المُقاوم
الرئيسية » سلسلة الدروس » الحديث القرآني الإسبوعي – 30 مايو 2008م

الحديث القرآني الإسبوعي – 30 مايو 2008م

حديث ليلة السبت (1) 25 جمادى الأول 1429هـ 30 مايو 2008 – جامع مدينة عيسى

 

 ” ذواتنا وهدفها في الحياة “

 

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين والطاهرين واللعنة على أعدائهم إلى قيام يوم الدين.

 

لكثير من الناس تجارب متعددة ومتطورة مع موضوع الأكل والشرب واللبس والسكن، ومع مختلف ضرورات الحياة ولذائذها المادية، فعدد من الناس تبدأ حياته تجربة الأكل البسيط الزهيد، كأن يعيش على التمر واللبن مثلا، ثم يجد سعة من المال فيتبدل أكله، يأكل اللحم والأرز وما إلى ذلك، تتغير حياته، تدخل محسات الطبخ، الطبخات المتطورة، فيأخذ من هذا الطراز الجديد من المأكل والمشرب وما إلى ذلك، يأكل ويلبس وما إلى ذلك.

 

ربما عدد من الناس هنا الذين قد تقدم بهم العمر نوعا ما عاشوا هذه التجارب، طبعا أكل الناس في البحرين في الحرب العالمية الثانية يختلف عن أكلهم الآن، لبسهم يختلف، كثير من الناس هكذا.

 

أسال سؤال، أسأل نفسي، أسأل غيري، أو يسأل غيري نفسه: هل كلما تطور عندنا المأكل والمشرب والملبس والمسكن، نشعر بأننا نمينا في ذاتنا؟ أن تغيرت ذاتي؟

 

أمس ما كنت أحصل من الطعام إلا على اللبن والتمر، أو على التمر والسمك، اليوم ثلاثة أنواع من الإدام على وجبتي، هل رأيت ذاتي تطورت بالداخل؟ معنوياتي كبرت؟ صرت أشعر بأني إنسان وموجود أكرم مما كنت؟ أكبر مما كنت؟ أو ربما مع أمس القريب مثلا كان مأكلي زيدا، واليوم مأكل من النوع المتقدم جدا، بفارق خمسة عشر ساعة، أو بالنسبة للأمس البعيد بفارق عشر سنوات، خمسة عشرة سنة، وما إلى ذلك. وأنا في أكلي البسيط كنت أشعر بإنسانية متفوقة، وبكرامة في الذات، وبمعنى سامي، وأني لا أقبل أن أساوم على نفسي لأنها عزيزة، أرى لها مكانة أكبر من المال، أحدنا أو أجدادنا، وكان يلبس المئزر والقميص، هذه الثياب المتواضعة، ولو صار يلبس أحسن الثياب، ألا يمكن أن يشعر بذاته الإنسانية وبكرامته وبقيمته كإنسان بالأمس أكبر من اليوم؟ هذا يمكن أو لا يمكن؟

 

يعني أمس كان شربه زهيد، أكله زهيد بسيط متواضعا، كان لباسه متواضعا، بيته متواضعا، اليوم كل شيء من هذا تقدم، هل يلزم بأن يكون شعوره بإنسانيته اليوم أكبر من إنسانيته بالأمس؟ ألا يجوز بأن يكون شعوره بذاته الإنسانية، وبكرامته، وبقيمته كالإنسان، التي لا يساويها الطعام، ولا الشراب، والدنيا كلها، لا يمكن أن يكون شعوره بهذا أمس أغزر من اليوم؟ وأكبر من اليوم؟

 

الظاهر الجواب الحاضر أنه يمكن، وتعال في الحاضر الآن، أأتي بأكبر غني، وبأفقر فقير، هل يلزم بأن أغنى غني يشعر بتفوق إنساني، وبكرامة ذاته، وبسمو في الذات، أكبر من ذلك الفقير؟ لو كان ذلك الفقير أبا ذر، وكان الغني أبى جهل، هل ترى بأن أبى جهل يشعر بتفوق إنساني، وبكرامة عالية، وبقيمة في ذاته، سمو في ذاته أكبر من أبي ذر؟ لا والدليل هو هذا، أن أبى جهل يمكن أن يبيع نفسه بمنصب، أن أبا جهل يملك مليون دينار ويمكن أن يبيع نفسه بعشرة ملايين دينار. أأتي بأبي ذر تريد أن تشتريه بالدنيا بكاملها يقول لك أنا غير مستعد، أنا أكبر من الدنيا.

 

فنريد أن نصل لهذه النتيجة، أن السمو فيما يتصل بالبدن؟ أو فيما يتصل بالروح؟ الشعور بالسمو، الشعور بالكرامة، الشعور بالعزة الحقيقة، صحيح عندنا حاجات وضرورات من الأكل والشرب، لا أستطيع أن أعيش بلا أكل ولا شرب وما إلى ذلك، لكن تعال إلى المأكل جميل على المائدة حال ما يمضغ بعض الشيء يتحول إلى لا شيء في نظر الإنسان، فقط كذا مضغة لألذ لقمة تجعلها زهيدة، لا يشتهي صاحبها أن يقف على وضعها، فضلا عن الآخرين، حينما ينزل المعدة تفنى.

 

 هذه ليست أهداف، أكل، شرب، نكاح، ليست أهدافا في الحياة؛ وإنما هي ضرورات، نسميها حاجات، وكما أخطأنا، كما أحكم، كما أشعر بالضغط بسبب فقد هذه الحاجات، الحيوان يشعر أيضا، أنا إذا جعت تألمت والحيوان إذا جاع تألم، أنا إنا شبعت سكن ألمي والحيوان إذا شبع أيضا سكن ألمه، وكذلك شربي، اللباس، هذه حاجات يعني توفرها وغزارة توفرها لا تعني تقدما في إنسانية الإنسان، ولا تعني أني قطعت شوطا في هذه الحياة نحو التقدم الذاتي، ذاتي هي بقت ذاتي، وربما انتكست ذاتي، وربما زاد توفري بينما صرت أعاني من انتكاسة في ذاتي.

 

المطلوب ما هو في هذه الحياة؟ أن تكون بدل الجونية مليون جونيه عندي؟ بدل القصر مليون قصر؟ والحاجات تقضي بما دون هذا. الهدف في الحياة ما هو؟ أن تنمو الذات، أن تكمل الذات، أن تسمو الذات، أن تتنضج الذات، أن يتقدم مستوى الذات، أن هذه الذات الصغيرة بجهلها، الصغيرة بمشاعرها الحقيرة، الصغيرة بأهدافها القصيرة، الصغيرة بانغماسها بالوحل، بالطين، في حاجات المادة، تتجاوز هذه الحالة، تكون شفافة أكثر، تكون عالمة، تكون نزيهة، تشعر بالقوة، تشعر بالامتداد، تشعر بأن المادة التي بيدها مهما تضخمت لا تمثل لها هدفا، هدفها أبعد من هذا.

 

هذا هو الهدف، الهدف أن أخرج من الحياة بمستو ما كنت قد دخلت به فيها، أنا دخلت بمستوى، أكون أخرج بمستوى آخر، نبتت البدن طبعا تشب، تستوي على ساق، تقوى، لكنها تنحدر، الجمال المادي يذوي، القوة البدنية تنتهي، كل شيء في هذا العالم من المادة إلى زوال.

 

تبقى هذه الذات التي دخلت الدنيا بمستو معين كيف تخرج منها؟ تكون تخرج عارفة، تخرج مرتبطة بالله، تخرج واثقة بالله، تخرج من هذه الحياة شعلة نور، شعلة هدى، شعلة إيمان، في الحقيقة هذا الهدف.

 

لو أن السعادة في المأكل، لكان الذي يأكل عشر لقمات سعيدا بدرجة، الذي يأكل عشرين لقمة يكون أسعد، الذي يأكل خمسين لقمة يكون أكثر سعادة، وهل الأمر كذلك؟ الأمر ليس كذلك. ويقد يكون يوم أكل وشرب هما أكثر لذة في حياته، ولكنه أبأس يوم، وأشقى يوم، وأكثر أيامي حزنا وألما نفسيا، ألا يكون ذلك، يحصل أو لا يحصل.

 

وقد يكون اليوم هو الأكثر أيامي جوعا في هذه الحياة، وليكن يوما من أيام شهر رمضان المبارك، ولكني أشعر فيه بمعنوية كبرى، وبسعادة داخلية، وبرضا نفسي طافح، وبوثوق بالله، وأشعر بالانتصار على النفس، أيهما يوم سعادة؟ وأيهما يوم شقاء؟ قد يكون يوم شبعي يوم تعاستي وشقائي، ويوم جوعي هو يوم سعادتي وراحتي ورضاي، غفر الله لي ولكم.