المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة عيد الفطر المبارك 1 شوال 1427هـ – 24 اكتوبر 2006م

خطبة عيد الفطر المبارك 1 شوال 1427هـ – 24 اكتوبر 2006م

مواضيع الخطبة:

 

موضوع الوالدين + زكاة الفطرة واجبة + وقفة مؤلمة مع المدرسة العراقية

العبث الأمريكي، واللجأ إلى أمريكا، واللجأ إلى أوروبا من أي شعب من الشعوب الإسلامية لجأ إلى السراب، ولجأ إلى العدو، وهو كالمستجير من نار عن الرمضاء.

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي هدانا للأخذ بالدّين الحقّ، واتّباع الرسول الصّدق، والكتاب الشافي، والأئمة الهادين عليهم السلام.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا خالق إلاّ هو، ولا مدبر لشيء من الكون غيره، ولا هادي بالأصل سواه، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، بلّغ عن الله فأحسن التبليغ، وجاهد في الله فأحسن الجهاد، ونطق على لسانه الحقّ، وأُخرس الباطل صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً.
عباد الله ألا فلنتق الله، ونحسن القول والعمل وقد قال سبحانه في كتابه العزيز: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ{مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}(1)، وقال عزّ من قائل:{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً…}(2). وقال تبارك وتعالى:{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}(3).
فالقرآن يطالبنا بالقول الأحسن، والعمل الأحسن، والقولُ الأحسن قوامه الفكر الأحسن، والأسلوب الأحسن، والقصد الأحسن، والعمل الأحسن صُلبُه النوعية الأحسن، والمستوى الأفضل، والقصد الأنزه، والدرجة الأتم، والنية الأقوم، ولا يحسن قول أو فعل، ولا يطيب إلا بأن يحقِّق رضا الله الذي لا يرضى إلا بالجميل.
اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

اللهم اهدنا فيمن هديت، وتولنا فيمن توليت؛ فإنه لا هدى إلا لمن هديت، ولا نجح إلا لمن توليت يا رحيم يا كريم.
أما بعد فهذه وقفة مع الإسلام في موضوع الوالدين:
{وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً…}(4) إلى آخر الآيات الكريمة في هذا الموضوع.
وعظيم كل العظمة، ومهمٌّ كل الأهمية أن يأتي الأمرُ بالبرّ والإحسان للوالدين في سياق واحد مع القضاء الحتمي لعبادة الله التي هي أجلّ أمرٍ وأخطره.
فكم هي الأهمية للإحسان للوالدين والأمر يأتي به في سياق واحد مع ما قضى الله تبارك وتعالى به من عبادته التي لا شريك له فيها.
وفرقٌ كبير من جهة أخرى بين ما قضى الله عز وجل لعبادته، وبين ما أمر به من الإحسان للوالدين، فلا يختلط إحسانٌ أبداً بما هي العبادة. العبادةُ لله وحده وإنما ما للوالدين هو الإحسان، أما حيث يريدان أن يشرك الولد بالله تبارك وتعالى فلا وألف لا.
“عن أبي أمامة أنّ رجلاً قال يا رسول الله ما حقّ الوالدين على ولدهما؟ قال: هما جنّتك ونارك”(5).
إحسانك لهما طريقك إلى الجنة، إساءتك لهما طريقك إلى النار. ما أخطر النتيجتين؛ نتيجة الجنة ونتيجة النار.
عن الصادق عليه السلام في تفسير الآية الكريمة:”في قوله تعالى:{وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}: الإحسان أن تحسن صحبتهما، وأن لا تكلفهما أن يسألاك شيئاً ممّا يحتاجان إليه وإن كانا مستغنين”(6).
أما إذا أحوجتهما أن يسألاك الحاجة، إذا تريّثت بقضاء حاجتهما إلى أن يطلبا منك فليس ذلك من الإحسان. الإحسان أن تسارع وتسابق إلى قضاء حاجاتهما وإن لم يكونا في ذلك على اضطرار، قضاء حاجة الأبوين ليس في مورد الاضطرار وحسب وإنما حتى في مورد الغنى والقوة واليسار.
“من سرّه أن يمدّ له في عمره ويزاد في رزقه فليبرّ والديه، وليصل رحمه”(7).
وفي حديث آخر عن الرسول صلى الله عليه وآله:”برّوا آباءكم يبرّكم أبناؤكم”(8).
“كان من دعاء عليّ بن الحسين عليهما السلام لأبويه: اللهمّ اجعلني أهابهما هيبة السّلطان العسوف، وأبرّهما برّ الأُمّ الرّؤف، واجعل طاعتي لوالديّ وبرّي بهما أقرّ لعيني من رقدة الوسنان…..”(9).
السلطان العسوف، الشديد، الظالم. السيف المسلط على الرقاب كيف تكون هيبته في نفوس الرعية؟! خوف شديد ولكنه قائم على الظلم، وليس هيبة ناشئة من قوة في الشخصية ومن اجتماع ملكات متميزة. أما الوالدانن فعلى ضعف في البدن منهما، وعلى قلّة ما في اليد عندهما، وعلى وضعهما الاجتماعي المتضعضع فالولد البار العقول يهابهما السّلطان العسوف من منشأ عظمة الحق، حقّ الوالدين على الولد، ومن منشأ خوف الله تبارك وتعالى.
وكم يلذّ لك أن يسترسل بك النوم، وأن تغرق في نومك وقد داعب جفنيك النوم، وغالبك النوم، حينذاك تنصرف عن الطعام وتنصرف عن لذائذ أخرى مغرية مختاراً النوم على كل ذلك. زين العابدين عليه السلام يسأل من الله عزّ وجل أن يجعل طاعته لوالديه في نفسه، وبرّه بهما في وجدانه أقرّ لعينيه من رقدة الوسنان.
“ثلاث لم يجعل الله عزّ وجلّ لأحد فيهنّ رخصة: أداء الأمانة إلى البرّ والفاجر، والوفاء بالعهد للبرّ والفاجر، وبرّ الوالدين برّين كانا أو فاجرين”(10).
أداء الأمانة للبرّ والفاجر، والوفاء بالعهد للبرّ والفاجر كلّ ذلك ما لم يساعد على الفجور، وما لم يكن عوناً على معصية، وإلا فإن خيانة الخائن هي عين الأمانة، خيانة الخائن لله فيما فيه معصية لله عز وجل عين الأمانة، أما إذا كانت الأمانة أمانةً لا عون فيها على باطل فلا بد من أدائها، وإذا كان العهد عهداً ليس بباطل في الشريعة فيجب الوفاء به حتى لمن لم يكن أمينا وكان فاجراً.
وبرّ الوالدين برّين كانا أو فاجرين مقيّد كما تعرفون بعدم معصية الله سبحانه وتعالى، وإلا فالأب العزيز لا شيء، والأم العزيزة لا شيء أمام حقّ الله وتوحيده سبحانه وتعالى.
“برّ الوالدين واجب وإن كانا مشركين، ولا طاعة لهما في معصية الخالق”(11). والحديث واضح. وهذا الحديث عن الرسول صلى الله عليه وآله فيه إغراء كبير، ودفع شديد لبرّ الوالدين.
“سيّد الأبرار يوم القيامة رجل برّ والديه بعد موتهما”(12).
بعد الموت لا حياءَ من الوالدين، بعد الموت المنظور في بر الوالدين هو وجه الله تبارك وتعالى، والمنطلق هو طهارة الوجدان، هو معرفة الجميل، وبذلك يأتي البر بعد الموت ذا شأن كبير.
ولنسمع هذا الحديث الشريف عن الباقر عليه السلام:”إنّ العبد ليكون بارّاً بوالديه في حياتهما(13) ثمّ يموتان فلا يقضي عنهما دينهما، ولا يستغفر لهما، فيكتبه الله عزّ وجلّ عاقّاً(14)، وإنّه ليكون عاقّاً(15) لهما في حياتهما غير بارّ بهما، فإذا ماتا قضى دينهما واستغفر لهما فيكتبه الله عزّ وجلّ بارّاً”(16).
أقرأ هذا الحديث لينتهي من هذا الموضوع:”ما يمنع الرّجل منكم أن يبرّ والديه حيين أو ميتين: يصلّي عنهما، ويتصدّق عنهما، ويحجّ عنهما، ويصوم عنهما، فيكون الّذي صنع لهما، وله مثل ذلك(17)، فيزيده الله عزّ وجلّ ببرّه وصلاته”(18).
اللهم صل وسلم وزد وبارك على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين مغفرة جزما حتماً برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم ارزقنا دوام الطاعة، وبُعد المعصية، واجعلنا من أعرف من عرفك، واجتهد في أداء حقِّك وإن كان لا يبلغ اجتهاد عبد مالك من إحسان وإنعام وإفضال أبداً يارب. اللهم وفقنا لأن نجزي أهل الإحسان إلينا إحساناً وأن نكون من أكثر النّاس برّاً بوالدينا أحياءً وأمواتاً، واجعل مقرنا وإياهم الجنة يا كريم يا رحيم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)}

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي جعلنا مسلمين مؤمنين لا كفّاراً ولا ضُلاّلاً، ولا جاحدين ولا مارقين.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا مالك لذرّة في الكون غيره، ولا نفاذ لإرادة على خلاف إرادته، ولا قدرة تنضاف في تسيير الأمور، وتدبير الأشياء إلى قدرته. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أنزل عليه الهدى، وجعله رحمةً للعالمين. صلّى الله عليه وآله الطاهرين.
أوصيكم عباد الله ونفسي الأمارة بالسوء بتقوى الله، وأن لا نسترخص الدين من أجل الدنيا، ولا نساوم على مصلحة الدين أبداً، ولا نقبل عنه عِوضاً، ولا يعدل بنا عنه طغيانٌ ولا غوغاء، وأن نأخذ بصيرتنا منه فلا بصيرة في سواه، ولا غِنى بشيء عنه، وفيه صلاح الدنيا والآخرة. وليكن قوله تعالى:{قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}(19) دليلنا الدائم، وشعارنا الصادق، وقضيتنا الكبرى التي لا نفارقها ونُفدّيها بكل شيء مما نملك.
اللهم صل وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى، وعلى آله الأخيار، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا وإياهم إنك أنت التواب الرحيم.
ربنا هب لنا يقيناً تباشر به قلوبنا، ونوراً نستضيء به في حياتنا، وهدى لا يضل به مسعانا، ونية صدق لا يشوبها رديء، وعزيمةً في الحق لا يمسّها وهن، ولا يصيبها فتور يا أرحم من كل رحيم، ويا أكرم من كل كريم.
اللهم صل وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبدالله خاتم النبيين والمرسلين، وصل وسلم على علي بن أبي طالب أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن القائم المنتظر المهدي.
اللهم صل وسلم وزد وبارك على محمد وآل محمد، وعلى وليك القائم المنتظر، وعجل فرجه، وسهل مخرجه، وحفه بملائكتك المقربين، وأيده بروح القدس يارب العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، المجاهد في سبيلك، والممهد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين وفقهم لمراضيك، وسدد خطاهم على طريقك.
أما بعد:
زكاة الفطرة واجبة:
فلا تواني أيها المؤمنون في أداء زكاة الفطرة فلتبادروا رحمكم الله إلى أداء هذه الفريضة. ولا يتجاوز بك الوقت إلى ما بعد الزوال فعنئد يكون قد فاتك وقت أداء الفطرة. ثم لا تساهل في فقه هذه الفريضة، وفي فقه أي فريضة من الفرائض، فنحن لا نستطيع أن نؤدي الفريضة كما أراد الله عزّ وجل ما دمنا على منأى من فقه هذه الفريضة أو تلك.
إن أحدنا ليحرص كل الحرص على أن يمتلك أكبر خبرة كافية في تجارته إذا كان تاجراً، وفي تدريسه إذا كان مدرساً، وفي أي وظيفة من الوظائف التي يرتبط بها، وهل أولى من فرائض الله لنُعطي الخبرة كل الخبرة، والجهد كل الجهد، والوقت كل الوقت لما هو للدنيا ثم نتعامل مع ما للآخرة ولما لوجه الله الكريم، ومع ما فرضه الله سبحانه وتعالى تعامل اللامبالاة؟!! ومن لم يفقه عبادته وفريضته فقد تعامل مع الفريضة باستخفاف.
ولنكن من محيي السنن، ومميتي البدع، فإحياء السنن وإماتة البدع دور الرسل، والأئمة عليهم السلام والصالحين، نحن لن نكون مجتمعاً صالحاً، مجتمعاً يأخذ بخط النبي صلى الله عليه وآله، وخط الأئمة عليهم السلام ما لم نقم بهذا الدور؛ دور إحياء السنن وإماتة البدع.
كثير من السنن الإسلامية مات أو يتعرض للذهاب، وقد يدخل الساحة كل يوم جديد خبيث من البدع الغربية والشرقية، ولا يسلم المجتمع من آفة الانحدار ما لم يُعط العناية الكافية للتمسّك بأذيال السنن والأخذ بها، وما لم يتمرد كل التمرد على ما يريده بنا الغرب من التبعية الذليلة الخانعة لكل مستورداته الساقطة ليست المادية فحسب، وإنما الأخطر من ذلك هي المستوردات المعنوية التي تجافي الإسلام، وتعادي في خطّها خط الكتاب الكريم والسنة المطهرة.
لابد من مواجهة جادّة ودؤوبة للهجمة الغربية الثقافية والفكرية والسلوكية، ومن غير ذلك سنخسر هويتنا، وسنخسر وجودنا، ووجودنا المعنوي لا يوجد مثله في كل الأرض، وكل الأرض محتاجة إلى الوجود المعنوي الذي يتبلور في ضوء الإسلام.
وقفة مؤلمة مع المدرسة العراقية:
لم تعد الحالة في العراق تمثّل درساً واحداً تستفيد منه الأمة، وتعتبر منه الأمة ويعتبر منه العالم، العراق صار مدرسة غنية بالدروس التي لابد من أن تُعتبر، هناك حصد يومي كما نعرف جميعاً لنفوس الأبرياء، وقتل تتصاعد وتيرته فيه تشفٍّ وفيه تمثيلٌ حتى يتجاوز بذلك قضية طلب الانتصار المادي، إنه نوع من الإمعان في الانحدار في الضمير الإنساني، ونوع من البُعد البعيد جداً عن الإسلام الحق.
الحالة العراقية تمثّل حالة فوضى ليس في الأمن بقدر ما هي فوضى في القيم. خسارة قيم، تبعتها خسارة أرواح، وخسارة أموال، وخسارة أمن، أما الأصل فهو أن منظومة القيم تواجه زلزالاً في العراق.
من أين الأسباب؟
أقول: هناك فقدان دين، وهي حالة استشرت إلى حدّ كبير في صفوف البعثيين، وقد انتهت التربية الصدامية بملايين من الناس إلى خسارة الضمير الديني، وإلى الجهل الديني، وإلى التشرّب بمعاني الكفر وقيمه، هذا الزاد الثقيل، هذا الميراث الوبيء الرديء لازال قائما يؤدي دوره السلبي التخريبي الهدّام. وملايين تخرّجت على التربية الصدامية لا تقيم للدين وزناً ولا لدم مسلم أي قيمة.
هناك انحراف في الفهم الديني، وهو ماعليه القاعدة وأمثال القاعدة، هذا الانحراف في الفهم الديني حين يُتاح له أن يأخذ طريقه في أي مجتمع وأن يترعرع فإنه يهتك ويفتك ويعربد وكل ذلك باسم الدين والتقوى.
حين نريد انضباطاً في المسار السياسي، وفي المسار الاجتماعي، وفي كل مسارات الحياة، وعلى ضوء الدين فلابد من تأصيل الفهم الديني، ولابد من التأكّد من سلامة رؤيتنا الدينية وإلا فإن أي انحراف في فهم الدين سيؤدي إلى كارثة على كل هذه المسارات وباسم المقدّس. حروب تنشأ من المادة اشعارها كبير، وخطرها عظيم، لكن حروباً تنشأ باسم المقدّس الديني على عمىً في الدِّين خطرها أكبر ونتائجها أخطر.
هزال بعض المرجعيات الدينية، هناك مدارس دينية تتشدّد في أمر المرجعية، وتأخذ في المرجعية شروطاً ثقالاً، ولا يصل الشخص إلى المرجعية إلا بعد امتحانات فكرية، وامتحانات نفسية وعملية طويلة المدى وعسيرة، وهذا المسلك مأمون في إيصال المرجعية إلى موقعها، لأن المرجعية التي يمكن أن تقيم حرباً بكلمة، ويمكن أن تطفئ حرباً بكلمة، ويمكن أن تقلب الأوضاع رأساً على عقب بكلمة هي مرجعية ذات موقع خطير لا يُتساهل في شروطه.
ومن هنا كانت المرجعية الأصل للإنسانية في الأرض والتي اختارها الله تبارك وتعالى مرجعية ذات شروط هي أثقل الشروط، وأأكد الشروط، ويكفي أن القيادة الأصل مشروطة بالعصمة، وكيف لا يكون كذلك والنبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟! أيصح أن تلعب به العواطف، وتدخل في قراره الأهواء، ويعيش النظرة القصيرة، ويخضع للمحسوبيات؟! إن كل ذلك على خلاف الحكمة الإلهية، وخلاف العدل الإلهي، مادام النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، والقيادة الحق الأصل تتطلب هذا الأمر.
وما دام النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم فلابد أن يكون المعصوم وإلا فلا. فالمرجعية من ذلك النوع لابد أن تكون من ذلك المستوى.
فهزال بعض المرجعيات مع ما يُعطيها أتباعها من قدسية، ومن نفاذ القرار وقوة القرار وسلطة الأمر والنهي أمر تترتّب عليه أخطر النتائج، وهناك مدارس مع الأسف الشديد تتساهل في أمر المرجعية في الفتيا والقيادة. وصار بعض المسلمين لا يشترطون في قياداتهم حتى الارتباط بالفقه، ويكفي أن يلُمَّ بشيء من الثقافة الغربية ليُعطى التصرف في الأموال والأعراض والدماء، وهي كارثة.
ربما كان هناك أشجع من مالك الأشتر، وربما كان هناك من هو أكثر ثورية في الحرب من مالك الأشتر، وأشد رباطة جأش، وربما كان هناك من هو أكثر خبرة لكن مالك الأشتر وبعد أن كان يتوفر على الخبرة الكافية، وعلى الشجاعة التي تكفي لسد حاجة المنصب، وعلى الشروط الموضوعية المرتبطة بهذا الموقع كان المقدّم لإيمانه ورساليته وفقهه، وما كان لعلي عليه السلام أن يختار لمنصب الولاية غير فقيه، ولا يتوقّع متوقّع أن يأتي من الأئمة عليهم السلام إذنٌ بولاية غير الفقيه، وليفتّش من أراد إن وجد دليلاً على إعطاء الولاية لمثقّف بالثقافة الغربية، وحتّى بالثقافة الإسلامية العامة بعيداً عن التخصص الفقهي وشرط العدالة والتقوى.
نعم أيها الإخوة، أقول من الأسباب للكارثة العراقية، وامثل الكارثة العراقية في أي أرض من أرض الإسلام هزال بعض المرجعيات الدينية، وانفصال المرجعية السياسية عن المرجعية الدينية بحيث إن المرجعية الدينية تملك الكلمة، أما المرجعية السياسية الفاقدة للفقه والتي قد تكون فاقدة للتقوى فتملك قوة القرار.
الخليفة العباسي يملك قوة القرار، الإمام المعصوم من أهل البيت عليهم السلام يملك العلم وقوة الحجة، لكن الحياة كانت تسير في تيارها الكبير وفيما تبنيه على الأرض، وفيما تهدمه من أوضاع، وفيما تقيمه من ظلم، وفيما تحاربه من عدل، وفيما تنمّيه من روح الأثرة وما تنشئه من حروب ظالمة كل ذلك كان يسير وفق قوة القرار وليس وفق قوة الحجة وسطوع العلم.
انفصال المرجعية السياسية عن المرجعية الدينية كارثة واجهت الإسلام مبكّراً بعد رسول الله صلى الله عليه وآله حيث انفصلت الخلافة الرشيدة عن شرط الأفضلية في العلم، في التقوى، عن شرط التوفّر على علم الكتاب بالكامل، فبدأ شيء أُسمّيه انفصالاً للسياسة عن الدين، وإن كان الخليفة يحكم باسم الدين ويمارس الحالة الدينية في الصورة الإجمالية للقرارات، ولكنه ليس المعصوم، وليس الشخص الذي يتوفر على علم الكتاب، وليس الشخص الذي يحالفه دائماً التوفيق في قراراته لفقد شرط العصمة.
العبث الأمريكي، واللجأ إلى أمريكا، واللجأ إلى أوروبا من أي شعب من الشعوب الإسلامية لجأ إلى السراب، ولجأ إلى العدو، والمرتكب لتلك كالمستجير عن الرمضاء بالنار.
العبث الإقليمي وله دوره الكبير في تخريب العراق، والعبث الإقليمي له منشأٌ مصلحيٌّ ماديّ سياسي، ومنطلقه الخوف من أن يقوم حكم هناك على أساس ما يُسمّى بالديموقراطية الصادقة، وليس معنى أن الديموقراطية الصادقة تمثّل الأمل الكبير، لا. الإسلام الصادق هو الذي يمثِّل الأمل الكبير، والعدل كل العدل، والحق كل الحق إنما هو في الإسلام الصادق وليس في الديموقراطية الصادقة، ولكن الديموقراطية الصادقة أولى بكثير من الديكتاتورية الطاغية.
وعليه فالذين يخططون لمثل المستقبل العراقي في أي شبر من بلاد الإسلام بالتآمر والتخطيط ضدّ شعب من الشعوب أو فئة من فئات الشعب لخلق الفتنة الكبرى هم أعداء للوطن، أعداء للشعب، أعداء للأمة، لا يحبون سنياً ولا شيعيا ولا أي مواطن آخر.
ووثيقة مكة يسرّنا أن يتمسك بها العراقيون، ولكن قبل وثيقة مكة هناك ميثاق الكتاب الكريم، وقد أخذ على المسلمين أن لا يستبيحوا دماءهم وأعراضهم وأموالهم، وهناك ميثاق السنة ووصايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقيمة ميثاق مكة أنّه يذكّر بميثاق الكتاب وبميثاق السنة، فهل يرعى المسلمون في كل ديارهم ميثاق كتاب ربهم، وميثاق سنة نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم بأن لا يسفكوا قطرة دم حرام لمسلم؟
اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم انصر الإسلام وأهله، وأذل النفاق وأهله، وامحق الكفر ورؤوس الكفر الطاغين. اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة، تعزّ بها الإسلام وأهله، وتذل بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك، والقادة إلى سبيلك وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة يا كريم يا رحيم.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – 8/ ق.
2 – 2/ الملك.
3 – 33/ فصلت.
4 – 23/ الإسراء.
5 – ميزان الحكمة ج10 ص708.
6 – المصدر نفسه.
7 – المصدر نفسه.
8 – المصدر ص709.
9 – المصدر 709- 710.
10 – المصدر ص710.
11 – المصدر نفسه.
12 – المصدر نفسه.
13 – سيرته أنه كان يبرّ والديه في حياتهما.
14 – وقد كان البارّ المحسن لوالديه في حياتهما.
15 – هناك تدارك ممن خانه حظه فأسرف على نفسه بأن لم يقن بواجب البر في حق والديه في حياتهما.
16 – المصدر ص 711.
17 – أي يعطي أجر ما فعل. “فيزيده الله ببره وصلاته”. يعني يُحسب له ثواب صلاته كما يحسب له ثواب بره فالثواب يأتيه من وجهين: وجه أنه صلّى لله، ووجهُ أنه برّ بوالديه.
18 – المصدر نفسه.
19 – 108/ يوسف.