خطبة الجمعة (142) 29 ذو الحجة 1424هـ – 20 فبراير 2004م

مواضيع الخطبة:

الحبّ والبغض(2)- المؤتمر الدستوري والدستور.


– قضية طرح الحلول ليس أمراً جائزا فقط وإنما هو مطلوب من المواطنين، ويمثل حالة إخلاص للوطن، وحالة فكر متحرّك من أجل بناء وضع أكثر تقدّما لهذا الوطن.

الخطبة الأولى

الحمد لله خالق كل شيء ومدبره ووارثه، وهو على كل شيء رقيب، وهو الحفيظ الحسيب.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

أوصيكم عباد الله ونفسي الأمارة بالسوء بتقوى الله، ومعرفة حقه الذي لا يبلغ عبد وفاءه، وهو الذي يملك كل ذرة من ذرات وجوده، وكل نبضة من نبضات قلبه، وكل لحظة من لحظات حياته، ومنه كل خير عنده، وكل سبب من أسباب بقائه بيده، ومنه مبدؤه وإليه مرجعه، ولا يُرجى الخير إلا من عنده، ولا يُكفى الشر إلا به.
اللهم إنا نعوذ بك من أن يشغلنا وإخواننا المؤمنين والمؤمنات شاغلٌ عن ذكرك، أو يصرفنا صارفٌ عن طاعتك، أو ينسينا شيءٌ من خير الدنيا أو شرها الثابتَ علينا من حقك.
اللهم صل على محمد وآل محمد واغفر لنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

والآن أيها الإخوة والأخوات من المؤمنين والمؤمنات مع عودة إلى الحديث في موضوع الحب باختصار.

اعرف حبك لله:

” قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله”.
فمن أحب الله اتبع رسولَ صلى الله عليه وآله، واتبع الأئمة من أهل البيت عليهم السلام، والقولَ الذي يرضي الله عز وجل. حبُ الله يعني الأخذ بمنهجه، واتباعَ القدوة التي رضيها الله سبحانه وتعالى، والاستمساكَ بخط الإمام الذي فرضه.

ومن عطاءات المنهج الإلهي.. ومن نتائج الأخذِ بالقدوة التي رضيها الله، واتباع الإمام الذي فرضه.. أن يزرع ذلك كلُه حبَ الله في النفس ويقويه، ويجعله مستوعباً منيراً للقلب، مضيئاً للروح. يتمكن حب الله تبارك وتعالى.. ويتأصل ويتجذر.. وتتسع رقعته.. وتستنير به النفس ويستضيء به القلب.. كلما كان اتباع منهج الله بصورة أدق وأكمل.

وعن علي عليه السلام: “حب الله نارٌ لا يمر على شيء إلا احترق، ونور الله لا يطلع على شيء إلا أضاء”. الشيء الذي يمر عليه حب الله فيحرقه هو ما كان مما يضاد حب الله: خبائثُ النفس، حقدُها، حسدُها، جهلها، طيشها، ضلالها، سوؤها، كل ما في النفس من صفات سوء، وكل ما فيها من عوامل انحطاط.. لا يمر عليه حبُ الله إلا وحرقه. أما ما يمر عليه نور الله فيضيئه فهو القلب، الروح، الإرادة، العقل، كل ما في المركب الإنساني مما فيه قابلية الضلال والهدى لا يمر عليه حب الله إلا ونوّره وأضاءه وأحياه.

فيما أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: ” يا داود من أحب حبيباً صدّق قوله، ومن رضي بحبيب رضي فعله، ومن وثق بحبيب اعتمد عليه، ومن اشتاق إلى حبيب جدّ في السير إليه”. هل أنا أحب الله؟ إذا كنت ممن يُصدّق قول الله، من يرضى بفعل الله فيّ، في ولدي، في أهلي، في أمتي.. إذا كنت راضياً بفعل الله، وافق تفكيري الشخصي أو لم يوافق تفكيري الشخصي، لاقى هوى النفس بحسب طبيعتها الذاتية القاصرة أو بحسب أناها أو لم يوافق هوى النفس.. إذا كنت كذلك فأنا أحب الله.

وإذا كانت نفسي لا ترضى بفعل الله، ولا تصدّق قول الله، فحبي حبٌ كاذب! نعم.. والوثوق بالحبيب يقتضي الاعتماد عليه، والشوق إلى الحبيب يأخذ بصاحبه إلى الجد في السير إليه.
فما من نفس تحب الله وهي مدبرة في مواقفها عنه – وهذا واضح جداً وبديهي جداً، وأن من أحب حبيباً كان اتجاهه إليه، وخطاه على الطريق الذي يوصل إليه- ….

وعن الرسول صلى الله عليه وآله: “علامة حب الله تعالى حب ذكر الله، وعلامة بغض الله تعالى بغض ذكر الله عز وجل”. إذا كانت النفس تأنس بالأوتار والألحان وتأنس بالأغاني وتأنس بكل قول حتى إذا جاء ذكر الله ثقل عليها، ونفرت منه فأعوذ بالله منها، فإنها نفسٌ قد بترت علاقتها بالله أو كادت أن تكون.

حب الله في عباده:

حبُ العبد ربَه سبحانه وتعالى له انعكاسٌ اجتماعي، ودورٌ مصلح فاعل، وهو منتجٌ لروحِ المحبة في مجتمع الصالحين، وروحِ العطاء والبذل والتضحية. حب الله عز وجل لإعمار قلب الإنسان، لإعمار روحه، لصناعة ذاته، لإحياء المجتمع الإنساني، وإحداث الترابط الصالح بين كل أعضائه. حب الله يقيم علاقات مودة، وعلاقات احترام، وعلاقات تعاون، يقيم علاقات إيجابية اجتماعية قوية، يعطي مجتمعاً متماسكاً يتعاون على الخير، وتسود أجواءه المحبة والاحترام.

عن الباقر عليه السلام: “سُئل رسول الله صلى الله عليه وآله: أي الأعمال أحب إلى الله تعالى؟ قال: اتباع سرور المسلم. قيل: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما اتباع سرور المسلم؟ قال: شبعة جوعه، وتنفيس كربته، وقضاء دينه”.

حب الله عز وجل، وحب العمل الصالح الذي يحبه سبحانه وتعالى يُحوّلك إلى إنسان اجتماعي صالح فاعل، تبني مجتمعاً قوياً متحاباً متماسكاً. وعنه عليه السلام: “ما عُبد الله بشيء أحب إلى الله من إدخال السرور على المؤمن”،
وعن الصادق عليه السلام: “إن المتحابين في الله يوم القيامة على منابر من نور، قد أضاء نور أجسادهم ونور منابرهم كل شيء حتى يُعرفوا به، فيقال هؤلاء المتحابون في الله”.

وعن الرسول صلى الله عليه وآله: “قال الله تعالى حقّت محبتي للمتحابين فيّ، وحقت محبتي للمتواصلين فيّ”.

وعن علي عليه السلام: “أحبب في الله من يجاهدك على صلاح دين”. إنسانٌ يحرص على أن يقوّم لك دينك، على أن تستكمل دينك من ناحية نظرية أوعملية.. هذا الذي يجاهدك بالإرشاد، بالنصح، بالتسديد، بالتعليم، بالتوجيه، قد تقسو عليك الكلمة منه بعض حين ولكنه لا يريد إلا أن تكون الشخصية الإيمانية القوية، إنه حبيبك ولابد أن تحبه وتخلص له الحب فإنه ما أعطاك أحد ما يعطيك من أصلح لك دينك. “أحبب في الله من يجاهدك على صلاح دين ويكسبك حسن يقين”.

وعن الرسول صلى الله عليه وآله: “وُدّ المؤمنِ للمؤمن في الله من أعظم شُعب الإيمان، ألا ومن أحب في الله وأبغض في الله وأعطى في الله ومنع في الله فهو من أصفياء الله”. وصَفيُ اللهِ إنسانٌ خالصٌ يمثل واحداً من النخبة، يمثل واحداً ممن اختار اللهُ سبحانه وتعالى.

فتجدون من خلال النصوص أن المفاهيم الإسلامية.. والعلاقة بالله.. والأحكام الشرعية.. دائماً لها مردودُها الكبير الإيجابي على صناعة الإنسان في ذاته قوياً، وصناعة مجتمعه قوياً كذلك.
إن الله لغنيٌ عن العالمين. حب العبد لله ماذا يعطي الله؟ يخطر ببالي مثل دائما، أنت لو مررت حبيبي على مليون دجاجة.. أو مليون خنفساء.. أو مليون حشرة من غير الخنفساء.. فوجدت منها تقديراً لك، بحيث استطاع هذا المليون من الحشرات أن يعبر عن تقديرٍ لك، هل تجد أن هذا التقدير يرفع من وزنك؟ أظنك في الكثير لا. أنا وأنت قد نحسّ في تقدير الحشرات بشيء جديد منضافٍ لنا، وإن كان ضئيلاً، لكن تقدير العباد كلهم لله سبحانه وتعالى، حب العباد كلهم لله سبحانه وتعالى، تسبيحهم، تقديسهم، هل يضيف لله أدنى شيء؟ أبداً، الله غني في ذاته، هو سبحانه وتعالى لا يضيف إلى نفسه غنىً جديداً لأنه كامل، الله عز وجل كامل لا يستكمل، لا من داخل ذاته سبحانه وتعالى ولا من خارجها، فالله غني عن أن يحبه أي محب، غني عن عبادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعن عبادة كل النبيين والمرسلين، وإنما هي صناعتنا يا أخي، إنما هو تكميلنا. أن نعبد الله معناه أن نتعلق به، وتعلق الناقص بالكامل يعطيه ويكمله، والمسألة ليست أكثر من ذلك.
اللهم صلي وسلم على محمد وآل محمد واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين ولمن أحسن إلينا منهم بوجه خاص. اللهم اكفنا وإياهم ما نحذر وما لا نحذر من شر الدنيا والآخرة، ولقنا ما نرجو وما لا نرجو من خير الدنيا والآخرة، ولا تجعل لنا أولياء غير من رضيت، ولا فئة غير من هديت يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين.

بسم الله الرحمن الرحيم
(قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد )

الخطبة الثانية

الحمد لله العدل الحكيم، الباقي الوارث، المجزي بالإحسان إحساناً، وبالسيئات عفواً ومغفرة ورضواناً، ماحي السيئات، مضاعف الحسنات، الذي لا تفوته مظلمة مظلوم، ولا ظلم ظالم.
أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا شيء إلا بإذنه، ولا أمر إلا أمره، و لا نهي إلا نهيه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً.

أوصيكم عباد الله ونفسي المخادعة لي بتقوى الله، والتعلق برحمته، والتوكل عليه، والتوسل إليه بطاعته، والرغبة فيما رغّب فيه أولياءه، والحذر مما توعّد به أعداءه، فإن أولياء الله لن تعود حياة أحد من خلقه عليه بما تعود عليهم حياتهم في سبيل الله به من خير، وإن أعداء الله لن يكون لهم مفر من عذاب شديد لا تعرف له الدنيا مثيلا، ولا يقدّم له عذابها صورة مقاربة.

اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا، وما يبعد منك ويقرب إلى أعدائك، الله صل على محمد وآل محمد خاتم الرسل والنبيين، اللهم صل وسلم على الخلفاء الراشدين من بعده: علي بن أبي طالب، و الحسن بن علي الزكي، و الحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، والإمام القائم عجل الله فرجه، اللهم عجل فرج وليك القائم المنتظر، وسهل مخرجه، وانصره نصراً عزيزاً، ومكن له تمكيناً كثيرا، اللهم صل وسلم على فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة.

اللهم عبدك الموالي لوليك القائم، الممهد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمؤمنين و المؤمنات أيدهم وسددهم ووفقهم لمراضيك.

أما بعد أيها الأخوة والأخوات في الإيمان، فالحديث في هذه الموضوعات:
أولاً: المؤتمر الدستوري والدستور،
ثانياً: لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه،
ثالثاً: غداً مساجد المسلمين في يد غيرهم،
رابعاً: فتوى الديمقراطية بشنق الديمقراطية.

أولاً: الدستور و المؤتمر الدستوري:

المؤتمر الدستوري هو مؤتمر مقترحات ومطالبة بتعديل الدستور، مؤتمر معقول وقانوني، ويقع على خط الإصلاح، وهو خطوة مرتقبة من الجمعيات السياسية، والجمعيات السياسية مطالبة جداً بمثل هذه الخطوات. لو ضاقت الديمقراطية واختنق صدرها عن مثل خطوة المؤتمر الدستوري فهي ليست ديمقراطية.

المؤتمر ناقش، ومن حق الآخرين أن يناقشوا، لكن من العيب الظاهر جداً، ومن سوء الأدب، ومن حالة الفوضى، أن يُسبّ ويُجرَّح ويُخوَّن القائمون على المؤتمر لأنهم أقاموا المؤتمر!! المؤتمر لم يتعد وظيفته حين طالب بتعديل الدستور، واقترح تعديلات للدستور، فالمؤتمر والجمعيات السياسية من الشعب، ومن حق الشعب أن يطالب بتعديل الأوضاع.. بتطويرها بأن تكون أوضاعاً تتمشى مع ما أعطاه الميثاق من مكاسب للشعب. حق المطالبة دائماً مفتوح، وحق المناداة بالتطوير والتغيير الإيجابي من المفروض أن يبقى دائماً مفتوحاً على مصراعيه. وقضية طرح الحلول ليس أمراً جائزاً فقط، وإنما هو مطلوب من المواطنين، ويمثل حالة إخلاص للوطن، وحالة فكر متحرك من أجل بناء وضع أكثر تقدماً بهذا الوطن. مطلوب من المواطنين دائماً أن يطالبوا بالتغيير الإيجابي، ومطلوب منهم أن يطرحوا الحلول التي تتفتق عنها عقليتهم الجيّدة.
فنحن لا نستنكر المؤتمر، وإنما نستنكر ردة الفعل على المؤتمر! ردة الفعل السلبية والمتشنجة على المؤتمر.

التعديل للدستور :

الخلاف على الدستور وُجد قبل ولادته فيما أتذكر، فكان خلافٌ على طريقة وضع الدستور، وأنّ وضعَ الدستور يكون من جانب الشعب والحكومة بالتوافق أو يمكن أن يستفرد به الحكم وحده؟ فما كان من رأي الشعب أبداً أن يستفرد الحكم بوضع الدستور، و إنما كان الرأي متجهاً مقتنعاً متيقناً من أن دستوره – إذا وُجد له دستور جديد غير الدستور السابق – فإنما سيولد في ظلٍ من توافق بين الدولة و الشعب. وهذا الخلاف رافق الدستور في كل حياته التي عاشها هذه المدة منذ وُضع لحد الآن 1.

هناك عدد من الإشكالات التفصيلية التي لن نتعرض لها نجدها بالمقارنة بين الدستور وبين الميثاق، ثم بين دستور سنة 2002 ودستور سنة 1973. هذه المفارقات التفصيلية – التي تجعل الدستور الجديد من مستوى أقل مما عليه مستوى الميثاق، ومما عليه مستوى دستور 73 – متروكة في هذا الموقف.

هناك إشكالات:

– إشكال عدم التعاقدية في ظل نظام يرفع شعار الديمقراطية، والتعاقدية من صلب ماهية الديمقراطية. ودستور لا يقوم على التعاقد وإنما استفرد بوضعه الحكم فهو من سنخ الأنظمة الفردية وليس من سنخ الأنظمة الديمقراطية في هذه الخطوة بالذات.

– عدم التوافق مع الميثاق: تفصيلات الميثاق لا تتوافق معها تفصيلات الدستور، سقف الميثاق أرفع من سقف الدستور فيما يقررانه من صلاحيات شعبية، والمفروض أن يأتي الدستور مع السقف الذي يحدد مستوى الميثاق من ناحية الصلاحيات الشعبية.

على أن سقف الميثاق إذا جاء أقل من سقف دستور 73 فهو شيء مؤسف جداً وغير متناسب، ولا يمكن في النظر أن تكون الحكومة أو أن يكون الشعب من قصدِهما – مع سلامة النية عند الحكومة- أن يأتي ميثاق بعد ثلاثين عاماً من الدستور الأول ليتراجع بمستوى شعب البحرين، ويتقهقر بمسيرته، و صلاحيات الشعب في هذه المسيرة.

الخبراء الدستوريون منقسمون على الأقل، للحكومة بعض خبراء، قد يكون واحداً أو اثنين يقولان بموافقة الدستور للميثاق، وهناك خبراء دستوريون من جانب آخر يصرحون بأن الدستور ليس متوافقاً مع الميثاق، وأن أصل وضع الدستور بالطريقة التي كانت لم تكن دستورية ولا متفقة معه.

– أما رأي الشعب فهو واضح جداً من خلال كل القرائن التي حفت عملية التصويت على الميثاق، من وعودٍ مكتوبة ومنطوقة على مستويات عالية جداً، ومن خلال التفسيرات ومن خلال الوعود. فكان الشعب متجهاً في رأيه جداً إلى أن الدستور لن يأتي فيه مثلاً أن تقيد الإرادة الشعبية بإرادة الحكومة، وتكون للحكومة السيطرة التامة على المجلس الوطني من خلال التركيبة الحالية له.

– هناك تخلف واضح جداً جداً وفي مواطن كثير على أكثر من مستوى للدستور الثاني عن الدستور الأول، في حين أن قفزة هائلة قطعت مسافة ثلاثين سنة على المستوى الثقافي.. على المستوى السياسي.. على مستوى الوعي بالحقوق.. على مستوى تقدم إنسان هذا الشعب..على مستوى كثرة الاختصاصات.. على مستوى انتشار الديمقراطية في العالم؛ مما يعطي توقعاً وتناسباً معقولاً جداً بأن يأتي الدستور الثاني متفوقاً بمسافة كبيرة على دستور 73 ، في حين أنه حدثت انتكاسة مروِّعة جداً بأن جاء الدستور الثاني على تخلف شديد عن الدستور الأول، سالباً كثيراً من صلاحيات الشعب تحت قبة المجلس الوطني!!

– هناك تنافٍ تام بين الوظيفة الفعلية للمجلس الاستشاري مع الديمقراطية، حيث أن المجلس الاستشاري بوظيفته الفعلية يمثل مصادرة صارخة جداً للديمقراطية وحق ممارسة الشعب للتعبير عن إرادته عبر نوّابه؛ فإن إرادة النواب في الكثير من المحطات المهمة محكومة لإرادة المجلس الاستشاري.. وبالتالي فهي محكومة لإرادة الحكومة! العملية التي انتهت إلى الوضع في المجلس الوطني، ووضع الدستور الثاني، لم تخرج عن إحكام الهيمنة لإرادة الحكومة على إرادة الشعب بصورة تأخذ عنوان الدستورية والقانونية.

– هناك تهافت واضح جداً في الوظيفة الفعلية للشورى مع نص الميثاق ونص الدستور على كون الشعب مصدر السلطات، كيف يكون الشعب مصدر السلطات وإرادته محكومة لمجلس الشورى المعين في كل مورد من موارد الاختلاف بين النيابي و الاستشاري؟!

الدستور الثاني والتركيبة الفعلية للمجلس الوطني بقبتيه.. في نظري يمثل مصادرة لكل جهود الشعب وتضحياته، ودم شهدائه، وسجنائه ومشرّديه ومعذبيه، مما كان من أجل أن يتحسن الوضع الشعبي وحقوق الشعب، وأن تكون مشاركة فعلية إيجابية مخلصة في رسم مسيرة البلد والتقدم بها.

على كل حال.. المطالبة بدستورٍ يكون مُنصِفاً للشعب، معترفاً بحقوقه، معطياً فرصة كافية للكفاءات الشعبية بأن تسهم بإيجابية وقوة في الدفع بمستوى المسيرة، وبناء وطن الأخلاق والجد والعدل والمساواة والمحبة، هذا كله ليس مطلب مؤسساتٍ محدودة، وإنما مطلب شعب بكامله، ولست أظن أن أحداً من هذا الشعب يعطي صوتاً في وجه الشعب الذي يطالب بالوصول إلى دستور فيه درجة أكبر من الإنصاف، وفيه درجة أكبر من الاعتراف بقيمة الشعب وقدراته وحقوقه.

وأنا لما أتحدث عن الميثاق.. عن دستور 73 .. عن دستور 2002 فإنما أتحدث عن دساتير ومواثيق من صنع الأرض، ودساتير الأرض ومواثيقها في إيماني الأكيد من حيث كوني مسلماً أنها يجب أن تخضع للميثاق الأكبر مع الله، وأن لا تخرج قيد شعرة عن دستور الله.. قرآن الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وآله. وقلبي.. ويدي.. وكلي مع منهج الله، مع الميثاق الأول الأكبر مع الله قبل أن يكون مع أي شيء آخر.

اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، ولوالدينا وأرحامنا، ولمن كان له إحسان خاص إلينا منهم. اللهم ذدنا عن موارد الهلكة ومواطن المعصية، ومزالق السوء وعواقب الخسران، واجعلنا من الدعاة إليك، والقادة إلى سبيلك، والمنتصرين لدينك، وأهل الفوز لديك، يا كريم يا كريم يا رحمن يا رحيم.

(إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 و هذا ما تلقى الشعب فهمه من الميثاق حين تصويته عليه، ومن كل الوعود والتفسيرات التي توقفت استجابته للتصويت الإيجابي عليها.

زر الذهاب إلى الأعلى