خطبة الجمعة (340) 10 شوال 1429هـ – 10 اكتوبر 2008م

مواضيع الخطبة:

*أين الطريق؟ *الكلمة بين الحليَّة والحرمة *التطبيع مع إسرائيل *أمناء المال *أصغر علي وموقوفو كرزكان

التطبيع مع إسرائيل إضعاف للأمة، إسقاط لقيمة الجهاد الفلسطيني، خيانة للقضية، إلغاء لتاريخ التضحيات، تنكّر لآلام وآمال الشعب الفلسطيني، إقرار بالهزيمة أمام العدو الإسرائيلي، وهو إقرار ترفضه الأمة ولا ترى أي مبرر لارتكاب عاره

الخطبة الأولى

الحمد لله القديم العليم، العلي العظيم، القدير القهّار، الرحمن الرحيم، منتهى حاجات المحتاجين، وغاية آمال الآملين. متنزّه عن النقص، متقدّس عن الفناء، بريء من الحاجات، خالص من المحدودية.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
عباد الله أوصيكم ونفسي الأمّارة بالسوء بتقوى الله، فقد حقّ على المخلوق أن ينقاد للخالق، وعلى المرزوق أن يطيع الرازق، وعلى المحاسَب أن يخاف المحاسِب، والمجازَى أن يطلب رضى المجازي، وإنّه ليس لأحد من دون الله وليّ ولا نصير.
اللهم اجعلنا وإخواننا المؤمنين والمؤمنات مِن أتقى أهل تقواك، وأطلب من طلب رضوانك، واغفر لنا وارحمنا وتب علينا إنّك أنت التواب الرّحيم، وصلّ على محمد وآله الطاهرين، وارفع درجتهم عندك، وزد من كرامتهم لديك، وضاعف عليهم أفضالك وبركاتك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين.
أما بعد أيها الأخوة الكرام والأخوات الكريمات فمع هذا السؤال:
أين الطريق؟
ويطرح هذا السؤال كل من يشعر بمعاناة الأمّة وضياعها، وبالتيه الذي تغرق فيه البشرية كلّها. والأزمة واضحة لا لبس فيها ولا تحتاج إلى بيان.
والسؤال عن طريق نهضة الأمة، واستعادة عزّتها ومكانتها، وعن طريق إنقاذ البشرية وخلاصها وسعادتها.
والإجابة قرآنية وليست من عطاءات الأرض وتصوّراتها وحلولها.
وإنه لا حياة بلا حركة، ولا حركة نافعة بلا رشد، ولا رشد بلا بصيرة، ولا بصيرة بلا علم للحقائق الكبرى الأساس، أو بلا ذكر دائم لها في مقام تحديد الهدف، وتخيّر الطريق، ورسم الخطّة، واتخاذ الموقف، والدخول في العلاقة، والإقدام على الحركة.
ذهن تملؤه الحقائق ساعة من الساعات أو كل الساعات ولكنَّ واحدةً منها مما تكون ضرورية في اتخاذ القرار والموقف يأتي عليها النسيان لابد أن ينتج ذلك قراراً غير صائب، وموقفا غير قويم.
فلسلامة القرار، ولصحة الموقف لابد من ذكر دائم لكل الحقائق التي ينبغي لها أن تدخل في صوغ القرار، وفي اتخاذ الموقف.
وهذا حديث الكتاب الكريم عن الطريق.
رسلُ هدى:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ…}(1) أيام عقوبة لله في خلقه تذكيرا وتأديبا، وهي عقوبة وراءها موقف من الناس مال كثيرا عن طريق الله سبحانه. رسل تحمل من علم الله، ومن تخطيط الله، ومن منهجة الله، من وحي الله ما تحتاجه البشرية في مسيرتها، هدىً من دونه يكون الضياع، ويلفّ البشرية التيه، وتدخل في النفق المظلم الذي لا نهاية له، هدىً لا يمكن أن تستضيء المسيرة البشرية بدون نوره.
رسلُ رحمة:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}(2) وهي رحمة ضرورية وليست من الرحمة النافلة، رحمة من دونها تشقى البشرية، وتضطرب حياتها، وتعيش المفارقات الغريبة، وتنتهي إلى النار.
وهم رسلُ ذكر:{قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ}(3) ذكرى حقائق كبرى أساس لابد أن تكون حاضرة في وعي القرار، وفي وعي المسيرة، في العلاقات، في الاقتصاد، في السياسة، في كل المجالات، أوّلها توحيد الله تبارك وتعالى، حاجة العبد إلى ربّه، حاجة الأرض إلى السماء، حاجة الفاقدين إلى الواجد، حاجة الأرض الميّتة إلى مطر الرحمة من السماء. هذا الذكر إن لم يكن كان الضياع، وكان التيه، وكان الشقاء.
لَلَحْظَةٌ واحدة تمر من عمر العبد الفرد، وعمر الأمّة من دون ذكر الله لا تعني إلا الجاهلية، ولا تعني إلا الظلام، ولا تعني إلا الميل الكثير عن الحق، وعمّا فيه سعادة الإنسان.
رسل هدى، رسل رحمة، رسل ذكر.
وكتب هدى، كتب رحمة، كتب ذكر: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}(4) عندما يُغيّب الكتاب يُغيّب الهدى، وتعمّ الظلمة، وتجهل العقول، وتزيغ القلوب، وتنحرف المسيرة.
كتب هدى: {قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}(5) لا شيء من ذلك من دون الكتاب؛ لا سبل سلام، ولا خروج من الظلمة إلى النور، ولا هداية إلى الصراط المستقيم حينما تحلّ النظرية البشرية محلّ الوحي الإلهي في قيادة المسيرة على الأرض.
كتب رحمة: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ، تَمَاماً عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ}(6).
{… فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ …}(7) كتاب الله.
وهي كتب ذكر:{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْراً لِّلْمُتَّقِينَ}(8).
{وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ}(9) آخر كتب الله في الأرض.
{لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}(10).
{ذِكْراً لِّلْمُتَّقِينَ}، {فِيهِ ذِكْرُكُمْ}:
فهي كتب تعطي الإنسان الوعي، وتبقي له وعيه. تعطيه الهداية وتبقي له الهداية، وتشدّ مسيرته إلى الهداية، وتنقذه من الغفلة، وتوفر له ذكر ما تحتاجه مسيرته من أمهات الحقائق.
حضارة الأرض تنسيك ذاتك، تنسيك قيمتك، تنسيك خطّ سعادتك، تريد استغلالك، تريد استعبادك، تنفصل بك عن الله، تقتل فيك شعور العزّة والكرامة من أجل أن تقبل الأسر.
حضارة المستكبرين حضارة تجهيل، تقوم على أن ينسى الإنسان المحكوم نفسه، إنسانيته، وزنه الكبير عند الله، كرامته، الدور الخلافي الكبير الذي أناطه الله عزّ وجلّ بهذا الإنسان.
كل من عدا الله صغير، ولن تقبل أن يحكمك الصغار حتى تصغر، وإذا كبرت تطلّعت إلى أن لا يحكمك إلا الكبير وهو الله تبارك وتعالى.
إذاً فمن الضروري جداً لكي تستقر أوضاع المستكبرين أن يصغر الإنسان، وأن يجهل نفسه، ويحتقر نفسه، ويقبل الحياة الدونية حياة الدود.
{ذِكْراً لِّلْمُتَّقِينَ}، {فِيهِ ذِكْرُكُمْ} يمكن أن نحمل التعبيرين على أن الكتاب السماوي من مهمّته أن يجعلكم على ذكر، على وعي، على يقظة، في صحوة دائمة، في تنبّه مستمر، ينأى بكم عن حالة السبات، عن حالة الغفلة.
ويمكن أن يحملا على أنَّه يوفّر لكم الذكر الحميد، يرفع من قيمتكم، يعطيكم الموقع المتقدّم، يحيي فيكم الإنسانية، يجعلكم مثالاً حيّاً للقيم، يقدّمكم نموذجاً إنسانياً جذّابا، وتكونون من صنعه القدوة من بين الأمم.
{فِيهِ ذِكْرُكُمْ} إن أردتم الذكر، إن أردتم التقدّم، القيمة الإنسانية العالية، أن تكونوا النموذج الأول فخذوا بكتاب الله. تقول لي أمريكا توفّرت على الذكر. أقول لك السياسة الأمريكية تُشتم، تُسبّ، والذكر المعني هو الذكر الحميد، الذكر العليّ، أن تُذكر أمريكا أو غيرها قدوة الحضارات الإنسانية المتقدّمة، وأمريكا لا تُذكر بهذا النحو، تٌُذكر قوة باطشة ظالمة، غبية عن إنسانيتها، عدوانية، والذكر المشرّف هو أن تُذكر الحضارة بأنها إنسانية رفيعة، وتُذكر بأنها نموذج عال.
فالطريق هو هذا أن نأخذ بخطّ الرسل، بخطّ الكتب السماوية، خطّ الهداية، خطّ الرحمة، خطّ الوعي والذكر.
ومن أين يُعطي الكتاب السماوي وخطّ الأنبياء الظهور والقوة والنموذجية في الوقت نفسه؟
باختصار: عقيدة قويمة تنطق بها الفطرة، ويتحدث بها الكون كلّه. أصول قيمية أخلاقية تعيشها الفطرة، وترتكز عليها، وترتاح لها ويرتكز عليها الكون كلّه وبها يقوم كالعدل، والتعاون على الخير، والنظامية، وما إلى ذلك. منهج حياتي، ونظم حيّة ناجحة. قيادة إنسانية عالية تقود إلى الله كقيادة الرسل صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين.
هذه المنظومة لابد أن تنتج القوة والظهور والحيوية والنموذجية.
والقضية المنطلق والأساس هي التوحيد، وأن تكون العبادة لله وحده لا لمن سواه على الإطلاق.
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}(11).
1. ما هو الطريق الآخر؟
طريق الشيطان، الانفصال عن الله، الانحدار، الفرعنة، الاستكبار، حاكمية الإنسان في الأرض في قبال حاكمية الله سبحانه وتعالى. أن يُنسى الرب، ويحتلّ العبد مكانه، والعبد مهما تكلّف، ومهما تصنّع، ومهما حاول فلن يكون الربّ الحقيقي.
نعم، الطريق الآخر هو الانفصال عن الله {فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ}(12) نسيان ذكر الله في الموقف الصغير، في الموقف الكبير، في الدائرة الصغيرة، في الدائرة الكبيرة نتاجه شقاء.
{وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ(13) لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ(14) وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ}(15) الإعراض عن خط الرسل، عن وحي الله، عن الكتاب، عن حبل الله هو إعراض عن ذكر الذّات، إعراض عن سعادة النفس، إعراض عن خطّ النجاح.
{وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ(16)، وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ}(17) فلا ترتقبن من حضارة صدّت عن ذكر الله أن تكون على خطّ الهدى والفلاح.
{وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً(18) وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(19) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً(20)، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى}(21).
اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم أحينا مسلمين، وأمتنا مسلمين، واحشرنا في الصالحين، واكتبنا عندك في أعلى عليين يا أكرم المسؤولين، وخير المعطين، وأجود الأجودين.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)}

الخطبة الثانية

الحمد لله الخالق الذي لا خلق غيرُ خلقه، الرازق الذي لا رزقَ دون رزقه، الغنيّ الذي لا غنى عنه، القوي الذي لا قوة إلا به، العليم الذي لا علم إلا من عنده، الربّ الذي لا ربّ إلا هو، القاهر الذي لا قاهر سواه.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وزادهم تحية وبركة وسلاماً.
عباد الله ألا فلنتق الله، ومن لم يتق الله لم يملك أن يخرج من ملكه، أو يستغني عن رزقه، أو يفر من قدره، أو يهرب من عقابه، أو يجد ملتحداً من دونه؛ وما هي إلا الجهالة والسفه والغرور أن يستكبر عبد على ربه، وأن يعاند مملوك في وجوده، وحياته، ورزقه، وأثره مالكه، وإذا انكشف الغطاء اشتدت حسرة المستكبرين، ومن مات رأى الأمر عن يقين.
اللهم أعذنا من أن ننسى ذكرك، ونخسر تقواك، وندخل في معصيتك، ونلهو عن طاعتك، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وهب لنا رحمتك، ورأفتك، ولطفك، وقربك ورضوانك يا واسع النعمة، يا مجزل العطاء، يا كريم يا رحيم.
اللهم صل وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبدالله خاتم النبيين والمرسلين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الأئمة الهادين المعصومين حججك على عبادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صل وسلم وزد وبارك على وليك الإمام المنتظر وعجل فرجه، وسهل مخرجه برحمتك يا أرحم الراحمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفقهم لمراضيك، وسدد خطاهم على طريقك.
أما بعد أيها الإخوة والأخوات الأعزاء فهذه كلمات قصار يكتفى بها في هذا الحديث:
الكلمة بين الحليَّة والحرمة:-
ليس الفعل وحده الذي ينقسم إلى حلال وحرام، وربّ كلمة كانت أعظم من فعل، جرّت على أمة كوارث وعظائم، وأشعلت ناراً لا تطفئ.
والكلمة قد يكون أثرها شخصياً وقد يكون أثرها عاماً يفسد حياة شعب، أو يفسد حياة أمة.
والأمة في وضعها المتأزّم الخطر المنذر اليوم لا تنتظر من علمائها المخلصين، ورموزها الدينية كلمات تهدّ أركانها هدّاً، وتريح أعداءها، وتقر عيونهم بالحروب الكلامية والدموية بين اخوة الإسلام من أبنائها. الأمة تنتظر من النخبة العلمائية، ورموز الدين الكبرى كلمة مصلحة تهدي، تقول الحق، ولا تثير الخواطر، تبني بناء يرضي الله عزّ وجلّ ولا تهدمه. والقول بالحق فيما يراه الشخص ليس محجوراً، ولكن لا بد أن يجد المؤمن العاقل حجراً على كلمته من ثوابت دينية من أوضحها وحدة هذه الأمة، وحرص الإسلام عليها، وأن تُقال الكلمة التي يراها صاحبها حقّاً بحكمة، ومن غير أن تعود على الإسلام بشرٍّ كبير يفوق ما قد يراه مصلحة حسب تقديره.
أما انقسام الناس إلى أديان، والأمة إلى مذاهب فأمر لا مفرّ منه، وهو واقع أكبر من أن تغيّره عصبياتنا ولا مجاملاتنا. ودعوة أهل المذاهب إلى مذاهبهم بالأساليب العلمية والحوار الفكري البعيد عن السب والشتم والافتراء والتجريحات المثيرة أمر مأخوذ به عند العقلاء لا يُسدّ بابه، وحوار النخبة الفكرية العالية من أهل الآراء الدينية والمذهبية له أدبه وفنّه ومجالاته البعيدة عن الإثارات العامة والتحشيد الإعلامي، وإحداث الضجيج والانقسامات الشعبية. كلّ ذلك مما نحتاج في واقعنا المعاصر أن نتعلّمه ونستذكره إبقاء على الدين والأمة والمصلحة العامة.

التطبيع مع إسرائيل:
إضعاف للأمة، إسقاط لقيمة الجهاد الفلسطيني، خيانة للقضية، إلغاء لتاريخ التضحيات، تنكّر لآلام وآمال الشعب الفلسطيني، إقرار بالهزيمة أمام العدو الإسرائيلي، وهو إقرار ترفضه الأمة ولا ترى أي مبرر لارتكاب عاره، مكافأة للعدوان الغاشم، تسهيل لمزيد من التسميم الثقافي والخلقي والديني لأجواء الساحة الإسلاميّة، ومزيد من التمييع الحضاري، توفيرٌ للراحة النفسية وضخٌّ للثقة عند الغزاة المحتلّين، تذويب لروح الجهاد، وقتل لإرادة التحرّر عند الجيل الحاضر وأجيال أخرى لاحقة من أبناء أمتنا.
هذا هو التطبيع في درجاته الأولية، أما عضوية إسرائيل في تجمع عربي أو إسلامي إقليمي والعدوان الإسرائيلي على أشدّه ورغم انتهاكاته لكل القيم والمقدّرات والمقدّسات إمضاء عملي صريح لجرائم الصهاينة الكبرى، ومشاركة فاعلة في قبائحهم المنكرة، وهو من أوضح الحرام وأصرحه.

أمناء المال:
كل من في يده مال خاص أو عام فهو لله عزّ وجلّ، وإذا كان المال الذي في يده بوجه شرعي فهو أمين عليه مسؤول عنه، تصرّفه فيه تابع لحدود إذن الله، وإذا كان الاستيلاء عليه بلا وجه شرعي وجب ردّه لصاحب اليد الشرعية.
وأي يد على مال عام من أموال شعب أو أمّة، أو جماعة في مؤسسة صغيرة أو كبيرة ولم تكن يدا عدوانية ضامنة فهي أمينة على هذا المال تتبع في تصرفها فيه إرادة الموكّل المؤتمِن، وهي ضامنة لو خالفت هذه الإرادة، وتتحول بالنسبة لهذا المال من يد أمانة إلى يد خيانة. ويد الخيانة لا يصح أن تؤتمن. وهذا حكم جار على كل مؤسسة تتلاعب بالمال العام، وتتصرف فيه خارج مصلحة أهله وإرادة المؤتمِن.

أصغر علي وموقوفو كرزكان:
دينيا نحن مطالبون باحترام الدم الذي حرَّم الله سبحانه، وعدم هدره أو تضييعه، ودم المسلم حرام ابتداء لا يُنال منه إلا بموجب شرعي معلوم. وكذلك لا يُحمّل أحد وزر جريمة إلا بمثبت ترضاه شريعة الله العادلة.
قلو ثبت أن أصغر علي قد قتله قاتل ظلما ما كان لمسلم أن يدفع عن القاتل وكان علينا أن نقف جميعا في وجه صاحب الجريمة أيّاً كان إلا أن يطلب العفو من ولي الدم. ولو عُذّب أو أًكره مسلم أو غير مسلم على الاعتراف بالقتل لكان ذلك ظلماً صريحاً.
وهناك قانون شرعي وقانون وضعي، وقضاء شرعي وقضاء وضعي، ولكل منهما أحكامه وضوابطه ومثبتاته، وجزاءاته، وكثيراً ما يفترقان. والمسلم المتدين إنما ينطلق في تقييمه وموقفه من قضايا الشرع وأحكامه وموازينه.
وانطلاقا من هذه الموازين، وعلى أساسها يكون موقوفو قضية أصغر علي أبرياء لا يصح استمرار توقيفهم فضلا عن صدور أحكام قضائية بغير براءتهم.
والتهمة قد ولدت محفوفة بما يشكك في قيمتها فضلا عن فقد المثبت الشرعي بل وحتى القانوني لها.
ويأتي في هذا السياق اختلاف رواية القتل على لسان الجهة الرسمية من جهة وأقرب المقرّبين للشخص من جهة أخرى من حيث الكيفية. فالجهة الرسمية كانت تقول بأن القتل تم حرقا، في حين قال والد الشخص بأنه تم عن طريق الضرب.
والآن جاء أمر الوثيقة الصادرة من الجهة الرسمية والتي تمرّ عادة بمراحل من التدقيق والضبط والتي قد نفت إمكان القتل بالوفاة السابقة على زمن الحادثة المدّعاة بأشهر. ودعوى الخطأ في صدور الوثيقة تبقى مجرّد دعوى ولا تتعدى قيمتُها قيمة الدعوى من صاحب المصلحة فيها.
والمثبت الوحيد لجريمة القتل اعترافات على تقديرها فهي فاقدة للقيمة شرعا وقانونا وعرفا للظروف المحيطة بها، والملابسات التي تمّت فيها، والتي تنكّر لها المنسوبة إليهم أو بيّنوا أنها صادرة عن إكراه لأول فرصة اختيار حصلت لهم أمام القضاء مع توقعهم للضرر البالغ الذي يتهددهم في هذا التصريح.
وقارنوا بين هذا الاعتراف المردود شرعا وقانونا وعرفا في قيمته، وبين قيمة إقرار الجهة الرسمية بسبق تاريخ الوفاة على زمن الجريمة المزعومة والذي جاء عن محض اختيار، وفي حالة تدقيق وضبط.
فكيف يُعتبر ذلك الاعتراف وتقام عليه الإدانة والعقوبة، ويعتذر للإقرار بانتفاء موضوع الجريمة بأنه عن خطأ على أنه من جهة تدقّق وتحقّق وتحتاط لنفسها كثيراً في ما يصدر عنها من وثائق تلزمها؟!
بكلمة موجزة حقَّ جدّاً وبخاصة من ناحية شرعية أن يُخلّى سبيلُ متهمي القضية، وأن يُغلق ملفّها حالاً.
اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم وحّد كلمة المسلمين على التقوى، ووفقهم للعمل بدينك، وأعزهم بالانتصار لكلمتك، واكفهم كيد أعدائك، واجعل تعاونهم على البر والتقوى، وعملهم بما تحب وترضى، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة حقيق جدير.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – 5/ إبراهيم.
2 – 107/ الأنبياء.
3 – 90/ الأنعام.
4 – 2/ البقرة.
5 – 15، 16/ المائدة.
6 – 154/ الأنعام.
7 – 157/ الأنعام.
8 – 48/ الأنبياء.
9 – 50/ الأنبياء.
10 – 10/ الأنبياء.
11 – 25/ الأنبياء.
12 – 110/ المؤمنون.
13 – بعد الانفصال عن الله تكون حاكمية الهوى، وماذا تعطي حاكمية الهوى؟
14 – وهل تصلح مسيرة الإنسان بما تفسد به السماوات والأرض؟
15 – 71/ المؤمنون.
16 – وما حال من كان قرينه عدوّه يستولي على مشاعره، يغشّه في تصوراته وتصديقاته وأمانيه وطموحاته ومخاوفه وأفراحه وأحزانه. وما هي وظيفة الشيطان القرين؟
17 – 36، 37/ الزخرف.
18 – والأرض كلّها تعيش عيشة ضنكا في ابتعادها اليوم عن خط الله.
19 – حال سيء في الحياة، مصير أسود يوم القيامة.
20 – أنا أفكر، أنا أهندس، أنا أقوم بعمارة، أنا أخترع.
21 – 124 – 126/ طه.

زر الذهاب إلى الأعلى