المُقاوم
الرئيسية » سلسلة الدروس » الحديث القرآني الإسبوعي – 30 مارس 2007م

الحديث القرآني الإسبوعي – 30 مارس 2007م

حديث ليلة السبت (7) 11 ربيع الاول 1428هـ _ 30 مارس 2007م “جامع مدينة عيسى”

” معرفة النفس 3 “

 

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين والطاهرين.

 

السؤال المطروح في الحديث عن النفس، هو أن للنفس أن تعيش حالة العبودية؟ أم لها أن تعيش حالة الحرية؟ هذه النفس تعيش في الحياة بحرية منطلقة بلا قيد؟ أو الصحيح أنها لابد أن تعيش حالة العبودية؟ ثم العبودية لمن؟

 

إذا أردنا أن نجيب على هذا السؤال إجابة علمية منطقية فعلينا أن نسأل أولا أن هذه النفس في واقعها، في تكوينها، في توفير شروط حياتها، في أثرها، تعيش حالة العبودية أو الحرية؟ بحثنا من قبل عن أن هذه النفس خالقة لنفسها؟ أو غير خالقة لنفسها؟ مخلوقة لمن؟    النظر في الخلق ينتهي بالفكر إلى أن الخالق هو الله تبارك وتعالى.

 

فإذن، ننتهي إلى أن الخالق لنفسه ليس هو، وليس غير الله، فإذن يصبح لدينا  أمران، الأمر الأول أن نفسه مملوكة لله، مملوكة للخالق، والخالق ليس معناه أنه خلق نفسي، فملكت نفسي نفسها.

 

يجب أن نلتفت، مرة أنت تصنع هذا الكرسي و ينفصل وجود الكرسي عن وجودك، أنا مرت، حييت، بقيت، مرضت، شفيت، الكرسي موجود ليس له علاقة بي، وجوده غير متأثر بوجودي، لكن هل استمرار وجود الكرسي بلا سبب، ليس هناك شيء بدون سبب لا ابتداء ولا استمرارا، كما هو في ابتدائه يحتاج إلى موجد، ومفيض للوجود عليه بلا علة حتى ينقلها، أيضا في اللحظة الثانية، الثالثة، الرابعة، مادام  موجودا، إذا ما كان يملك الوجود من الداخل، لابد أن يفاض عليه الوجود من الخارج.

 

هذا الكرسي موجد من قبل النجار، طبعا المواد لم يوجدها النجار، التركيب، الهيئة أوجدها النجار، لماذا هي باقية عند النجار، لماذا لا تكون باقية بلا مدبر؟ وبلا مفيض هذا الكرسي ليس باق بلا سبب، موجود قوانين تكوينية من الله عز وجل تبقي هيئة الكرسي، لو أختلت الجاذبية ماذا يمكن أن يحدث؟ تفلل، انتهى.

 

تماسك المواد في كل جزئية من تماسكها كان بقانون، أوجد الله عز وجل الكون، أوجد نفسي، أوجد نفسك، بإيجاد الأول من الله عز وجل لنفسي، لنفسك، للكون، لم يستغني أحدنا عن الله في الوجود الثاني، وفي الوجود الثالث، وفي الوجود الرابع وهكذا. كيف؟

 

في مثال المصباح، المصباح الآن منير في لحظته الأولى ما أ، تفتح المصباح أنار، ويتنور في وجوده الأول النوراني بطاقة، و لكي يتنور بوجوده الثاني، لابد من إعطاءه طاقة جديدة، في الوجود الثالث بطاقة جديدة، الطاقة الأولى لا تبقه موجودا على طول الخط، هو في كل لحظة من لحظاته يتنور بفيض جديد، بطاقة جديدة، بمدد جديد، برفد جديد.

 

أيضا خذ مثال النهر أنت تقف عند نقطة من النهر، تجد الماء دائما متواجد في هذه النقطة، لكن الماء الأول الذي كنت تلاحظه، غير الماء الثاني، غير الماء الثالث، هذه النقطة تمتلئ بماء متدفق متجدد مستمر، وجودنا هكذا، وجود الكون هكذا، وجود الشمس، وجود القمر، عدت وجودات متوالية متصلة، وليس بوجود واحد أنفصل عن وجوده تبارك وتعالى.

 

الشمس لا تنتج طاقة بداخلها بلا مدد من الله عز وجل، بلا قوانين توصل لها الطاقة، فمثلما لو أنقطع المصدر عن المصابيح، انطفأت هذه المصابيح كلها، أيضا لو انقطع المدد، انقطعت الطاقة، انقطع الرفد، انقطعت الحياة من مصدرها عن هذا الكون، عن هؤلاء الأحياء، لانتهت الحياة، وانتهى هذا الكون، فأنا موجود في كل حين بإيجاد من الله جديد وبفيض من الله جديد.

 

فإذن أنا كما كنت مملوكا لإرادة الله، ولقدرة الله، ولفيض الله، في اللحظة الأولى من وجودي، أيضا أنا الآن مملوكا له ملكية حقيقية، وليست ملكية اعتبارية، و ليست ملكية قانونية، يعني وجودي قائم بعطائه، سمعي وبصري قائم بعطائه، حياتي قائمة بعطائه.

 

فإذا توصلت بأني مملوك لله عز وجل، هل يسعني أن أقول أنا حر أمام الله؟ هذه ملكية تكوينية، إذا كنت مملوكا خلقا، وجودا، حياة، سمعا، بصرا، فؤادا، أثرا، لله عز وجل، فماذا يكون العقل بعد ذلك؟ أن من حق الله عز وجل أن يأمرني وينهاني أو ليس كذلك؟ أنا ملكه تماما،  ملكية اليد أضأل وأصغر وأحقر من ملكية الله عز وجل لنا، نحن نملك يدنا ببعض الملكية، أنت تتصرف في يدك أو يأتي شخص يتصرف في يدك، من حقك التصرف في يدك لأنك تملك يدك. وعلى أنك  لا تعطي يدك الوجود، الله عز وجل هو سر كل وجود.

 

هذا السؤال: هل أعيش في هذه الحياة حرا طليقا بالنسبة لكل جهة، أنا عندي علاقات، بالنسبة لكل وجود أو لا، أنا عبد؟ ثم أنا عبد لكل شيء؟ لأخي الإنسان؟  للملك؟ أنا عبد للنبي محمد صلى الله عليه وآله؟ عبد لعلي بن أبي طالب عليه السلام؟ يعني أقف بطاعتي عند علي بن أبي طالب عليه السلام؟ أقف بطاعتي عند رسول الله صلى الله عليه وآله؟

 

أنا مرة أطيع رسول الله صلى الله عليه وآله لأن طاعته طاعة لله تعالى، أطيع علي بن أبي طالب عليه السلام لأن طاعته طاعة لله عز وجل، ومرة أفرض أني أطيع علي بن أبي طالب لأنه علي بن أبي طالب وكفى! ليست لدي فكرة بأن طاعته طاعة الله أو ليست طاعة الله، نظري يقف عند علي بن أبي طالب وعند طاعة علي بن أبي طالب، هذا معناه عبودية لعلي بن أبي طالب عليه السلام وهذه ولا تجوز، لا يجوز هذا الأمر إنما نطيع علي عليه السلام ونطيع الرسول صلى الله عليه وآله، لأن طاعتهما من طاعة الله تبارك وتعالى.

 

أنا سألت أطفال في الروضة هذا السؤال: بالتدرج وصلت معهم لهذا الأمر، الرسول صلى الله عليه وآله علمنا وأنقذنا -بلغة الأطفال- إلى آخره، الأب يعطينا، يكسب، يتعب إلى آخره، لهم جميل كبير علينا، لماذا لا نعبدهم؟ طفل صغير قال: لأنهم لم يخلقونا، فصرت أتوسع معه في الجواب، وإن كل النعم مرجعها الله سبحانه وتعالى، قالت طفلة صغيرة لم تدخل الروضة: حتى الحلاوة من عند ربنا.

 

فالقضية هكذا، أنا أجد نفسي مملوك لمن؟ أولا أن مملوك لأحد؟ أو غير مملوك لأحد؟ وثانيا إذا كنت لست مملوك لأحد لا أعطي العبودية لأحد أصلا، إذا كنت مالك لنفسي، وجودي مستقيل،  أنا مسقل بوجودي، ووجودي من عندي، وأنا الذي أوفر حياتي، وأنا الذي وفرت الغذاء، كل أسباب حياتي أملكها أنا، فإذا لا عبودية لأحد أصلا، لكن هل أنا كذلك؟ هل أحد يستطيع أن يقول بأنه يملك وجوده وأنه أعطى لنفسه وجوده، وأنه بيده أسباب وجوده، بيده الشمس، وبيده الأكسجين، وبيده الماء، هو لا يملك شيئا من أسباب الحياة.

 

فينتهي بنا البحث إلى أنني مملوك ولست حرا ولست مستقلا، إذا كنت مملوكا بهذه الملكية الحقيقية، فلابد عليّ أن أطأطأ رأسي لمالكي، لابد أن أذعن، أذل أمام إرادة مالكي، ولماذا لا أذل؟ هو يملكني من جهة، وخضوعي له كمال، وخضوعي له جنة، وخضوعي له رفعة وسمو.

 

فينتهي بنا الأمر إلى أن النفس لا تملك وجودها، لابد أن تعترف بالعبودية التشريعية، يعني عبودية الأمر والنهي، كما أن واقعها هو واقع العبودية في الخلق والرزق والتبذير، أنا مملوك من جهة الخلق، من جهة الحياة، من جهة أسباب الحياة، من جهة كل آثاري، إذا فلأقبل وبكل ترحيب وبكل رضا أن أكون عبدا للمالك الحق.

 

يأتي سؤال ثاني، وكيف علاقتي مع أخي الإنسان، مع الموضوعات الأخرى؟ أنا حر.  إذا تقيس نفسك يعني بلغة صعبة، ليس صعبة في الفهم، إذا تقيس نفسك مع أجل الخلق رسول الله صلى الله عليه وآله، بما هو مخلوق فأنت نظيره،- بالإيمان به وبرسالته-، لا، يعني لست عبدا له، هو نظير لك في الخلق، بمعنى أنه مخلوق من خلق الله عز وجل، وأنت مخلوق من خلق الله عز وجل، هو إنسان وأنت إنسان، ولكن يأتي الفاصل الكبير، يأتي المستوى الذي لا يلحق، من ناحية المواهب الخاصة له صلى الله عليه وآله وسلم، ومن ناحية صدق العبودية لله عز وجل، يأتي وجوب طاعته، ووجوب الانقياد إليه، وأن يقدم أمره على إرادة النفس، إرادته تقدم على إرادة النفس، وأن نضع حياتنا وإمكانياتنا كلها  تحت تصرفه صلى الله عليه وآله وسلم، وألا في الأصل هو النظير في الخلق.

 

إذا أنت لست عبدا لرسول الله صلى الله عليه وآله بالمعنى الذي أنت عبد به لله عز وجل، لما أن نقول عبد النبي، أنه على هذا الإنسان أن يطيع رسول الله صلى الله عليه وآله بما هو رسول الله، من ناحية وجوب الطاعة التي تنتهي إلى طاعة الله عز وجل، هذا مما يقال عبد النبي أو عبد الحسين وما إلى ذلك، يعني بأن أمر الحسين ونهيه مسموعان، ممتثلان، لأن الامتثال لهما امتثال لأمر الله ونهيه، من سموا عبد الحسين وعبد علي وما إلى ذلك، إذا كانت التسمية ناشئة من العلماء، فهم يقصدون هذا المعنى، وليس أن أحد عبد بالعبودية الحقيقية للحسين عليه السلام أو للنبي صلى الله عليه وآله، لا إله إلا الله.

 

 فينتهي بنا الأمر إلى هذا الشيء، وهو أنني في رسم حياتي، في تعاملي، في استثمار حياتي، أحمل هذه الحقيقتين، حقيقة أني عبد لله الواحد الأحد من منشأ منطقي، من منشأ عقلي، وهو أني لما كنت مملوكا خلقا ورزقا ونفسا وعقلا وسمعا وبصرا وأثرا، فلابد أن أكون عبدا له في تلقي الأمر والنهي وامتثالهما.

 

من جهة أخرى، أنا من قياسي، وأنت من قياسك إلى كل الناس، وإلى كل الخلق حر، ماذا تعني حر؟ بلا انضباط؟ حر ليس لأحد في نفسه، بلحاظ نفسه عليَّ أمر ولا نهي، إنما يكون الأمر والنهي عليَّ بأمر الله ونهيه. أمرنا الله أن نطيع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوجب عليَّ أن أطيع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

 

أمرنا الله عز وجلّ بأن أحسن للوالدين وأطيعهما في ما لا فيه معصية الله عز وجلّ فوجبت طاعتهما من هذه الناحية، أصلا أن أبي أنا مستقل عنه، العاطفة شيء آخر، لكن عقلا وصدقا وحقا أن أبي لا يملكني، عقلائيا هناك ارتكازت الحق من الجميل الذي قدمهما من أصول عقلائية، وأصول عقلية، ولكن وجوب الطاعة فيما لا معصية فيه، ووجوب الإحسان إليهما إنما يأتي من منطلق الله عز وجلّ بذلك.

الحاكم العادل كعلي عليه السلام، يقول لي: “أخرج للجهاد”، أنا جبان ونفسي عزيزة عليَّ، لكن الواجب الشرعي يحتم عليَّ أخرج للجهاد بأمر علي بن أبي طالب عليه السلام.

 

فهذا الإسلام، يقول لك أنت عبد للواحد الأحد، المالك الحق، حر بالنسبة إلى كل الآخرين، حتى ينشأ وجوب الطاعة للأحد لابد أن نبحث عن أن هذه الطاعة لها مستند بالله، أو ليس لها مستند.