خطبة الجمعة (305) 3 ذو الحجة 1428هـ – 14 ديسمبر 2007م

مواضيع الخطبة:

*متابعة حديث المعاد *الإسلام المغيّب *حجّ أخس من لا حج *أمن العرب أم أمن إسرائيل

الإسلام نعمة كبرى، ورحمة للعالمين، ما غاب إلا وغابت شمس الرحمة على هذه الإنسانية فعاشت العذابات. والإسلام مغيّب في الساحة السياسية وذلك مسؤولية حكومات وشعوب.

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي لا تنتهي دلائل قدرته، ولا تنقضي عجائب عظمته، ولا تنقطع آيات سلطانه، ولا تخبو أنوار جلاله وجماله، ولا يغيب عن شيء علمه، ولا يضيق بشيء حلمه.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
عباد الله علينا بتقوى الله؛ فنعم مآلُ المتقين، ومن لم يتّق فقد عرَّض نفسه لغضب الجبّار، وهو غضب لا تُطيقه السماوات والأرض، وتنهدّ له الجبال الصِّلاب. وكيف يطيق شيء غضب من لا وجود له إلا به، ولا حول ولا قوّة له إلا من عنده، وكلُّ خيره وشرّه بيده؟!
إنه غرور البُله، وسفهُ من لا عقل له، وجنونٌ ضارب مستحكم أن يستكبر أحدٌ على الله. وليس ببعيد على نفس أن ينكشف عنها عماها من فعل السيئات بملاقاة الموت فترى أنه لا منقذ لها من الله، وترى أن لا فاعليّة للأسباب من دونه. وكثيراً ما تقع الأسباب في هذه الحياة الدنيا غطاءً حاجباً عن قدرة الله عزّ وجلّ وفاعليته. وإنَّ غداً لناظره لقريب.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبدالله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم أعذنا من وسوسة النفس، وغرورها وكيد الشيطان الرجيم، وارزقنا هدىً من عندك لا نضلّ بعده أبداً، واعصمنا عن معصيتك، وأقبل بنا على لزوم طاعتك، وكفّر عنا سيئاتنا يا أكرم الأكرمين، ويا أرحم الراحمين.
أما بعد فمع متابعة لحديث المعاد وآيات من آيات الموضوع:
{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ}(1).
ما النشأة الآخرة إلا خلق، والنشأة الأولى هي خلق قبله، فما العجيب في أن يجدّ الخلق على يد الله بعد أن ابتدأه في صورة هذه النشأة الأولى بسمائها وأرضها وحيوانها وإنسانها ونباتها؟! ألا نرى أن الله قد خلق، فكيف نستكثر على الله عزّ وجلّ بعد أن أمكننا أن نشاهد بلايين الأشياء من خلقه أن يُعيد الخلق ثانية؟! فلنفرض أنّ الخلق الثاني هو خلق أوّل، وهل أعيا الخلق الأول الله تبارك وتعالى؟! هل من جديدِ قدرة يتطلّبه الخلق الثاني؟! إنّ الخلق الثاني في تصوّر النّاس لأهون من الخلق الأول فيما يُقاس على تجارب الإنسان نفسه وحدود قدرته. أيُّ إبداع أوّل في حياة الناس يجدونه أصعب من الإبداع الثّاني، فإن الإبداع الثاني يكون مسبوقا بمثال فيسهل.
{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ} في محيط القرية، وحتى في محيط البيت يمكن لك أن تقع عينك، ويقع قلبك على الكثير من خلق الله سبحانه وتعالى، فلِمَ السير في الأرض؟!
قد يحتاج الانسان إلى النماذج الكثيرة الموضحة والمقربة للحقائق، وكلّما كثرت النماذج كلما أعطته قناعة أركز، وعملية الاستقراء الواسع أكثر مردوداً على النفس في بلورة قضية من القضايا من الاستقراء الضيّق، فلو سرتم في الأرض لكبرت تجربتكم مع الخلق الجديد، ولتنوّع الخلق الجديد في علمكم، وبهذا يزيد اليقين بأن الله عزّ وجلّ على كل شيء قدير.
{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ} وإن بدء الخلق لم يكن في مثال ولا مثالين ولا مائة مثال ولا مليون مثال.
وتقول الآية الأخرى: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ}(2).
أعيينا في أحد تفسيريها وهو المناسب في مورد الآية بدرجة أكبر أعجزنا، والسؤال النافي الذي تطرحه الآية الكريمة هو: أشهد الإنسان ارادة للخلق من الله فوجده عاجزاً؟! ألا يمكنه أن يشهد ملايين وبلايين التجارب من الخلق الأول؟! أتتصور أنّ أمر الخلق أعجز الله تبارك وتعالى في النشأة الأولى وعلى مستوى الخلق الأوّل وأنت ترى الخلق بعد الخلق، والابداع بعد الابداع في مالا يعدّ ويحصى من الأشياء؟!
هذه الأمثلة والنماذج التي لا تعدّ و لا تحصى تعطيك أن قدرة الله عزّ وجلّ بلا حدود، وأنّ قدرته لا يعتريها عجز، فمن أين استكثارك على الله عزّ وجلّ من منشأ العقل، ومن منشأ التجربة أن يخلق خلقا جديداً، وأن يبعث جسدا بالياً؟!
إذاً ما القضية؟ لا منشأ على مستوى العقل، ولا تجربة عند الإنسان تقول له بأن الله عاجز عن الخلق، بل الأمثلة التي لا تعدّ ولا تحصى تضع الإنسان أمام هذه الحقيقة الصارخة، وأن قدرة الله عزّ وجلّ مطلقة نافذة، فمن أين جاء الإنسان هذا التشكيك في الخلق الجديد؟ {بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} هذا الالتباس على العقل، هذه الضبابية في رؤية النفس، هذه الأمور التي تهزّ يقين الإنسان باليوم الآخر إنما منشؤها سقطات هذا الإنسان، وزلاته، وتعدّياته، وظلمه، ونأيه عن الحقّ بدرجة وأخرى حتى إذا كثرت سيئاته اظلمّت نفسه، وران على قلبه، فلم يجد الواضح واضحاً، ولا الجليّ جليّاً.
أما فطرة الإنسان، وقبل أن تتلوّث بآثار الذنوب، فهي ناطقة بأنّ الله عزّ وجلّ على كلّ شيء قدير، ولا استبعاد في الفطرة وبحسبها أن يعيد الله عزّ وجلّ هذا الخلق بعد أن أنشأه النشأة الأولى.
{وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}(3).
عودة الخلق تأتي طبيعيّة جدا في سياق بدئه {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} ولا استكثار، ولا شكّ، ولا لبس، ويكون الطريق مفتوحا جدا أمام العقل والقلب لاستقرار هذه الحقيقة فيهما، وهي حقيقة القدرة على إعادة الحياة بعد أن تأكّد من بدء الخلق.
{وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} بالمقياس البشري كما تقدّم تكون إعادة الخلق أهون على المحدود من بدئه، بدء الخلق على المحدود فيه معاناة، فيه مكابدة كبرى ويحتاج إلى تأمّل، إلى قدرة إبداعية هائلة، إلى لمعة استشرافية استكشافية تمرّ على هذه النفس حتى يحصل استكشاف، حتى يحصل اختراع وهو نوع من الإبداع المحدود عند الإنسان وليس هو بالإبداع المطلق الذي لا يعتمد على شيء أساسا، فكل إبداعات الإنسان إنما تتحرك في إطار الاستفادة من المادة الموجودة، اختراعات الإنسان لا تمثّل خلقاً ابتدائيا، إنما تمثّل عملية تركيب مما يوجد في هذا الكون، وهي تجري على مثال سابق.
وعملية الإعادة للمخترَع تكون أهون على الإنسان، أما بالنسبة لله عزّ وجلّ فلا معاناة أساسا في بدء الخلق، لا كلفة، لا مجاهدة حتى يصدق أن إعادة الخلق أهون عليه سبحانه.
بدء الخلق وإعادته لا كلفة فيهما أساسا بالنسبة لله عزّ وجلّ، وإنما كل الأمر أن يقول سبحانه على مستوى الإرادة كُن فيكون، وليس كن فيكون قولا لفظيا إنما هو تعلّق إرادة الله عزّ وجلّ بالشيء، فيكفي لأن يكون الشيء موجوداً بعد عدمه على مستوى القدرة الإلهية أن تتعلّق قدرته تبارك وتعالى بإيجاد الشيء بلا إعمال فكر وروية واستعمال أدوات، واستفادة من عناصر موجودة وما إلى ذلك.
فمن أين جاء تعبير {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}؟
إذا كان فعل الإعادة أسهل على الإنسان فهو مسلوب الكلفة أساساً على الله عزّ وجلّ، وبذلك تكون الإعادة عند الله أهون من الإعادة عند الإنسان لأن إعادة الإنسان للشيء وإن خفّت كلفتها بالنسبة للبدء إلا أنها تبقى كلفة، أما الله عزّ وجلّ ففعل الإنشاء، وفعل الإعادة عنده مسلوب الكلفة أساساً، فهو أهون عليه مما تتصوّرون لأنكم مهما تصوّرتم من السهولة فسيحمل ذهنكم ولو نسبة واحد من المائة أو المليون أو البليون من الصعوبة، وهذا الواحد من البليون أو البليونين من الصعوبة بالنسبة لله عزّ وجلّ غير وارد أساساً.
ماذا يعلّل هذا؟ {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.
العلم في الناس، وفي الملائكة متفاوت، القدرة متفاوتة، كل صفات التنزّه والتطهّر، وصفات الجمال والكمال متفاوتة في خلق الله، وكلّها محدودة، أما إذا جئنا لعلم الله، فعلم الله له المثل الأعلى، بأي معنى؟ أنت مهما تصوّرت من علم فائق، ومهما تصورت من قدرة فائقة، ومهما تصور النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مستوى قدرة ومن مستوى علم، ومهما تصور جبرئيل عليه السلام من مستوى قدرة ومستوى علم ومُضيِّ إرادة، وكمال حياة فإن تصور كل هؤلاء الكُمّل تصور محدود، يضع للعلم حدا، وللقدرة حدا، ويمتنع على علم الله الحد، ويمتنع على قدرة الله الحد، فقدرة الله لها المثل الأعلى الذي لا يبلغه عقل، ولا وهم ولا خاطر، لا من نبي ورسول، ولا من ملك مقرّب. وما يتناسب مع إطلاق العلم وعدم محدوديته، ومع إطلاق القدرة وعدم محدوديتها هو أن لا يكون في الخلق أي كلفة على الله لا على مستوى الابتداء ولا على مستوى الإعادة.
اللهم صلّ وسلّم على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
ربنا اعف عنا واغفر لنا وتب علينا وعلى إخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، واغفر لنا مغفرة جزما حتما إنك أرحم الراحمين.
اللهم اجعل فرحتنا بيوم لقائك أكبر من كل فرحة عرفناها في هذه الحياة، واجعل نعماءك سابغة علينا في الدنيا، وبركاتك علينا نازلة، وألطافك متواصلة، وعافيتك فينا مقيمة، وسعادتك لنا غامرة، واجعل أخرانا أفضل من دنيانا يا أرحم من كل رحيم، ويا أكرم من كل كريم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ (4)}

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي لا تُنكِرُ العقولُ معرفته، ولا تطمئنّ القلوب إلا بذكره، وتستحيل على الأبصار رؤيته، وتقصر البصائر عن إدراك حقيقته، والإحاطة بصفته، جلّ عن وصف الواصفين، ونعت الناعتين، لا يدرك كنهه إلا هو، ولا يحيط بحقيقة وصفه غيره، لا يجوز عليه حدّ، ولا يشبهه أحد، منزّه عن الكثرة والتجزئة والتركيب.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وزادهم تحية وبركة وسلاماً.
أوصيكم عباد الله ونفسي القاصرة بتقوى الله، والتهيؤ ليوم المعاد يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. علينا عباد الله بالعمل على تنقية قلوبنا ما استطعنا – مستعينين بالله – من شوائب الإلحاد والشرك وظن السوء به سبحانه، ومن الحقد والحسد، وكل ما يفسد القلب، ويبعّد عن الله، ويقرّب من الشيطان الرجيم؛ فإنما المرء بروحه وقلبه، وطيبه بطيبهما، وخبثه بخبثهما، وموقعه في الجنة والنار إنما هو من موقعهما، وإذا طهرا طهرت الأعمال وصلحت السيرة، ولا تطهر سيرة إنسان ولا يستقيم عمله ومن ورائهما روح قبيحة، وقلب خبيث. فحياة الفرد، وحياة الأسرة، وحياة المجتمع والإنسانية كلها إنما تطيب حين تطيب الروح، ويطيب القلب.
اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على خاتم النبيين والمرسلين محمد بن عبدالله وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اجعل أرواحنا نقيّة، وقلوبنا زكيّة، وأيدينا نظيفة، وكل جوارحنا متعففة عن الحرام، متنزّهة عن الخبيث، متجافية عن القبائح، وزيّن حياتنا كلها بالتقوى والعمل الصالح يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبدالله خاتم النبيين والمرسلين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الأئمة الهادين المهديين المعصومين: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صل على محمد وآل محمد، وعجّل فرج ولي أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس يارب العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، والممهد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين وفقهم لمراضيك، وسدد خطاهم على طريقك.
أما بعد أيها الملأ الطيب فهذه بعض شؤون:
الإسلام المغيّب:
الإسلام نعمة كبرى، ورحمة للعالمين، ما غاب إلا وغابت شمس الرحمة على هذه الإنسانية فعاشت العذابات. والإسلام مغيّب في الساحة السياسية وذلك مسؤولية حكومات وشعوب. وكلما غُيّب الإسلام في مساحة من المساحات كلّما غطّى الظلم والظلام تلك المساحة، وتحوّلت إلى متاهات يعيش فيها الإنسان الشقاء والعذاب، هذا ليس قول شعر، إنه حقيقة نعرف مقدارها بقدر ما نعرف من الإسلام، وبقدر ما نعرف من المبادئ الأخرى.
أما تغيّب الإسلام في الساحة الاجتماعية فذلك من مسؤولية كل فرد، وكل جماعة، وكما هي مسؤولية حكومات فهي مسؤولية شعوب.
وإذا كان تغيّب الإسلام في الساحة السياسية يصعب على الشعوب أن تقضي عليه بسرعة – وإن كان من مسؤولياتها أن تعمل جاهدة ضده- فهو يحتاج إلى جهاد مرير، إلا أن تغيّبه في الساحة الاجتماعية مرجعه في الكثير إلى تساهل وتسيّب من أبناء المجتمع بدرجة أكبر.
إذا لم تستطع أن تغيّر كثيراً في السياسة، لأن التغيير في السياسة يحتاج إلى أصوات كثيرة مجتمعة، ويحتاج إلى شروط أخرى منها القيادة الإيمانية الصلبة الفقهية الناجحة وغير ذلك، فإن التغيير الاجتماعي أيسر.
فنحن نشارك كثيراً في التدهور الاجتماعي، وفي تغييب الإسلام اجتماعياً، ويمكن لي من خلال موقعي الفردي أن أعمل على تواجد الإسلام وحضوره في الساحة الاجتماعية بالدرجة التي قد لا أملكها وبنفس المقدار في الساحة السياسية.
أنا أملك سلوكي الاجتماعي، وأملك بمقدار السلوك الاجتماعي لعائلتي، لكني لا أملك أن أعطل أجهزة الشرطة والجند والدوائر الحكومية في موقف سريع…
نحن نتحمل مسؤولية كبرى في مجال الساحة السياسية ولكننا نتحمل مسؤولية أكبر في مسألة غياب الإسلام عن الساحة الاجتماعية. ولئن كان الغياب الأول هو السبب الكبير في الغياب الثاني من الناحية الفعلية، فإن الثاني هو الذي هيأ للأول تأسيساً وابتداء، ويساعد عليه بقاء.
الحضور والغياب للإسلام في الساحة الاجتماعية يساعد عليهما نوع الملبس، وأنت تملك نوع ملبسك، نوع المأكل، نوع المسكن، نوع القنية المنزلية، نوع الجلسات المختلطة أو غير المختلطة بين النساء والرجال في مناسبات الزواج وغيرها، نوع الإحياء لمناسبات الزواج والأفراح والأحزان، المظهر الخارجي من إطلاق لحية أو عدمه، المظهر الخارجي في قصة الشعر وكيف هي، في المصطلحات والكلمات المتداولة، في نوع التحية عند الملاقاة والتوديع بالنسبة للمسلمَين، إشاعة الغناء والتعفف عنه، هذه أمثلة، والحياة زاخرة بأمثلة وأمثلة أخرى مما نمارسه يومياً ويمكن أن يعطي للإسلام الحضور في الساحة أو يساعد على تغييبه، وهذه في مسؤوليتي ومسؤوليتك أنت كذلك، ولا نواجه في موردها درجة الاكراه التي نواجهها في موارد السياسة.
هناك مقياسان لقيمة السلوك، مقياس أرضي، ومقياس إلهي، وهذا المقياس يجري في الرأي والسلوك. يرى كثيرون أن قيمة الرأي والسلوك في تقادمه، وأن يكون هذا الرأي أو السلوك مما عاشته الأجيال، أو في حداثته وأن قيمة هذا السلوك في كونه جديداً، وأن قيمة الرأي تتعالى في كونه رأيا طريّاً.
كما يرى الكثيرون أن المصدر المكاني للرأي أو السلوك يعطيه قيمة خاصّة، فسلوك أو رأي يأتي من بلد متقدم مادياً كأمريكا أو غيرها، هو سلوك ورأي يحمل معنى التقدم، ويحمل معنى الرقيّ، أما أن يأتي سلوك أو رأي من بلد لا يتمتع بشهرة عالمية فهو سلوك ورأي قد يُنظر إليه نظرة دونية.
أما مقياس الرأي في صوابه وخطئه، وكذلك السلوك في المنظور الديني والإلهي فهو مطابقتة للأصول العقلية والأخلاقية والدين وعدم مطابقته لهما، وكثيرا ما نقع فريسة للسلوك الذي يحمل الجِدّة، فلأنه سلوك جديد، أو لأن الرأي رأي جديد تراه يمتلك علينا قلوبنا وعقولنا ومرجع ذلك أننا بلا أصالة، لأننا انفصلنا عن الوعي الأصيل، عن الاعتزاز بالذات الحضارية، عن الارتباط بالمبدأ الأعلى.
أما لو كنا رساليين ونعرف قيمة ديننا ما انسقنا وراء أي سلوك ووراء أي رأي يكون جديداً أو أن يكون مصدره أمريكا أو انجلترا أو أي مكان آخر، ولو كنا رساليين لحاكمنا الرأي وحاكمنا السلوك على أساس مطابقته للأصول العقلية والخلقية والدينية وعدم مطابقته كان رأي أو سلوكا قديما أو من الجديد. كلما استطعنا أن نملك وعيا، أن نملك رسالية، أن نشعر باعتزاز بحضارتنا الهادية كلما كنا أقدر على التمييز الواعي بين أنواع السلوك وأنواع الرأي.
حجٌّ أخسّ من لا حج:
من وجب عليه الحجّ وفرّط فقد ارتكب كبيرة في الإسلام ولو مات ولم يتدارك جاء في الأخبار أنه يخيّر بين أن يكون نصرانيا أو يهوديا، فما أعظم فريضة الحج. ولا سعة لإنسان مسلم أن يتخلّف عن الحج حيث يجب.
لكن من حجّ ليفسد الجوّ الروحي للحجّ، ويهتك حرمته وحرمة البيت الحرام، وسائر المشاعر ولأغراض منافية للحج كتجسس وما إلى ذلك من مضادة هذا الدين فقد ارتكب عظيمتين، ورجع مأثوما ملعونا. العظيمة الأولى أنه فرّط في الحج، أنه لم يحج، والعظيمة الثانية أنه حارب الله، وبذل جهده في أن يفسد الجوّ التربوي الذي هيّئه الله عزّ وجلّ بعناية من رحمته لإنقاذ هذا الإنسان.
لا نكن جندا للشيطان، وعدوّاً لدُوداً للإسلام في الحج من خلال استراق النظرات الحرام، تبادل النظرات الحرام، ومن خلال أي نوع من التميّع والتهتّك.
أمن العرب أم أمن إسرائيل:
نحن نعرف أن ما يهمّ أمريكا ووزير دفاعها هو أمن إسرائيل لا أمن العرب والمسلمين، ومليون مسلم لا يساوون في ميزان الأمريكي نفسا إسرائيلية واحدة.
والرعاية الأمريكية لإسرائيل على كل المستويات، والدعم المفتوح لها، والإعلان الصريح لتقديمها على دول المنطقة واقع يومي، ولغة يومية تقريبا في السياسة الأمريكية.
ومن هنا كان كلام وزير الدفاع الأمريكي في منتدى حوار المنامة حول الأمن الإقليمي قائما على تصوير إسرائيل وكأنها حمامة السلام في المنطقة والعالم، وأنها الجانب الذي لا ينبغي التوجس منه خوفا من أي خليجي أو عربي أو مسلم، وقائما كذلك على تصوير إيران وكأنها العدو اللدُود الأول والوحش الكاسر الذي ينبغي على أمة العرب التي تشفق عليها أمريكا وإسرائيل أن يصل بها التهيؤ إلى أقصى درجات الاستعداد لمواجهتها درئاً للموت الأحمر الذي يتهددها من ذلك العدو في كل لحظة من ليل أو نهار.
إسرائيل الصهيونية الحبيب الصديق الموثوق، وإيران الجار المسلمة العدو اللدود الذي يجب أن لا يوثق فيه أدنى ثقة وإن قدّم ألف دليل على ذلك فكل الأدلة كاذبة ومزيّفة في نظر الأمريكي الناصح الشفيق.
وقد تنبّه الوزير بأن الآخرين يدركون أنه يتحدث عن سلام كاذب من جهة إسرائيل وأنهم يعرفون من إسرائيل ما هو خلاف ما يقول، وأنها العدو اللدُود حقّاً فعقّب تزكيته لها بهذا القول: وربما لا توافقون الرأي في ذلك.
وكأن المهمّة الكبرى للوزير في حضوره المنتدى الحواري أنّه جاء يعلّم المسلمين كيف يحقد بعضهم على بعض، ويكيد بعضهم ببعض، ويحارب بعضهم البعض، جاء يشعل الفتنة، ويستثير روح الحرب، ويقدم دروسا للمنطقة في البغضاء والكراهية والعداوة بين المسلمين، ودروسا في المحبة والإخلاص والأخوة والوفاء لإسرائيل وحاضنتها الكبرى بلاده التي لا زال ولا يزال تاريخهما يتحدث عن وفاء لا مثيل له للعرب والمسلمين، جاء يحذر من أي علاقات اقتصادية أو سياسية إيجابية بين ضفّتي الخليج تساعد على التفاهم والتقارب، ودرء حالة التوترات والتنشجات، وتمد جسور الثّقة بين الطرفين لأن المطلوب لهذه المنطقة ولكل العالم العربي والإسلامي أن تظل علاقاته الداخلية متوتّرة دائما، وفي حالة من الغليان لتستنجد دوله وطوائفه وقومياته وأحزابه وفئاته بالصديق الأمريكي ضدّ بعضها البعض في دوّامة الأزمات والحروب المتواصلة، وليتاح لهذا الصديق أن يملي إرادته على الجميع، ويهيمن على الجميع، ويحوّل المنطقة العربية والإسلامية إلى سوق تسابق وتنافس محموم على التزود بأكبر قدر ممكن من سلاح المصانع الأمريكية، ولأمريكا المنّة والحمد ممن تقدّمه على غيره ويحظى بصفقة أكبر من السلاح الأمريكي الذي لا يخرج استعماله عن حدود إرادة الأمريكيين وهي بذلك تستنزف ثروات المنطقة وتحكم إنسانها وسياستها.
اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وأذلّ الكفر والكافرين، واخذل النفاق والمنافقين، وأحلل غضبك و انتقامك بالمستكبرين الظالمين الباغين السوء بهذه الأمة، الساعين في الأرض بالفساد.
اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله، وتذل بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك، والقادة إلى سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}
1 – 20/ العنكبوت.
2 – 15/ ق.
3 – 27/ الروم.

زر الذهاب إلى الأعلى