت هو، وهو أنت. “كذلك فأخلصوا الإيمان وأكملوه تجدوا حلاوته، وينفعكم غبّه أي نتيجته”.
لا تطيب ثمرة حتى تنضج، والإيمان إذا صدق أسعد وأغنى، وأسنى وأعلى وأسعد.
والحمد لله رب العالمين.
اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اجعلنا من أصدق الصادقين، وأتقى المتقين، وأخلص المخلصين، وارحمنا برحمتك في الدنيا ويوم تتوفّانا ويوم الدين، واحشرنا في زمرة النبيين والمرسلين، وأوليائك الأئمة الهادين، وأسكنّا معهم جنّة النعيم يا رحمن يا رحيم، يا جواد يا كريم، يا عليّ يا عظيم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}

الخطبة الثانية

الحمد لله الأول والآخر، والباطن والظاهر، والمدبّر والمقدِّر، والمقدِّم والمؤخّر، والمعزّ والمذِّل، والرافع والخافض، وهو الفعّال لما يريد، وفعله الحقّ، ولا يظلم ربّنا أحداً، ولا يفعل قبيحاً أبداً، وكلّ شيء يسبّح بحمده، ويسجدُ له، ولا استغناء لشيء من دونه في وجود ولا حياة، ولا فعل ولا أثر.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وزادهم تحية وبركة وسلاما.
عباد الله علينا بتقوى الله المولى الحقّ، والذي بيده دنيانا وأخرانا، وهو مالك الأمر كلّه، وناصية كل شيء في قبضته. ولا يطولن من أحدنا في الدنيا الأمل فيصرفه عن قصده، وينحرف به عن غايته، ويفسد عليه أمر آخرته؛ فإن للدنيا أجلا، وأجل الأمم فيها قصير فضلا عن آجال الأفراد، وليكن أجل الفرد مائة سنة وأكثر من مائة، فإنه قليل. وامتداد الدنيا في وهم الإنسان وكأنها الأبد يجعله في عمله، وعلاقاته، وتقديمه وتأخيره، ونشاطه وفتوره، والحسابات التي يقيم عليها حياته واهماً. والوهم لا يمكن أن يلغي الحقيقة أو يناطحها، ولابد أن يفيق الواهم على الواقع المر الذي قاده إليه وهمه ولو بعد حين ليرى نفسه قد خسر كل شيء، وقد لا يتدارك من حياته شيئا.
والحياة الدنيا خفيفة المؤونة لمن لا تستعبده اللذّة، وتجنّبَ الضّار، ولم يستهدف الترف، واقتصر على ما ينفع، ولم يتخذ جمع المال مهوى وزينة، ولم يَرَ فيه رفعة وخلوداً، وسعادة.
اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم لا تجعلنا ممن يُهمل دنياه، أو يقدّمها على آخرته، أو يستغفله هواها وزينتها عن لقاء ربّه، ولقّنا خيرها، واكفنا شرّها ومكرها، واجعلها لنا نعم الدار كما جعلتها للصالحين الذين بلغوا بها رضوانك، وسلكوا بها إلى الخلود في جنانك يا أرحم من استرحم، وأجود من أعطى.
اللهم صل على محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين الصادق الأمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الأئمة الهادين؛ حججك على عبادك، وأنوارك في بلادك، والسبل السالكة إلى رضوانك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صل على محمد وآل محمد، وعجل فرج ولي أمرك القائم المنتظر، وحفه بملائكتك المقربين، وأيده بروح القدس يارب العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين وفقهم لمراضيك، وسدد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصراً عزيزاً مبينا مقيما دائما.
أما بعد فهنا كلمات:
رسالةٌ هل تُقرأ؟
رحمة الله لا تنقطع عن الكون الذي خلق، والآيات الكونية دائمة تُعطي دروسها للإنسان، وجاءت كثرة من الأنبياء والمرسلين تحمل كلمات الوحي الهادية لأهل الأرض.
وإلى جنب كل ذلك، كلما أصابت الإنسان غفلة عن الله، أو استكبر جاءت وسائل التنبيه والتذكير والتبصير والتأديب والعقوبة، وهي لا تزال تتنزل في الناس.
هذه الرسائل الأخيرة رسائل من زلازل وبراكين وأعاصير وصواعق وأوبئة فتّاكة، وأزمات حياتية حادّة تختطف قلوب الناس، يفزعون لها، وتضطرب نفوسهم، وتقلّ فيها الحيلة حتّى تأخذ مداها الذي قدّر الله.
وماذا وراء حمّى الوادي، وحمّى الطيور، والخنازير، وجنون البقر، وأمثال ذلك؟
للمختصين أن يقولوا فيروس، مكروب، جرثومة، وغير ذلك.ماذا يساوي وزن كل ذلك من وزن الإنسان،وما بنى من عمارات وناطحات سحاب،وآلات من طائرات وصواريخ وأقمار صناعية،وما أنتج من أسلحة دمار شامل،وما أُعطي من عقل وحيلة،واكتسب من خبرة وتجربة على مدى الزمن الطويل؟ كل ذلك يقف أحياناً عاجزا في معركة الإنسان مع مخلوق واهن ضئيل فيه قضاء عليه، وإرباك لكل حياته، وتحطيم لغروره.
أهو حول ذلك المخلوق الواهن غير المرئي، أهذا التقدير تقديره؟ أهذه الفاعلية فاعليته؟ وهو قدّر لنفسه أن يكون الموجود الفتّاك لحياة الإنسان؟! أم أنها الكلمة الإلهية القاهرة.
هذه رسالة لتكبّر الإنسان وغطرسته، وغروره، وصلفه، وغفلته، ونسيانه، وعناده ونكرانه، وتمرّده وطغيانه، وهو خطاب بدرجة موزونة، وقدر مقدور من خالق عليم خبير لهذا الإنسان بأنك محكوم مقهور، مغلوب، غير خارج لحظة من سلطان الله فلا تستكبر، ولا تغتر وأنت ضعيف. اعرف قدرك ولا تحارب الله، لا تُنسك نعم ربك ضآلتك وعجزك وقلة حيلتك ووهنك فتقاوم أمر الله وتعاند دينه. والكون ليس لك، ولست الذي تملك نفسك، وقرارك، وحياتك، وموتك، وظروفك، وأمنك، وأي شيء من شأنك.
علمك قليل، ويمكن أن تُسد في وجهك كل الأبواب فلا تجد مخرجاً من ضيقك ولا فرجا.
ارجع إلى ربك الذي لا تجد من دونه موئلا؛ فذلك لك خير، وإنك لعائد إلى الله، وواقف للحساب بين يديه على رغم أنفك.
وكلما اشتد طغيان أهل الأرض كلما احتاجوا إلى أكثر من رسالة تنبيه أو عقاب من لغة عملية قاسية بعض الشيء، وها هي الأزمة الاقتصادية المرعبة تنضمّ إليها حمّى الخنازير المفترسة.
ولو ضغطت موجة البلاء بدرجة أكبر وأشمل وحطمت وأفجعت واكتسحت وخلعت الأفئدة من مواضعها لكثر ضجيج الملايين إلى الله القهار الجبار، الملك الحق المبين، وتعلّقت به القلوب، وارتفعت نداءات التوبة والاستغاثة، ورجع الراجعون إلى الله ولو إلى حين.
نعم، أما إذا انحسر البلاء بعد كل ذلك رأيت الناسين يعودون إلى المعصية والمكابرة والإدبار والشرك والإلحاد والجحود، وهكذا هو الإنسان لا يكاد يستقيم على الطريق.
هل سيقرأ أحد رسالة المحنة الاقتصادية، ورسالة حمى الخنازير القراءة الجدية، ويفهم أن الإنسان يصنع مشكلاته بيده ببعده عن منهج الله، وتخلّيه عن طاعته، وأنه ليس متروكا لغروره بصورة دائمة، وأن للكون مالكا غير الإنسان يتصرف فيه كيفما شاء رغما على أنفِ كل المخلوقين؟!
ربما احتاج البشر المغرورون إلى مضاعفة عذاب يعطيهم درجة من الإفاقة. ونسأل الله الكريم الرحمة واللطف بالعباد ودفع العذاب عن المؤمنين والمسلمين.
وهنا سؤال موضوعي محلي: ما هي الاستعدادات والاحتياطات للحكومة لمثل هذا الخطر الشديد الذي ربما تحول بين لحظة وأخرى إلى وباء عالمي ساحق؟
مهمة الملاحقة والمحاسبة والمراقبة والاستجواب في ذمة المجلس النيابي، على أن على الشعب أن يكون واعياً وحاضراً، ويحاسب الحكومة للمطالبة باتخاذ كل الاحتياطات.
مقتاتون على المنكر:
المستربحون في البحرين من الخمر في الفنادق، ومن الزنا فيها ضجّوا واحتجوا، وتذمّروا، وبثّوا الشكوى، وارتفع صوتهم بها لقرارٍ ببعض التخفيف المحدود من هذه المنكرات وهو قرار إعلامي ولذرّ الرماد في العيون كما تعوّدنا، ولا تُعلم جدّيته ولا فاعليته، وقد جاء على أثر فضيحة منكرة مخجلة من كون عاصمة البلد ثامنة مدن الخطايا.
وصرت تسمع من جانب آخر صراخ المسلمين في مصر ممن يربون الخنازير ويبيعونها ويأكلون لحومها، ويتعيشون عليها بقرار حرق الخنزير إنقاذاً لأرواح الناس من الهلاك بعد قرار مجلس الشعب هناك.
ارتفعت أصوات مسلمين يرتزقون بالخنزير، ويقيمون حياتهم عليه فزعاً من أولئك الصارخين المستصرخين على لقمة عيشهم ومصدر رزقهم.
وهكذا كلّما تحوّل المنكر إلى جزء من المصلحة المادية للناس تعاظمت الجبهة المدافعة عنه.
وهكذا تخطِّط حكومات مادية كثيرة يسرها انتشار المنكر وتجد فيه سياسة مطلوبة، ومصدر ربح مالي إلى ربط لقمة الشعوب وحياتها برواج المنكرات.
بين الواقع والطموح:
هناك واقع يمكن أن يتجاوز، وهناك واقع لا يمكن أن يتجاوز، واقع القوانين الطبيعية من خلق الله، وواقع قوانين الاجتماع والتاريخ وهي قوانين من فعل الله لا يمكن للإنسان تجاوزها.
وهناك مشكلات عملية قد تكون عصيَّةً من صنع الإنسان، وهذه لا يَستحيل أن تُتجاوز، ولكن تجاوزها لا يكون بدرجة واحدة، ولابد أن يتم التحرك في تجاوزها ضمن مقتضى القوانين الطبيعية والتاريخية معاً.
أقول باختصار هناك واقع كوني لا يغيّر منه شيئا إلا خالقه، ولا تفلّت لأحد منه، والطموح لا يمكن أن يقترب من مسِّه، ولا يستعان على شيء منه إلا بقانون أو أكثر من قوانينه.
وهناك أوضاع عملية منحرفة على الأرض صنعها جهل الإنسان وسوء اختياره وطغيانه في حدود ما أتاح قدر الله عز وجل لهذا الاختيار من فسحة الحركة.
وهناك إمكان للتغيير في هذه الدائرة طبقا للقوانين الطبيعية، وقوانين التاريخ والاجتماع، وليس بالصورة المفتوحة المطلقة، وحتى حركة الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم كانت خاضعة لتلك وهذه القوانين، وإن كان تدخل الغيب في محطّات خاصة في مسيرة الأنبياء والأولياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين لا يمكن أن يُنكر.
وسقوف التغييرات الممكنة متفاوتة، وما عليه المنهج الإلهي في الأرض(10)، وسيرة الأنبياء والرسل والأئمة عليهم السلام، وسيرة المتشرّعة، والسيرة العقلائية هو عدم حرق المراحل في المعتاد، وإلغاء حساب الواقع، وإهمال المقدِّمات في استهداف التغييرات العملاقة وحتى الصغيرة، وكذلك عدم الوقوف عند السقوف الهابطة من حركة التغيير والانشغال بها عن المستويات العالية، سواء في مرحلة التحضير لتلك السقوف، أو مرحلة التوفر عليها.
إنهم لا يبقون وهم يحضّرون للسقف الهابط من التغيير عند مستواه، بل يرمون بالنظر البعيد إلى الهدف الأخير الكريم، وإذا تحقق لهم سقف من سقوف التغيير لم يقفوا عنده.
الرسل والرساليون لا يعيشون في حركتهم التغييرية من غير أهداف مستقبلية كبيرة تتحقق على يدهم أو على يد غيرهم، ولا يفرّطون في التحضير لإنجازها ما أمكن، ولا يذوبون في الواقع، ويستسلمون له، وينهزمون أمامه، ولا ينطلقون من الخيال لا في أهدافهم القريبة ولا في أهدافهم البعيدة، في إهمالٍ لمقتضيات الواقع، والمحاولة العملية الواقعية للتغلّب على ضغوطاته، وتجاوز محنة قساوته بإيمان وصبر، وعزم ومثابرة وجهاد، وعقل وحكمة.
ولقد حضّرت جهود الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين على مدى تاريخي بعيد لدولة خاتم الأنبياء عليه وآله وعليهم السلام وكانت تلك الدولة هدفا منظورا للرسالات قبل بعثة نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله من غير أن تهمله في حركة أي من الأنبياء والمرسلين في المفصل الزمني الذي كانت تشغله، ومن غير أن تنسى واقعها التي كانت تتعامل معه.
ومثل ذلك دولة الإمام القائم عجّل الله فرجه، وتحضير أئمة أهل البيت عليهم السلام ونوابهم المخلصين لها على مدى قرون.
من عطاء الإسلام:
إن لنا لرجالاً من صنع مدرسة أهل العصمة عليهم السلام من معاصريهم، ومن كل الأجيال من بعدهم وهم على عدم عصمتهم، يمثّلون مفخرة للإسلام، وحججا باهرة على عظمته من خلال ما اكتسبوه من عظمة وصدق وأصالة بالانتماء الحق إليه، والاستقاء منه.
خذ منهم مثالا كثيرين ممن عرفهم هذا الجيل كالسيد الإمام والحكيم والشهيد الصدر وزين الدين وكبار الفقهاء الذين ودعوا هذه الحياة من قريب بعد طول جهاد مرير في سبيل الله، وممن لا زالوا يكافحون من أجل الإسلام فيها، وخذ منهم الشهيد المطهري مثالا في كثير من الكمالات كما تشهد له كلمات الكبار من أهل العلم والتقوى والإنصاف ممن عرفوه وخبروه. هذه
هذه القدوات يجب أن يكون يوم ذكراها يوم تعظيم للإسلام الذي صنعها، وتعظيم لها لإحيائها للدِّين والأمَّة.
والحمد لله رب العالمين.
اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم افعل بنا ما أنت أهله، وأصلح نياتنا وأعمالنا، وأحوالنا وأحينا ما أحييتنا آمنين هانئين غانمين، وأمتنا إذا أمتنا طيبين سعداء فائزين، وارحمنا برحمتك، وأكرمنا بكرامتك، واجعل جائزتنا منك الجنة والقرب في السكن يوم الآخرة من خاتم أنبيائك وآله الطيبين الطاهرين، يا أكرم الأكرمين، ويا أرحم الراحمين.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 –
2 – وتصح القراءة إذا قلنا “على شيء من عمل لله”.
3 –
4 –
5 –
6 – هذا أصعب عمل، وأصعب مجاهدة، كل المجاهدات، وكل التقويم للشخصية من درجات دون هذه الدرجة.
7 –
8 – يا عبيدا أسأتم العلاقة مع الله، أسأتم مع أنفسكم، أسأتم لحاضركم ومستقبلكم وهي الإساءة المعصية.
9 –
10 – الله على كل شيء قدير، وعلى إصلاح الأرض وهو لا يحتاج في قدرة الله إلى رسل، ومناهج تتنزل، فلو شاء سبحانه وتعالى وذلك قهراً لخلق الناس كلهم مهديين لا يملكون أن يضلوا، ولكن منهج الله عز وجل جاء ليتناسب مع ما أراد لهذا الإنسان من أن يكون مخلوقا مختارا

زر الذهاب إلى الأعلى