المُقاوم
الرئيسية » سلسلة الدروس » الحديث القرآني الإسبوعي – 23 فبراير 2007م

الحديث القرآني الإسبوعي – 23 فبراير 2007م

حديث ليلة السبت (3) 6 صفر 1428هـ 23/2/2007م  – جامع مدينة عيسى

 

” معارف ضرورية للحياة “

 

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين والطاهرين.

 

حديث المسجد يختلف عن محاضرة متخصصة، يختلف عن الدرس العلمي المركز، هناك درس علمي حول مادة علمية معينة إسلامية أو غير إسلامية يأخذ لغة اختصاصية، ويستهدف في إيصال معلومات منتظمة حتى تتكون فكرة عن مسائل العلم واحدة واحدة، وهناك محاضرة مثلا.

 

حديث المسجد حديث لمجموعات مختلفة، لمستويات مختلفة، وكلما استطاع حديث المسجد أن يراعي المستويات المختلفة كان أولى به، فله طابعه الخاص، ومع ذلك استهدف أن تأتي أحاديث المسجد هنا ملتفتة إلى أفكار مهمة في بناء حياتنا.

 

المعارف كثيرة، أعمار لا تفي بالمعارف البشرية لكن هناك بعض المعارف تمتلك أهمية وأولوية ولابد منها للإنسان، في الحقيقة كل إنسان قبل أن يكون مسلم أو غير مسلم.

 

هذه الأفكار أو المعارف لماذا تكتسب الأولوية؟ نطرح سؤال أقول هناك قسم من المعارف أدعي أن لهذا القسم أولوية وأنه لا يسع الإنسان الفرد ولا الإنسان المجتمع أن يتجاوز في التفكير في هذه المعارف، والنظر في هذه المعارف، أن يقف عندها، لماذا هذه أولا؟

 

هذه المعارف يعتمد عليها تحديد الهدف من الحياة، لا أستطيع أن أعرف هدفي من الحياة إلا بأن أقف على هذه المعارف، هدفي من الحياة الذي أوظف له. الهدف عادة هدف الحياة توظف له ومن أجله كل ما في الحياة، توظف له أيامك ولياليك ساعاتك ودقائقك وثوانيك، توظف له ما كسبه عمرك من مال، توظف له نشاطك وحيويتك، توظف له علاقاتك، توظف له كل أرصدة حياتك.

 

ما هو الهدف؟ لابد أن أتبين ما هو الهدف الذي جئت من أجله هذه الحياة ويتناسب معي كإنسان؟ والأصح أن أعيش من أجله، أن أتحرك في ضوئه، أن أبدل كل طاقاتي ومواهبي ومكاسبي من أجل الوصول إليه، هناك هدف أو لا؟ تبين هذا الهدف من الحياة والذي يستقطب مني كل إمكاناتي وكل ما أملك، وكل ما يقع تحت يدي؟ التعرف على هذا الهدف يحتاج إلى الوقوف على هذه المعارف، وإلا عشت حياتي من غير الهدف الصحيح الذي تقود إليه النظرة العلمية، الذي يقود إليه التفكير الصحيح. هذي نقطة، نقطة تحدد لي لماذا لهذه الأفكار الأولوية والأهمية القصوى ولا يسعني كإنسان إلا أن أتوقف عند هذه المعارف؟

 

منهجة الحياة، في الحياة مناهج كثيرة، منهج شيوعي موجود، موجود منهج رأسمالي، موجود منهج إسلامي، موجود مسيح، موجود حالة تسيب، موجود حالة التزام، أي منهج التزم في هذه الحياة؟ سؤال يطرح نفسه علي، تحديد المنهج، منهج الحياة يتوقف على مثل هذه المعارف، موضوعات لابد أن أعرفها، قضايا لابد أن أعرفها، بمعرفتها يسهل علي تحديد هدف الحياة، يتيسر لي التعرف على منهج الحياة، على الخيار الصحيح، أستطيع من خلاله التعرف على هذه القضايا، أن أملك الخيار الدقيق والصحيح في قضية الارتباط بهذا المنهج ورفض ذلك المنهج.

 

نمط العلاقات التي أعيشها مع الإنسان، أنا أعيش في وسط بشري هائل كيف أتعامل مع الناس؟ من منطلق الفوقية؟ من منطلق التحتية؟ يعني أنا فوق الناس لأتعامل مع الناس بحالة فوقية أنا تحت مستوى الناس حتى أتعامل مع الناس من منطلق حالة تحتية ودونية، أو أنا بمستوى الناس وعلي أن أتعامل مع الناس تعامل الند مع الند، والنظير مع النظير، والأخ مع الأخ. هذا يحتاج  إلى معرفة قضايا قبل ذلك وأننا نقف على صعيد واحد بشكل عام وبالصورة الأولية ثم يأتي التسابق؟ أو أننا ولدنا على مستويات ومن طبائع مختلفة حتى نتعرف على أن أستغل الإنسان، أسمح للإنسان أن يستغلني، أستعبد الإنسان، أسمح للآخرين أن يستعبدوني، أغش الإنسان، أنصح الإنسان الآخر، أتحرك في هذه الحياة بإخلاص من الآخرين، أتحرك من منطلق القيد بالآخرين -استغفالهم-، هذي قضية ماذا قضية تعامل مع الإنسان الآخر؟ كيفية التعامل مع الإنسان الآخر؟ يعتمد على التوفر على معرفة ببعض القضايا، حتى أكون علميا في تحركي في هذه الحياة.

 

الإيمان بالقيود وعدمه، أنا أقبل بأن أقيد نفسي بأخلاقيات، مليون قيد أمامي أحيانا علي أن أصدق ولا أستعمل الكذب، أكون أمينا ولا أكون خائنا إلى أخر القائمة، هذه القيود بلا إشكال قد تتطلب جزء من النفس، تتطلب مقاومة، تتطلب الوقوف أمام رغبات النفس في كثير من الحالات، هل أحمل نفسي هذه القيود في هذه الحياة، أو لا أعطي لنفسي الحرية؟ وأحاول أن أتفلت من قيود المجتمع وقيود الأخلاق وما إلى ذلك.

 

هذا يعتمد على أسئلة قبلية في الحقيقة، على معلومات أولية قبل ذلك، فأربع نقاط في ذهني هي هذه النقاط ، نقاط تحديد هدف الحياة، تحديد منهجية الحياة، تحديد نمط العلاقات، الموقف من القيود الأخلاقية والاجتماعية وما إلى ذلك كالقيود الأخلاقية والدينية وما إلى ذلك، هذه كلها ماذا، هذه أمور أربعة مهمة لا فكاك من إعطاء نظرة محددة فيها، وهذه النظرة المحددة تتوقف من قبل ذلك على النظر في بعض القضايا، هذه القضايا نحاول أن نقف عندها بعض الشيء فيما يأتي من هذه أحاديث.

 

هذه الأفكار التي أقول هي أفكار لابد منها، ولا يسع الإنسان بما هو إنسان أن يتجاوز النظر فيها وأن يدرسها، لها طبيعة خاصة، هذه الأفكار أو هذه المعارف لها طبيعة خاصة.

 

هذه المعارف عادة فطرية ليست بعيدة عن النفس، وليست شيء التصق بالنفس بعد تكونها، -لحق بها ثم التصق- لا هذه شيء من داخل النفس/ من تكوين النفس، هذه الأفكار، هذه المعارف لها رصيد في داخل النفس قد يحيا قد يموت، قد يزهر قد يذبل، قد يتأجج قد يخفت، يتوارى، يظهر، هذا صحيح ولكن لا ينتهي، لا يستأصل، لا يرغم من داخل النفس يبقى ثابتا في خميرة النفس.

 

هذه الأفكار أوجدها الله تبارك وتعالى (المعارف الضرورية لتحديد هدف الحياة منهجية الحياة التعامل مع الأشياء مع الإنسان وغير الإنسان في الكون وليس الإنسان وحده) هذه ماذا هذه المعارف أوجدها لله سبحانه وتعالى في كل نفس لأنها ضرورية. أرأيت كيف أن الله عز وجل يسر الأوكسجين لكونه ضروريا، وكل ما كان شيء تتقوم به الحياة ولابد منه لاستمرار الحياة كان ميسرا، كذلك بالنسبة لحياة الروح وحياة الإنسانية، كل ما كان ضروريا، كلما وفر بصورة غزيرة وبصورة ثابتة وبصورة عامة، أو تكون قريبة على الأقل أن تكون قريبة من الفطرة، كذلك مع كونها فطرية -هذه القضايا هذه الأفكار والمعارف الضرورية- مع كونها فطرية وموجودة في الداخل، موجود عليها دلائل في الخارج وبشكل ميسر مفتوح، ليس مثل القضايا الفلسفية المعقدة ولا  قضايا الرياضيات المعقدة التي تتطلب ماذا نظرا مدققا فلسفيا وما إلى ذلك.

 

هذه القضايا لها أدلة وافرة ومنتشرة، منها ما يناسب هذا المستوى، ومنها ما يناسب ذلك المستوى إلى آخره، فيها الأدلة المعقدة فيها الأدلة الشائكة وفيها الأدلة البسيطة، ولكن لها من درجة الانتشار ما يجعلها كافية ميسرة مفتوحة لكل مستوى من المستويات.

 

هذه المعارف لا تحتاج في الالتفات إليها إلى أن تطرح عليك من الخارج، مادام لها رصيد في النفس أيضا السؤال عنها يلح عليك من داخل النفس، لا يسع أحدا يأتي هذه الحياة يقضي بعد بلوغه عشر سنين خمس سنين السنة الأولى من البلوغ إذا كان مستويا- إذا لم يكن معتوها وما إلى ذلك- لا يسعه أن يخرج من هذه الحياة من دون أن تطرح عليه نفسه تلك الأسئلة، هناك أسئلة متعلقة ببعض المعارف الضرورية تنبع من داخل النفس وتلح على صاحبها بالإجابة، ثم الإجابة أمامه مفتوحة من داخل النفس ومن خارج النفس.

 

المعرفة بهذه المعارف مع عموميتها ومع ضروريتها ومع كونها نابعة من داخل النفس ليست على حد واحد، كل له نصيب في المعرفة بهذه القضايا والمعارف، ولكن كل نفس تستطيع أن تحمل قناعة بها، هذه الأفكار هذه المعارف عامة كيف عامة؟ عامة لا ترتبط بزمن دون زمن، ولا بمكان دون مكان، ولا بمستوى علمي دون مستوى علمي آخر، وجدت مع الإنسان الأول، مع إنسان الغابة، ومع إنسان الحضارة المتقدمة جدا، توجد ما قبل التاريخ وتوجد إلى آخر التاريخ، توجد في كل بقعة من الأرض، أين وجد الإنسان في أرض، أو في سماء، أو في شرق، أو غرب، هذه الأفكار يحملها معه، وهذه الأفكار مادتها معه، وهذه الأفكار أدلتها معه، فهي عامة بالنسبة لكل المستويات، وليست من اختصاص طبقة علمية معينة، من تعلم ومن لم يتعلم، من كان في أول التاريخ ومن كان في آخر التاريخ، يعيش هذه الأسئلة ويعيش هذه الأجوبة.

 

في قائمة بعض هذه الأفكار سيأتي حديث عن النفس البشرية، نفسي ونفسك ونفوس الآخرين أن شاء الله. والحمد لله رب العالمين